الاثنين، 23 ديسمبر، 2013

تحيا الثورة



كانت أشعار شاعرنا الراحل الكريم أحمد فؤاد نجم بل مجرد حضوره فى الحياة بفاجوميته من الأمور التى تحرمها الحكومات المصرية المتعاقبة، كانت أغنياته مع رفيق دربه الشيخ إمام عيسى تصلنا عبر شرائط الكاسيت الرديئة أو من خلال الإذاعات التى أطلقتها الحكومات العربية المناهضة لتوجهات السادات نحو الصلح مع العدو الصهيونى، ولكم فرحنا عندما قام يوسف شاهين بوضع أغنية نجم وإمام (مصر يا أمه يا بهية) فى فيلمه (العصفور) فى أيام السادات، ولسنوات من عصر مبارك كانت شرائط نجم وإمام ودواوين الفاجومى (إن وجدت) تعد من أهم أحراز القضايا السياسية.

شخصيًّا حصلت على قصائد نجم المطبوعة فى بيروت بطريقة تدعو الآن للضحك، قام شقيقى الذى كان يعمل فى الكويت بشراء مجموعة أعمال نجم، وقام بتمزيقها إلى صفحات، وكل صفحة يجعلها لفافة لهدية بسيطة يرسلها مع كل عائد من البلد الخليجى، الذى لم يكن يجرم أشعار نجم، وهكذا تجمعت لدىّ أعمال الفاجومى على مدار شهر!

ثم جاءت الثورة التى كانت أشعار نجم تنادى بها، فإذا برئيس وزراء مصر ينعى نجم، وإذا بجنازته تضم عددًا من أهم الوزراء والمسؤولين، وإذا بالفضائيات الحكومية والخاصة والجرائد والمجلات تحتفى برحيله، وتعيد إليه جزءًا من تكريم يستحقه.

هل بعد هذه المفارقة من حق بعضهم تكفير الشعب بالثورة بطريقة (هو إحنا عملنا حاجة؟ هى دى ثورة؟).

وتكملة لتلك المفارقات التى تبين للمنصف أن ثورتنا قد أنجزت تغيرًا لا يستهان على كل الأصعدة، لا سيما الصعيد الإعلامى أذكر أننى كنتُ قبل ثورة يناير، مشرفًا على الطبعة الثانية لإحدى الجرائد. كنت أمارس عملى المعتاد عندما بثت القناة الأولى للتليفزيون الحكومى خبرًا عن انقلاب عربة من قطار حربى، أخذت الخبر بنصه دون حذف أو إضافة ووضعته على الصفحة، بعد دقائق جاءنى اتصال غامض من رجل غاضب يأمرنى بعدم نشر الخبر (هكذا دون تسمية للخبر)، ظننتُ أن الاتصال مداعبة سخيفة من تلك المداعبات التى يلجأ إليها الصحفيون الساهرون لمواجهة ملل السهرة، فرددتُ عليه بكلام من ذلك الذى يتبادله الزملاء، لم يتجاوب الغامض الغاضب مع ردى، وضاق صدره وصاح: «ليس من حقك التجاوز معى، وعليك أن ترفع الخبر الآن من على الصفحة، ولا تدعى أنك لا تعرف عن أى خبر أتحدث، ولكى لا تكون لديك حجة فأنا أكلمك عن خبر القطار الحربى»، قلت له: «لقد بث تليفزيون الحكومة الخبر، وأنا أخذته عنه». سب الغامض الغاضب التليفزيون ثم أغلق خط الاتصال فى وجهى.

بعد قليل وقبل أن أستوعب هذا الذى يجرى جاءنى اتصال غاضب أيضًا من رئيس التحرير، يبلغنى فيه أن أحدهم قد هاتفه شاكيًّا من عدم تعاونى ورغبتى فى الجدال فى ما لا طائل منه، ختم رئيس التحرير اتصاله بأن أوصانى بعدم الإشارة من قريب أو بعيد إلى خبر القطار.

الأمر الآن واضح لا لبس فيه، الغامض الغاضب يعرف جدول سهرات الجريدة، ويعرف توزيع الأخبار على الصفحات، بل ويعرف أين يجلس مسؤول الطبعة، لأنه اتصل بى على هاتف المكتب وليس على هاتفى المحمول!

رفعتُ الخبر الذى لم تكن به أى معلومات أو تفاصيل تمس الجيش من قريب أو بعيد، كنت مقهورًا وغاضبًا، لكنه قهر وغضب العاجز، وكانت الدولة البوليسية القامعة تقف فوق رأسى تملى علىّ ما يجب نشره وما يجب تجاهله، كان كل الذين يرطنون بشعار (أزهى عصور الديمقراطية) يتقافزون مثل القردة فوق مكتبى.

ثم جاءت ثورتنا العظيمة فأصبح بفضلها وبفضل دماء شبابها من حق كل واحد منا مناقشة ميزانية الجيش، وأصبح الاعتراض على أى قرار أيًّا كانت جهة إصداره أمرًا طبيعيًّا لا يستدعى مكالمات غامضة من الرجل الغامض.

سنحب ثورتنا ونفخر بها، وأبدًا لن نندم على أى تضحية، وأبدًا لن نخجل من أشرف وأطهر وأعظم أيام حياتنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 11 ديسمبر 2013

لينك المقال بموقع التحرير:

الخميس، 12 ديسمبر، 2013

أبو مصعب الإخوانى




عاش أحمد فضيل الخلالية (نعرفه بلقب أبى مصعب الزرقاوى)، طفولته وبواكير شبابه فى حى أردنى شعبى مكتظ بالسكان، وعلى مقربة من بيته توجد مقبرة ستصبح ساحة لعبه مع أقرانه، وفيها عرف الأشرار والأخيار، ولم يكن أمامه إلا حماية نفسه بساعديه، فعرف عنه أنه أحد قبضايات الحى، واصل الزرقاوى الدراسة حتى الصف الثانى الثانوى، ولكنه لم يكمل تعليمه.

عندما غادر الزرقاوى مقاعد الدراسة تلقفه المنتمون إلى جماعات متأسلمة لا تجمع على شىء مقدار إجماعها على تحريض الشباب على القتال.

هاجر أبو مصعب إلى أفغانستان، وشارك فى القتال ضد السوفييت، وكان ذلك فى أواخر ثمانينيات القرن الماضى، وعندما عاد إلى بلده التقى أبا محمد المقدسى الذى يحرض الآن كل التيارات السلفية على التحالف مع عصابة حسن البنا المصرية.

هذا المقدسى كان مؤلفا لكتب شهيرة «ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين»، وهو مكرس لفكرة التوحيد لله وتكفير كل من يحكم بغير الشريعة الإسلامية، و«الكواشف الجلية فى كفر الدولة السعودية».

أسس الزرقاوى مع المقدسى تنظيم «جماعة التوحيد» وهو واحد من التنظيمات التكفيرية التى وقعت فى أيدى الأمن الأردنى الذى أحال التنظيم إلى القضاء.

عندما جاء وقت المحاكمة ترافع أبو مصعب عن نفسه، لم يلجأ إلى الدفاع، بل بادر بالهجوم وقف أمام قاضيه وصرخ «أيها القاضى بغير ما أنزل الله تعلم أن خلاصة دعوتنا متمثلة بقوله تعالى: ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت»، فالقضية ليست قنابل وسلاح وإنما هى قضية دعوة، توحيد ودين، أيها القاضى بغير ما أنزل الله إذا عرفت هذا وظهر لك الكفر البواح والشرك الصراح واتخاذ غير الله مشرعا، عرفتم أن كل من قبل بهذا قد اتخذ المشرعين أربابا من دون الله، يشركهم مع الله فى عبادته.

بعد مضى نحو ٦ سنوات على سجنه غادر أبو مصعب المعتقل فى مارس 1999 نتيجة عفو ملكى أصدره الملك الشاب عبد الله الثانى مزيحا عن كاهله إرث خصومات والده الملك الراحل، «هل يذّكرنا هذا بالعفو الذى أصدره مرسى بحق الإرهابيين؟».

غادر الزرقاوى المعتقل ليعود مجددا إلى أفغانستان ساقطا فى أحضان تنظيم القاعدة. المضحك فى الأمر هو أن الزرقاوى لم يكن معجبا بالقاعدة لأنه كان يراه تنظيما رخوا ليس متشددا كما ينبغى!!

وعندما بدأت الحرب الأمريكية على أفغانستان كانت منطقة هيرات التى بها معسكر الزرقاوى تضم سكانا من الشيعة قاموا بالسيطرة على المدينة وأسر مجموعة من رفاق الزرقاوى، ومن هنا بدأت عداوة الزرقاوى للشيعة، تلك العداوة التى تحكمت فى نفسيته، فجعلته عندما أقام بالعراق لا يحارب الأمريكان الذين احتلوا بغداد، بل يحارب بكل شراسة الشيعة، فقد جعلهم هدفا يسدد إليهم ضرباته، فأرسل سيارة مفخخة يقودها والد زوجته لتغتال محمد باقر الحكيم القائد الشيعى المعروف، ثم توالت عمليات الزرقاوى ضد الشيعة إلى أن وضع هو بنفسه النقاط على الحروف، وقال فى رسالة وجهها إلى الأمة الإسلامية: «يخطئ من يظن أن الشيعة من الإسلام وينبغى أن تعلمى أمة الإسلام أن التشيع دين لا يلتقى مع الإسلام إلا كما يلتقى اليهود مع النصارى تحت اسم أهل الكتاب». وبعد هذا الجزم بكفر الشيعة عامة، يحملهم الزرقاوى كل مصيبة وقعت فى دار الإسلام، فهم عنده من جلبوا التتار إلى بلاد الإسلام كما أنهم حلفاء اليهود والنصارى.

العجيب أن المقدسى الذى أغرى الزرقاوى بسفك الدماء أرسل إليه فجأة رسالة حملت عنوان «الزرقاوى مناصرة ومناصحة». نصح المقدسى الزرقاوى بعدم استهداف غير المقاتلين من أبناء العراق حتى لو كانوا كفارا أو من النصارى، كما نصحه بوجوب التحرز من سفك دماء المسلمين، ولو كانوا فجارا أو عصاة (أرجوك تذّكر موقف مدعى السلفية الذين ساندوا المعزول وطالبوه بأن يغضب، ثم لما حانت ساعة المواجهة بين جماهير الشعب وبين المعزول إذا بهم ينكرون كل ما قالوه بل ينكرون).

وبعد هذا الاستعراض السريع لسيرة الزرقاوى هل اقتنعت قارئ الكريم بأنه لا فرق بين الإخوانى والزرقاوى؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 28 نوفمبر 2013
لينك المقال بموقع التحرير:

الخميس، 5 ديسمبر، 2013

مكتبة نجم



قابلتُ الفاجومى شاعرنا الراحل الكريم أحمد فؤاد نجم (رحمه الله) لأول مرة فى بداية التسعينيات، كان عائدا للتو من تغريبة كبرى استغرقت سنوات من عمره، كنت سأسأله أولا عن صبره على الغربة وهو المعجون بتراب هذا الوطن، لكن غرفته، المسماة مجازا ببيته فى حوش قدم، جعلتنى أكتم سؤالى لأتفرغ لمراقبة شارع نبتت له غرفة، ناس تدخل وناس تخرج ونسوة يبحثن عن أطفالهن المختبئين تحت سرير نجم. كان نجم يتعامل مع كل هذا الضجيج بأريحية منقطعة النظير، إنه لا يشكو بل لا يتأفف بل لا تظهر على صفحة وجهه أدنى بادرة ضيق من هذا الاقتحام الذى يبدو مثل سيل لا ينقطع.

بالنسبة إلى أحد معقدى الطبقة الوسطى مثلى كان الموقف غريبا جدا: «مَنْ هؤلاء يا عم نجم؟».

رد ببساطة لا تخلو من نبرة سخرية: هؤلاء هم الشعب سعادتك.

إجابته جعلت ورم الطبقة الوسطى يتمدد بداخلى: وهل من حق الشعب أن يفرض نفسه على حجرة واحد منه؟

ضحك ثم قال: إذا كان هذا الواحد بنى آدم مثلك فليس من حق الشعب اقتحام غرفته، ولكن إذا كان هذا الواحد شاعر مثلى فليس من حقه أن ينعزل عن شعبه، وعليه أن يقبل بل يحب بل يتعلم من شعبه بهبله وعبله كما قال فؤاد حداد.

بساطة إجابته وتلقائيتها تقطع بأنه يؤمن بما يقول، هو يرى نفسه شاعر الشعب الذى يتعلم من الشعب لا من النظريات ولا من المؤتمرات ولا من الندوات ولا من الكتب، آه الكتب، ترى أين هى فى غرفته المستباحة؟ لا أثر لمكتبة ولا لكتاب ولا حتى جريدة أو مجلة.

الأمر يبدو مدهشا، الرجل لا يمتلك كتابا واحدا، ولكنه يبدو مثل بحر تنام الكنوز فى جوفه مطمئنة ولا تصحو سوى بإشارة يرسلها مخه إلى لسانه، فينطق بحكم العرب وبأشعارهم وبحكاياتهم وبأساطيرهم فى استشهادات عميقة لا تخطئ حق موضعها من الكلام، إنه يكاد يحفظ ديوان المتنبى، ويعلن من خلال حديثه افتتانه بقصائد المتصوفين، ولا يأتى على ذكر عمر بن الفارض إلا مسبوقا بلقب سيدنا، ثم هو يغمض عينيه وينشد مطولات بيرم التونسى وبديع خيرى كأنه يقص أعظم قصص السحر والفتنة.

كيف لهذا الرجل المبعثر على قارعة الطرقات والأزمنة، العصى على كل أنواع الترويض والقولبة أن يحتفظ بكل هذه الكنوز دون كتاب يرجع إليه؟

كأنه قرأ على وجهى علامات الاستفهام حول تكوينه الثقافى الذى يبدو حاضرا وبقوة رغم غياب الكتب، قال: عمك فؤاد حداد قال: «إن الثقافة كتب وناس» وأنا قرأت ما شاء الله لى أن أقرأ، فنان الكاريكاتير العظيم حجازى هو الذى حببنى فى القراءة وكان يرشدنى إلى أهم الكتب، وهو الذى عرفنى على شعر بيرم التونسى، فكنت إن أحببت كتابا لا أتركه حتى أنتهى منه ثم لا أحتفظ به، أهديه لمن يحب اقتناء الكتب، أما الناس، وهم عندى هذا الشعب العبقرى فوجودهم فى حياتى لا غنى عنه، الشعب عندى كأنه الأكسجين، لا حياة لى دونه، هو يعلمنى لوجه الله، ومن ناحيتى فأنا موهوب فى احترام علوم الشعب، بداية من أغانى وحكايات أمى ونهاية بكلام الشوارع الملىء بروح الشعر.

- يعنى يا عم أحمد أليس هناك ولو كتاب واحد تضن به على الإهداء؟

يرد ضاحكا: لو احتفظت النحلة بعسلها لماتت مختنقة بشهده، أنا وجماعة من صعاليك العرب مثل النحل نطوف على أزهار الدنيا ثم نقدم إليكم عسلنا نحن، كل ما تعلمته من الحياة ومن الشوارع ومن السجون ومن المطاردات ومن الكتب قدمته فى قصائدى بنكهتى الخاصة.

واصل كلامه وقد عاد إليه مرحه المعتاد: لقد أحببت نفسى عندما تأكدت أننى فاجومى، هكذا ولدت وهكذا أعيش وهكذا سأموت، لن أحزن على سنوات شباب التهمتها الزنازين، ولن أندم على مواقف دفعت ثمنها من عمرى، كل ما أرجوه أن أكون جاهزا دائما لتلبية نداء معلمى الوحيد، الشعب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 5 ديسمبر 2013