الأربعاء، 21 يناير 2026

محمد فريد ... محامي الشعب


 

عجيب جدًا بطلنا العظيم محمد فريد، الرجل ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، أبوه هو أحمد باشا فريد من أكابر الدولة المصرية، كان يمتلك ـ كما أخبرنا الكاتب صبري أبو المجد ـ ألف ومائتي فدان، له وقصرًا فى شارع شبرا مساحته خمسة أفدنة من أراضي البناء، وعمارتين بشارع الظاهر.

وأم محمد فريد كانت من هوانم زمانها ، وعائلته تنحدر من أصول تركية ووجه فريد نفسه كان مدورًا مثل قرص الشهد ، كما سيصفه صلاح جاهين.

رجل بهذه المواصفات ما الذي يجعله يترك ليونة الحرير ويذهب طائعًا مختارًا وبكامل إرادته إلى جحيم مقاومة المحتل وطغيان الحاكم المحلي؟.

ليس سوى نداء الحرية، بعضهم يستنكف أن يكون ملكًا متوجًا على عالم من العبيد، وعلى رأس هؤلاء البعض يقف شامخًا محمد فريد.

ولد فريد في 20 يناير 1868 في القاهرة ولفظ أنفاسه الأخيرة في 15 نوفمبر 1919 في برلين ، ونحن ندعو الدولة المصرية للاحتفال بمرور مئة عام على رحيل هذا المجاهد العظيم .

سجل فريد تفوقًا واضحًا في مجال التعليم وحاز على شهادة الحقوق في بدايات شبابه، وكان منذ أول عهده بالدنيا واثقًا بحتمية مواجهته للطغيان في أي شكل كان، صاحب زعيم الوطنية مصطفى كامل وشاركه في تأسيس حزب الوطنية " الحزب الوطني ".

العمل

رجل في ثراء فريد ، لم يكن يحتاج لأي عمل ، ولكن فريد من هؤلاء الذين لا يشعرون باكتمال رجولتهم إلا بالسعى الجاد نحو قمم الرقي ، وكان العلم والعمل هما الطريقان الوحيدان نحو القمم التي ينشدونها .

في بداية عمله ، تولى فريد وظيفة مُترجِم بقلم قضايا الدائرة السنيّة، ولم يطل به البقاء في تلك الوظيفة رغم أنه حصل على ترقية بعد عام واحد من توليه الوظيفة ، في العام 1892 انتدبَ في نِيابة محكمة مصر الابتدائيّة، ثمّ في نيابة الأزبكيّة، ورُقِّي لمنصب وكيل نيابة، ثمّ أصبحَ وكيلاً بنيابة الاستئناف سنة 1895.

ثم ترك العمل الحكومي وكان أيامها غاية المراد، وتفرغ للمحاماة فاستحق عن جدارة لقب محامي الشعب.

خلال رحلة العمل هذه ستتسع دوائر معارف فريد وسيحتك بطوائف الشعب، وهو الأمر الذي مكنه فيما بعد من تأسيس تنظيمه الوطني الكبير الذي سيكون النواة الصلبة لكل التنظيمات الثورية التي ستعمل على تحرير الوطن من المحتل الغاصب.

في العام 1888 تزوج فريد ورزق بولدين وأربع بنات، ستكون منهن فريدة التي سنقف عندها في قادم السطور.

حمل الأمانة

في العام 1908 توفي الزعيم مصطفى كامل وهو في ريعان شبابه ، كامل لم يكن كغيره من دعاة مقاومة الاحتلال ، لقد كان أبرز اسم وطني عرفته البلاد بعد عرابي باشا ، وموته المباغت هز الوطن من أدناه إلى أقصاه ، فمن سيقوم مقام الزعيم ، ومن يجرؤ على حمل الأمانة وتحمل المسئولية ؟

ليس سوى فريد بحضوره وإخلاصه وعقله المنظم الراجح .

أصبح فريد زعيمًا للحزب الوطني فقفز به سنوات إلى الأمام .

كان فريد ابن الباشوات يعرف حجم كارثة الأمية التي تنخر في عظام الوطن فبدأ في محوها على نفقته الخاصة، لقد أنشأ أربع مدارس ليلية لمحو الأمية في القاهرة، ثم تكاثرت المدارس حتى لم تبق محافظة إلا وبها أكثر من مدرسة.

معلمو المدارس كانوا من أبناء الحزب الوطني، وكانوا يعملون بدون مقابل مادي ، مقابلهم هو مساندة زعيمهم في محو أمية الشعب ، كان المعلمون محامين وأطباء ومهندسين ، يقتطع الواحد منهم الساعتين والثلاث ساعات من وقته الثمين لكي يعلم الشعب .

النقابة الأولى والمظاهرة الأولى

عندما رسخت أقدام مدارس فريد، تركها لمعلميها، وراح يلهب حماس الشعب بسلاسل من المقالات الملتهبة المحرضة على الاحتلال وعلى الحاكم المحلي عباس حلمي الثاني.

ثم رأى فريد أن المدارس والمقالات لن تصمد بمفردها أمام الطغيان فقرر إنشاء أول نقابة عرفها تاريخ مصر الحديث ، فأنشأ أول نقابة للعمال سنة 1909 . ولكن النقابة على عظمتها لا تكفي لمواجهة الفساد السياسي الذي كان يضرب البلاد فطالب فريد بإصلاح سياسي شامل وكامل يعتمد على كتابة دستور للبلاد يخضع له الجميع (لاحظ أن هذه الدعوة كانت قبل ما يزيد على قرن من الزمان) ولتحقيق هدفه هذا شن فريد حملة قاسية على الوزارة فقال :"  من لنا بنظارة (وزارة) تستقيل بشهامة وتعلن للعالم أسباب استقالتها ؟ لو استقالت وزارة بهذه الصورة ، لن يوجد بعد ذلك من المصريين من يقبل الوزارة مهما زيد مرتبه، إذن لأُعلن الدستور على الفور".

هو يريد وزارة حرة لا تخضع للمحتل أو للقصر، ولأن هذا المطلب يستدعى قوة ضغط كبري فقد قرر فريد الدعوة إلى التظاهر السلمي للمطالبة بكتابة الدستور.

هنا تبرز أهمية معرفة السياسي  بشعبه ، فريد الذي عمل في النيابة والمحاماة والمدارس الليلية والصحف وطاف أرجاء البلاد كان مؤمنًا بقدرته على حشد الجماهير ، فهو يعرف شعبه وشعبه يعرفه ، فريد لم يكن من هؤلاء الذين تسقطهم السماء فجأة أو تنبتهم الأرض بغتة .

لبى الشعب نداء فريد فكان يجتمع عشرات الآلاف في حديقة الجزيرة القريبة من ميدان التحرير ، في مظاهرة عارمة تخترق قلب القاهرة رافعة شعار كتابة الدستور ، وكانت تلك المظاهرات هى أولى المظاهرات المدنية السلمية التي عرفتها مصر .

المواجهة

لم يهتم القصر بمظاهرات فريد، فقرر الرجل الفذ الذهاب إلى المواجهة عبر طريق جديد لم يسبقه إليه أحد.

قام بكتابة صيغة موحدة تطالب بصنع دستور للبلاد ، وطبع على نفقته الخاصة عشرات الآلاف من تلك الصيغة وقام مع رجاله بتوزيعها في شتى أنحاء البلاد ، نجحت تلك الحملة نجاحًا ساحقًا فقد لبى الشعب الدعوة وقام بالتوقيع على عرائض فريد الذي حمل إلى القصر في أسبوع واحد دفعتين من العرائض كانت الأولى تحمل توقيعات ستة عشر ألف مواطن وكانت الثانية تحمل توقيعات خمسة وأربعين ألف مواطن!

وكالعادة لم يهتم الحاكم بهذه العرائض ورفض صنع دستور للوطن، ولكن فريد لم يستسلم لليأس والقنوط فقام بإشعال الأرض تحت قدمي حاكم القصر، عبر الرسائل والبرقيات التي كان يرسلها للخارج فاضحًا طغيان القصر.

ثم قام بجولة شملت العديد من عواصم أوربا الكبرى شرح فيها لجماهير تلك الأمم ولسياسييها المسألة المصرية على أكمل وجه .

القصر والمحتل الإنجليزي كانا يتربصان بفريد ويعملان على إسكات صوته بأي طريقة كانت ولكنه كان في حماية الشعب الذي ألتف حوله.

الشعر والسجن

لعب الشعر في حياة فريد دورًا مهمًا ، فقد سجن بسبب ديوان شعر ، ثم سيقوم شاعر عظيم هو صلاح جاهين بإنصافه بعد رحيله بعقود ولأننا نحتفل بمئوية هذا المجاهد العظيم فإنني أدعو القارئ الكريم إلى قراءة ما كتبه جاهين عن فريد.

" خـد الكـتـاب فـى يمـيـنك وانـظر الترقـيم

عنـد المـحبـة وعنـد المـوت فى حرف الميـم

تلــقى محـمد فـريد بيـنـهم مقـيم ع العـهـد

وتلـقى وجـهـه المِـدَور زى قـرص الشـهـد

ملـيـان حمـاسة وكيـاسـة وجدعـنه وتصمـيم

عـلى إيـه مصمـم؟.

 يسـهـم زى كـل زعـيم

ويقـول عـلى الثـورة مهـما اتطـلـبت من جهد

أنـا مش عرابـى اللـى وأدوا ثـورتـه فى المهد

أنـا بابـنى فى السـر شيء صعب المنال كالفهد

على اسم مصر

محلـول مـركـز مـن السـكر فـى كبـايــة

وف قلـبـه خـيـط يتـلضـم حبـايـة حبايـه

سـكـر نبـات بلـلورات المـاظ بتضـوى ضَىّ

وتفـضـل الألمـاظـات تكـبـر شـوى شـوى

لحـد مـا العـقد يبـقى فـى الجـمـال غـايـه

ده الحـزب فـى الشـعـب نضـرب به المثل آيه

الصلـب والسـايـل الاثنـيـن سـوا يـا خـى

تنـظـيم محـمد فـريد فـى كـل قريـه وحـى

بلـلوره بتـشـع بـالثـورة اللـى يومـها جـى

على اسم مصر

العقد ألماظ ورقبة مـصــر لايـقـالـه

ضـيع فـريد كـل أرضـه علـيـه وأمـوالــه

وفـجـأة حـاكمـوه ويـالله نفـوه عـن الأوطان

وحـرب عالـمـية أولـى ووفـد م الأعـيــان

وثـورة والانـجـليـز انـحـطـوا وانـشـالوا

ميـن اللـى نـظـم فـلـول الشـعب ده بحـاله

ازاى جمـيـع البـلاد تنـهـض فـى نفـس الآن

القـاهـرة اسكـنـدريـة منـفـلـوط اســوان

وبعـيـد يـا ولـداه فريـد مرمى وحيد شرقـان

على اسم مصر

السـيمـفونـية اسـمـها الثـورة على المحتــل

سـنـة تسـعتـاشـر اتعـزفـت فى كل محــل

تألـيف محـمد فـريـد ألـفـهـا مـن سنـوات

وكتـب لـها النـوتة بـوق وبيـانو وكمـنـجات

عزفـوهـا مـن غير قيادته وجمـعهم ما اخـتل

غـيـر وقـت صـرف الأجـور لما النـفر يتذل

مـن وقـتـها وغلـوشـت نغـمات عـلى نغمات

وسـعد زغلـول زعـيم مشـغول فـى الانتخابات

يخـطب ويضـرب بإيـده يطـبـع البصـمـات

على اسم مصر".

نعم ـ غير منكرين لدور ثوار1919 ـ فإن محمد فريد هو مفجر الثورة وراعيها ومنظمها بل ومُنظرّها، فتنظيمه كان هو وقود ثورة قادها سعد زغلول ونسبت إليه.

وعودة إلى سياقنا نقول : عندما كان فريد يتجول في أوربا مطالبًا بحق مصر في الحرية والدستور ، علم أن الشاعر الوطني الشيخ علي الغاياتي قد كتب ديوانًا بعنوان " وطنيتي " مؤرخو حياة فريد قالوا : إن فريدًا لم يكن قد قرأ الديوان ، ولكن من الواضح أنه كان يعرف الشاعر واتجاهاته الوطنيه فكتب للديوان مقدمة ثانية وكان الشيخ الوطني عبد العزيز جاويش قد كتب مقدمة أولى .

قال فريد في مقدمته  "لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد إماتة الشعر الحماسي ، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح علي وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال ،  كما كان من نتائج هذا الاستبداد خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود علي المستمع ، حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا ، والحض علي الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل".

أرسل فريد بمقدمته فنشرت في صدر الديوان ، وهنا جن جنون الاحتلال والقصر فعملا على سجن فريد الذي كان في أوربا وأخبره الوطنيون بنيات القصر والاحتلال تجاهه ونصحوه بالبقاء في أوربا حتى تمر الأزمة ولكن ابنته فريدة بعثت إليه برسالة ، حفظها لنا المؤرخ العظيم عبد الرحمن الرافعي جاء فيها :" لنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يقال بأنكم هربتم... وأختم جوابي بالتوسل إليكم باسم الوطنية والحرية، التي تضحون بكل عزيز في سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا آلام السجن".

عاد فريد في آواخر ديسمبر سنة 1910 ليجد المحاكمة في انتظاره لأنه كتب مقدمة ثورية لديوان شعر ثوري!

هنا نذكر أن الذي تولى التحقيق كان محمد توفيق نسيم، الذي سيصبح رئيسًا للوزراء فيما بعد!

بدأ نسيم التحقيق في الرابع من يناير من العام 1911 ، لم ينكر فريد علاقته بالمقدمة وكان يمكنه الإنكار ، حوّل نسيم القضية إلى محكمة جنايات مصر يوم 23 يناير سنة  1911 كان رئيس المحكمة هو المستر دلبر وجلي، حضر فريد منفردًا دون اصطحاب محامين مكتفيا بأقواله في التحقيق، لأنه كان يرى التهمة نفسها لا أساس لها من الحق والقانون فلا تحتاج إلى دفاع .

طبعًا كانت التهمة من تلك التهم الفضفاضة التي نعرفها والتي تدور حول تكدير السلم العام وإثارة الجماهير!

حكمت المحكمة على فريد بالحبس لستة أشهر، تقبل فريد الحكم بثبات يليق به، إلى الزنزانة جاءه  

كولسن باشا مدير مصلحة السجون وجرى بينهما الحوار الآتي

كولسن : إنني أسعى للعفو عنك إذا وعدت بتغيير خطتك.

فريد: إن ما تطلبه مستحيل.

كولسن : إنني لا أطلب منك تغيير مبادئك بل تخفيف لهجتك.

فريد: ولا هذه أيضًا.

كولسن : أنت إذن تريد قضاء الستة شهور في السجن.

فريد: نعم وأزيد عليها يومًا لو أردتم!

عندما غادر فريد محبسه ، غادره في ساعة مبكرة من الصباح لكي لا يتسبب في تجمهر الناس فيكدر الأمن العام ، ولكن خبر مغادرته للسجن كان قد تسرب ، ففوجئ بانتظار الشعب له عند بوابة السجن ، وحمل الشعب ابنه البار على الأعناق هو يهتف بحياته وحياة الوطن .

وقال فريد عقب مغادرته للسجن :" مضي علي ستة أشهر في غيابات السجن، ولم أشعر أبداً بالضيق إلا عند اقتراب خروجي ، لعلمي أني خارج إلى سجن آخر، وهو سجن الأمة المصرية، الذي تحده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال!

 الأمة أصبحت مهددة بقانون المطبوعات، ومحكمة الجنايات، محرومة من الضمانات التي منحها القانون العام للقتلة وقطاع الطرق".

العودة إلى الجهاد

لم يركن فريد للراحة ، يومًا من أيام حياته القصيرة ، فهو لم يعش سوى إحدى وخمسين سنة فقط ، بعد سجنه وسّع فريد دائرة مطالبه ، فهو يطالب بالدستور وبمجلس نيابي ويقود حركة الجماهير لإنشاء النقابات التي تحمي حقوق العمال ثم هو يهتم اهتمامًا خاصة بالمواضيع الاقتصاديّة التي تتعلَّق بالاقتصاد الوطنيّ، كالشركات الأجنبيّة، وميزانيّة الدولة .

إن حركة التمصير التي بدأها العبقري طلعت باشا حرب ثم أصبحت حجر الزاوية في عهد عبد الناصر كان فريد يخطط لها ويحشد الشعب من أجلها قبل تحققها بعقود ، الفلاح لم يغب عن ذهن فريد فقد ناقش مع الفلاحين سبل حل أزمة الرهون ، وساند ودعم كل إضراب وطني من إضراب الفلاحين وإلى إضراب الجزارين ، مع تركيز خاص على القضية الأم وهى قضية الحصول على الاستقلال ، هذا إضافة إلى قضية التعليم التي كان يراها في أهمية قضية الحرية.

المنفى

في العام 1912 عقد المؤتمر السنوي للحزب الوطني وألقي فريد خطابًا من خطاباته التي تهز أركان القصر والمحتل فقرر الاثنان اعتقال فريد وكل مساعديه فشنا حملة اعتقال طالت معظم رموز العمل الوطني وعلى رأسهم قيادات الحزب الوطني.

هنا قرر فريد مغادرة مصر لمواصلة الجهاد من خارجها فسافر باحثًا عن الدعم إلى تركيا ومنها إلى باريس، ثمّ إلى جنيف لحُضور مُؤتَمر السلام، وفي عام 1913 سافرَ إلى هولندا لحضور مُؤتَمر السلام.

قبل المنفى وأثناءه لم ينس فريد قلمه، فقد كتب عدة كتب تعد من أبرز ما نشر من مؤلفات لزعماء الوطنية، كتب فريد (تاريخ الدولة العلية) و(من مصر إلى مصر) و(رحلة في بلاد الأندلس ومراكش والجزائر) و(البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية) و (تاريخ الرومانيين).

الوصية

في منفاه، أصيب فريد بالفشل الكلوي، ولكنه كان يتحامل على جسده ليواصل جهاده من أجل وطنه، ولكنه عندما كان في العاصمة الألمانية برلين شعر باقتراب موته.

يقول المؤرخ رؤوف عباس : أرسل فريد من برلين خطابا إلى صديقه إسماعيل لبيب، المقيم فى جنيف يطلب فيه سرعة الحضور إليه، لبى الصديق دعوته، وحين التقى به طلب منه فريد أن يتسلم صندوقا أودعه عند سيدة ألمانية، كان يسكن عندها، وأوصاه أن يحافظ عليه وأن يحمله إلى مصر– حين تسنح الفرصة – ليسلمه إلى ابنه عبد الخالق فريد، الصندوق كان يضم مذكرات وأوراق فريد .

يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي : عندما ساءت صحة فريد  قال لصديقيه  الدكتور عبد العزيز عمران وإسماعيل لبيب: قضيت بعيدًا عن مصر سبع سنوات، فإذا مت فضعونى فى صندوق، واحفظونى فى مكان آمين، حتى تتاح الفرصة لنقل جثتى إلى وطنى العزيز.

الرحيل

دخل فريد فى غيبوبة قبيل موته بأيام، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة فى منتصف الساعة الحادية عشرة من مساء السبت 15 نوفمبر من العام 1919.

عرف المصريون برحيل ابنهم البار فأقاموا له جنازة رمزية حاشدة تليق به وبهم، ولكن أين جثمان فريد.

عبيد الاحتلال والباكون على أسرة محمد علي لن يعترفوا أن نقل جثمان فريد من برلين إلى القاهرة كان مغامرة أقرب للمقامرة، وذلك لأن القصر والاحتلال لم يعلنا تحملهما لنفقات نقل الجثمان.

يقول مؤرخو حياة فريد : وضع جثمانه فى تابوت حديدي وتم حفظ التابوت فى كنيسة بالقرب من المقبرة، وبقى وديعة لدى حارس الكنيسة.

عندما مات فريد كان قد أفنى كل ثروته من أجل وطنه ، ولكن مصر هي مصر ، قد تسكت حينًا ولكنها أبدًا لا تغفل عن أولادها ، ولذا فقد أوحت مصر العظيمة إلى ابنها البار الحاج خليل عفيفى الذي كان تاجرًا من تجار محافظة الشرقية بأن يسافر على نفقته الخاصة إلى برلين ليعود بجثمان فريد ، وبالفعل سافر الحاج خليل وعاد بالجثمان في يونيو من العام 1920 ليدفن في ثرى مصر العظيمة .

بعدها بسنوات سيخلد صلاح جاهين تلك اللحظة عندما يكتب :

"وف أوضـة عريـانـة فيـها كـل شىء بـردان

رقـد فـريـد وحــده بالحـمى وبالـهذيــان

وقـام وقـف ع السـريـر فـى تـلـج المـانيا

ينـده يـا مصـر اسمـعى اللـى مفـارق الدنـيا

وصيـنـى الثـورة الاشـتـراكـية والبـنـيـان

ثـورة بحـق وحقـيـق مـش حـركة م الأعيان

ماتغـمـضوش عـن وحـوش الغـرب ولا ثانية

ح تـروح وحـوش لنجـليـز تتطلع وحوش تانية

وسـقـط ونطـق الشـهـادة ونظـرتـه الحانية

على اسم مصر ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات الاثنين 18 نوفمبر 2019

 

الاثنين، 19 يناير 2026

فى محبة الربيعى وتسعينه «3 ـ 3»


 

محمود الربيعى بدأ شاعرًا والشاعر الحقيقى هو من أهل المعجزات فلو مسّ حجرًا لطار أو تكلم أو تفتت

 أعرف أننى قد تأخرت كثيرًا فى الاشتباك مع الجزء الثالث من سيرة الدكتور محمود الربيعى الذاتية «بعد التسعين»، والآن فليبدأ الاشتباك.

بداية كنت أخاف أن يبدأ الربيعى الجزء الثالث بشعر الجواهرى:

لم يبقَ عندى ما يبتزّهُ الألمُ

حسبى من الموحشاتِ الهمُّ والهرمُ

لم يبقَ عندى كفاءَ الحادثاتِ أسى

ولا كفاءَ جراحاتٍ تضجُّ دم.

ولو بدأ بشعر الجواهرى لكان صادقًا، فقد ذهب عنه معظم الذين أحبهم وعرف قدرهم وعرفوا فضله، ولكنه الربيعى البطل الذى فى الظل، حسب رؤية الشاعر الأستاذ عبدالمنعم رمضان، يبدأ بأبى الطيب المتنبى، واصفًا عمره «كأنى كنت أقطعه وثبًا!».

لم تعرف الحيرة طريقها إلى قلب الربيعى عندما بدأ كتابة «بعد التسعين»، لقد قرر منذ البداية اختيار قلب عابر للتصنيف المعروف.

صبّ الربيعى سيرته فى قالب المقطوعات التى تتوالى كأنها عفو الخاطر، ولكن فى الحقيقة فإن الأمر كله مرتب ومنضبط، فلا كتابة فى الهواء الطلق منفلتة من كل قيد، ولكن هناك رسائل يبثها الشيخ.

الربيعى بدأ شاعرًا، والشاعر الحقيقى هو من أهل المعجزات فلو مسّ حجرًا لطار أو تكلم أو تفتت، الشاعر الحقيقى يستطيع تحويل المألوف والعادى إلى حدث استثنائى مُعجز، الشاعر يقنعك بأنك تستطيع أن تأتى بمثل كلامه فإن صدقته عُدت من رحلتك صفر اليدين، تقرأ كتاب «بعد التسعين» فتظن أن الأمر سهلًا، ولكنى أحذرك من أن تجربه!

فى صدر كلمتى وصفت الدكتور الربيعى بأنه صاحب شخصية مركبة، ووصفه الشاعر عبدالمنعم رمضان بأنه البطل الذى فى الظل.

لا أعرف هل قَبِلَ الربيعى وصفى له أم رفضه، ولكنه أعلن أن وصف عبدالمنعم رمضان لا ينطبق عليه!

والحق يا شيخى وسيدى أن «رمضان» أصاب كبد الحقيقة، فأنت بطل وأنت فى الظل، بل لعلك تحب الظل.

كنت قد وعدتك فى الجزء الثانى من كلمتى هذه بأن أحدثك عن ملامح شخصية الربيعى المركبة.

الرجل بطل حقًا وصدقًا، من حيث كون البطولة العزم الحديدى على تحقيق ما يريده، صارفًا نفسه أو عاصمها عن كل الشهوات التى تتخطف الناس، هو غادر مصر إلى لندن للحصول على الدكتوراه فى الأدب، ما كانت حصيلته من الإنجليزية سوى كليمات، فكيف سيعيش وكيف سيقرأ وكيف سيكتب وكيف سيتعلم وكيف سيحصل على الدكتوراه؟

يعكف بعزم لا يلين وبهمة كهِمة ملوك الأساطير القديمة، على تعلم الإنجليزية، فيتعلمها بل يتقنها ويكتب بها رسالة الدكتوراه فى خمس سنوات فقط، لقد حقق معنى البطولة، وفى تلك السنوات كانت أحواله المادية بسيطة جدًا، وسنحت له فرصة أن يقدم برنامجًا تبثه إذاعة البى بى سى، كان سيحصل على مكافأة ربما أكبر من الراتب الذى ترسله إليه الحكومة المصرية، كان البرنامج عن الأدب الذى هو عشقه وتخصصه، نجح فى اختبار الصوت، وأعد العدة لتقديم البرنامج، ثم برزت بطولته وسأل نفسه: الحكومة تنفق علىّ للحصول على الدكتوراه وليس لتقديم البرامج الإذاعية!

ولم يذهب لتسجيل البرنامج ولم يجعل أى شهوة تصرفه عن الدراسة!

هذه المغالبة أو المكابدة ستجعله جادًا جدًا لا يتهاون مع أدنى تقصير، لا يرفع نفسه فوق رقاب الناس ولكنه لا يسمح لأحد أو لشىء بأن يطأ عنقه.

يكتب عنه تلميذه الأستاذ الدكتور عادل ضرغام فى جريدة الأخبار القاهرية فيقول: «فى عمر السادسة والعشرين (1995)، أحمل مخطوط رسالتى للماجستير، متوجهًا إلى مبنى الجامعة الأمريكية بميدان التحرير لتسليمه إلى أستاذى محمود الربيعى، عضو لجنة المناقشة ورئيسها، قدَّم لى شايًا، وسألنى عن الشعراء موضوع الدراسة، وعن صلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازى، ألقى بشرطه الذى عذبنى لمدة أسبوعين كاملين، قائلًا: لدىَّ تلاميذ كثيرون بدار العلوم، وجاءت إلىَّ رسالة دكتوراه لواحد منهم، وبعد القراءة أعدتها معتذرًا عن المناقشة، لأنها لم تعجبنى، وأنت لست عزيزًا لدىَّ مثله.

وبعد أسبوعين أخبرنى أستاذى د. عبدالحميد شيحة، أن أستاذنا الدكتور الربيعى وافق على المناقشة، وعقدت المناقشة بمدرج (3) وحضرها جمهور غفير، ظلّ لمدة أربع ساعات ونصف الساعة ينصت إلى مناقشته بعد غياب عشر سنوات متصلة لم يدخل دار العلوم، أتذكر جملته الأخيرة فى مناقشته بعد مناقشة أستاذى صلاح رزق التى استمرت ساعة واحدة، وتكفل هو بالباقى، حين قال لى: «أنت تعِدُ بشىء فى سماء برقها خلّب».

القضية عنده هى قضية القيم الجامعية وليس المعرفة أو الاستلطاف، هو يريد أن يكون تلميذه مستحقًا للرسالة، ثم فليذهب أى اعتبار آخر إلى حيث يشاء.

قالت له أستاذة شهيرة: إن الوزير فلان رشح اسمك لتشرف على رسالة الطالبة الفلانية، وأنت رفضت الإشراف على الرسالة.

ردّ عليها: أنا لم أرفض لوجه الرفض، طلبت من الطالبة أن تقدم لى تقريرًا من المشرف الذى كانت تعمل تحت إشرافه، فلم تقدم لى التقرير، وعليه فلا حق لها عندى.

ألا يوغر مثل هذا التصرف قلب الوزير، فليكن، الربيعى جاهز دائمًا لدفع ثمن أن يكون كما يريد هو لا كما يريده الآخرون!

يكتب عن نجيب محفوظ كأحسن ما تكون الكتابة، يكتب كتابًا كاملًا وليس فصلًا من كتاب، ثم لا يسعى إلى «محفوظ» للتقرب منه، لقد أدى دوره وكتب، ثم رضى محفوظ أو سخط فتلك قضية لا تشغله!

فى «بعد التسعين» يفصل الربيعى أمره مع محفوظ، فيقول إنه لم يقابله إلا مرة واحدة قدم له فيها كتابه عنه «قراءة الرواية» ثم مرت السنون وقابله فوق كوبرى قبيح كان يقطع ميدان التحرير.

يكمل الربيعى: «هتفت، أستاذ نجيب؟» نظر لى متفرسًا للحظة، ثم احتضننى هاتفًا بدوره «محمود بيه الربيعى؟». أخجلنى صاحب نوبل وأوقعنى فى حرج بالغ باللقب المباغت الذى خلعه علىّ وبالحضن الحميم، ثارت مشاعرى وفاضت دموعى، فلم أملك إلا إخفاءها عنه بدفن وجهى فى صدره وبقائى على ذلك وقتًا لعله أطول مما قدر هو نفسه.

ثم يعرف من الأديب سليمان فياض أن محفوظًا كان يذكره كثيرًا ويقول: أين ذلك النّقَاد المتوارى عن الأنظار؟ 

لعل التوارى عن الأنظار هو ما قصده عبدالمنعم رمضان بالظل، فلماذا توارى الربيعى عن الأنظار؟

الحق أنه يستنكف من أن يحارب بأسلحة تضمن له الصدارة، هذا ليس فى طبعه ولا فى طينته الأولى، هو يريد العمل الجاد المنظم، ثم فليكن ما قدره الله، فإن عرضوا عليه ما يراه هو حقًا من حقوقه قبله شاكرًا، وإن تجاهلوه لم يطالبهم بشىء، فقد حقق ما يريده وهو أن يعمل ويتعلم ويُعَلّم، وهذا تفسير لتجاهل كل جوائز الدولة المصرية بل والعربية بل والإسلامية لاسمه.

صدّق أو لا تصدق، الربيعى لم يُمنح جائزة قط، فماذا فعل، لا شىء، لم يملأ الدنيا صراخًا واحتجاجًا، ولم ينثر التراب فوق رؤوس الجميع، هو يملأ عين نفسه ويرضى عن قراره بأنه رجل علم وتعليم، يشكر ربه أن منحه عمرًا مديدًا ذاق فيه حلاوة المعرفة ولذة الصداقة، ثم عند الله تجتمع الخصوم.


 منشور بجريدة صوت الأمة الإثنين الموافق 19 يناير 2026م.

 

الأربعاء، 14 يناير 2026

في محبة الربيعي وتسعينه (2ـ 3)


 

كتب الأستاذ العميد في رثاء صاحبه، الأستاذ أحمد أمين: "رحمه الله كان أمره كله مغالبة".

هذه الكلمة هي في الحقيقة من حق الدكتور الربيعي، فأمره كله مغالبة، ثم الجد لحمة المغالبة وسداها!

كان قد وعدني بمفاجأة أو مكافأة، قرأ هو ما يدور بداخلي، فنظر لي نظرة الجد ثم قال: "زعمت قراءة كتاب "دارسات عربية وإسلامية"، وهو من أكثر من ستمئة صفحة من القطع الكبير في ستة أيام، وهذا عجيب، ولكن سنعرف الآن الحقيقة".

سألني سؤالين، عن مادتين من مواد الكتاب، ومن الواضح أنني قد أجبت إجابات مرضية، فتبسم ورماني بنظرة لم أفهمها إلا وأنا أقرأ الجزء الثالث من سيرته الذاتية "بعد التسعين".

أصل النظرة أنني قد ذكرته بأول شبابه وبزمن طلبه للعلم في معهد أسيوط الأزهري (نعرفه نحن أهل أسيوط باسم معهد فؤاد الأول!) أيامها لم يكن يكف عن القراءة، يقرأ ما يقطع تحت يديه، يقرأ بنهم أز بسعار كما وصف صاحبه القديم محمود شاكر نفسه!

أخيرا جاءت المكافأة أو المفاجأة، نسخة من الطبعة الأولي من كتاب: "دراسة في مصادر الأدب" للعلامة الراحل الكريم الدكتور الطاهر أحمد مكي.

قبل أن أفتح فمي قال: "هي لك، لأنك تقرأ بجدية!".

قلت: "هذه هي الطبعة الأولى".

قال: "أعرف، طالع الكتاب متمهلًا فهو يستحق القراءة الهادئة".

الرجل لا ينسى المغالبة التي صيغ منها ولا الجد الذي يغلف حياته ولا التعليم، هو رجل تعليم عملي، يضرب المثل العملي، أنت تقرأ بجدية يعني تغالب ظروفك ويعني تلتزم الجد، فخذ هذه المكافأة، درس تعليمي عملي!

صعيد اليوم ليس هو صعيد العشر سنوات الماضية، فكيف كان صعيد الربيعي المولد في منتصف يناير من العام 1932؟

من هنا بدأت المغالبة، طفل يتيم حوله أخوته وأولاد عمومته، ثم في المركز أمه، سيدة جليلة لا تحرص على شيء حرصها على أن ينبغ أولادها في التعليم، نعم يذهب الطفل محمود الربيعي إلى الحقل ولكنه ذهاب المالك لا الأجير، يأتي لأمه باللبن الطازج ويطارد فراشات الحقول ويحلق في السموات العلا بخياله الذي لا يحده حد، يغالب كل شهوة تصرفه عن التعليم، يحفظ القرآن الكريم كاملًا، ثم يتغرب في طفولته، نعم المسافة بين سوهاج حيث ولد وأسيوط حيث يتعلم في المعهد الأزهري، كانت مسافة غربة ومشقة سفر، كانت أسيوط مثل بيت جحا، أو مثل دوامة مخيفة، ولكنه رجل الجد والمغالبة، لقد تغلب على غربته وعرف أسيوط كأنه ولد بها وأقام علاقات صداقة مع كل الذين تعامل معهم، من الأساتذة المشايخ الأجلاء نهاية بالبقالين وبائعي الخضروات.

نعم لم يعضه الفقر، ولكنه عرف بساطة الحال، وتعامل مع تراجع إيرادات الأسرة بعد رحيل الأب، ببساطة ولم يندب حظه، هو سيتعلم ويتفوق ويذهب إلى أبعد نقطة، بعد أسيوط كانت دار العلوم القاهرية، وما أدراك ما قاهرة الخمسينيات لصعيدي صاحب خيال وصاحب قراءات متميزة.

جاء إلى القاهرة حاملًا أمنيات تبدو عجيبة ولكنها جادة جدًا، أمنية أن يتفوق في الدراسة وأمنية أن يستمع إلى تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل مباشرة، لا عبر المذياع ولا عبر الأسطوانات، وأمنية اللقاء بأم كلثوم!

في التعليم حقق أمنيته وحاز على الليسانس بامتياز وصافحه الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان حريصًا على تكريم المتفوقين في عيد العلم، أما الشيخ مصطفى فقد كان يسعى خلفه من مسجد الحسين إلى الأزهر، إلى الحفلات التي كان الشيخ نجمها المنفرد، يجلس الربيعي في طرف السرادق ويسمع بل يجعل قلبه يتشرب التلاوة، فشيخه الفاتن أمام عينيه يتفنن في تلاوته ولا يحول حائل بينه وبين الاندماج التام والكامل معه.

هل قدم الربعي نفسه للشيخ؟

لا، لم يفعلها قط، وهذا ملمح عجيب من ملامح شخصيته المركبة، سنعود لتفصيله في الجزء الثالث من المقال.

حقق أمنيتين وبقيت الثالثة بعيدة عصية، كيف يصل إلى أم كلثوم التي تملأ الدنيا وتشغل الناس؟

كان يحمل صوتها منذ تعرف عليه في أمسيات بلدته جهينة عبر مذياع بقال القرية، ومرت السنون حتى حصل على شهادة دار العلوم وأصبح معيدًا بالكلية، وفي يوم من أيام العام 1959 قال له صديقه عبد الحكيم بليغ: عندي تذكرة لحفل أم كلثوم الذي سيقام في جامعة القاهرة بمناسبة بدء العمل في بناء السد العالي، ظروفي لن تمكنني من حضور الحفل، فخذ أنت التذكرة!

ما هذه المفاجأة العظمى، أخيرًا سيرى أم كلثوم.

ذهب الشاب محمود الربيعي وكان عبد الناصر على رأس الحضور، رأى بعينيه أم كلثوم، فكتب بعد اللقاء بقرابة السبعين سنة: "كانت قصيرة القامة على غير ما قدرت، وبعيدة عني بحيث لم أستطع التمكن من رؤية تفاصيل ملامحها، فلم أدر هل كانت أكثر جمالًا من صورها أو أقل جمالًا، ولكنها حين بدأت "ياللي كان يشجيك أنيني" نسيت كل شيء يتعلق بشكلها، وبدت لي أقرب إلى طيف شفيف، فسبحت في عالمها، حتى أسدل الستار.

 

في الوصلة الثانية، غنت قصيدة "السد" لأول مرة طبعًا، وهي من شعر عزيز أباظة.

كان حلمًا فخاطرًا فاحتمالًا، ثم أضحى حقيقة لا خيالًا.

ساحرة، جميلة، قوية، مؤثرة، في كل ما تغني، فصيحة، أو عامية. استغرقني الصوت ومر الوقت كالحلم، فلم أشعر به، وحين انتهت الحفلة، كانت الساعة الثانية صباحًا، وحجزنا تحت القبة، حتى خرجت المواكب وحين أطلق سراحنا، كان الليل يتجه نحو الصباح".

كيف سيرجع الشاب محمود الربيعي إلى بيته الذي يقع على أطراف حي العباسية؟

ما معه من نقود لا يكفي لركوب التاكسي، ولا مواصلات عامة، لقد قرر العودة سيرًا على قدميه، من جامعة القاهرة التي في الجيزة إلى بيته الذي في العباسية.

يصف الربيعي ساعات عودته فيقول: "وحين آويت إلى فراشي، اعتراني شعور بالسعادة، واستعدت تفاصيل الليلة، فجاشت نفسي بالذكريات البعيدة والقريبة، وقلت لنفسي: يا لها من ضريبة بسيطة تؤدي، من أجل متعة كبرى فريدة في حياتي".

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 11/01/2026م.