عجيب جدًا بطلنا العظيم محمد فريد، الرجل ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، أبوه هو أحمد باشا فريد من أكابر الدولة المصرية، كان يمتلك ـ كما أخبرنا الكاتب صبري أبو المجد ـ ألف ومائتي فدان، له وقصرًا فى شارع شبرا مساحته خمسة أفدنة من أراضي البناء، وعمارتين بشارع الظاهر.
وأم محمد فريد
كانت من هوانم زمانها ، وعائلته تنحدر من أصول تركية ووجه فريد نفسه كان مدورًا
مثل قرص الشهد ، كما سيصفه صلاح جاهين.
رجل بهذه
المواصفات ما الذي يجعله يترك ليونة الحرير ويذهب طائعًا مختارًا وبكامل إرادته إلى
جحيم مقاومة المحتل وطغيان الحاكم المحلي؟.
ليس سوى نداء الحرية،
بعضهم يستنكف أن يكون ملكًا متوجًا على عالم من العبيد، وعلى رأس هؤلاء البعض يقف
شامخًا محمد فريد.
ولد فريد في 20
يناير 1868 في القاهرة ولفظ أنفاسه الأخيرة في 15 نوفمبر 1919 في برلين ، ونحن
ندعو الدولة المصرية للاحتفال بمرور مئة عام على رحيل هذا المجاهد العظيم .
سجل فريد
تفوقًا واضحًا في مجال التعليم وحاز على شهادة الحقوق في بدايات شبابه، وكان منذ
أول عهده بالدنيا واثقًا بحتمية مواجهته للطغيان في أي شكل كان، صاحب زعيم الوطنية
مصطفى كامل وشاركه في تأسيس حزب الوطنية " الحزب الوطني ".
العمل
رجل في ثراء
فريد ، لم يكن يحتاج لأي عمل ، ولكن فريد من هؤلاء الذين لا يشعرون باكتمال
رجولتهم إلا بالسعى الجاد نحو قمم الرقي ، وكان العلم والعمل هما الطريقان
الوحيدان نحو القمم التي ينشدونها .
في بداية عمله
، تولى فريد وظيفة مُترجِم بقلم قضايا الدائرة السنيّة، ولم يطل به البقاء في تلك
الوظيفة رغم أنه حصل على ترقية بعد عام واحد من توليه الوظيفة ، في العام 1892 انتدبَ
في نِيابة محكمة مصر الابتدائيّة، ثمّ في نيابة الأزبكيّة، ورُقِّي لمنصب وكيل نيابة،
ثمّ أصبحَ وكيلاً بنيابة الاستئناف سنة 1895.
ثم ترك العمل
الحكومي وكان أيامها غاية المراد، وتفرغ للمحاماة فاستحق عن جدارة لقب محامي
الشعب.
خلال رحلة
العمل هذه ستتسع دوائر معارف فريد وسيحتك بطوائف الشعب، وهو الأمر الذي مكنه فيما
بعد من تأسيس تنظيمه الوطني الكبير الذي سيكون النواة الصلبة لكل التنظيمات
الثورية التي ستعمل على تحرير الوطن من المحتل الغاصب.
في العام 1888
تزوج فريد ورزق بولدين وأربع بنات، ستكون منهن فريدة التي سنقف عندها في قادم السطور.
حمل
الأمانة
في العام 1908
توفي الزعيم مصطفى كامل وهو في ريعان شبابه ، كامل لم يكن كغيره من دعاة مقاومة
الاحتلال ، لقد كان أبرز اسم وطني عرفته البلاد بعد عرابي باشا ، وموته المباغت هز
الوطن من أدناه إلى أقصاه ، فمن سيقوم مقام الزعيم ، ومن يجرؤ على حمل الأمانة
وتحمل المسئولية ؟
ليس سوى فريد
بحضوره وإخلاصه وعقله المنظم الراجح .
أصبح فريد
زعيمًا للحزب الوطني فقفز به سنوات إلى الأمام .
كان فريد ابن
الباشوات يعرف حجم كارثة الأمية التي تنخر في عظام الوطن فبدأ في محوها على نفقته الخاصة،
لقد أنشأ أربع مدارس ليلية لمحو الأمية في القاهرة، ثم تكاثرت المدارس حتى لم تبق
محافظة إلا وبها أكثر من مدرسة.
معلمو المدارس
كانوا من أبناء الحزب الوطني، وكانوا يعملون بدون مقابل مادي ، مقابلهم هو مساندة
زعيمهم في محو أمية الشعب ، كان المعلمون محامين وأطباء ومهندسين ، يقتطع الواحد
منهم الساعتين والثلاث ساعات من وقته الثمين لكي يعلم الشعب .
النقابة
الأولى والمظاهرة الأولى
عندما رسخت
أقدام مدارس فريد، تركها لمعلميها، وراح يلهب حماس الشعب بسلاسل من المقالات
الملتهبة المحرضة على الاحتلال وعلى الحاكم المحلي عباس حلمي الثاني.
ثم رأى فريد
أن المدارس والمقالات لن تصمد بمفردها أمام الطغيان فقرر إنشاء أول نقابة عرفها
تاريخ مصر الحديث ، فأنشأ أول نقابة للعمال سنة 1909 . ولكن النقابة على عظمتها لا
تكفي لمواجهة الفساد السياسي الذي كان يضرب البلاد فطالب فريد بإصلاح سياسي شامل
وكامل يعتمد على كتابة دستور للبلاد يخضع له الجميع (لاحظ أن هذه الدعوة كانت قبل
ما يزيد على قرن من الزمان) ولتحقيق هدفه هذا شن فريد حملة قاسية على الوزارة فقال
:" من لنا بنظارة (وزارة) تستقيل بشهامة
وتعلن للعالم أسباب استقالتها ؟ لو استقالت وزارة بهذه الصورة ، لن يوجد بعد ذلك من
المصريين من يقبل الوزارة مهما زيد مرتبه، إذن لأُعلن الدستور على الفور".
هو يريد وزارة
حرة لا تخضع للمحتل أو للقصر، ولأن هذا المطلب يستدعى قوة ضغط كبري فقد قرر فريد
الدعوة إلى التظاهر السلمي للمطالبة بكتابة الدستور.
هنا تبرز
أهمية معرفة السياسي بشعبه ، فريد الذي
عمل في النيابة والمحاماة والمدارس الليلية والصحف وطاف أرجاء البلاد كان مؤمنًا
بقدرته على حشد الجماهير ، فهو يعرف شعبه وشعبه يعرفه ، فريد لم يكن من هؤلاء
الذين تسقطهم السماء فجأة أو تنبتهم الأرض بغتة .
لبى الشعب
نداء فريد فكان يجتمع عشرات الآلاف في حديقة الجزيرة القريبة من ميدان التحرير ، في
مظاهرة عارمة تخترق قلب القاهرة رافعة شعار كتابة الدستور ، وكانت تلك المظاهرات
هى أولى المظاهرات المدنية السلمية التي عرفتها مصر .
المواجهة
لم يهتم القصر
بمظاهرات فريد، فقرر الرجل الفذ الذهاب إلى المواجهة عبر طريق جديد لم يسبقه إليه أحد.
قام بكتابة
صيغة موحدة تطالب بصنع دستور للبلاد ، وطبع على نفقته الخاصة عشرات الآلاف من تلك
الصيغة وقام مع رجاله بتوزيعها في شتى أنحاء البلاد ، نجحت تلك الحملة نجاحًا
ساحقًا فقد لبى الشعب الدعوة وقام بالتوقيع على عرائض فريد الذي حمل إلى القصر في
أسبوع واحد دفعتين من العرائض كانت الأولى تحمل توقيعات ستة عشر ألف مواطن وكانت
الثانية تحمل توقيعات خمسة وأربعين ألف مواطن!
وكالعادة لم
يهتم الحاكم بهذه العرائض ورفض صنع دستور للوطن، ولكن فريد لم يستسلم لليأس
والقنوط فقام بإشعال الأرض تحت قدمي حاكم القصر، عبر الرسائل والبرقيات التي كان
يرسلها للخارج فاضحًا طغيان القصر.
ثم قام بجولة
شملت العديد من عواصم أوربا الكبرى شرح فيها لجماهير تلك الأمم ولسياسييها المسألة
المصرية على أكمل وجه .
القصر والمحتل
الإنجليزي كانا يتربصان بفريد ويعملان على إسكات صوته بأي طريقة كانت ولكنه كان في
حماية الشعب الذي ألتف حوله.
الشعر
والسجن
لعب الشعر في
حياة فريد دورًا مهمًا ، فقد سجن بسبب ديوان شعر ، ثم سيقوم شاعر عظيم هو صلاح
جاهين بإنصافه بعد رحيله بعقود ولأننا نحتفل بمئوية هذا المجاهد العظيم فإنني أدعو
القارئ الكريم إلى قراءة ما كتبه جاهين عن فريد.
" خـد الكـتـاب فـى يمـيـنك وانـظر الترقـيم
عنـد المـحبـة وعنـد المـوت فى حرف الميـم
تلــقى محـمد فـريد بيـنـهم مقـيم ع العـهـد
وتلـقى وجـهـه المِـدَور زى قـرص الشـهـد
ملـيـان حمـاسة وكيـاسـة وجدعـنه وتصمـيم
عـلى إيـه مصمـم؟.
يسـهـم زى كـل زعـيم
ويقـول عـلى الثـورة مهـما اتطـلـبت من
جهد
أنـا مش عرابـى اللـى وأدوا ثـورتـه فى
المهد
أنـا بابـنى فى السـر شيء صعب المنال كالفهد
على اسم مصر
محلـول مـركـز مـن السـكر فـى كبـايــة
وف قلـبـه خـيـط يتـلضـم حبـايـة حبايـه
سـكـر نبـات بلـلورات المـاظ بتضـوى ضَىّ
وتفـضـل الألمـاظـات تكـبـر شـوى شـوى
لحـد مـا العـقد يبـقى فـى الجـمـال غـايـه
ده الحـزب فـى الشـعـب نضـرب به المثل آيه
الصلـب والسـايـل الاثنـيـن سـوا يـا خـى
تنـظـيم محـمد فـريد فـى كـل قريـه وحـى
بلـلوره بتـشـع بـالثـورة اللـى يومـها
جـى
على اسم مصر
العقد ألماظ ورقبة مـصــر لايـقـالـه
ضـيع فـريد كـل أرضـه علـيـه وأمـوالــه
وفـجـأة حـاكمـوه ويـالله نفـوه عـن الأوطان
وحـرب عالـمـية أولـى ووفـد م الأعـيــان
وثـورة والانـجـليـز انـحـطـوا وانـشـالوا
ميـن اللـى نـظـم فـلـول الشـعب ده بحـاله
ازاى جمـيـع البـلاد تنـهـض فـى نفـس الآن
القـاهـرة اسكـنـدريـة منـفـلـوط اســوان
وبعـيـد يـا ولـداه فريـد مرمى وحيد شرقـان
على اسم مصر
السـيمـفونـية اسـمـها الثـورة على المحتــل
سـنـة تسـعتـاشـر اتعـزفـت فى كل محــل
تألـيف محـمد فـريـد ألـفـهـا مـن سنـوات
وكتـب لـها النـوتة بـوق وبيـانو وكمـنـجات
عزفـوهـا مـن غير قيادته وجمـعهم ما اخـتل
غـيـر وقـت صـرف الأجـور لما النـفر يتذل
مـن وقـتـها وغلـوشـت نغـمات عـلى نغمات
وسـعد زغلـول زعـيم مشـغول فـى الانتخابات
يخـطب ويضـرب بإيـده يطـبـع البصـمـات
على اسم مصر".
نعم ـ
غير منكرين لدور ثوار1919 ـ فإن محمد فريد هو مفجر الثورة وراعيها ومنظمها بل
ومُنظرّها، فتنظيمه كان هو وقود ثورة قادها سعد زغلول ونسبت إليه.
وعودة
إلى سياقنا نقول : عندما كان فريد يتجول في أوربا مطالبًا بحق
مصر في الحرية والدستور ، علم أن الشاعر الوطني الشيخ علي الغاياتي قد كتب ديوانًا
بعنوان " وطنيتي " مؤرخو حياة فريد قالوا : إن فريدًا لم يكن قد قرأ
الديوان ، ولكن من الواضح أنه كان يعرف الشاعر واتجاهاته الوطنيه فكتب للديوان
مقدمة ثانية وكان الشيخ الوطني عبد العزيز جاويش قد كتب مقدمة أولى .
قال فريد في
مقدمته "لقد كان من نتيجة استبداد حكومة
الفرد إماتة الشعر الحماسي ، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح علي وضع قصائد المدح البارد
والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها
حب الحرية والاستقلال ، كما كان من نتائج هذا
الاستبداد خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود علي المستمع ، حتى أصبحت كلها تدور حول
موضوع التزهيد في الدنيا ، والحض علي الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل".
أرسل فريد
بمقدمته فنشرت في صدر الديوان ، وهنا جن جنون الاحتلال والقصر فعملا على سجن فريد
الذي كان في أوربا وأخبره الوطنيون بنيات القصر والاحتلال تجاهه ونصحوه بالبقاء في
أوربا حتى تمر الأزمة ولكن ابنته فريدة بعثت إليه برسالة ، حفظها لنا المؤرخ
العظيم عبد الرحمن الرافعي جاء فيها :" لنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا
به على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يقال بأنكم هربتم... وأختم جوابي بالتوسل
إليكم باسم الوطنية والحرية، التي تضحون بكل عزيز في سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا
آلام السجن".
عاد فريد في آواخر ديسمبر سنة 1910 ليجد المحاكمة في انتظاره لأنه كتب مقدمة ثورية لديوان
شعر ثوري!
هنا نذكر أن
الذي تولى التحقيق كان محمد توفيق نسيم، الذي سيصبح رئيسًا للوزراء فيما بعد!
بدأ نسيم
التحقيق في الرابع من يناير من العام 1911 ، لم ينكر فريد علاقته بالمقدمة وكان
يمكنه الإنكار ، حوّل نسيم القضية إلى محكمة جنايات مصر يوم 23 يناير سنة 1911 كان رئيس المحكمة هو المستر دلبر وجلي، حضر
فريد منفردًا دون اصطحاب محامين مكتفيا بأقواله في التحقيق، لأنه كان يرى التهمة نفسها
لا أساس لها من الحق والقانون فلا تحتاج إلى دفاع .
طبعًا كانت التهمة من تلك التهم
الفضفاضة التي نعرفها والتي تدور حول تكدير السلم العام وإثارة الجماهير!
حكمت المحكمة على فريد بالحبس لستة أشهر،
تقبل فريد الحكم بثبات يليق به، إلى الزنزانة جاءه
كولسن باشا مدير مصلحة السجون وجرى
بينهما الحوار الآتي
كولسن : إنني أسعى للعفو عنك إذا وعدت بتغيير
خطتك.
فريد: إن ما تطلبه مستحيل.
كولسن : إنني لا أطلب منك تغيير مبادئك
بل تخفيف لهجتك.
فريد: ولا هذه أيضًا.
كولسن : أنت إذن تريد قضاء الستة شهور في
السجن.
فريد: نعم وأزيد عليها يومًا لو أردتم!
عندما
غادر فريد محبسه ، غادره في ساعة مبكرة من الصباح لكي لا يتسبب في تجمهر الناس
فيكدر الأمن العام ، ولكن خبر مغادرته للسجن كان قد تسرب ، ففوجئ بانتظار الشعب له
عند بوابة السجن ، وحمل الشعب ابنه البار على الأعناق هو يهتف بحياته وحياة الوطن
.
وقال
فريد عقب مغادرته للسجن :" مضي علي ستة أشهر في غيابات
السجن، ولم أشعر أبداً بالضيق إلا عند اقتراب خروجي ، لعلمي أني خارج إلى سجن آخر،
وهو سجن الأمة المصرية، الذي تحده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال!
الأمة أصبحت مهددة بقانون المطبوعات، ومحكمة الجنايات،
محرومة من الضمانات التي منحها القانون العام للقتلة وقطاع الطرق".
العودة
إلى الجهاد
لم
يركن فريد للراحة ، يومًا من أيام حياته القصيرة ، فهو لم يعش سوى إحدى وخمسين سنة
فقط ، بعد سجنه وسّع فريد دائرة مطالبه ، فهو يطالب بالدستور وبمجلس نيابي ويقود
حركة الجماهير لإنشاء النقابات التي تحمي حقوق العمال ثم هو يهتم اهتمامًا خاصة بالمواضيع الاقتصاديّة
التي تتعلَّق بالاقتصاد الوطنيّ، كالشركات الأجنبيّة، وميزانيّة الدولة .
إن حركة
التمصير التي بدأها العبقري طلعت باشا حرب ثم أصبحت حجر الزاوية في عهد عبد الناصر
كان فريد يخطط لها ويحشد الشعب من أجلها قبل تحققها بعقود ، الفلاح لم يغب عن ذهن
فريد فقد ناقش مع الفلاحين سبل حل أزمة الرهون ، وساند ودعم كل إضراب وطني من
إضراب الفلاحين وإلى إضراب الجزارين ، مع تركيز خاص على القضية الأم وهى قضية
الحصول على الاستقلال ، هذا إضافة إلى قضية التعليم التي كان يراها في أهمية قضية
الحرية.
المنفى
في العام 1912
عقد المؤتمر السنوي للحزب الوطني وألقي فريد خطابًا من خطاباته التي تهز أركان
القصر والمحتل فقرر الاثنان اعتقال فريد وكل مساعديه فشنا حملة اعتقال طالت معظم
رموز العمل الوطني وعلى رأسهم قيادات الحزب الوطني.
هنا قرر فريد
مغادرة مصر لمواصلة الجهاد من خارجها فسافر باحثًا عن الدعم إلى تركيا ومنها إلى باريس،
ثمّ إلى جنيف لحُضور مُؤتَمر السلام، وفي عام 1913 سافرَ إلى هولندا لحضور مُؤتَمر
السلام.
قبل المنفى
وأثناءه لم ينس فريد قلمه، فقد كتب عدة كتب تعد من أبرز ما نشر من مؤلفات لزعماء الوطنية،
كتب فريد (تاريخ الدولة العلية) و(من مصر إلى مصر) و(رحلة في بلاد الأندلس ومراكش والجزائر)
و(البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية) و (تاريخ الرومانيين).
الوصية
في منفاه،
أصيب فريد بالفشل الكلوي، ولكنه كان يتحامل على جسده ليواصل جهاده من أجل وطنه،
ولكنه عندما كان في العاصمة الألمانية برلين شعر باقتراب موته.
يقول المؤرخ
رؤوف عباس : أرسل
فريد من برلين خطابا إلى صديقه إسماعيل لبيب، المقيم فى جنيف يطلب فيه سرعة الحضور
إليه، لبى الصديق دعوته، وحين التقى به طلب منه فريد أن يتسلم صندوقا أودعه عند سيدة
ألمانية، كان يسكن عندها، وأوصاه أن يحافظ عليه وأن يحمله إلى مصر– حين تسنح الفرصة
– ليسلمه إلى ابنه عبد الخالق فريد، الصندوق كان يضم مذكرات وأوراق فريد .
يقول
المؤرخ عبد الرحمن الرافعي : عندما ساءت صحة فريد قال لصديقيه الدكتور عبد العزيز عمران وإسماعيل لبيب: قضيت بعيدًا
عن مصر سبع سنوات، فإذا مت فضعونى فى صندوق، واحفظونى فى مكان آمين، حتى تتاح الفرصة
لنقل جثتى إلى وطنى العزيز.
الرحيل
دخل فريد فى غيبوبة قبيل موته بأيام،
ثم لفظ أنفاسه الأخيرة فى منتصف الساعة الحادية عشرة من مساء السبت 15 نوفمبر من
العام 1919.
عرف المصريون برحيل ابنهم البار
فأقاموا له جنازة رمزية حاشدة تليق به وبهم، ولكن أين جثمان فريد.
عبيد الاحتلال والباكون على أسرة محمد
علي لن يعترفوا أن نقل جثمان فريد من برلين إلى القاهرة كان مغامرة أقرب للمقامرة،
وذلك لأن القصر والاحتلال لم يعلنا تحملهما لنفقات نقل الجثمان.
يقول مؤرخو حياة فريد : وضع جثمانه فى تابوت
حديدي وتم حفظ التابوت فى كنيسة بالقرب من المقبرة، وبقى وديعة لدى حارس الكنيسة.
عندما مات فريد كان قد أفنى كل ثروته
من أجل وطنه ، ولكن مصر هي مصر ، قد تسكت حينًا ولكنها أبدًا لا تغفل عن أولادها ،
ولذا فقد أوحت مصر العظيمة إلى ابنها البار الحاج خليل عفيفى الذي كان تاجرًا من
تجار محافظة الشرقية بأن يسافر على نفقته الخاصة إلى برلين ليعود بجثمان فريد ،
وبالفعل سافر الحاج خليل وعاد بالجثمان في يونيو من العام 1920 ليدفن في ثرى مصر
العظيمة .
بعدها بسنوات سيخلد صلاح جاهين تلك
اللحظة عندما يكتب :
"وف أوضـة عريـانـة فيـها كـل شىء بـردان
رقـد فـريـد وحــده بالحـمى وبالـهذيــان
وقـام وقـف ع السـريـر فـى تـلـج المـانيا
ينـده يـا مصـر اسمـعى اللـى مفـارق الدنـيا
وصيـنـى الثـورة الاشـتـراكـية والبـنـيـان
ثـورة بحـق وحقـيـق مـش حـركة م الأعيان
ماتغـمـضوش عـن وحـوش الغـرب ولا ثانية
ح تـروح وحـوش لنجـليـز تتطلع وحوش تانية
وسـقـط ونطـق الشـهـادة ونظـرتـه الحانية
على
اسم مصر ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور
بموقع أصوات الاثنين 18 نوفمبر 2019


