الأربعاء، 26 أغسطس 2026

رؤية نفسية لأبطال محمود السعدني


 قبل ربع قرن نشرت أخبار اليوم كتاب " ملاعيب الولد الشقي " لمحمود السعدني ، جئت به ممنيًا نفسي بمتعة سبق لي تذوقها مع كتابات السعدني  ، ولكن خاب ظني فنفرت من الكتاب ، لأني وجدته قائمًا على سرد "مقالب "صنعها السعدني لحشد من الناس.

المقلب بطبيعته هو سخرية حادة تصل لدرجة إيذاء الضحية، وذلك سلوك أنفر منه ولا أرى فيه فنًا يستحق عناء كتابته.

نفوري من المقالب جعلني لا أشغل نفسي بضياع نسختي من الكتاب ، ثم حدث أن أجبرتني ظروف العمل على البحث عن معلومة انفرد السعدني بذكرها في كتابه فقمت بشراء نسخة حديثة  صادرة من دار الشروق ، راجعت المعلومة ثم وجدتني أعيد قراءة الكتاب بعين جديدة ، فرأيتني قد ظلمت السعدني لأن رسالة كتابه كانت تحتاج لنضج لم أكن أتمتع به .

كتاب السعدني في عمقه هو كتاب متفرد عن النرجسيين الذين يرون أنفسهم فوق كل شيء ، بل لا يرون هذا الشيء الذي هم فوقه لأنهم لا يرون سوى ذواتهم .

ولكي تتضح رسالة الكتاب ، أنقل ـ بتصرف يسير ـ عن المحلل النفسي الدكتور يحيي موسى شرحه لرؤية النرجسي لذاته ، يقول يحيي : كل إنسان لديه ذات ولديه صورة عن ذاته ، إلا المصاب بأعلى درجات النرجسية ، فهو لا يمتلك ذاتًا ، لقد دفن النرجسي ذاته التي ولد بها ، لأنه يشعر بعار ما وبخزي ما ، ولأن حياته لن تستمر بدون ذات ، فهو يلجأ إلى خلق ذاته التي يرضى هو عنها ، ثم بعد قليل تصبح هذه الصورة التي خلقها هو هى ذاته الفعلية التي فصلها تفصيلًا بوحي من خياله الجامح ، ومع الأيام ترسخ صورة الذات التي خلقها ، فيؤمن النرجسي أن الصورة هي ذاته ، فيبدأ في التعامل مع المحيطين به بوصفه أحسن وأعظم وأجمل منهم جميعًا ، ثم سرعان ما يؤمن بأنه الأحسن والأعظم والأجمل ، ولا يعد يرى المحيطين أصلًا ، ويوم يتعطف عليهم بنظرة ، فهو ينظر إليهم بوصفهم مجرد دمى يلهو بها حينًا ثم متى شاء كسرها ، وهو يؤمن أن حتمًا سيجد غيرها ، تمده بأسباب العظمة التي يعيشها بيقين تام وبقلب مطمئن ، وهؤلاء لعنة من لعنات الزمن ، لأنهم ببساطة من مصاصي الدماء يعيشون على امتصاص مشاعر وعواطف ومحبة واهتمام الآخرين ، ثم يصيبهم الملل فيبحثون عن ضحية جديدة ولا يشبعون أبدًا ولا يشكرون أبدًا ، ثم لا يكفون عن الشكوى لأن الدنيا لا تعطيهم مقابل عبقريتهم التي يؤمنون بها كل الإيمان .

انتهى نقلي عن الدكتور يحيي.

أبطال كتاب السعدني ضربهم هذا النوع من النرجسية ، فراحوا يسلكون في الحياة مسلك العظماء وهم على حقيقتهم من صعاليك البشرية ولا يتمتعون بأدنى قدر من العظمة التي يفرضونها على الناس فرضًا .

كتب السعدني حوادث كتابه بصراحة عجيبة ، فهو يقول إن فلانًا الشهير جدًا قد صنعت معه المقلب الفلاني ، وبعض تلك المقالب كادت أن ترسل بالسعدني إلى وراء الشمس كما يقولون .

ورغم صراحة السعدني التي أعتمدها في كل كتابه فإن فصلًا واحدًا رمز فيه لبطل الواقعة بالأحرف ، وهو ما لم يصنعه في بقية الكتاب !

" أ . ن . ح " بطل مقلب السعدني كان يؤمن أنه قصاص عظيم وخطير ، وذلك في زمن سطوح نجم  يحيي حقي ويوسف إدريس وغيرهما من أكابر كتاب القصة القصيرة ، وتلكم أولى علامات النرجسية ، ذهب السيد " أ . ن . ح " إلى الأديب الشهير يوسف السباعي، وقدم إليه مجموعته القصصية التي تحمل عنوان " في سبيل الحياة ".

 لا نعرف هل طالعها السباعي أم لا ، قام السباعي بتقديم المجموعة للسعدني لكي يكتب لها مقدمة .

قرأ السعدني المجموعة فجن جنونه ، لقد كانت القصة الأولى تبدأ هكذا :" يا رجال الفضيلة إن زوجتي بالحديقة .. إنها بالحديقة ".

وكانت بداية القصة الثانية تقول:" يا بوليس الآداب إن زوجتي بالحديقة.. إنها بالحديقة ".

مع مطلع كل قصة كان الكاتب يأتي بهيئة جديدة، لكي يخبرنا أن زوجته بالحديقة، فهو ينادي الأزهر الشريف وبقية مؤسسات الدولة لكي يقول:" إن زوجته بالحديقة.. إنها بالحديقة ".

ترى هل قرأ هذا الرجل شيئًا من فن القصة؟

يقينًا لم يقرأ شيئًا ، فما حاجته للقراءة ومتاعبها وهو قاص عظيم مبتكر ، إنها صورة الذات التي خلقها هو بيديه .

ثم هل شعر للحظة إن هناك منافسين أقوياء مثل يوسف إدريس مثلًا؟

يقينًا لم يشعر بوجود يوسف إدريس، إنه لا يرى سوى ذاته التي يريد فرضها من خلال نشر إبداعاته على بني البشر.

ولأني قد عرفت السعدني في حياته ، فسأقدم لك وصفًا لحالته عندما يعتزم ارتكاب مقلب .

يبتسم السعدني ابتسامة خفيفة ، ثم يتحدث كأنه لم يعرف المزاح قط ، يصبح جادًا جدًا في غير افتعال ، وتلك الحالة من التقمص تجعل الضحية يسلم بأنه أمام معجب مفتون !.

أمسك السعدني قلمًا وكتب مقدمة جاء فيها :" هذا كاتب متقدم على الفصيلة الأولى ، مندفع نحو الشفق ، مضروب على قفاه ".

ظاهر أشد الظهور أن هذا الكلام هو هجاء لا مدح فيه، ولكن هل النرجسي سيرى هذا الهجاء؟

لا يا صاحبي النرجسي مبرأ من كل خطيئة، فكيف لك أن تهجوه؟

النرجسي لا يخطئ أبدًا، فأنت إن شتمته فهو لن يسمعك، لأنه هناك فوق السحاب، ثم لا أنت ولا غيرك تجرؤ على شتيمته، فأنت دائمًا تقصد غيره.

لم يتوقف السعدني بعد مقدمته هذه الهجائية لقد كتب عشر صفحات من تلك النوعية جاء فيها :" إن الكاتب هو المترامي في اللانهائي المتوازي مع الإردوازية المصنوعة من عجين أصفر شفاف ".

ثم ختم السعدني مقدمته كاتبًا :" وهذا الكاتب ينبغي تكريمه برجمه بكتل الذهب والفضة ، ليكون عبرة للآخرين ، حتى لا يفكر ، أحد مثله في الكتابة .. لأن هذا النوع من الكتابات الساحرة يمكن أن ينقلب سحرها ، فيقتل قارئها وبائعها وحاملها وطابعها ، مع أن الزمن لو أنصف وعدل لكان القتل من نصيب كاتبها .. فهذا هو الجزاء الوحيد لمن يرتفع بفنه إلى عنان السماء فيكون له المسير والمصير والعصير أيضًا ".

جاء الكاتب السيد " أ. ن . ح " وأخذ المقدمة من السعدني وفرح بها أشد الفرح !

غضب السعدني من نفسه لأنه رأى فشله في السخرية من الكاتب ، ثم بعد أيام كان السعدني سائرًا في الشارع فسمع صيحات باعة الصحف : اقرأ كتاب في سبيل الحياة تقديم الكاتب الكبير محمود الصعيدي .

كان السعدني قد وقع باسم مستعار لكي ينجو من الكاتب عندما يكتشف سخريته منه ، ذهب السعدني حاملًا غضبه إلى الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي يقول عنه السعدني إنه كان على علاقة مباشرة بنصف الشعب المصري ، وقص عليه حكاية المقدمة التي جلبت الشهرة لكاتب تافه لا يعرف من الكتابة شيئًا ، قام الشناوي بالاتصال بمعارفه الكثيرين وأوصاهم بشراء نسخة من كتاب " في سبيل الحياة " اتصالات الشناوي أسهمت في نفاد الطبعة الأولى في خلال أيام قلائل !.

ثم كان أن أحدهم كشف للكاتب النرجسي مقلب مقدمة السعدني ، النرجسي لأنه تافه جدًا لا يمكن أن يرى عيوبه ولا أن يرى سخرية الناس منه ، ولكن بتدخل أحدهم هذا ، غضب الكاتب وذهب إلى روز اليوسف لكي يقف وقفة مع السعدني الذي جعله مسخًا ، هنا تدخل الكاتب الراحل حسن عثمان زميل السعدني ،
 وقال للكاتب : هون عليك لقد حدث خطأ فني فذهبت مقدمة محمود الصعيدي إلى كتابك وذهبت مقدمة كتابك لكاتب آخر .

فورًا أقتنع النرجسي التافه بهذا التبرير المضحك ، فما كان من السعدني إلا أن بارك له نجاح كتابه وتعهد بأن يكتب مقدمات جديدة لإبداعه القادم !.

وعلى هذا المنوال يمضي كتاب السعدني كاشفًا عن أمراض النرجسيين الذين يريدون فرض عظمتهم المتخيلة فرضًا، وللأسف ينجحون في الفوز بفرص ما كان لهم أن يفوزوا بها أبدًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات / الاثنين 13 مايو 2019

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام (4) والأخيرة


 

في آخر خطاب عثرنا عليه، يكتب أبي الحاج عبد الرحيم لابنه بهجات: "ماذا عليك لو تكتب جواب بالفلاحي وتسلم فيه على أعمامك عبد الوهاب وكامل وسامي وأحمد محمد وكل من اشترك معك في مناقشة في قهوة عمك مصطفى، مثل أعمامك عبد الحفيظ على وعبد البديع أحمد ومصطفى وعلى محمد، وحبذا لو قلت سلامي إلى عمي عبد التواب الزهري الراجل الجاد وضروري من سلامك الخاص على عبد الحكيم سلامه لأنه الأكثر إيماناً بالمنظمة.

أنا مهتم بأشجارك التي غرستها وتعبت فيها فهي عزيزة على، وضروري من السلام على الأسطى حمدان لأنه تفضل مشكوراً بري أشجارك".

هنا لي أنا وقفة للتعليق، فقد غرس أعضاء منظمة الشباب بقيادة أبي الحاج بهجات أشجارًا معمرة في شوارع التمساحية، خاصة حول وابور المياه العذبة الذي أقامته ثورة يوليو في أول الستينيات بالقرية وكذا حول الوحدة الصحية، كان وابور المياه يخدم ثلاث قرى، التمساحية وبوق والمنشاة الصغرى، وكانت الوحدة الصحية تقدم خدماتها المجانية للقرى ذاتها!

كيف كان يشرب أهالي التمساحية قبل وابور الثورة؟

من الآبار وكانت قليلة جدًا أو من الطلمبات وكانت نادرة أو من الترع، نعم من الترع!

أما عن الرعاية الصحية فلم تكن تعتمد سوى على الوصفات الشعبية أو مجهود فلان وفلان من الحلاقين، أصحاب المال فقط، وكانوا أقلية لا تذكر هم الذين كان باستطاعتهم الذهاب إلى الأطباء هذا كان حال معظم القرى المصرية قبل ثورة يوليو، ثم يأتي من يتحدث عن أن ثورة يوليو قد حرمت جموع المصريين من خدمات الحلاق الإيطالي والجرسون الفرنسي والسائق اليوناني الذين كانوا يعملون في خدمة الشعب المصري!

مضت السنون وجرى اقتلاع معظم الأشجار، وبقيت شجرة زنزلخت وحيدة كنا نعرفها باسم شجرة الحاج بهجات بجوار وابور المياه، ثم جرت في النهر المياه التي نعرفها، وسافر الحاج بهجات إلى اليمن الشقيق معارًا للتدريس في مدارسها، وكان ذلك في أول الثمانينات، وجرى اقتلاع الشجرة الوحيدة المتبقية من مشروع كامل، وعندما عرف بالخبر الأليم بعث لي برسالة وكنت طالبًا في الثانوية، بقي في ذاكرتي منها قوله الغاضب: "كيف لم تقاتل من أجل شجرتي!".

يضيف الوالد خطابه: "أحوال المنظمة عال: وستبقى وتكبر وتعظم وسيذهب (الذين في قلوبهم مرض) إلى الجحيم".

هذه الفقرة توقفت أمامها بوعي رجل في الستين، حتى منظمة الشباب التي كانت الظهير السياسي والشعبي لرجل بحجم عبد الناصر كانت تواجهها العوائق والعراقيل، من هؤلاء الذين وصفهم الوالد بالذين في قلوبهم مرض، هل هم بقايا الأقطاع أم الذين يحبون الاستعمار لوجه الشيطان أم دراويش أسرة محمد علي أم تراه كان يقصد الذين قال عنهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس".

يختم الوالد خطابه كاتبًا: "بعد سفرك مباشرة ضيق (فلان) الخناق على الأعضاء من حتى كاد أغلبهم يكفر لولا بقية من أمل (أفتكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، يا أخي إن منظمة الشباب لو كانت بالإلزام كما في بعض الأعمال لملها الناس ولفر منها الشباب، لكن حياتها في الاقتناع وشعارها كقول الله تعالى "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". صدق الله وكتبه ورسله.

في ختام رسالته وضع الوالد بفطرته الإنسانية ولا أقول السياسية الملح على الجرح، إنه يرى بعين البصيرة المضيئة آفة المجتمع العربي لا المصري، وهى أن يستبد فرد أو جماعة بمشروع عظيم، أن يظن أحدهم أنه بمفرده يستطيع فعل كل شيء وإنجاز أي شيء، في تلك اللحظة البائسة التعسة يبدأ انهيار المشروع بانصراف الجموع عنه، كان الوالد يرى أن فكرة منظمة الشباب تتجاوز الإطار السياسي، إنها فكرة الالتفاف حول أهداف الثورة الكبرى والدفاع عنها والتبشير بها والهبوط بها من سماء النظرية إلى أرض الواقع، لكن (فلان) الذي كان يضيق الخناق على الناس لن يعرف جرمه إلا بعد انفضاض الناس عن الفكرة وتركها وحيدة تتلاعب بها رياح المصالح والأهواء.

رحم الله أبي وجيله من الذين أخلصوا لحلمهم الجمعي، وعرفوا أن النجاة الفردية هي ضرب من الأوهام فلا نجاة لفرد في قارب يغرق.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الثلاثاء،11 أغسطس 2026م.

الأحد، 2 أغسطس 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام ( 3 )

 


كنت أحيانًا أتسأل عن دور ثورة يوليو في حياة أبي وجيله، وكانت وساوس الشيطان تتلاعب بي، أحدهم قال لي مرة: "عبد الناصر سحّر لهذا الشعب!".

ولأني ـ بفضل الله ـ من الكافرين بالسحر والسحرة وكل ألاعيب الشعوذة، فلم أرد على محدثي ورتلت في سري: "عسى ربي أن يهدني سواء السبيل".

وقد فتحت لي الخطابات بابًا من أبواب اليقين، حقًا كان لا مفر من ثورة يوليو، وجاءت الثورة لتنقذ أمة عظيمة من اليأس قبل أن تنقذها من الجوع والمرض والحفاء.

في الخطابات لا أجد أدنى شكوى من صعوبة الحالة المادية، أو من الخوف من المستقبل، بل أجد حماسًا وأملًا، يجعل أبي يتخير ألفاظ خطابه إلى ابنه فيقول له في الخطاب الثاني، وهو للأسف غير مؤرخ: "لكم كان بودي أن ينوب قدمي عن قلمي وبناني عن بياني، ولكن هي مشاغل الحياة وعوائق الزمن.. أضرع إلى الله أن تصلك كلماتي هذه وأنت متوج بالصحة والرفاهية.. كل ما يقلقني في الحياة أن يصلك خطابي وأنت متأهب لأداء فريضة الجمعة: صل يا بني واشكر الله على نعمائه على ما أولاك به من رعاية وحدب

 

ولدي العزيز: كن رجلاً عاقلاً متزناً صريحاً شجاعاً في كل أمورك.. وصيتي: عش مع الواقع دائماً وأبداً، ولاتكن من الذين يعيشون في الأوهام والخيالات".

 

ما زلنا في مطلع الستينيات، وأبي يعول قبيلة من أولاده الذين يتلقون تعليمهم النظامي، ومع ذلك يكتب لولده في خطاب مؤرخ بـ 24 نوفمبر من العام 1961: "إن شاء الله تجدني ملبيًا لجميع طلباتك ورغباتك أما عن الرحلة وغيرها فأنت حر في كل تصرفاتك وأني وأشهد الله، قد أوكلت أمرك لضميرك الحي وشعورك الحساس فثق بنفسك وكن معتدًا برأيك، أما عن مسألة الفلوس والعيش فهذه أمور تافهة إن شاء الله لا تستدعي تفكيرك فيها بمشيئة الله سأصل عندك.. أنا والزميل عبد البديع يوم الاثنين القادم وسأنفذ جميع طلباتك، سير إلى الأمام وكن مستقيماً وصل لله واشكر نعمائه".

سر هذا الاطمئنان، هو في قرارات الثورة التي دعمت أبي الموظف بالابتدائية الذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون راتبه قد تجاوز سقف العشرة جنيهات شهريًا، لقد قامت الثورة بخفض الرسوم ثم خفض الإيجارات ثم فتحت المجال العام أمام طبقة كاملة لكي تنهض وتعمل، قرارات الثورة جعلت طالبًا في مدرسة المعلمين يقدم على القيام برحلة إلى قاهرة المعز قادمًا من أسيوط، تلك لعمري كانت مغامرة، ثم الأب يبارك الرحلة ويدعمها ويدعو ولده إلى عدم الانشغال بأمور الفلوس!

مضت السنون ونحن الآن في الرابع من مارس من العام 1967، وفي ذلك العام وقبيل أشهر من كارثة يونيو كان أبي الحاج بهجات في الثانية والعشرين من عمره، وكان منخرطًا بهمة في الشأن العام وعضوًا بارزا في منظمة الشباب الاشتراكي، وكانت الظهير الشبابي بل الشعبي لعبد الناصر (التمساحية البعيدة جدًا كانت في قلب هذا الحراك!).

الوالد من أسيوط يكتب لولده الذي سافر ليحضر اجتماعًا للمنظمة عقد في مدينة حلوان جنوب القاهرة في العاشر من مارس من العام 1967: "لماذا تأخرت على بالمراسلة للآن، رجائي رسالة تحتوي على الآتي:

رحلتك مفصلة من قيام التاكسي بك حتى وصولك إلى المعسكر وكل ما صادفته ومعاملة سائق التاكسي معكم.

وكلامي وليست نصيحتي أو وصيتي، ألا تقبل على عملك أقبال المنوط به بل أقدم عليه برضاً وحب وإيمان وتفان وإخلاص وأظنك من الفاعلين لأنه حلمنا الذي كنا نعيشه من أجيال.

سأعرض عليك الآن منظرًا سريعًا في ثوان من فصل من فصول مسرحية الحياة الطويلة..

هذا المنظر لا أحكيه لك وأقول يا ولدي في غابر الأيام كان وكان و....... كلا، فقد لا تصدق ولكنك ابن الثورة بل سأجعلك تحكيه لنفسك لأنك بطله 

الزمان السبت الموافق 4 مارس 1967م درجوا اسمك في البلد ضمن خمسين شخصًا يمثلون القرية.

كلامي انتهى وإليك نصيحتي ووصيتي:

أولاً: الصلاة ثم الصلاة فهي الدرع والوقاية والصبر والنشاط والحب والطاعة والأدب والالتزام وصدق المنفلوطي (إن لم تكن الصلاة أفضل العبادات لكانت أحسن العبادات).

ثانياً: التسامح والبساطة وعدم التكلف حتى في الكلام ومطمئن عليك في هذه الناحية

ثالثاً: التعرف على الآخرين كل الآخرين داخل المعسكر وخارجه ما وسعك ذلك.

وصيتي انتهت.

من الواضح أن أعمال معسكر منظمة الشباب الاشتراكي قد تواصلت حتى وصلنا إلى الثاني من مايو من العام 1967 وفيه يكتب الوالد لولده: "هل سمعت أضواء المدينة البارحة وما أدخله عليها جلال معوض من التجديد حين آمن بإنسانيته ورسالته هو وكل من اشترك معه.

قلتَ في خطابك الأخير إن عدد الدارسين بالمعهد 251 دارساً فهل تعرفت على الكثير منهم.

صل من أجلك وأجلنا ومن أجل الإنسانية إن كنت مؤمنًا بإنسانيتك وزر أولياء الله لأن دعواتك ستكون مجابة بإذن الله وخاصة إذا دعوت لنا وحبذا لو تيسرت لك زيارة آل بيت الرسول صل الله عليه وسلم والصالحين وفضيلة مولانا السيد محمد أبو العيون.

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله..

منشور بجريدة صوت الأمة الجمعة، 31 يوليو 2026.