الخميس، 27 يونيو، 1996

عبدالحليم .. عبقرية الحياة والرحيل

/ 


كان حزينًا رقيقًا ونحيلاً وعبقريًا.. لا يبذل مجهودًا ليقنعنا بصدقه.. يكفيه فقط أن يفتح فمه ويلقي علينا آهاته لتخرج قلوبنا من صدورنا وتكون في شرف استقبالها.. منذ ولد في 21/6/1929 وهو يغني كما لم يغن أحد من قبل.. فهو ليس مطرب الملوك ولا أمير المطربين ولا طاووس الغناء, إنه عبدالحليم حافظ وفقط.. يعتصر موهبته ليؤرخ لكل قصص الحب لم تكن هناك قصة إلا وهو شاهدها من أول "لمسة يد " إلى لحظة الفراق المر.. لم نفتقده أبدًا, ففي أيام الانتصار هو في قلب الساحة تزين أغانيه "كوشة الوطن" وفي أيام الانكسار يحمل صوته الرقيق عبء التبشير بأن "بلدنا بتحب موال النهار" ضابطًا "رادار قلبه" على موجات أشواقنا وأمانينا مترجمًا للغامض من أحاسيسنا ومنتصرًا لنا دائمًا.. لم يكن يعنيه كثيرًا "الغناء المعلب" فسافر صوته صوب الجنوب معتمدًا على كلمات الأبنودي وموسيقى بليغ لتبدأ مرحلة جديدة في فن الغناء العربي يلعب عبدالحليم فيها دور البطولة ناقلاً لنا زغاريد قلوب الأمهات في أفراح أولادهن.. ومواجع الصعيدي الذي دائماً ما يعلن توبته ولكن "ترميه المقادير".

ورغم مرضه المتوحش كانت ثمة بهجة تنطلق من أغانيه لتغسل القلب وتشفيه من جروحه.. ولأنه عبقري فقد اختار موعدًا مبكرًا للرحيل لكي لا يتورط في الغناء لأشياء كان ضدها ورحل مثلما ولد نظيفًا مؤمنًا أن الآهة من القلب مخرجها.. لا من الحنجرة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى جريدة الأحرار - 27 يونيو 1996

الخميس، 13 يونيو، 1996

صلاح أبو سيف .. المقامر




له ملامح هادئة وحديث رصين وحضور أبوي حميم عندما يطل علينا من شاشة التليفزيون نظنه مؤرخًا أو أستاذًا جامعيًا يبحث قضية كونية تستلزم الحذر في التناول والدقة في العرض, وهذا ما يحيرنا في هذا الرجل الهادئ الذي يستيقظ مبكرًا "جدًا" في الخامسة صباحًا ويذهب إلى قلب العاصمة حيث يتناول قهوته ويجالس "المبكرين" من أصحابه.. خلف الكاميرا له حضور مختلف تمامًا, فهو الفنان المجرب المغامر بل قل المقامر.. إنه يتصدى لأعقد القضايا ويحولها إلى شريط من الفن المصفى, هل ننسى تشنجات وجه "نفيسة" في بداية ونهاية؟ هل ننسى "عنوسة" ملامحها وهذا الأسى الذي يسكن عينيها؟..

 إنه صلاح أبو سيف ابن العمدة الذي جرفته دوامة النداهة "السينما", فسافر إلى عاصمة الفن الأولى باريس وهناك شاهد وتعلم وعاد إلينا متعلمًا أدق فنون السينما ليتدفق علينا بروائعه حافرًا اسمه بجوار أسماء عظماء الفن السابع وكاتبًا من جديد لتاريخ الواقعية السينمائية.. كلنا مازال يذكر تحفته الخالدة "القاهرة 30" وكيف قامر فأسند دورين مهمين لشابين كانا في بدايتهما أعني حمدي أحمد وعبدالعزيز مكيوي ليسجل هذا الفيلم مولد نجمين, سيواصل أحدهما العطاء ويغيب الثاني لأسباب لا ندركها..

 ثم من جعل السندريللا سعاد حسني ترتدي ثوب الفلاحات وتتحدث بلهجتهن سوى صلاح أبو سيف في عمله الرائع "الزوجة الثانية" وتمضي رحلة إبداعه غزيرة متدفقة وهو على طول الخط ينحاز للجمال والحرية والعدل.. لا يتشنج ولا يتعصب بل فقط يعلم الجميع كيف يكون الإنسان عظيمًا ومتواضعًا وبسيطًا مثل زرقة السماء وخضرة الشجر.

ويا أستاذنا صلاح لك وعليك السلام ولك العافية والإبداع دائمًا وهيا انتصر على مرضك وعد إلينا لتكتب لنا مجددًا "بداية" الفرح وأول النجاح.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الصورة من اليمين المخرج صلاح أبوسيف مع أحد أصدقائه
نشرت فى جريدة الأحرار - 13 يونيو 1996