الخميس، 22 أكتوبر 2026

الضيف أحمد.. السهم والشهاب!


 

يطول عمر البعض، ثم ينتهون عندما يموتون، تبحث للواحد منهم عن أثر أو ذكرى فارقة فلا تجد شيئًا، وبعضهم يعيش السنوات القلائل وعندما يأتيه أمر الله، تجد الدهشة تستولي عليك وأنت تحاول إحصاء أعماله، وهذا من كثرتها ومن ضخامتها التي لا تتناسب مع سني عمره القليلة.

ثم العمر نوع من الرزق وصدق رسولنا الكريم الذي قال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لن تَموتَ حتى تَسْتكمِلَ أَجَلَها وتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّ أحَدَكم اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ على أنْ يَطْلُبَهُ بمَعْصِيَةِ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلَّا بِطاعَتِهِ".. أكتب هذا بعد فراغي من قراءة كتاب الأستاذة زينب عبد اللاه "الضيف سيرة أطول من العمر"، والضيف هو الفنان الراحل الضيف أحمد، والكتاب صادر عن دار ريشة بغلاف متميز صنعته الفنانة هدير الصادق.

رزق الله الضيف الحضور والتوهج فصنع في عشرين سنة ما لم يصنعه غيره في تسعين سنة!.

أنقل عبارة كتبها الراحل الكريم الدكتور شاكر عبد الحميد عن القصاص يحيي الطاهر عبد الله: "مبدع وأصيل، مشرق وطموح، عميق ومؤثر، بسيط ومعبر، دخل حياتنا كالسهم ومرق من عالمنا كالشهاب".. هذه الجملة هي من حق الضيف كما كانت من حق يحيي، فكلاهما عاش عمرًا قصيرًا ولكنه خلف إنتاجًا ضخمَا متميزًا!

الكتابة عن الضيف صعبة، وذلك لندرة المواد المتعلقة بحياته القصيرة، عن نفسي رأيت للضيف مقابلة تلفزيونية واحدة جمعته مع الكاتب ثروت أباظة، وكانت المقابلة عصبية، فأباظة ظهر بمظهر الممتعض من جلوسه مع ممثل، والضيف فرض وجوده في الحلقة بالاستغراق في استعراض ثقافته لكي ينفي عن نفسه تهمة التفاهة!

ثم نحن لا نعرف للضيف سوى حفنة من أعماله، مثل طبيخ الملائكة، وزيارة غرامية، وكل واحد له عفريت، ويوم في السجن، وشاطئ المرح، ثم ظهوره اللافت في فيلم عروس النيل، أما الأعمال التي قدمته ورسخت وجوده فقد سقطت من ذاكرة الأيام لأنها لم تسجل.

أصدق ما قالته زينب عن تفرغها لأربع سنوات لمطاردة قصص حياة الضيف، نعم يمتلك قصصًا وليست قصة واحدة، وقد واجهت زينب عوائق تخطتها بنجاح، فأولًا: سعت إلى السيدة الكريمة نبيلة مندور زوج الضيف، ولكن السيدة بطبيعتها قليلة الكلام بعيدة عن الأضواء، فلم تقل عن زوجها إلا ما تقوله زوجة وفية عن رفيق عمر وحبيب قلب، ثانيًا: معظم رفاق الضيف رحلوا ومن بقي منهم على قيد الحياة نالت منه أحداث الزمان التي لها فعل عوامل التعرية، فالفنان فاروق فلوكس وكان رفيقًا وصديقًا مقربًا من الضيف قدم لزينب الكثير من المستندات والصور، ولكن لم يقدم لها إلا أقل الكلام عن تحليله لشخصية الضيف، وقد أوجعني أن فلوكس ضعف بصره بحيث لم يستطع قراءة ما كتبه على ظهر الصور من ملاحظات!

والحال كما ترى فقد شمرت الكاتبة عن ساعديها وراحت تطارد القصص لتجمعها في نسيج واحد متكامل بداية من الميلاد في 12 فبراير من العام 1936(مع إشارتها إلى أن تاريخ اليوم والشهر مختلف عليه)، وإلى وفاته في 16 أبريل من العام 1970.

ولد الضيف لأسرة من أعيان قرية تمى الأمديد الواقعة في محافظة الدقهلية، كان والده عمدة القرية وكان جده المباشر من السياسيين المرموقين في زمن الخديوي إسماعيل، أما جده البعيد فكان الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، فأسرة الضيف تنتمي إلى عائلة الشرايفة التي ينتهي نسبها إلى الإمام الحسين وهم من أشراف محافظة قنا وتحديدًا من كوم البجا بفرشوط، وقد نزحوا أولًا إلى الشرقية ثم استقروا في الدقهلية.

الفقرة السابقة مهداة إلى الذين يتحدثون عن مصر بوصفها "كميت!".

ولهم أقول: مصر لم تكن يومًا مصرية أو عربية أو إفريقية أو شرق متوسطية أو إسلامية، مصر كانت وستظل إنسانية، ترحب ببني الإنسان بعيدًا عن لونه وعرقه وعقيدته، ومن استقام لها قدمت له عيونها!

نعود إلى سيرة الضيف التي هي أطول من عمره فنجد أن المميز في أسرته هو حرصها التام على تعليم أولادها رغم أي ظرف مادي أو اجتماعي تتعرض له الأسرة، فالتعليم عندها أولًا ثم تأتي الحياة بما تأتي به!

اليسر الذي تمتع به الضيف في طفولته، رغم كثرة أولاد والده مكنه من التعبير عن عشقه للمسرح مبكرًا، فقد جمع أخوته وأولاد عمومته وكون بهم أولى فرقه المسرحية، وطبعًا كان هو المؤلف والمخرج والبطل.

لاحظ أننا نتحدث عن حياة طفل قروي قبل ثمانين عامًا، لقد عرف الضيف المسرح والسينما بعد تردده مع شقيق الأكبر على مسارح ودور العرض التي كانت بمدينة المنصورة!

الأسرة الحريصة على تعليم أولادها بعث به مع أخوته وأولاد عمومته إلى شقة العجوزة بالقاهرة لكي يكمل تعليمه الثانوي والجامعي، فبدأ الرحلة من كلية الآداب بجامعة القاهرة ومن المسرح الجامعي تفوق كمخرج وممثل، فكان رئيسا لفريق التمثيل وقدم العديد من عروض الأدب العالمي ومنها مسرحية «الأخوة كرامازوف» وحصل على الميدالية الذهبية فى مسابقة كأس الجامعات، ولفت الأنظار بموهبته فاختاره الفنان الكبير فؤاد المهندس للمشاركة فى مسرحية «أنا وهو وهي»، بعدها واصل الضيف حضوره المشع حتى وصل إلى ضفاف مرحلة ثلاثي أضواء المسرح، حيث سمير غانم وجورج سيدهم وحيث الجماهيرية الكاسحة والتألق اللافت.

تتوقف الكاتبة الأستاذة زينب عبد اللاه عند نبوءة عراف تنبأ للضيف برحيله المبكر، ومن الواضح أن الضيف لأمر لا يعرفه سوى الله قد صدق النبوءة، فراح يستغرق في العمل لكي يراكم التجارب والخبرة، وكما انطلق كالسهم فقد انطفأ مثل شهاب، يرحمه الله.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 06 سبتمبر 2026

فلنحتفل بميلاده دائمًا وأبدًا


 

احتفل، الأسوياء، من المسلمين الأسبوع الماضي بذكرى ميلاد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، أما الذين يضيقون واسعًا ويحجرون على الأمة فقد تصدى لهم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، فقال لهم: "إن احتفالنا بمولد خاتم الأنبياء والمرسلين ليس احتفالًا بعظيم من العظماء، ممن يتوقف التاريخ عند أدوارهم قليلًا أو كثيرًا، ثم ما يلبث أن يروح ويتركهم، بل هو احتفال من نوع آخر مختلف، إنه احتفال بالنبوة والوحي الإلهي وسفارة السماء إلى الأرض، والكمال الإنساني في أرفع درجاته وأعلى منازله، والعظمة في أرقى مظاهرها وتجلياتها، احتفال بالتشبه بأخلاق الله تعالى قدر ما تطيقه الطبيعة البشرية، وقد تمثل كل ذلك في طبائع الأنبياء والمرسلين، الذين عصمهم الله من الانحراف، وحرس سلوكهم من ضلالات النفس وغوايات الشياطين، وفطر ظاهرهم وباطنهم على الحق والخير والرحمة".

وقديمًا تصدى لهم الصاحبي الجليل حسان بن ثابت شاعر الرسول فقال واصفًا سيد الخلق: "وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء

خُلقت مبرّأً من كل عيب

كأنك قد خُلقت كما تشاء".

ولأن أيام الأمة ثقال تسودها القسوة والغلظة فحري بنا أن نتأمل معًا بعض المواقف التي تجلت فيها رحمة الرسول التي لم يخص بها المؤمنين برسالته، بل جعلها عامة تشمل كل مخلوقات الله.

ولد صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة ولم يغادرها إلا وهو في الثالثة والخمسين، وعندما شرفه الله بالرسالة كان في الأربعين من عمره فناصبته مكة العداء لثلاث عشرة سنة كاملة، فهاجر إلى المدينة المنورة وواصلت مكة حربها الشرسة عليه وعلى دينه وقتلت من خيرة أصحابه مَنْ قتلت، وقتلت عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله، بل مثلت بجثمانه الطاهر، وعندما جاء فتح مكة في العام الثامن من الهجرة كان قد مضى على بدء العداء إحدى وعشرون سنة كاملة، فلو أنه صلى الله عليه وسلم اقتص منهم لكان عادلًا، بل لو أنه خرّب بيوتهم لكان عادلًا ولكنه بالرحمة التي جعلها الله في قلبه، غفر للجميع وسامح الجميع وعفا عن الجميع وقال قولته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

ثم هناك قصته مع ثمامة بن أثال، لقد أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي فربطوه بسارية من سواري المسجد، ومكث على تلك الحال ثلاثة أيام، حتى دخل الإيمان قلبه، ثم أمر الرسول بإطلاقه، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي".

وبعدها أصبح ثمامة من قادة المسلمين!

ونرى الآن فلانًا الذين يقتل زوجته ومعها أسرتها، وننسى فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه أمهات المؤمنين ومع السيدة الزهراء كريمته.

كان الرسول يرحم أزواجه بل ويدللهن، فقد كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير، لاحظ أنه الرسول، ولاحظ أنه رئيس دولة الإسلام والقائد الأعلى لجيش المسلمين، ولكن هكذا كانت رحمته وهكذا كان تواضعه، ثم كان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه.

ونختم برحمته التي جعل للجماد منها نصيبًا، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فجاء رومي فقال: ألا نصنع لك شيئا تقعد عليه فكأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتين ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره حزنا على الني، فنزل الرسول من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه الرسول الله سكن، ثم قال: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة".

أيها المسلم السوي، كن مع أزهرك الشريف واحتفل بذكرى ميلاد سيد الخلق وتذكر دائمًا قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ".

 

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 30 أغسطس 2026

 

 

 

 

 

 

 

"دشت ليلى" الإيرانية!

 

وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترام قبل أيام قلائل مضت، خطيبًا في تجمع سياسي في أكاديمية للشرطة بمقاطعة ناسو في ولاية نيويورك وقال نصًا: "بعد أن ننتهي من هزيمة إيران، التي تتعرض الآن لهزيمة قاسية للغاية، قريباً جداً سأعلن مضيق هرمز أرضاً تابعة للولايات المتحدة".

أظنها المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس أي رئيس عزمه على احتلال أرض دولة تبعد عن دولته بالآلاف الكيلو مترات، ترامب سيحتل المضيق بل ويضمه إلى الأرض الأمريكية ليخترق حواجز الجغرافيا والتاريخ معًا، لماذا سيفعلها ترامب؟

ليس هناك مبرر يقبله عقل العاقل، فترامب يحارب إيران لأنها تنوي، مجرد نية إنتاج سلاح نووي، وهو بلسانه قال مرارًا وتكرارًا: "لقد نجحت في تدمير برنامج إيران النووي".. فلماذا يحاربها؟.. لإسقاط نظام حكمها، وفي سبيل ذلك قتل مرشد ثورتها وقتل قادة الصفوف الأولى من القادة العسكريين والدينيين والعلماء والسياسيين، ثم لم يسقط نظام الحكم الإيراني، الآن جاء دور الاحتلال والضم المباشر السافر العريان الذي لا يستر عريه أي ادعاء زائف من مزاعم الغرب الإنساني المتحضر المتمدين الديمقراطي.

هل عارض أحد من الحضور الرئيس الأمريكي؟.. العكس هو ما حدث فقد صفق له بعضهم استحسانًا وقهقه له الآخرون إعجابًا.

ترامب ليس ابن ذاته، هو ابن طبقته وتياره وثقافته، إنه خير معبر عن غطرسة القوة.

أما موضوع سحق إيران وكونها الآن تتلقى هزيمة نكراء، فهذا أمر تؤكد الوقائع التي تجري على الأرض أنه من الأمور الخيالية التي تجري في رأس الرئيس الأمريكي فقط، ولكن فلنمد الخيط إلى منتهاه، ماذا سيحدث للإيرانيين إن سحقوا وتم احتلال مضيق هرمز وضمه إلى الأرض الأمريكية؟.. سيحدث ما حدث قبل ربع قرن في أفغانستان، سيصحو العالم ليجد نفسه أمام مذبحة "دشت ليلى"، وهذه المرة سيكون اسمها "دشت أصفهان" أو "دشت طهران" أو أي بلد إيراني.

دشت ليلى بالفارسية تعني "سهل أو صحراء ليلى"، وهو مكان يقع في شمال أفغانستان.

بدأت المأساة في أواخر نوفمبر 2001 فقد انهارت جبهة حركة طالبان التي كانت تقود الأفغان في التصدي للغزو الأمريكي لبلادهم، قوات طالبان كانت محاصرة في مدينة "قندوز"، قوات الحصار كانت خليطًا من القوات الأمريكية ومن قوات الجنرال عبد الرشيد دوستم، أقوى حلفاء أمريكا بين الأفغان.

استسلام قوات طالبان كان صريحًا واضحا، لقد غادر المقاتلون مواقعهم رافعين رايات الاستسلام البيضاء.

طبعًا حدث اتفاق بينهم وبين الأمريكان ودوستم على احترام قوانين الحرب!

طبعًا لم يصدق أحد تعهدات الأمريكان ونجا!

كان الأمريكان ودوستم قد جهزوا شاحنات مخصصة أصلًا لنقل البضائع لا البشر لتنقل المقاتلين إلى السجون.

الصورة تغني عن ألف كلمة بل عن مليون كلمة، وصور الكارثة سجلها الفيلم الوثائقي "قافلة الموت".

الفيلم أعده المنتج والمخرج الأيرلندي جامي دوران عن تحقيقات أجراها الصحفي الأفغاني نجيب الله قرشي.

جاء في الفيلم: حُشر ما بين مئتين إلى ثلاثمائة رجل في الحاوية الواحدة حشراً لا يسمح حتى بالسقوط أرضاً، وقفوا ملتصقين، صدورهم في ظهور بعضهم، وظهرهم على جدران الفولاذ الساخنة ثم أُغلق الباب الحديدي واختفى الضوء وانقطع الهواء، نفد الأكسجين ببطء وبدأوا يلهثون صرخوا: "نموت.. أعطونا ماء.. نحن بشر لا حيوانات".

سمعهم سائق فتسلل بمطرقة وصنع ثقوباً صغيرة في جدار الحاوية ومرر لهم زجاجة ماء، لكن جنود دوستم رأوه وضربوه بأعقاب البنادق حتى كاد يموت وحين لم تعد تكفي ثقوب المطرقة، أخرج الجنود بنادقهم الكلاشينكوف وأفرغوا رصاصاتهم في جدران الحاوية. اخترق الرصاص الفولاذ ومزق الأجساد المتلاصقة.

يقول أحد السائقين: "فتحوا باب الحاوية الأولى.. تساقطت الجثث كالسمك وملابسهم ممزقة ومبللة بالعرق والدم كلهم ماتوا لم ينجُ أحد".

ما وقع للدفعة الأولى من المستسلمين وقع لباقي الدفعات، حشر في شاحنات فولاذية ثم من لم يمت بنقص الاوكسجين سيموت بطلقات الرصاص.

أين كان الأمريكان الذين أعطوا العهد والأمان لطالبان؟

يا رجل هل هذا سؤال!

كانوا يقدمون الجرافات التي ستصنع واحدة من كبريات المقابر الجماعية في تاريخ الحروب، فثلاثة آلاف من طالبان قتلوا في ساعة واحدة بطريقة واحدة!.

تسرب خبر المجزرة فقال البنتاجون: "لم نعرف.. لم نشارك.. لم نتواجد هناك."

إذا كنت تصدق البنتاجون فأنت وقلبك وأنت وعقلك وأنت ودينك!

عندما عرض فيلم "قافلة الموت" أصبح الصمت محرجًا للجميع، فتحركت في فبراير 2002 منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" ووصلت صحراء دشت ليلي ووجدوا عظامًا بشرية مبعثرة تنهشها الكلاب، قامت المنظمة بحفر ستة أمتار، فعثرت على خمس عشرة جثة في طبقة واحدة وكانت الأجساد متحللة، والأيدي لا تزال مقيدة.

قبل أن تفلت الأمور وتجمع المنظمة الأدلة التي تدين الأمريكان ودوستم، نبشت القبور وأُخرجت العظام وسُحقت وحين عاد المحققون لم يجدوا شيئًا!

كان رئيس أمريكا أيامها هو بوش الذي نجح نجاحًا ساحقًا في طمس معالم المجزرة، ثم مرت السنون وجاء الديمقراطي أوباما فتعهد بفتح التحقيق ولكن الشهود كانوا قد ماتوا والأدلة كانت قد اختفت، لتصبح المجزرة مجرد رقم في سجلات المجازر التي يتعرض لها من يستسلم للأمريكان أو يصدق وعودهم.

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 23 أغسطس 2026

 


الجنازة التي فضحت الكيان


 

يقيم بعضهم حفلات زفاف جماعي، فيكون الأمر مبهجًا لأنه ينشر فوق الرؤوس فرحة عامة تدعو للتفاؤل، وتضخ في العروق المتيبسة بفعل أحداث الزمان دفقة أمل طازجة، ولكن غزة الحبيبة المقاومة الصابرة المحتسبة، هي بلد المفارقات، بل هي منشأ المفارقة، فهي تقاتل أعتى جيوش المنطقة بصدرها العاري وتربح جولات مدوية، وستربح الجولة الأخيرة، وهذا وعد الله، وتقيم حفلات الزفاف الجماعية في زمن الموت الجماعي، وتقيم مراسم العزاء لجنازة جماعية لشهداء مجزرة لم يسمع بمثلها التاريخ من قبل، فقد ودعت غزة في ساعة واحدة مئة واثنا عشر شهيدًا.

تقول القصة: إنه في يوم الثاني والعشرين من نوفمبر من العام 2023 أي بعد مرور أقل من شهرين على انطلاق الطوفان المبارك، قام العدو المحتل بجولة قصف جنونية لحي الصبرة الواقع في جنوب مدينة غزة، تركز القصف على بيوت عائلتين فقط من عائلات الحي، عائلة أبو شريعة وعائلة الحساينة، هدأ جنون العدو فظهر حي الصبرة على هيئة مقبرة جماعية فقد ارتقى من العائلتين ثلاثمئة وثمانية من الأبرياء ، ومن يوم تلك المجزرة حاول رجال غزة انتشال جثامين الشهداء، ولكن هيهات، فالأمر يحتاج إلى معدات ثقيلة وإلى آلات متقدمة تخلو منها غزة ولا يسمح العدو بدخولها إلى القطاع كله، كان الحفر والبحث يجري بالأظافر وبأبسط الآلات المتاحة وتواصل لعامين ونصف العام، وأخيرًا تمكن المنقذون من انتشال جثامين أو بالأحرى بقايا جثامين مئة واثني عشر شهيدًا، وبقي تحت الأنقاض مئة وسبعة وخمسون شهيدًا، قد يأتي يوم انتشال بقاياهم وقد لا يأتي!

صباح الثلاثاء الرابع من أغسطس من عامنا هذا 2026 خرجت غزة، كل غزة في مشهد يقشعر له جلد كل حر لتوديع الشهداء الذين جرى تكفينهم بأعلام فلسطين.

كنت أنتظر تغطية إعلامية كبرى تفضح جرائم الاحتلال، ولكن خاب أملي، وكنت أنتظر تغطية إعلامية تمسك بحرارة الموقف وبألمه ولكن هيهات، هو مجرد خبر عابر بين عشرات الأخبار بدأ بث الخبر في ضحى الثلاثاء ثم تلاشى من فوق الشريط الدوار بعد ظهر الثلاثاء، وكأن شيئًا لم يكن، ضاعت فرصة ذهبية لفضح العدو على مستوى العالم ولكي يعرف من لم يعرف بعد أصل إجرامه ومنبع خسته، فقد قتل نساء العائلتين وأطفالها ورجالها وشيوخها ولم يفلت منه أصحاب الظروف الخاصة.

هل ضاعت الفرصة أم نحن الذين أضعناها، ونحن هذه تعود على العرب أولًا، فهم يمتلكون وسائل إعلامية ذات تأثير عالمي ولكن تلك الوسائل تتعطل بفعل فاعل إذا كان الأمر يخص فلسطين وغزة على وجه التحديد.

نحن أضعنا الفرصة وقدمنا تغطية عابرة باهتة لم تحمل شيئًا من حرارة المأساة، أما العدو فقد استغل الجنازة الجماعية أحسن استغلال وقد أهرقت نفسي في البحث عن تلخيص لتغطية الكيان من خلال الترجمات التي تقدمها المواقع المتخصصة فوجدت ما يلي:

أولًا: الكيان يستغل الفرصة ليعمم صيغة واحدة يعتمدها، فليس هناك ضحايا أو شهداء أو حتى قتلى، الجنازة في نظر كيان الاحتلال هي عملية دفن مجموعة من المخربين الذين تم تصفيتهم لأن أيديهم ملوثة بدماء جنود جيش الدفاع الأخلاقي العظيم!

ثانيًا: الجنازة ما هي إلا عمل استعراضي من أعمال الفصائل المخربة، تريد منها وبها صنع حالة من الضغط الدولي على حكومة نتانياهو للحصول على المزيد من المكاسب!

ثالثًا: التشكيك في الأمر كله، فكل هذه الجثامين هي في حقيقتها لدروع بشرية كانت الفصائل تختفي خلفها للنيل من جيش الدفاع، وهؤلاء القتلى هم الذين اختاروا بمحض إراداتهم الاختباء في قبو سكني ليكونوا دروعاً بشرية للفصائل الإرهابية!

رابعًا: حملة سخرية وشماتة واسعة النطاق فقد انتشرت تعليقات تحمل هذه الكلمات "نرجو أن يلحق بهم بقية المخربين في غزة" أو "تنظيف قطاع غزة مستمر".

خامسًا: التركيز على استدعاء السابع من أكتوبر بوصفه المسئول الأول والأخير عن دمار غزة، مع تبرير كل تدمير حدث تحت شعار "من بدأ الحرب بالأمس لا يحق له البكاء على قتلاه اليوم".

سادسًا وأخيرًا: عدم ذكر أسماء العائلات المنكوبة "أبو شريعة" أو "الحساينة" كمواطنين، بل تُذكر المنطقة كبؤرة جغرافية للقتال. وبذلك، يتحول استخراج رفات 112 إنساناً بعد قرابة 3 سنوات تحت الأنقاض، في عين المشاهد الإسرائيلي، إلى مجرد "تطهير لجيوب تخريبية قديمة".

خالص العزاء لغزة ولأهلها، ولا عزاء لديمقراطية الغرب التي ماتت وفاحت رائحتها.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 16 أغسطس 2026

الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

فن العدودة.. أرشيف الدموع المصرية


يعد الشاعر الكبير الأستاذ درويش الأسيوطي من أصحاب المواقف النادرة في الثقافة المصرية المعاصرة، إذ إنه وقلة من المثقفين والكُتّاب لم يغادروا قط الأقاليم التي ولدوا بها إلا لرحلة علم أو عمل قصيرة، وتلك الإقامة وإن كانت حرمتهم من فرصة الشيوع والانتشار الكبير إلا أنها جعلتهم من آباء الثقافة في أقاليمهم.

ولد الأسيوطي في السادس من أغسطس من العام 1946 بقرية الهماميّة التابعة لمركز البداري بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، غادر أسيوط ليحصل على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس القاهرية، ثم عاد بعدها إلى أسيوط ليقيم، مشاركة في ترقيتها وتثقيف أولادها فأنشأ العديد من الجرائد والمجلات، منها” صوت الجماهير” و” اللقاء” و” الملتقى” و” سلسلة الإبداع الثقافي، و” سلسلة كتب مسارح”.

وأخرج الأسيوطي العديد من المسرحيات ومثّل في بعضها وقد حاز على جائزة الممثل الأول في العام 1971.

ومع عطائه المشهود في المجال المسرحي وفي الكتابة للطفل، ظل الشعر هو ميدانه الأول، فنشر الكثير من المجموعات الشعرية، نذكر منها” أغنية لسيناء ” والحب في الغربة “أغنية رمادية” و” من أسفار القلب “.

وقد أهتم اهتمامًا خاصًا بكل ما له علاقة بالتراث الصعيدي، فكتب ونشر ثلاثة كتب هي” لعب العيال” و” من أهازيج المهد “و” أشكال العديد في صعيد مصر “.

وأمام كل هذا العطاء المتواصل على مدار أكثر من نصف قرن كرمته الدولة ومنحته جائزتها التشجيعية، ثم منحته وسام الفنون من الطبقة الأولى في العام 1997.

حرارة الدموع

في العام 2006 نشرت الهيئة العامة لقصور الثقافة لدرويش الأسيوطي كتابه الذي بين أيدينا” أشكال العديد في مصر”.

الأسيوطي مولع أصلًا بصيانة وحفظ التراث عامة والصعيدي منه على وجه الخصوص، ولكنه مع كتابه هذا، كأني به لم يكن يقصد الحفظ فحسب، بل والرثاء أيضًا، رثاء فن عظيم مات أو شارف على الموت.

سأل الأصمعي أعرابيًا: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟

رد الأعرابي: لأننا نقولها وقلوبنا محترقة.

وسأل درويش الأسيوطي أمه: هل ما يزال لديك يا أمي من هذا العديد؟

فردت: الأم: هو إمتي بيخلص يا ولدي، العديد، نهر حزن بلا مصب، يجري من آلاف السنين ولن يجف.

من حرقة السؤالين والإجابتين، يبدأ الأسيوطي كتابه الذي هو أقرب إلى بحث جامع، يجري وفق المناهج الأكاديمية وليس الكتابات التلقائية.

يؤكد الأسيوطي أن العديد هو فن نسائي خالص، فلن تجد رجلًا يعدد كما تعدد النساء، هذا مع أن العديد ليس إلا رثاءً للميت وتعديدَا لمناقبه، ولكن طريقة النساء في قول هذا الرثاء، لا تصلح مع الرجال خاصة في مجتمع الصعيد.

أعتمد الأسيوطي في جمعه لمادة كتابه على محفوظاته من العديد لأنه عندما كان طفلًا كان يُسمح له بالوجود مع والدته في الجنائز، ولأن الشاعر يولد شاعرًا فقد حفظت ذاكرة الأسيوطي كثرة من فن العديد، ثم أعتمد على تسجيلات قام بها لنساء ورجال من شمال الصعيد وهي المنطقة التي يعرف جغرافيتها جيدًا وكذا عائلاتها.

العديد بمعنى تعديد المناقب والمكارم هو فن عربي قديم جدًا، ومع الأحداث غادر ديوان الميراثي الفصيح إلى أرض العامية المصرية، وتولته النساء المصريات بالتهذيب والترقيق، حتى أن المستمع لا يستطيع حبس دموعه متى سمع عديد المرأة الصعيدية.

الضغوط الاجتماعية

قد يظن البعض أن صاحبة العدودة تنطلق هكذا فجأة للبكاء الشعري على الميت، وهذا الظن غير صحيح بالمرة، فالمرأة تعاني ما نعرفه من ضغوط اجتماعية وثقافية، ولذا تجد في حلقة التعديد فرصة للإفراج عن أحزانها الخاصة، العامة، لأن أحزانها هى أحزان بقية النساء.

تقول المعددة:

” قالوا حزينة / أنا قلت من يومي

قسموا النوايب / طلع الكبير كومي”.

والمعنى أنها حزينة مذ كانت، وعندما قاموا بتوزيع المصائب وجدت أن نصيبها هو أكبر المصائب والأحزان!

ثم بعد رثاء الذات يبدأ القصيد الحزين، الذي يتكون غالبًا من بيتين أو أربعة أبيات، وليس مهمًا التزام قافية واحدة كما في شعر الميراثي الفصيح، لأن المعددة تهتم بوجود التقارب والتوافق الموسيقي بين حركة الحروف.

والمثال على ذلك هو عديد المرأة التي مات زوجها فجأة ورأسه على صدرها.

فهى تقول:” صبرك عليّ/ لما أقول قولي

ميلة رقبتك / حرمتني من نومي”.

هنا تتساوى كلمة (قولي) مع كلمة (نومي) في التقفية.

فالتقفية تبدأ بضم الحرف الأول، ثم وجود حرف المد الواو ثم كسر الحرف الثالث، وأخيرًا الكسرة المتمثلة في حرف المد الياء، وهكذا.

بعد التمهيد برثاء الذات، تنخرط المرأة في حديث مع نفسها، إنه ذاته الذي نعرفه باسم (المنولوج)، واضح أن الاحزان هى خير معلم!

تقول المرأة:

” خلفت الطريق ومشيت بالعاني

خلف الطريق الوعد لقاني

خلفت الطريق ومشيت على مهلي

خلف الطريق الوعد نده لي”.

والمعنى أن الإنسان لن يفر من قدره الذي هو الوعد والمكتوب، فأي طريق اختار سيجد قدره أمامه، بل إن القدر سينادي على صاحبه!

ومن(المنولوج) تذهب المرأة إلى (الديالوج) فتجري حوارًا مع الآخر أو الآخرين، فهي تسأل وتسجل سؤالها، ثم تتلقى الإجابة وتسجلها.

تقول المرأة:

ـ وعملت إيه ساعتين طلوع روحي؟

ـ بقيت أسف الحمضلة بلوحي.

ـ وعملت إيه ساعتين طلوع الروح؟

ـ بقيت أسف الحمضلة باللوح.

المعني هو سؤال عن رد فعل تجاه لحظة الاحتضار.

وإجابة المسئولة أنها كانت تسف الحنظل بلوحها، والسف، عربي قديم وسف الدواء أي تناوله يابساً غير معجون.

والحمضلة تحريف للحنظل ولوحها تعني به كفها، فهي تسف الحنظل سفًا.

وفي العديد نوع فريد من السرد، وهو يظهر على صورتين، الصورة الأولى: أن يتضمن السرد ردًا ومثال ذلك العدودة التي تقول:

” شيعت لك مرسال تجيني تحت البيت”

هنا تقول المرأة لرجلها إنها قد بعثت له برسالة لكي يحضر إلى بيتها.

فيرد الرجل” أنا في قرار اللحد ما حسيت”.

يعتذر عن عدم حضوره لأنه قد مات ولم يشعر بالرسالة التي قامت الزوجة بإرسالها إليه.

والصورة الثانية: هى سرد خالص يكشف عن حالة المعددة ولا يكون في الصورة رد من الرجل.

تقول المعددة:

“خدت الفطير وشرايح الليمون

إنشوف حبيبي ليكون مغبون

خدت الفطير وشرايح الرمان

إنشوف حبيبي ليكون زعلان”.

ثم يصل الأسيوطي إلى شكل جديد من أشكال العديد فيكتب عن” التطويحة” فيقول يقصد بالتطويحة مد النائحة صوتها بالغناء، استعدادًا لقفلة المقطوعة. ولذلك يأتي الحرف الذي تمده الشطرة ما قبل الأخيرة من المقطوعة، ولأنها دائمًا في جانب الثوابت، بل تكون في آخر الثوابت، فستكون الكلمة التي بها الحرف في الموضوع نفسه من مقطوعة من مقطوعات مجموعة العدودة مثل كلمة: حبيبي في المجموعة السابقة أما الحرف المقصود فسيكون ياء المد السابقة للباء.

ثم ضاع الجمال

أزعم أن الكتاب يضم آلاف الأبيات الفاتنة، فالكتاب كبير يقارب الخمسمائة صفحة من القطع المتوسط، ومؤلفه هو شاعر بالأساس، يحفظ الكثير ولديه تسجيلات حية للكثرين من الرواة النساء والرجال المنتشرين بين قرى أسيوط.

أبيات قصائد العديد تشمل كل مناحي وحالات الحياة، فهي تصف أحوال الإنسان من لحظة مرض موته، ثم طلوع روحه ثم مرحلة غسله الغسل الشرعي، ثم دفنه، ثم إقامة صوان العزاء، ثم تخيل حالاته تحت التراب، ثم تنطلق المعددة فتقول إنه في موسم الحصاد كان يفعل كذا وكذا من مكارم الأخلاق، وفي ساعات الزواج كان يفعل كذا، وفي أيام البناء والعمران كان يفعل كذا، إنها ترثي كل اللحظات والمواقف التي كان يبرز فيها شخص الراحل الكريم، وتقول على لسان ابنته ما يجب ان تقوله الابنة وكذا على لسان ابنه وكذا على لسان زوجته.

رصد شعري رائع يدفع بالدموع إلى العيون، ثم جرت في النهر المياه التي نعرفها، فذهب كل هذا التراث أو كاد يذهب لولا بقية باقية من قدماء الرواة.

لماذا كاد هذا الفن أن يختفي؟

يجيب الأسيوطي: هناك أسباب تأتي من داخل الفن نفسه وأسباب تأتي من خارجه.

الأسباب التي تأتي من داخله يقف على رأسها، استعصاء الكثير من مفردات هذا الفن على غير أبناء المنطقة التي تعيش بها المعددة، وظني أن محفوظات الأسيوطي، مقصورة على أبناء شمال الصعيد فقط، وذلك الاستعصاء جعل الفن محاصرًا بحدود جغرافية لا يستطيع تجاوزها، فالعديد في الأقصر وأسوان وسوهاج، غيره في أسيوط والمنيا.

ومن الأسباب الخارجية نلاحظ أن العديد مقصور على حلقات النساء، فكيف لرجل أن يقتحم تلك الحلقات ليقوم بالتسجيل، هذا في الصعيد دونه خرط القتاد؟

ثم هناك تراجع نظرتنا إلى مورثنا الثقافي، ونعت هذا التراث بالتخلف والتدني، وهو شهد الله من كل ذلك براء، فبعض المقطوعات التي أوردها الأستاذ الأسيوطي تقف رأسًا برأس مع شوامخ الخنساء ولكن من الذي يقدر فن امرأة صعيدية أمية؟

ثم كانت ما يقولون إنها صحوة إسلامية، فتلك الصحوة المزعومة جعلت دعاتها يحرمون كل تلك الطقوس ومن بينها فن التعديد، وهذا عجيب جدًا فلو كانت صحوة ما كانت لتخاصم الفن الجميل المؤثر، فما الحرمة في البكاء بشكل شعري على ميت عزيز؟

وبعدُ فقد جمع الأسيوطي مادة كتابه قبل ما يزيد على العشرين سنة، وتوقع أن يختفي هذا الفن، لأن الرواة كانوا متقدمين في السن، وأغلب الظن أن أحدًا لم يحفظ عنهم، ثم الموت نفسه أصبح معلبًا وسابق التجهيز ويملأ الطرقات فذهبت الحسرة والدهشة وهما من لوازم فن التعديد، فإن لم تبارد المؤسسات المعنية بجمع هذا التراث فسيختفي تمامًا كأنه لم يكن يومًا يملأ الدنيا ويشغل الناس.

ـــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات أونلاين الموافق 21 ديسمبر 2020


 

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

سلامٌ على صلاح عيسى في الساخرين


 قالت لي الشاعرة الكبيرة كوثر مصطفى: عملت شهورًا مع صلاح عيسى فكان يدهشني، لقد كان يستطيع الجمع بين الكتابة ومحادثة جليسه! ثم دار الزمان دورته وعملت أنا مع الأستاذ صلاح عيسى فرأيته يدخن ويرشف القهوة ويتشاجر معي ويلقي بالنكات ويكتب كتابة دافئة متدفقة كأنها تملى عليه!

كنت أسأله عن تفرده هذا فيرد ضاحكًا: لقد مرضت بالكتابة في طفولتي وتجاهل أهلي علاجي.

بعيدًا عن إجابته الضاحكة فقد كان فعل الكتابة بالنسبة لعيسى كأنه من أفعال الغريزة التي لا يمكن مقاومتها أو الفرار منها، كان يكتب كأن الكتابة هى الهواء الذي يتنفس، ولا حياة لإنسان إن توقف تنفسه.

سألته مرة عن جدوى الكتابة فقال: هى النقطة التي لا يبدأ النهر إلا بها، يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، بل ودهرًا بعد دهر، تظهر جدوى الكتابة، بل تظهر فائدة كل فن وعلم، قد يموت الكاتب ولا يرى بعينيه أثر كتابته، ولكن صدقني الكلمات لا تتبخر، وهي تختبئ في مكان ما ثم تظهر في يوم ما وقد أعلنت انتصارها الحاسم والنهائي على كل قبح.

كأن إجابته لم تقنعني، لذا قطع كلامه ونفث دخان سيجارته بالقرب من وجهي وقال: قم لعملك يرحمك الله.

ها! لقد أهدتني جملته تفسيرًا صادقًا لظاهرة صلاح عيسى.

إنه الشغف بالعمل، هو يعمل ليل نهار، يعمل وهو مطرود من جرائده، يعمل وهو معتقل لا يعرف متى سيرى ضياء الشوارع، يعمل ليضرب المثل، في مقاومة  الظلم والقبح بالعمل، وليضرب المثل في الخصام الأبدي للكسل وتقلبات المزاج، وليضرب المثل في الانحياز التام والكامل لمعنى السير ولو منفردًا في الطرق الموحشة التي ستقود يومًا إلى نشوة الانتصار للجمال وللحق وللعدل.

أتذكر الأستاذ الضاحك الباكي صلاح عيسي وبين يدي أحدث مؤلفاته “سلامي عليك يا زمان / مشاغبات وهموم صحفي عربي في الثمانينيات”.


هذا الكتاب الذي نشرته قبل أيام “دار الكرمة” هو شهادة على شغف صلاح عيسى بالعمل ، فالكتاب ما هو إلا جمع لمقالات سبق له نشرها في صحف شتى، ثم بصبر جمعها مرتبة حسب تواريخ نشرها، ووضعها في مكان ما من مكتبته المترامية الأطراف، فما أن رحل عن دنيانا قبل سنة حتى تناولت زوجته الكاتبة الكبيرة الأستاذة أمينة النقاش ملف المقالات وقدمته لدار الكرمة.

واحد غير الأستاذ صلاح نشقى لنجمع ما تبعثر في بطون الجرائد من كتاباته، أما هو فقد كان يتقن عمله ويحرص على الاحتفاظ بكل ورقة كتبها حتى ولو لم تكن تحمل سوى سطرً واحد.

يضم الكتاب ستة وثلاثين مقالًا نشر معظمها في الثمانينيات، وكلها وفية لعنوانها الذى هو اشتباك حي لصحفي عربي مع وقائع وأحداث زمانه.

يبدأ الكتاب بمقدمة طيبة كتبتها الأستاذة أمينة النقاش، وكان ألطف ما بها هو حرصها على شرح عنوان الكتاب، فسلام عليك يا زمن هو جزء من دور غناه الفنان الراحل محمد عثمان الذي كان صلاح عيسى مولعًا به.

ولكن برغم جودة المقدمة فلم تقطع الأستاذة أمينة بنسبة العنوان للمؤلف، فهل هو الذي كتبه أم هى التي قامت بوضعه على الكتاب وفاءً لذكرى محبة صلاح لمحمد عثمان.

كما لم تذكر سببًا لإعادة نشر مقال أو فصل “خط العتبة يا حبيبي” وهو الفصل الذي كتبه عيسى عن الراحل الكريم الكبير فتحي رضوان ونشره في كتابه “شخصيات لها العجب”.

 

وكان من الطيب المفيد أن تقوم الأستاذة أمينة بذكر أسماء الجرائد التي نشرت بها المقالات لكي يتمكن الباحث من الرجوع إليها، وهى ذكرت الصحف على وجه الإجمال وليس على وجه التفصيل اللازم لحفظ التراث.

بعيدًا عن هذه الملاحظات الهينة نتوقف عند واحد من فصول الكتاب وهو فصل جامع لخصائص أسلوب صلاح عيسى، كما أنه يكشف عن توجهه العربي وعن وجهه العروبي، ذلكم هو الفصل المعنون بـ “إحنا بتوع البيريسترويكا”.

يبدأ عيسى هذا الفصل بوقوفه في صالة مطار القاهرة تمهيدًا لسفره إلى دمشق، قبل إقلاعه يجلب بخياله الخصب شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي ينشد عيسى سائلًا: “لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟

هنا العلا وهناك المجد والحسب”. يقول عيسى: حيرني السؤال وبدا لي أن الإجابة عليه مشكلة معقدة.

سافر عيسى فاستقبله في دمشق صوت عفاف راضي مغنيًا “كله في المواني يا بابا”. في دمشق كان الفندق متواضعًا وقاعة الاجتماعات أشد تواضعًا ، الحضور الساطع كان للبرد الشديد، كان المجتمعون من شتى أرجاء الوطن العربي الكبير، يدخنون في شراهة وهم يتناقشون حول “البيريسترويكا العربية !”

يسأل عيسى نفسه: هذه البيريسترويكا هل هى شأن روسي بدأه رئيس روسيا جورباتشوف أم هي نظرية عالمية؟ وإن كانت تعني في روسيا إعادة البناء فما هو معناها في الواقع العربي؟

 

يفيق عيسى من أسئلته التي يلقيها على نفسه فيسمع شجار المناقشات الساخنة .لقد وصل النقاش إلى فرضية عربية عجيبة، يقول ملخصها: يجب ألا ندخل الثمانينيات بحقد الأربعينيات والخمسينيات، لو واصلنا الصراع مع الصهاينة فسيتوتر السلام العالمي وقد يصل التوتر إلى استخدام الأسلحة النووية، ولو جرى استخدامها فسنهلك جميعًا نحن والصهاينة وسيفوتنا تحرير فلسطين من النهر إلى البحر!

لقد سمعهم عيسى وهو يقولون: إن إعادة البناء وفق آليات البيريسترويكا العربية ستتيح لنا الدخول إلى الزمن القادم بمفاهيم العقل لا النقل .عند هذا الحد تأكد عيسى أن المغنية كانت محقة وهى تغني “كله في المواني”. الجماعة يريدون مصالحة العدو والتطبيع معه دون قيد أو شرط لكي لا ينهار السلام العالمي!

في طريق عودته إلى القاهرة مثخنًا بجراح المناقشات، يتم اتهام ليبيا بإسقاط طائرة أمريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية، وهو الحادث الذي عرف إعلاميًا باسم قضية لوكيربي وكان سببًا في حصار أمريكا لليبيا لسنوات.

جرى تفتيش الوفد الذي شارك في اجتماع “البيريسترويكا”، في كل مطار وصل إليه، حتى إذا وصل الوفد  إلى مطار القاهرة رأي عيسى شاعر النيل في استقباله ليسأله مجددًا “لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟ هنا العلا وهناك المجد والحسب”. هنا أجابه عيسى : “إحنا بتوع البيريسترويكا “، فتقدم شخص كان يقف خلف شاعر النيل ليقول له بصراحة: “اتفضلوا معي على مكتب الأمن”.

 

منشور بموقع أصوات أونلاين بتاريخ 7 يناير 2019.

السبت، 26 سبتمبر 2026

المنفلوطي المفترى عليه (2 ـ 2 )

في الجزء الأول من مقالنا توقفنا عند سجن المنفلوطي بسبب قصيدته التي هجا بها الخديوي عباس حلمي الثاني.

قام المنفلوطي وصديقه الصحفي الناشر أحمد فؤاد باستئناف الحكم، قبلت المحكمة الاستئناف فعدلت الحكم بالسجن لستة أشهر مع بقاء الغرامة كما هى، يدفع فؤاد ثلاثين جنيهًا ويدفع المنفلوطي عشرين جنيهًا.

وقبل مواصلة الرحلة مع المنفلوطي المفترى عليه، نتوقف قليلًا عنده صديقه الأديب والناشر أحمد فؤاد الذي أدرك من البداية أنه سيسجن ولو قدم ألف دليل على براءته فقرر فضح العائلة المالكة أمام المحكمة فقال وفق الكاتب سعد رضوان الذي أرخ لتلك القضية: «إن الرعية لم تسر حقا بقدوم الخديوي، وإن محبة الرعية الملكية أمر اختياري وما من ملك إلا وله من لا يسر بقدومه، والملك لا يستطيع إرغام رعيته على محبته، لأن الملك يملك أجسام الناس ولا يملك قلوبهم، وأنه ليس أول من جاهر وأعلن للناس مظالم الخديوي، فإن أحدًا لا ينسى قصة مدفع الوالي سعيد التي نشرتها صحف مصر فى وقتها، فقد استورد الجيش مدفعا جديدا من فرنسا، وطلب سعيد تجربته فى أحد الميادين العامة، ونقل المدفع إلى ميدان عام، وأمر بإطلاقه فاقترب منه أحد رجال الحاشية، وقال: هل يأمر أفندينا بأن نتمهل قليلا حتى يمر الناس؟.

فرد سعيد: ليس عندى وقت، أطلق النار فنحن لم نستلم الناس بالعدد!

وأكمل فؤاد كلامه قائلًا: إن الخديوي إسماعيل أراد جمع مبلغ من المال، فصنع شارات جوخ وزعها على أهالى طنطا مقابل خمسمائة جنيه للشارة.

وأضاف فؤاد: أن رجال إسماعيل حاصروا مرة بلدة بالوجه القبلي، هرب إليها أحد خصوم إسماعيل فأمر بضربها بالمدافع.

 

التشطير المريب

لم تمت القصيدة بسجن شاعرها وناشرها، بل حدث العكس، لقد زادها سجنهما انتشارًا، فرأت السلطات ـ وفق رأي جمهور المؤرخين ـ أن توجه للقصيدة ضربة قاضية.

أنقل عن الكاتبة رفيعة عبد الرازق محمد التي قصت قصة التشطير المريب: حتى تقضي السلطة على الضجة، كلفت الصحفي سليم سركيس الذي كان يصدر مجلة (المشير) بأن يبحث عن شاعر له القدرة على تحويل القصيدة المذكورة من هجاء إلى مدح، ولم يجد سليم سركيس أفضل من شاعر عراقي ضرير نزح من الموصل إلى مصر واسمه الشيخ عثمان الموصلي أو عثمان الضرير يقوم بالمهمة لمقدرته الأدبية والشعرية.

قام الموصلي بتشطير القصيدة بحيث أدى التشطير إلى قلب معنى القصيدة الأصلي ونشرت (المشير) التشطير ومنه:

(قدوم ولكن لا أقول سعيد)

على فاجر هجو الملوك يريد

لإضرابه بيت من اللؤم عامر

(وملك وإن طال المدى سيبيد)

(رمتنا بكم مقدونيا فأصابنا)

رخاء عن الجدب المبيد بعيد.

ما بين الأقواس هو من شعر المنفلوطي، والتشطير لا يكون إلا كما فعل الموصلي، شطر من المنفلوطي وشطر من عنده، وهذا أدى إلى صحوة القصيدة مرة ثانية لا موتها!

بعد سنوات سيزعم سركيس أن التشطير كان حيلة منه وليس بأمر من السلطات، لكي يضمن للقصيدة رواجًا لا يوقعه تحت طائلة القانون!

 

أيام البؤس

غادر المنفلوطي السجن، ليجد نفسه في الشارع حرفيًا، فلا وظيفة ولا مدخرات ولا جريدة تقبل أن يكتب لها، فهو عدو الحاكم، فمن يغامر بمساندته؟.

فيما بعد سيسرف المنفلوطي في سرد تفاصيل تلك الأيام البائسة، وقد بحثت أنا عن دعم عائلته له فلم أظفر بشيء.

هل نفضت العائلة العريقة يديها من ولدها بعد مغادرته للأزهر؟.

أم تلقوا أمرًا من الخديوي بترك ولدهم للأيام والليالي؟.

الإمام مرة ثانية

مر بنا أن الشيخ الإمام محمد عبده هو الذي أنقذ المنفلوطي أثناء دراسته في الأزهر وهو الذي رعى موهبته، والآن في أيام المحنة يظهر الإمام مجددًا لا لينقذ موهبة المنفلوطي فحسب، بل لينقذ حياته كلها.

سعى الإمام حتى حصل على عفو من الخديوي عن المنفلوطي، استرد بموجبه بعض حقوقه، ثم فتح له الإمام أبواب الصحف ثانية، فأمطرها المنفلوطي بمقالاته، وهى تلك المقالات التي سيجمعها فيما بعد في كتاب «النظرات» الشهير، ولم تكن المقالات لأكل العيش بل كانت لبناء وعي وتأسيس شخصية وإقرار منهج.

 

عن تلك المقالات يقول الأستاذ نجيب محفوظ: إن الجريدة التي كانت تظفر بمقال للمنفلوطي كانت تبيع النسخة بقرشين، وكان القرشان ثروة طائلة!

ومن أيادي الإمام البيضاء على المنفلوطي أنه قدمه لسعد باشا زغلول، وكان زغلول من أخلص تلاميذ الشيخ الإمام.

أحب زغلول المنفلوطي وعرف قدره فأخترع له وظيفة حكومية تقيه شر الأيام

كان سعد باشا يتولى نظارة المعارف (وزارة التربية والتعليم حاليًا) فجاء بالمنفلوطي ليتولى وظيفة «المحرر العربي» للوزارة.

 

وكانت مهام الوظيفة هى ترقية الأساليب داخل دواوين الوزارة فى قراراتها ومكاتباتها خاصة فى المسائل الكبرى التى تكتب من أجلها المذكرات المطولة والقرارات المسهبة.

لم يجد المنفلوطي مشقة في وظيفته، فهو وُلد ليكتب، ووظيفته هى الكتابة التي لا يعرف غيرها، تواصلت أيام الراحة حتى طرق بابه في العام 1905 خبر رحيل شيخه الإمام محمد عبده.

 

هنا ضاق السيد مصطفى بكل شيء، فقد خسر المساعد والمعين، فقرر تحت وطأة أحزانه على شيخه العودة إلى منفلوط!

مكث الرجل في مسقط رأسه عامين كاملين، معتزلًا كل نشاط عام، ثم ـ شأن كل أصحاب الرسالات ـ تخلص من عزلته وأحزانه وعاد إلى القاهرة ليواصل مقالاته ومعاركه مع المحتل وأعوانه من حكام القصر.

جناية المازني

في العام 1921 نشر الأستاذان محمود عباس العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني كتبهما الشهير «الديوان» كانا أيامها من الناشئين في عالم الأدب والثقافة، وكان المنفلوطي الذي سبقهما في الميلاد باثنتي عشرة سنة كاملة يعد من أكابر الأدباء.

لا أعرف هل هو طيش الشباب أم حب الشهرة الذي جعل الشاب المازني يهجم على المنفلوطي هجمة ستكون دليل الاتهام الأول ضده، بل أكاد أقول الأوحد.

كتب المازني عن المنفلوطي فقال: «ماذا في كتابات المنفلوطي مما يستحق أن يعد من أجله كاتباً أو أديباً إلا إذا كان الأدب كله عبثاً في عبث لا طائل تحته؟ سمعت بعض السخفاء من شيوخنا المائتين يقول إن في أسلوبه حلاوة. ولو أنه قال نعومة لكان أقرب إلى الصواب، ولو قال أنوثة لأصاب المحز».

 

بربك هل هذا نقد أم هو النقض والنسف؟.

الشاب المازني سمع لا شك برأي الأساتذة في المنفلوطي ولكنه تجاهل كل كلام يصب في صالح الرجل.

قال أحمد حسن الزيات عن المنفلوطي: «لقد عالج الأقصوصة أول الناس وبلغ في إجادتها شأواً ما كان ينتظر ممن نشأ كنشأته في جيل كجيله، وسر الذيوع في أدبه أنه ظهر على فترة من الأدب اللباب، وفاجأ الناس بهذا القصص الرائع الذي يصف الألم ويمثل العيوب في أسلوب رفيع وبيان عذب وسياق مطّرد ولفظ مختار».

وقال حافظ إبراهيم: «المنفلوطي حسن الديباجة، منسجم الكلام، رقيق المعنى».

وعنه قال وليّ الدين يكن: «السيد مصطفى لطفي المنفلوطي رجل من كبار كتّاب القلم في زماننا، فهو من كتّاب الطبقة الأولى،

و شعر  المنفلوطي كالعقود الذهبية، إلا أن حبات اللؤلؤ فيها قليلة، فهو يخلب بروائعهِ أكثر مما يخلب ببدائعهِ».

كأن الأستاذ المازني لم يجد في الورد عيبًا فراح ينتقد اعتزاز المنفلوطي بنسبه فقال يخاطبه: «وما للقراء ولأجدادك الذين لم تزدنا بهم علماً فيشفع لك ما أفدت في سماجة ما كتبت، ولقد قرأنا لجيته شاعر الألمان الضخم كتاباً في تاريح حياته يقع في أكثر من ستمئة صفحة، ولا نذكر أنه أورد اسم أبيه حتى ولا في سياقة الحديث».

عجيب هذا النقد، هل جوته منزل من السماء، فإذا لم يذكر أباه، يصبح فرضُا على كل أديب أن يسكت عن والده؟.

ثم صنو المازني أعني الدكتور طه حسين نسب المتنبي العظيم إلى الفاحشة لأن المتنبي لم يفتخر بوالده في شعره.

فهل المقدر لنسبه المعتز به على خطأ وغير المقدر على خطأ أيضًا؟.

ثم يجعل الأستاذ المازني من نفسه آلة حاسبة فيقول في نقده لكتاب المنفلوطي الشهير «العبارات»: «كل لفظة يمكن الاستغناء عنها قاتلة للكاتب، فإن العالم أغنى في باب الأدب من أن يحتمل هذا الحشو … وقد عددنا إلى الآن 572 مفعولاً مطلقاً ولا ندري إلى أي رقم يرتفع العدد إذا استقصينا».

 

نقد المازني للمنفلوطي يشبه الخروب، طن من الخشب ودرهم من الحلاوة، ولكن المزعج أن كثيرين المعاصرين لم يقرأ الواحد منهم مقالًا واحدًا للمنفلوطي، يردد نقد المازني كأنه وحي إلهي!

عاب المازني على المنفلوطي ما فعله بالروايات الغربية ونسب ذلك إلى محبة المنفلوطي للشهرة!

والحق أن المنفلوطي كان يعيش بين الجيل الذي لا يعرف كتابة الرواية وفق القالب الغربي، والرجل لم يصف نفسه يومًا بالمترجم، هو كان ينتقي الروايات التي يشهد لها عارفو اللغات الغربية ويدفع بها إلى مترجم متخصص، وبعد الترجمة يعيد هو صياغتها وفق البيان العربي الناصع، وطبعًا كان ينسب العمل إلى صاحبه، فأي محبة للشهر تتكلف كل هذا العناء؟.

لقد ساعد تعريب المنفلوطي للروايات على ذيوعها وقد قال الأستاذ محفوظ إنه في صباه قد قرأ رواية من الروايات التي عربها المنفلوطي عشرين مرة!

وقد تأسس على نقد المازني لصاحب العبرات والنظرات اتهام جديد بأنه رجل حزين يعمل على استجداء الدموع من عيون القراء.

نعم المنفلوطي كان حزينًا ولكنه لم يكن كئيبًا، الرجل دفن بيديه أربعة من أولاده الذكور، فكيف كان سيأتيه الفرح؟

ثم هناك ما عناه من قسوة السجن، ثم البطالة بعد السجن، ثم التضييق عليه، ثم الغربة عن أهله وعائلته، الذي عاش حياة كحياة المنفلوطي يصبح من حقه أن يحزن وأن يعبر عن أحزانه.

 

مفارقة الرحيل

وفق الحسابات البشرية كان يجب أن يعمر المنفلوطي طويلًا، ولكن: «وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ».

كان المنفلوطي يملأ الدنيا ويشغل الناس وكان في الرابعة والأربعين من عمره، وهى سن اكتمال الفتوة ولياقة الكتابة، وكان لصاحبه القديم سعد باشا زغلول مكانة عند الشعب لا تضاهيها مكانة، وفي يوم الخميس 12 يونيو تعرض الباشا لمحاولة اغتيال هزت الشارع هزًا، في ذلك اليوم رحل المنفلوطي!

كانت الأبصار كلها متجهة صوب بيت الزعيم، فلم يعرف أحد برحيل المنفلوطي الذي شيع إلى مثواه في جنازة فقيرة لا تليق لا باسمه ولا بمكانته، وما كان أحكم أمير الشعراء شوقي عندما رثا المنفلوطي قائلًا:

اخترت يوم الهول يوم وداع

ونعاك في عصف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم

جرح الرئيس منافذ الأسماع

من مات في فزع القيامة لم يجد

قدما تشيع أو حفاوة ساع.

 

منشور بموقع أصوات أون لاين بتاريخ 5 يوليو 2020م.