الخميس، 27 يونيو، 2013

ترانيم فى ظل تمارا .. كوارث افتقاد الأنثى


 

 
كانت أمينة تضحك ، قبل أن يحدث ما حدث .
كانت الخضرة تشاكس عينىّ أمينة ، قبل أن يحدث ما حدث .
كانت أمينة شابة حلوة ، قبل أن يحدث ما حدث .
ما هذا الذى حدث حتى أصبحت أمينة عجوزاً  صامتة تشكو من كل شيء ولا ترتدى إلا الأسود ثم بعد جهد تقلع عن الأسود فترتدى الرمادى ؟
إنها الآن لا تسبح إلا بمسبحة عدد حباتها مائة حبة، ثم تحضر دروس الدين لدى (شيخة) ثم تكره الكلاب لأنها نجسة، ثم تحب القطط لأنها ترتل قراءات دينية غامضة  والهدهد لأنه صاحب للنبى سليمان وحشرة فرس النبى لأن النبى ركبها فى رحلة الإسراء، ثم تصبح علاقاتها بكل شيء قائمة على المنفعة فتحب الاشجار المثمرة أما الياسمين فتسميه: "الهباب الياسمين !!".
الحقيقة أن الذى حدث كبير وخطير ومؤلم وموجع.
 
***
 
تزوجت أمينة من كاتب متحقق ضاحك هو محمد عفيفى الذى كان ذات ليلة مشغولاً بأمر من الأمور بينما كانت أمينة تقرأ وفجأة صاحت تستدعيه وعندما جاء إليها خطفت يده بكل دلال الأنثى ووضعتها على نقطة من  بطنها قائلة  فى فرح بالغ: "حاسس بيه؟ بيلعب! والنبى بيلعب".
كان هذا اللاعب فى أحشاء أمينة ابنهما البكر إبراهيم.
ويا ابراهيم كيف تحولت من جنين يلعب إلى زمن من الحزن السرمدى؟
كبر ابراهيم وله ابتسامتان، واحدة من زمن طفولته الأول والثانية من زمن فتوته العسكرية، ثم ذهب ابراهيم مع الآلاف الذين ذهبوا لملاقاة العدو على جبهة الخامس من يونيو من العام 1967 ومثل الآلاف هُزم ابراهيم، ثم جاء من أقصى سيناء رجل يجرى  قص القصة على محمد عفيفى، قال القاص: " ما حنا نصنا مفقودين يا بيه، حد عارف حد من حد؟ دى القنبلة من دول تنزل على اللورى باللى فيه تخليهم فحمة سودة".
هل تفحم ابراهيم صاحب البسمتين؟
محمد عفيفى يتمنى لو كان بكريه قد تفحم لأن التفحم أهون من الموت عاريا فى صحراء عارية وليس ثمة شيء إلا الوحوش التى تنهش جثامين الموتى.
 
***
 
هل عرفت الأم أمينة ذات العينين الخضراوين شيئا عن تفحم ابنها؟
ليتها عرفت، لقد قالوا لها الجملة اللعينة: "ابنك مفقود".
لا تحدث أماً  ابنها مفقود عن فوائد الصبر وجدوى الانتظار.
لقد اتخذت الأم قرارها وانسحبت من الحياة، من كل الحياة مكتفية بأن تحدق فى صورتين سجلتا  ابتسامتىّ إبراهيم ثم تنسج بلوفرا من الصوف سترسل به للابن الثانى حمادة الذى يقيم فى ولاية أمريكية تعجز أمينة عن نطق اسمها بشكل صحيح.
 
***
 
من هذه النقطة المركزية يبدأ محمد عفيفى (سرديته) الرائعة (ترانيم فى ظل تمارا)
لا تبحث عن أماكن (السردية) فهى ليست اكثر من حديقة بيت الكاتب وغرفة نومه وصالة البيت وتلك الطرقة التى تؤدى إلى المطبخ وأربع درجات من السلم المؤدى إلى الحديقة، سيبذل الكاتب جهداً شاقاً لكى يهبط درجات السلم الأربع!!
لا تبحث عن زمن ( السردية ) إنه زمن افتقاد الأنثى وافتقاد الابن الذى قالوا إنه مفقود وافتقاد وطن تم تدمير طائراته وهى رابضة على الأرض، لا شيء فى السردية يدلنا على زمانها سوى إشارة سريعة إلى أن أمينة قد أشترت (دكر بط) بجنيه واحد . نحن فى زمن ما بعد قاصمة الظهر (الخامس من يونيو) حيث الزمن ثابت لا يتحرك، لا أغنية تدل على الزمن ولا فيلم ولا مسرحية ولا كتاب ولا خطاب سياسى، هو زمن الفقد فحسب.
لا تبحث عن أبطال ( السردية ) هنا فقط محمد عفيفى وزوجه أمينة وابتسامتىّ إبراهيم، ورسالة من حمادة يخطئ فيها فى صياغة المثنى، وجمعة الذى يحرس شونة أسمنت لمقاول بناء ويرعى شئون  حديقة عفيفى،  وزوج جمعة التى لا نعرف اسمها، تلك التى يموت أطفالها فى المهد، وشحاتة ابن جمعة الذى بكى كثيراً  كأنه أسطوانة بكاء مشروخة ثم مات كأخوته فى مهده.
لا تبحث عن حوار (السردية) كل الحوار جمل متفرقات  بين عفيفى وجمعة وبين عفيفى وأمينة ثم لن تجد سوى الصمت!!!
 
***
 
والحال هذه، ماذا يصنع عفيفى؟
ليس أمامه سوى حلين، السقوط فى الجنون أو السقوط فى الكآبة.
لكن الفنان القادر الذى اعتاد السير فى (سكة اللى يروح مايرجعش) وهى سكة الفن الحقيقى، يشق لنفسه درباً يقيه من الجنون والاكتئاب، صنع لنفسه جلسة دائمة ومختارة فى ظل تمارا.
تمارا هو اسم التدليل لشجرة (تمر حنة) تلك الشجرة التى وصفها شيخنا الكريم علاء الديب مرة بأنها (الشجرة اللعوب) هى شجرة كأنثى متدللة لا تبوح بسحر عطرها إلا مع المساء!!
فى ظل تمارا يجلس عفيفى يراقب فراشة بيضاء، يطيب له أن يتخيل أنها ذات الفراشة التى زارته أمس وأول أمس وستزروه غداً، و ستزوره دائماً!!
الجلسة المنفردة المتوحدة لا تجعله يجتر الماضى أو يخاف من المستقبل، إنه فقط يحادث أشجار حديقته ويقيم حواراً ليس هناك أعمق منه مع النخلة الرشيقة الحمراء التى يطلق عليها اسم (ريتا) ومع شجرة الليمون التى يطلق عليها اسم (زهيرة) ومع الضفدع الذى يطلق عليه اسم (ضفدوع) ومع قطته (مونى) ومع كلب جمعة (فيدو)!!
هل جن الرجل حتى يصادق الأشجار؟
أم تراه يعوض افتقاده للأنثى أمينة التى كانت ضاحكة وكانت عيناها خضراوين  قبل أن يحدث ما حدث؟
عفيفى الجالس دائماً على الكرسى القش الأصفر وأمامه منضدة عتيقة  تحمل كوب الشاى الخزفى البنى الذى كُسرت أذنه، فحمد الله على ذهابها لكى لا تظهر ارتعاشة يده وهو يمسك الكوب بأصابعه، الآن سيمسك الكوب بجماع يده مخفياً ارتعاشة الشيخوخة، ومفكراً فى ماهية الشجر.
ما الشجرة؟ هل هى الأوراق التى تجف ثم تتساقط مع الخريف؟ هل هى الأغصان التى تتكسر؟ هل هى الثمار التى يقطفها الحصاد؟
الشجرة هى الأنثى (روح الحياة وسرها الدائم) فإن كانت أنثى البشر قد غابت فى دهاليز حزنها السرمدى على ابنيها المفقود منهما والمهاجر فلا مناص من البحث عن أنثى الشجر!!
 
***
 
يصل خطاب من حمادة المهاجر الذى كان طفلاً الثغ يخطئ دائما فى صيغة المثنى، مرفق مع الخطاب بطاقة سفر لأحد الأبوين، تحت وطأة فرحها بتواصل حمادة معها تصاب أمينة بـ (دوخة) دائمة، وكأن عفيفى تنقصه المصائب، يكاد قلقه على أمينة التى كان يدللها فيما مضى بـ (أمونة) يفتك به، حتى يصحو بداخله كلام طبيب نفسى قال له يوماً: "مبالغتك فى القلق عليها تعكس رغبتك فى موتها".!!
قبل سفر أمينة انتهز الكلب (فيدو) غيابها عن البيت لساعات ودخل الحديقة المحرمة عليه، حالة من التواطؤ تقوم بين عفيفى وفيدو، يعتذر له عفيفى عن قسوة رفض أمينة لوجوده فى حياة الأسرة، يهز الكلب ذيله شاكراً طيبة مشاعر عفيفى نحوه، ولذا يغادر الحديقة قبيل عودة أمينة من الخارج.
فى صبيحة اليوم التالى على زيارة فيدو لعفيفى يطلق أحدهم النار على رأس فيدو، يحزن عفيفى لمصرع فيدو كذا يحزن صاحبه جمعة، ويبلغ حزن جمعة مبلغا يقول عنه عفيفى بأنه كان حزنا يفوق حزن جمعة على ابنه الراحل شحاتة.
ثم يصاب عفيفى بنكبة جديدة عندما يقتلع مقاول البناء النخلة ريتا من جذورها لكى تفسح مكانا يسمح بدخول قلاب الزلط والرمل والأسمنت إلى داخل الشونة.
ثم تسافر أمينة إلى أمريكا لكى تحظى بلقاء ابنها حمادة، وفى ليلة سفرها يعود الشيخ إلى طفولته، حيث لا يستطيع القيام بشئونه، تتسع غرفة النوم كأنها صحراء مهجورة، يصمت المطبخ حيث لا (حلل  تفور فوق الموقد ولا روائح للطبيخ).
ليس سوى القطة مونى التى يبثها عفيفى أحزانه ويشاركها فى تأملاته، ولكن مونى فى هدوء وكبرياء تثاءبت وماتت وحدها على البساط النبيتى العتيق.
ثم تتنزل الملائكة مثل كورال يزف مونى الصغيرة الطاهرة، ويقرر عفيفى أن ينهى سرديته بالنوم بعد أن يرشف الرشفة الأخيرة من الكوب الخزفى البنى لكى لا يتورط فى مهاترة مع صوت يأتيه من بعيد.
 
_____________________________
منشور فى مجلة الثقافة الجديدة عدد يونيو 2013
 

هناك تعليقان (2):

  1. هوا أنا الحقيقة استمتعت لدرجة إني ما اتمنتش تخلص !

    يبدو أن أمينة كانت تربطه بالأشياء برحيلها / سفرها ماتت جميع الأشياء، لدرجة أن النوم والسُكر حل للخلاص هنا .. كويس إنه ما انتحرش يعني :) ده لو ما اطلعتش انا مافهمتش وهو انتحر فعلا
    وأنا بهرتل وبس القصة جميلة برضون :)

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك أستاذة نهى على اهتمامك ومشاركتك
      فعلا أمينة كانت ترسم له حدود عالمه سواء بحضورها أو بتجسيدها فى أشياء أخرى وبغيابها تهاوت ملامح ذلك العالم بموت الشجرة وغيره حينها بات الموت والحياة سواء

      حذف