تطرح فتنة كتاب "في الشعر الجاهلي" للأستاذ العميد
طه حسين سؤالين مهمين.
الأول: لماذا شك العميد في تراث أمته؟
والأخير: هل كان شكه أصيلًا ينبع من معاناة البحث والتقصي؟
في إجابة السؤال الأول: من حق العميد وغيره أن يشك، فالشك
نشاط إنساني ليس مقصورًا على فئة دون أخرى، وكلنا يشك في هذه القضية أو غيرها،
والعميد لم يرتكب بشكه جنحة أو جناية أو أدنى مخالفة.
أما عن جواب السؤال الثاني، فاللحق فقد شقيت وتعبت لكي أصل
إلى جواب يطمئن له قلبي.
قرأت في قضية الشعر الجاهلي ما شاء الله لي أن أقرأ ولكن لم
أجد برد الاطمئنان وسلامته، حتى فتح الله لي باب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض
أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس وهو صاحب مؤلفات أظنها تزيد على المئة، وقد
اشتبكت معظم مؤلفاته مع الشائك والحساس من قضايا الأدب والدين والتاريخ الإسلامي.
كتب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض دراسة نادرة نشرها تحت
عنوان "سرقة أم ملكية صحيحة؟"، والدراسة بطبيعة الحال عن كتاب العميد
"في الشعر الجاهلي".
بقدر الله وجدتها في أحد مواقع الانترنيت، وكان هذا قبل
سنوات بعيدة، فقمت بالاحتفاظ بها لنفاستها ولأنها هي التي وضعت كل النقاط على كل
الحروف، ومعها وجدت برد الاطمئنان ولطفه.
كان الدكتور عوض قد نشر كتابه "معركة الشعر الجاهلي بين
الرافعي وطه حسين"، وفيه انتصر للرافعي، الذي كان قد نسف مزاعم طه حسين عن
الشعر الجاهلي في كتابه "تحت راية القرآن".
مرت السنون ووقف طالب من طلاب الدكتور عوض ليقول له:
"يبدو لى أنك قد ظلمتَ الدكتور طه فى اتهامك إياه بأنه أخذ نظريته التي تشكك
فى الشعر الجاهلي وشعرائه من المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث".
يقول الدكتور عوض: " كعادتي فى مثل تلك الظروف توقفت
قليلا وأنا أبتسم للطالب قبل أن أرد عليه بما يشبه الإلهام: غريبة! كيف فاتني أن
أرجع لما كتبه الدكتور طه فى كتابه "قادة الفكر" عن الشاعر الإغريقي
هوميروس صاحب الإلياذة قبل أن أضع كتابي هذا؟".
ثم أردفت قائلا: "أرجو منك أن تنزل الآن فتستعير ذلك
الكتاب من مكتبة الكلية وتحضره لى حتى نستكمل النقاش فى مكتبي، إذ يغلب على ظني أن
طه حسين قد تطرق إلى الحديث عن الشعر الجاهلي فى أول فصول ذلك الكتاب الذي كنت
قرأته من زمن غير قريب، وأريد أن أرى ماذا قال فى ذلك الموضوع".
في هذه الفقرة أمر مهم جدًا، فالدكتور عوض الباحث المدقق، قد
فاته أن يرجع إلى كتاب للعميد وهو مربط الفرس، ولو كان قد عاد إليه لوفر على نفسه
جهد البحث والتفكير في أمر أصالة شك العميد في الشعر الجاهلي، ولكن هذا ما كان.
عاد الطالب النابه بالكتاب وفتحه الدكتور عوض أمام الطالب
ورفاقه ليضع عقولهم وقلوبهم أمام النص القاطع الجازم الذي شهد فيه العميد بأن
الشعر الجاهلي كان أصيلًا بل كان عظيمًا بل هو أعظم ما انتجته حضارة العرب!
قال العميد في كتابه "قادة الفكر" الذي نشره في
العام 1925، وقبل ظهور بحث مرجليوث بأسابيع قليلة: "ما كانت الحضارة
الإسلامية، التي ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لِتُوجَد
لو لم توجد البداوة العربية التي سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير
وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم".
قبل مرجليوث بأسابيع لم يكن العميد يشك، بل كان مؤمنًا بوجود
شعراء أفذاذ هم امرؤ القيس والأعشى وزهير وغيرهم، وهؤلاء نحن لا نعرف قدرهم!
أليس هذا عجيبًا، بل دعني أقول مريبًا!
يبدو لي أن للشك مراحل كأنها مراحل تكوين الإنسان، نطفة
فعلقة فمضغة، وتكوين عظام ولحم ثم خروج من الرحم ثم... إلى أن يبلغ أشده.
وهذا يستغرق سنوات من عمر الإنسان، وكذا الشك في قضية أي
قضية، تبدأ كأنها الهمس ثم تستولي على تفكير المشغول بها إلى أن تخرج مكتملة في
شكل كتاب أو غيره من أدوات الإفصاح والإظهار.
فمتى شك العميد؟
نعود للدكتور إبراهيم عوض الذي تقصى في دراسته جذور الشك عند
العميد، لنجد أنفسنا أمام مفاجآت وأي مفاجآت!
نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.
منشور بجريدة صوت الأمة السبت الموافق 30 مايو 2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق