الثلاثاء، 13 يونيو، 2000

هم


 


باسمهم نذهب مرة إلي اليسار ومرة إلي اليمين ومرة إلى الوسط.

باسمهم نناقش ثم نتشاجر ثم نتقاتل. باسمهم نصدر الجرائد ونكتب الروايات ونصور الأفلام ونعرض المسرحيات.

باسمهم تعقد المحاكمات وتنصب المشانق وتصوب البنادق. باسمهم تجرى الانتخابات وينعقد البرلمان ويعين الوزراء وتعلن حالة الطوارئ.

باسمهم تجتمع اللجان وتنفض اللجان وتوضع الخطط الخمسية والعشرية والمئوية والألفية. باسمهم تؤسس الأحزاب وتخرج المظاهرات وتحتشد العساكر. باسمهم تشتعل الحرائق وتنشب المعارك وتذيع الإذاعة ويبث التليفزيون. باسمهم يذهب عقلاء إلى "الخانكة" ويذهب مجانين إلى منصة التتويج. باسمهم تخطف الطائرات وتحفر الشوارع وتردم الشوارع وتبنى العمارات وتنهار العمارات. باسمهم يسمح بالاستيراد ويمنع التصدير وتفرض الضرائب وتنهب البنوك. باسمهم يخطب الشيخ ويعظ القسيس ويقتل الحاخام. باسمهم يصبح الاستثناء قاعدة والقاعدة استثناء ويسجن البريء ويمشي المجرم في الأرض مرحًا. باسمهم تنظم القصائد وتؤلف الأناشيد وتعزف الموسيقات وتلحن الأغاني. باسمهم نصنع كل شيء وأي شيء، لأنهم فوقنا وتحتنا وعن يميننا وعن شمالنا وبين أيدينا ومن خلفنا ومن أمامنا، باختصار نحن محاصرون بهم.

أما أولئك الذين باسمهم "نرتكب حياتنا" فيا "عيني عليهم" قبل الساعة السادسة صباحًا يستيقظون يلملمون أجسادهم التي أرهقتها "مُلة" السرير المتهالكة يشربون شايًا أسود ويدخنون سيجارتىّ كليوباترا ثم يلقون بأنفسهم في جحيم الشارع بحثًا عن ثمن الدروس الخصوصية للولد الذي في الثانوية العامة أو بحثًا عن قسط بوتاجاز "مصانع تلاتة شعلة" للبنت التي قرأ ابن الجيران فاتحتها. أبدًا لم تشغلهم ولو لطرفة عين كل معاركنا. وإن حدثت المصادفة السعيدة وسمعوا بنا فعلى الفور سيطردوننا مع أنفاس الشيشة التي يتحاورون معها في قيظ الثانية ظهرًا. هم على صواب في موقفهم منا لأنهم لا يشاهدون سوى مسلسلات السابعة ولا يستمعون إلا إلي مبارايات الكرة وقد يمضي عمرهم بدون الذهاب إلى المسرح أو السينما، أما جرائدنا ومجلاتنا وكتبنا ورواياتنا وقصائدنا فهم لم يسمعوا عنها شيئاً ولن يسمعوا عنها شيئاً لأنهم ببساطة أميون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة القاهرة ــ 13 يونيو 2000