الثلاثاء، 28 نوفمبر، 1995

صادق شرشر وقصائد لها طعم السيجارة فى البرد




مستترين تحت جناح «الحداثة» وملثمين بغبار «الحساسية» دخلوا «المعمل» وضعوا قليلاً من ماغنيسيوم أدونيس + هيدروكلوريك خليل حاوى + أكسيد عفيفى مطر + نتريك رامبو ليخرجوا علينا شاهرين فى وجوهنا قصائد بيضاء من «غير شعر» إن «سولت» لنا أنفسنا قراءة بعضها تلوثت أيدينا بأحماضها .

 وفى خلفية هذا المشهد الشعرى الفقير كان صادق شرشر يراقب جمعهم البائس مخاصماً معاملهم «داخلا» إلى ذاته يجالس مواجعها ويقرأ أفراحها النادرة ويصغى مزهوًا لأصداء أصوات شعراء يتعلم من تجاربهم، وعندما رضى شرشر عن قصائده دفع بها إلى سلسلة الكتاب الأول التى تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة لتلمس أيدينا - أخيراً - مجموعة شعرية تنتمى لذات صاحبها وليس لمعامل الشعر المعلب من منطقة البساطة تنطلق قصائد صادق شرشر، هذه البساطة التى تعتمد «الفرد» ومشاهداته وتجاربه موضوعاً للشعر..

 ولعل أوضح الأمثلة على بساطة الشاعر تتجلى فى قصيدة «العميان»، فموضوع القصيدة ليس أكثر من وصف لجلسة مكفوفين على أحد المقاهى، ولكن الشاعر استطاع أن يحول هذه الجلسة إلى مشهد شعرى زاخر بالدلالات التى تنطلق من «ذات الفرد» لتمثل ضمير «الجميع» من خلال رصد دواخل المكفوفين وتصرفاتهم بمزاج مصرى رائق يجنح كالعادة إلى السخرية من هذا العالم الظالم المظلم.

«الليل نهار والنهار ضلمة
تلات عميان على سهوة قعدوا فى آخر دكة
آخر ركن.. آخر خن فى القهوة ".

ثم يسجل الشاعر تصرفاتهم الساخرة «زعق الكوماندا اللى فيهم: تلاتة قرفة.. تلاتة شيشة وطاولة»!!
ولم يقف الأمر على «طلب الطاولة» فما يلبث أحدهم أن يصرخ فى وجه القهوجى «الفيلم مش عربى حول لنا على الكورة.. اضبط لنا الإريال واعدل لنا الصورة»، هذه السخرية المصرية «ستقلب مواجع» الشاعر فيفر إلى داخله ويصرخ «كام قمر فى السكة مش طالعين..
 
 وكام إيدين نخت فى الفراق؟! فاكر أول قلم علم. وأول عشق.. وأول بوسة طبعاً.. ومش فاكر.. غير إنى ماشى.. وسايب.. تلاتة قاعدين شايفهم.. ويشايفنى.. ومش شايفين».

بهذه البساطة التى تخلو تماماً من الاستسهال والمباشرة يستفيد الشاعر من الموروث الشعبى الذى يصور المحب عاشقاً لتراب أقدام المحبوبة فعندما يكتب الشاعر عن لحظة حبه يقفز إلى خارج الدائرة المألوفة ويتتبع رحلة حبات التراب التى علقت بحذاء حبيبته يقول فى قصيدة «البعد الثالث» «كل اللى فاكره.. إنى ماشى مسحور.. وجوايا ضوء رقيق.. ورغبة فى فعل الخير.. وزعت على الشحاتين اللى كانوا نايمين على الكوبرى.. حوالى 12.25 اللى كانوا معايا»
 ويترك لنا الشاعر ساحة تخيل تفاصيل هذا المشهد خالية من أي حضور له لينطلق هو وراء تراب حذائها «شىء واحد كان بيتملكنى.. هو التفكير فى القوى الغامضة اللي جمعتنا.. وحبات التراب الصغيرة اللي اتعلقت فى جزمتها.. زمانها وقعت في شوارع تانية.. أو على الأقل.. فضلت تناضل لحد ما نزلت من فوق الرصيف.. حبات التراب اللي قدرت توصل معاها الأوتيل.. وتركب الأسانسير وتعمل علامة فوق الموكيت.. وهي بتفتح الأودة» نحن والحبيبة خارج المشهد تماماً والعلاقة الآن بين حبات التراب والشاعر أنه يأسى لها «الحبات الرقيقة شوهتها عجلات الهوم سرفيس.. ونظرات الاستنكار من المدير المسئول عن الدور الـ 15 وغرفة 1505.. علامة فوق السجادة كانت نتيجة مشاوير عظيمة.. استمرت 4 ساعات من الحب المتواصل.. والمشي البطىء داخل حدود الغبار».
إنه نهر البساطة الصافي الذي يتيح للشاعر الغوص حتى يشتبك وطين القرار بحيث تبوح الأشياء بأسرارها.. ولذا فليس غريباً أن يكتشف أنك عندما «تغني لنفسك.. أغنية ليها علاقة بالحياة ولو من بعيد.. أن صوتك بقى أجمل.. وبعنف أكبر من حجم الكوارث.. هتقفل الراديو» بعد أن تكون قد حصلت على «أغنية لها طعم السيجارة في البرد».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى جريدة الأحرار - 28 نوفمبر 1995

الأحد، 26 نوفمبر، 1995

بقع قلب عبدالمنعم الباز -- سآوى إلى بلد يعصمنى من الفول







عندما يصحو الولد من نوم الظهيرة يجد الأب قد استبدل الجزء الأخير من معاشه. ويرى الأم قد رهنت الرنين الأخير لخلخالها. ويلمح أخته "تكوم" ملابسها فى حقيبتها لتلحق بأول طائرة تقلها لعريسها النفطى العجوز. يحصى الولد ما فات من عمره فيؤلمه أنه يعيش فى "المنطقة الضيقة الحرجة" ما بين الثلاثين والأربعين يفتح الراديو فيأتيه صوت قارئ النشرة الإخبارية "غلبت الروس فى أقصى الأرض وساد اليهود أدنى الأرض" يفتش الولد دهاليز ذاكرته باحثاً عن تاريخ آخر فرصة رطبت صحراء قلبه، فلا يظفر سوى بأفراح ممرورة كذوب.. تداعبه ذكري بنات الجامعة ذوات الصوت المبحوح من الهتاف فى المظاهرات.. يضيق الآن كل الكون.. ويعلن الخراب اكتمال حضوره وتمام سيطرته.. يلبس الولد الذى هو الآن فوق الثلاثين وتحت الأربعين "بنطلونه" الجينز وقميصه الواسع ويدس يديه فى جيوبه "ويشوط" طوب الأرض. وفجأة ينفجر بركان المرارة داخله.. وتتقلص ملامحه ومن بين أسنانه يقول: ما الذى يبقينى فى هذا البلد وقد أصبح غابة من صبار ترعى فيه جيوش اليأس.. لا مفر.. "الآن سآوى إلى بلد يعصمنى من الفول" وما كان الولد يعرف أن غيره يسمعه لذا فاجأه صوت الأولاد وهم يصيحون به "لا عاصم اليوم من البنك الدولى والأسطول السادس. ولن تعود بدر ولا فيتنام ولا حتى أفغانستان".

من منطقة "المرارة" هذه كتب عبدالمنعم الباز ثلاثا وعشرين قصة هى ما تحتويه مجموعته بقع القلب.. ناثراً فيها بقع قلبه وقلب الأولاد والبنات الذين هم فوق الثلاثين وتحت الأربعين.. يكتب الباز معتمداً على لغة مكثفة تكشف عما يعرفه تماماً ويؤلمه تماماً ويريد قوله تماماً مبتعداً عن خلق بطل "هو بالفعل غير موجود" لاجئاً إلى تراث من المرارة يبدأ باحتراق جمال حمدان ولا ينتهى بالبنت "سوسن" التي يكتب عنها "حين تميل فتاة ما برأسها إلي اليمين وهى تضع يدها فى خصرها، سأتذكر سوسن حين تختلط الدهشة واللامبالاة فى عينين خضراوين سأتذكر سوسن وحين أتبادل حديثاً عادياً جداً مع فتاة وأمسك فجأة فمى كى لا أقول لها "أحبك" سأتذكر سوسن.. سوسن يا إحباط القلب الرابع، أستطيع أن أصنع بعض الضوضاء وأنسى".

يتجول الباز بلغته البسيطة الشفافة فى حياة الأولاد راصداً "زمتة ظهيرتهم" وصداع آخر الليل.. جيوبهم الخاوية.. وحبيباتهم اللاتى تغضن بين عشية وضحاها.. وهو فى تجواله لا ينسى أنه كاتب قصة.. فلم تأخذه أبداً شهوة الكتابة.. فلا إطالة ولا ترهل.. هناك فقط جمل حادة تحوى ما فى القلب من وجع.. والباز خلال مجموعته يواصل رحلة البحث عن لغة لا تخص سواه تليق بكابوس هزيمة الروس وسيادة اليهود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الملايين - 26 نوفمبر 1995