الثلاثاء، 12 مارس، 2002

مصباح قطب

                                         


 
لا أحب "الاقتصاد" ربما لأنه مرتبط عندي بالفلوس وأنا مفلس أبد الدهر وربما لذلك الارتباك الذي يصيبني إذا وجدتني أمام أرقام أكبر وأقسى من أن أتعامل معها.
 
ومع كرهي المتأصل لهذا "الاقتصاد" أحببتك يا عم مصباح قطب.
 
يبدو الأمر متناقضًا كيف أحب من كرس نفسه وقلمه للكتابة في علم أكرهه؟
 
لا تناقض هناك،  فقلمك البارع وقلبك الطيب كانا يقودان كتاباتك إلى الاقتصاد الذي هو انعكاس لحال البلاد والعباد لا إلى هذه الأرقام التي أكد لنا واقع الحال أنها كذوب كذوب كذوب.
 
وبعد أن أزال "ود" قلمك الجفوة التي قامت بيني وبين هذا العلم رحت أتأمل أسلوبك، رأيتك يا صديقنا الغالي تكتب وكأنك مصور سينمائى محترف وفنان ومرهف وصادق، مصور لا يعتمد على عدسة واحدة، بل هناك عدسات كثيرة ترصد بلقطة بارعة وسريعة كل جوانب المشهد، هذا التكثيف البليغ لم يخل أبداً بالمعنى الذي تريد بسطه بين يدي قارئك.
 
والآن لا أدري كيف "كثفت" حالتك هذا التكثيف المزعج الذي لم نعتده منك.. بمرضك أنت تقول لنا إياكم والشرف، فهذا الوطن يعاقب الشرفاء، يغريهم بحبه حتى ينفذ إلى نخاع عظامهم وعندما يتيقن من مكانته في قلوبهم يتركهم للعراء.
 
جميلنا الغالي مصباح.. لو كنت رضيت بالدنيئة في دينك ووطنك وقلمك.. لو كنت أغمضت عينيك ولو نصف إغماضة عما يجري.. لو كنت تربحت مثلما تربحوا.. لو كنت ارتشيت مثلما ارتشوا.. لو قلت مثلهم جميعًا وأنا مالي؟
 
لكنت الآن معافي صباحاً تجالس سفاحا وظهرا تحادث قاتلا وليلا تسامر مجرما. والحجة جاهزة: "هؤلاء رجال أعمال وطني" ولكنك مثل كل محب وهبت نفسك للمحبوب وما كان أكثرنا سوداوية يظن أن المحب سيأخذ كبدك ويعطيك مناشدات لأهل البر والتقوي فاعلي الخير.
 
مرضك يا أيها العم النظيف الجميل رسالة تحذير لكل الشرفاء تقول كلماتها.. لن ينفعكم شرفكم في وطن قرر بيعكم على قارعة الطريق جزاء محبتكم له وحرصكم عليه.
 
ستغادر بإذنه تعالى مرضك سالماً وساعتها سأجبرك على كتابة قصيدة هجاء في هذا الوطن الذي يعاقب الأطهار ويحتضن الأوساخ.
 
_________________
الصدى - 12 مارس 2002

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق