الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

المنفلوطي المفترى عليه (1 ـ 2 )

 


المنفلوطي المفترى عليه (1 ـ 2 )

كثيرًا ما سألت نفسي: أي جرأة كان يمتلكها نجيب محفوظ وهو يكتب بالفصحى شخصية مثل شخصية " زيطة صانع العاهات"؟

كيف لم يعرف التردد طريقه إلى قلب محفوظ الناشئ وهو يقرر قرارًا نهائيًا لا رجوع عنه أن رواياته وقصصه النابتة من قلب الحارة القاهرية لن تكتب سوى بالعربية الفصحى؟

كيف أفلت من تأثير أستاذه سلامة موسى وهو من أكابر الداعين إلى الكتابة بالعامية؟

ظلت تلك الأسئلة تشغلني إلى أن وجدت ما أعتقد أنه الجواب الشافي، إن كلمة السر في تكوين محفوظ هي " مصطفى لطفي المنفلوطي ".

كان من حسن حظ الأدب العربي أن الكاتب الأستاذ إبراهيم عبد العزيز قام بجمع معظم الحوارات التي أجريت مع محفوظ ونشرها في كتابين " نجيب محفوظ بقلم نجيب محفوظ " و " أنا نجيب محفوظ ".

في الكتاب الأول يستفيض محفوظ في ذكر المنفلوطي فيقول:" إن معرفتي بالتراث بدأت من القرآن الكريم والأحاديث إلى الشعر الجاهلي، تأتي بعد ذلك مرحلة المنفلوطي، وما أدراك ما المنفلوطي وأثره في تهذيب النفوس؟

 تعلقت بالمنفلوطي وكان هو المدرسة الإلزامية لجيلنا كله، أسلوبه جديد جميل ساحر فيما يتناوله من موضوعات كانوا يترجمونها له ويقوم هو بتعريبها بطريقته المتميزة الآتية من بين أساليب صعبة جدًا، فكان مثل " المياه الحلوة" ولهذا كان له تأثير في جيلنا كله، كنا نتعلم اللغة والنحو منه فقد قام بنقلة كبيرة جدًا قبل المجددين.

ولقد كنت أعلق له صورة في بيتنا على أساس أنه على قيد الحياة ، واتضح لي أنه فارق دنيانا فبكيت عليه بعد وفاته بعشر سنوات

كنت محاكيًا ومتأسيا بلغة أستاذي طه حسين ، أما المنفلوطي فقد ولدت في حضنه لذا قمت بتقليده تقليدًا صريحًا في أعمال لم  أنشرها ".

ما سبق على أهميته وخطورته يعد قطرة من بحر محبة محفوظ للمنفلوطي واعترافه بفضله ومكانته بين الأدباء ، تلك المحبة ستبلغ ذروتها في اعتراف لمحفوظ  نجده في سطر من سطور رواية "السكرية " وهذا السطر لفت نظر المؤرخ الأستاذ صلاح عيسى  فجعله مفتاحًا لفهم المنفلوطي وتأثيره ، في السكرية يقول أحد أبطالها :" إن أسود ثلاثة أيام عاشها كانت تلك الأيام التي شهدت رحيل سيد درويش وانفصال السودان عن مصر ورحيل مصطفى لطفي المنفلوطي".

فمن هو المنفلوطي الذي يجحد البعض ذكراه ومكانته ويرون ضرورة التخلص منه ومن إنتاجه؟

ميراث الأجداد

ولد مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن حسن لطفي في العام 1876 بمدينة منفلوط إحدى أشهر مدن محافظة أسيوط ، أبوه عربي مصري ، وأمه تركية ، ويعلو نسبه إلى الفرع الحسيني من آل البيت الكرام .

كانوا يأخذون عليه اعتزازه بنسبه ، وهذا من عجيب النقد المصري!

كانت أسرة مصطفى تكاد تحتكر معرفة  علوم الشريعة واللغة ومناصب القضاء، نشأ مصطفى عارفًا بنسبه الشريف وبمكانة أسرته ، فحفظ القرآن الكريم كله وهو دون العاشرة من عمره، ثم كان لا بد من الإقامة في القاهرة للدراسة في الأزهر .

غادر الطفل مصطفى حضن أسرته ورعايتها حبًا في الأزهر.

تحمل الطفل عناء الغربة وأظهر تفوقًا ملحوظًا في دروس اللغة والأدب، فكان تفوقه هذا نكبة عليه.

لقد شغف مصطفى بالأدب ، وظني أن شغفه هذا جعله يهمل في دراسة علوم الشريعة وهى فخر الأزهر الأول ، فضاق به زملاؤه فراحوا يضيقون عليه ، حتى ترك الدروس كلها بل والأزهر ذاته ولم يحصل على شهادته ، منقطعًا لدراسة الأدب.

العودة إلى منفلوط بخفي حنين كانت كارثة ستهز أعمدة الأسرة ، والبقاء في القاهرة لدراسة الأدب ، كان عملًا جنونيًا .

عاش مصطفى هذه الحيرة وتحمل صابرًا تبعاتها إلى أن لاحت في آخر النفق أضواء الشيخ الإمام محمد عبده.

لزم مصطفى مجلس الإمام وشرب من بين يديه الأدب واللغة.

عدوى الثورة

كان الشيخ الإمام محمد عبده من وجوه الثورة العرابية النيرة ، ثم بعد هزيمتها لم يتنكر لها وإن جنح إلى نوع من الإصلاح الهادئ البعيد عن صخب الثورات ، ولكن بقيت جذوة الثورة مشتعلة بين جوانحه ، ومن معطف الإمام سيخرج جيل جديد يفجر ثورة جديدة 1919.

من أبرز رجالات هذا الجيل كان مصطفى لطفي المنفلوطي الذي اصطدم مبكرًا بأسرة محمد علي الحاكمة .

كان المنفلوطي قد غادر الأزهر ولم يحصل على شهادته ولكنه حاز ما أستطاع إليه سبيلًا من علوم اللغة والشريعة ، فأصبح واحدًا من الكتاب الصحفيين الذين يلهبون ظهر المحتل الإنجليزي بسياط مقالاتهم.

يرصد الكاتب الأستاذ أحمد عبد الهادي تفاصيل هذه الفترة من حياة المنفلوطي في كتابه " المنفلوطي .. حياته ومؤلفاته " فيقول ما مخلصه : إن المنفلوطي بدأ حياته الأدبية شاعرًا ثائرًا يكاد يوقف شعره على القضية الوطنية التي لا هدف لها أسمى من طرد المحتل والتخلص من الخونة أعوان الاحتلال ، ففي العام 1897 نشر المنفلوطي قصيدة تحت عنوان " تحرير مصر " ووقعها باسم " عدو الاحتلال ".

كانت مصر أيامها تحت حكم الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان مقدرًا من أطياف واسعة من الشعب ، لكن المنفلوطي كان يرى الدودة التي في أصل الشجرة فقال :

ألا رايةٌ للعدلُ في مصرَ تَخفُق

لعل مساعي دولة الظلم تخفق

ألا صدمةٌ للجور توقف سيره

فيجبر ذاك الكسرُ والفتقُ يرتقُ

ذهِلنا فما ندري أولى أمورنا

بلندنَ أم في مصرَ كيفَ نُفرِّقُ؟".

وقد انتشرت هذه القصيدة بين الناس انتشار النار في الهشيم ، وعرف الجميع أن شاعرها هو مصطفى لطفي المنفلوطي ، وقد وقعها باسم مستعار لكي يفلت من الملاحقة الأمنية والقضائية .

ثم حدث أن الخديوي عباس حلمي الثاني قد قام برحلة داخل الوطن ، وكانت المدن الكبرى تحسن استقباله ووداعه ، وكانت الصحف ، وعلى رأسها صحيفة المؤيد تبالغ في تغطية أخبار الرحلة الداخلية.

في صباح الثالث من نوفمبر من العام 1897 عاد الخديوي من رحلته التي ختمها بزيارة ثغر الإسكندرية، غير مدرك أن قنبلة شعرية ستنفجر في وجهه بعد قليل.

في يوم الخميس الرابع من نوفمبر ذهب الشاعر الشاب السيد مصطفى لطفي المنفلوطي إلى الصحفي السيد أحمد فؤاد صاحب جريدة " الصاعقة " وكأن أحمد فؤاد صحفيًا من الأحرار الكارهين للمحتل ولأعوانه .

قدم المنفلوطي لفؤاد قصيدة من خمسة وعشرين بيتًا تندد بالخديوي وبرحلته وتتمنى زوال ملكه وتهجو أجداده.

رغم خطورة القصيدة التي كانت تسبح ضد التيار فإن أحمد فؤاد قد وافق على نشرها، وزيادة في السخرية من المقام الخديوي فقد صدرها بهذه الجملة " تهنئة مرفوعة إلى سمو خديوي مصر لمناسبة عودته من ثغر الإسكندرية إلى العاصمة ".

بعد تلك الجملة بدأت القصيدة التي قال فيها المنفلوطي :

قدومٌ ولكن لا أقولُ سعيدُ  

وملكٌ وإن طالَ المدى سيبيدُ

بعدتَ وثغر الناس بالبشرِ باسِمٌ

وعدتَ وحُزنٌ في الفُؤادِ شديدُ

تذكرنا روياكَ أيامَ أُنزِلَت

علينا خطوبٌ من جُدودِكَ سُودُ

كأني بقصرِ الملكِ أصبحَ بائداً

من الظلمِ والظلمُ المبينُ مُبيدُ

أعباس ترجو أن تكونَ خليفةً

كما ودَّ آباءٌ ورامَ جُدودُ

فيا ليتَ دنيانا تزولُ وليتنا

نكون ببطنِ الأرض حين تسودُ".

حظ هذه القصيدة من الانتشار لم يقل عن حظ سابقتها، بل فاقه بمراحل، لقد نسخ الشعب القصيدة، وباعها البائعون بخمسة فرنكات للنسخة الواحدة، وتلك الفرنكات كانت ثمنًا لديوان المتنبي كاملًا!

غياهب السجن

كانت السلطات تعرف أن المنفلوطي هو صاحب القصيدة، ولكنها تجاهلته وقصيدته لكى يموتا مختنقين بالصمت، وراهنت السلطات على أن الشعب الذي نسخ القصيدة سرعان ما سينساها منشغلًا بأمر جديد من أمور الحياة، ولكن تقدرون فتضحك الأقدار، لقد خاب رهان السلطات فقد عبرت القصيدة الحدود ووصلت إلى قلب لندن فقامت جريدة " التايمز " بترجمتها ونشرها فعرف بها في الغرب ما يقارب المليون قارئ !.

هنا تحركت السلطات وطلبت النيابة محاكمة منشئ القصيدة ، فتم القبض على ناشرها أحمد فؤاد الذي لم يعترف باسم المنفلوطي ، فضاق صدر الخديوي لأنه عارض من البداية الاكتفاء بمحاكمة الناشر ثم لأنه رأى التخلص من السيد توفيق البكري الذي كان رئيس لجنة الموازنة في مجلس شورى القوانين ، وكانت العلاقة بينه وبين الخديوي قد بدأت تسوء .

أنكر البكري تأليفه للقصيدة ، ولم تجد النيابة دليلًا يؤيدها ، فحفظت التحقيقات مع البكري، وبالضغط على ناشر القصيدة أحمد فؤاد ، اعترف بأنه طبع القصيدة في مطبعة الشيخ محمد الخيامي ، وبالقبض على الخيامي اعترف بأن مصطفى لطفي المنفلوطي كان مع فؤاد يراجع معه القصيدة .

في اليوم الرابع من ديسمبر من العام 1897 صدر الحكم ضد أحمد فؤاد بالحبس عشرين شهرًا وغرامة قدرها ثلاثون جنيهًا ، وضد المنفلوطي بالحبس اثني عشر شهرًا وغرامة قدرها عشرون جنيهًا.

لجأ المنفلوطي إلى استئناف الحكم فماذا حدث؟.

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع أصوات الاثنين 29 يونيو 2020


الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

ثورة أسوان المنسية (2 ـ 2)


 

توقفنا في المقال الأول الذي يتناول كتاب “سجين ثورة 1919” للمناضل الدكتور محمد مظهر سعيد، عند ذهابه للعمل مدرسًا في أسوان بصحبة رفيق دربه “محمد حبيب أحمد”.

فلماذا قبل محمد مظهر الذهاب إلى أسوان ليعمل مدرسًا بمدرسة ابتدائية براتب لا يتجاوز الجنيهين شهريًا، وهو ابن العائلة الثرية؟... لقد ذهب ليس بحثًا عن المال بطبيعة الحال، بل لأن المحتل وضعه وصديقه حبيب في القائمة السوداء، ومنعهما من استكمال الدراسة في مصر أو خارجها، كما منعهما من أي عمل كان، ولذا فقد فرحا عندما قبلت بهما مدرسة أهلية تعيش على معونة بسيطة من الحكومة وعلى صدقات أهل الخير. كان مظهر وصديقه من المؤمنين بأنهما صاحبا رسالة لابد وأن يقوما بتبليغها، وما كانت رسالتهما سوى نشر العلم وتنبيه الأمة لحاضرها، الأمة كانت قد سقطت تحت حافر الاحتلال البغيض، ولذا راحا ينشران المقاومة بمختلف أشكالها.

في أسوان سكنا فيلا كان يمتلكها ألماني يتجسس لصالح بلاده، وعندما فر من مصر ترك الفيلا الراقية بكل ما بها من أثاث، وأدوات للتجسس، وهي الأدوات التي ستقع في يد مظهر وصاحبه وسيقومان بتقديمها للمسئولين الحكوميين.

مضت الأيام وهما يفلتان بأعجوبة من ضابط بوليس مصري كان يعد عليهما أنفاسهما، حتى وصلتهما رغبة سعد باشا زغلول في جمع توقيعات لصالح الوفد المصري. كان جمع التوقيعات عملًا في غاية الخطورة، كأنه تأسيس لتنظيم مسلح، فالمحتل لا يريد إثارة قضية الاستقلال، وعبيد المحتل فقدوا كل ثقة بأنفسهم وبعزة بلادهم وراحوا يضربون بيد من حديد على رأس كل راغب في استقلال مصر.

تقدم مظهر وصاحبه الصفوف واستطاعا بطرق معقدة الاتصال بسعد باشا، الذي أرسل لهم عرائض التوقيع. وقع التجار والأعيان ومعظم المتعلمين على عرائض الوفد، ثم سرت روح المقاومة بين طوائف الشعب، فوقع معظم أهل أسوان.

يوم الحسم

أرسل مظهر العرائض إلى القاهرة، ثم عاد ينظم الصفوف ليوم الحسم والحشد، لقد تمكن وصاحبه حبيب من حشد كل طلاب المدارس والأعيان وكبار التجار والموظفين للتظاهر السلمي المندد ببقاء الاحتلال .وقبل انطلاق المظاهرة تواصل مظهر مع قوات الجيش المصري الموجودة في أسوان وحصل منهم على تعهد بعدم قمع المظاهرة، فما كان من قائد فرقة الجيش إلا أن قال له: “سنكون معكم وسنمنع الشرطة من التنكيل بكم”.

في نفس الوقت قامت قوات الاحتلال، التي كانت تتمركز في خزان أسوان بوضع المتفجرات في جسد الخزان لنسفه وإغراق البلاد بفيضان عارم. علم مظهر بذلك، فعاد إلى الجيش لكي يحمي الخزان، فقام الجيش بحماية الخزان، ثم انطلقت المظاهرة التي عندما تقرأ تفاصيلها وجلال تنظيمها لن تملك دموعك، إنه مخزون مصر الحضاري الذي يتجلى ساعة الأزمة.

نحن الحكومة

نجحت المظاهرة نجاحًا عظيمًا، ففكر مظهر ورفاقه في تنظيم شئون البلاد، فشكلوا مجلسًا أعلى يتولى الحكم بعد خلع قيادات الاحتلال وعبيدهم. أعترف أهل  أسوان بحكومة مظهر وتعاونوا معها لكي تنجح وتستمر في العمل، لأنها عملت من أولى لحظاتها على رفع الظلم عن المصريين، والتعامل مع الانجليز بوصفهم قوة احتلال يجب أن يرحل. بعد نجاح حكومة الثورة، جاءت قوات الاحتلال من السودان لقمع الثورة وإسقاط حكومتها. بمجيء قوات الاحتلال العسكرية، ارتفع صوت عبيد الاحتلال قائلين: “نحن ضد المظاهرات التي ستخرب البلد، والمظاهرات لن تخرج الإنجليز، ثم لماذا يخرج الإنجليز أصلًا ؟”.

 

حكم الإعدام

بعد مطاردات وأحداث جسام، وقع مظهر ورفاقه في قبضة الاحتلال الذي قام بسجنهم في أسوأ سجن، حتى أن مظهر يقول إنه لم يكن يقضي حاجته إلا مرة كل ثلاثة أيام، وذلك لأن قضاء الحاجة كان يتم في العراء أمام أعين الناس، ورجل كمظهر لا يمكن له أن يتعرى أمام أحد.

وفجأة تبدل الحال، عندما جاء قائد من قادة الاحتلال وتفاوض مع الثوار، وتحدث مع مظهر ورفاقه وعرف ثقافتهم الرفيعة وعراقة أصولهم. نقلهم القائد إلى غرف في فندق، ففرح مظهر وحبيب، لكن أحد الثوار وكان صاحب خبرة ،قال لهما “لا تفرحا، فهذه الرقة المفاجئة سندفع ثمنها قريبًا”.

لم يلتفت مظهر ورفاقه لتحذير رفيقهما، وتمتعا بالإقامة في السجن الفندقي، حتى أن مظهر كان يجلب الروايات والكتب إلى داخل غرفته المرتبة النظيفة وثيرة الفراش. ثم فجأة  أيضا، هبط عليهم القائد الإنجليزي ليخبرهم بأنه قد كتم عنهم لشهور حقيقة موقفهم. أبلغهم بأن حكما قد صدر بحقهم منذ زمن بعيد، لكنه لم يكن يستطيع تنفيذه، ولكن جاءت الأوامر بضرورة التنفيذ. لقد كان حكم بالإعدام قد صدر بحق الثوار الذين صعدوا إلى منصة الإعدام وهم يهتفون بحياة الوطن ويسألون الله قبول شهادتهم في سبيله.

وقف الأبطال الثوار على منصة الإعدام ،وجاء جنود الاحتلال فوضعوا ورقة بيضاء فوق قلب كل ثائر لكي يصوبوا طلقات بنادقهم على موضع القلب تمامًا.

صرخ قائد التنفيذ في جنوده: استعدوا.. وقبل أن يطلق الجنود الرصاص على الثوار بلحظات معدودة، جاءت سيارة تحمل قائدًا من قادة الاحتلال، ليبلغهم بوقف تنفيذ الحكم.

الثورة دائمًا

نُقل الثوار إلى سجن جديد في غاية السوء، حيث مكثوا  قرابة العام، ونجوا بأعجوبة من محاكمة عسكرية جديدة، وخبأت نيران الثورة في القلوب، بعدما تمكّن المحتل من رقاب الجميع، فكان الثائر القديم لا يذكر أيام ثورته بكلمة بل يتهرب من إعلان مشاركته فيها، لقد أصبحت مصر سجنًا كبيرًا يلقف كل ثائر.

مضت الأيام، وتزوج حبيب من شقيقة مظهر، ورأى مظهر أن ثورته لا تزال متقدة في قلبه، فعمل على هزيمة المحتل في ساحة العلم، بعد أن عرف حقيقة الثورة، إنها الذهاب إلى الأمام وإلى الأعلى، نعم فشلت الثورة في تحقيق هدفها الأول وهو طرد المحتل، لكنها حققت أهدافًا أخرى عظيمة، فقد جاءت بأول دستور للبلاد، وبانتخابات نيابية نزيهة، وقادت حركة التمصير، ومن رحمها وُلدت قيادات كبرى مثل النحاس ومكرم عبيد وطلعت حرب، ولأن مظهر كان يدرك هذه الحقائق ويحترمها فقد هزم الاحتلال في عقر داره.

عن معجم البابطين أنقل هذا الختام لحياة المناضل العظيم محمد مظهر، فقد حصل على ليسانس المعلمين العليا (قسم العلوم). ثم سافر إلى إنجلترا لمواصلة تعليمه، والتحق بجامعة برمنجهام، وحصل على بكالوريوس الرياضيات العالية، ثم ماجستير ودكتوراه في تخصص علم النفس.

عمل أستاذًا مساعدًا لعلم النفس بجامعة برمنجهام بلندن، ثم عاد إلى مصر، فعمل أستاذًا فرئيسًا لقسم علم النفس بمعهد التربية العالي، وأستاذًا بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.

انتدب مديرًا لكلية المعلمين العليا ببغداد، ثم خبيرًا فنيًا لوزارة المعارف العراقية.

ثم عاد مجددا إلى مصر ليعمل مفتشًا عامًا لعلم النفس والتربية بوزارة المعارف المصرية، ثم مديرًا للجامعة الشعبية، ومديرًا عامًا للخدمات الاجتماعية والثقافية بهيئة التحرير العليا عقب إعلان الجمهورية، وأستاذًا متفرغًا بعدة كليات، كما عمل خبيرًا ثقافيًا واجتماعيًا لجامعة الدول العربية على مدى خمسة وعشرين عامًا منذ إنشائها حتى وفاته عام 1970.

أسس جمعية نهضة القرى ومكافحة الأمية (1932) وكان مديرًا لها، وأسس لجنة التأليف والترجمة الدينية، وجمعية الصحة العقلية، وجمعية الدراسات الجنائية.

عُهد إليه (1949) الإشراف على لجنة جامعة الدول العربية لدراسة شؤون اللاجئين الفلسطينيين، ووضع المقاييس السيكولوجية لاختيار ضباط الشرطة والجيش في مصر (1932) ، وفي العراق (1937).

له قصائد نشرتها صحف ومجلات عصره، وله شعر مخطوط بحوزة أسرته، وله ملحمة شعرية بعنوان «ملحمة الجهاد» – طبعت في لبنان. وله مؤلفات عديدة، منها: «نحن والإنجليز» و«علم النفس النظري»، و«علم النفس الاجتماعي بين الإسلام والعالم الحديث»، و«علم النفس الجنائي – علم النفس المسرحي»، و«الأسرة والمجتمع»، و«برنارد شو»، و«جمهورية أفلاطون بالاشتراك مع نظلة الحكيم»، إضافة لأكثر من ثلاثين كتابًا أصدرتها الجامعة العربية في مجال المعرفة العامة.

 

منشور بموقع أصوات بتاريخ 25 فبراير 2019

ثورة أسوان المنسية (1-2)

 


يعد العالم الكبير الدكتور محمد مظهر سعيد أسطورة من أساطير زماننا القديم. ولد الرجل في العشرين من أغسطس من العام 1898، أي في الفترة التي شهدت فتوة وعنفوان الاحتلال الإنجليزي لبلادنا. كان أبوه مهندسًا فرنسي الثقافة، وكانت أمه من المتعلمات المثقفات ويكفي أنها كانت تجيد الإيطالية والفرنسية.

عندما كان الطفل محمد يزور جدته لوالدته التي كانت تقيم في أسيوط، كانت الجدة تقص عليه أخبار أجداده قادة الأساطيل وأمراء البحار الذين استشهدوا دفاعًا عن الملة والدولة، وكانت تخص بالذكر جده لطيف باشا الكبير الذي كان حاكمًا عامًا للسودان قبل الثورة المهدية، وكان من مؤيدي الضباط المصريين ضد حكومة نوبار بل وضد الخديوى ذاته. أما جدته لأبيه، والتي كانت تقيم في بني سويف، فكانت تحكي له عن جده عبد الرحمن كتخدا نائب والي مصر الذي ساند المصريين ضد المماليك، فغضب عليه أمراء المماليك  ففر من وجوههم وسكن أرض الحجاز.

وعلى صوت أبيه وهو ينشده الأشعار التي تمتدح شهداء دنشواي الذين شنقهم الاحتلال الانجليزي نشأ الطفل محمد، تلك القصائد الحارة التي سكنت قلبه وأقامت بداخله فلم تغادره أبدًا.

 

طفل مشاغب يكره المحتل

إذن فقد شب الطفل محمد وهو يحفظ قصائد الرثاء التي كتبها الشعراء تخليدًا لذكرى دنشواي، وعندما التحق بمدرسة عباس الابتدائية بالقاهرة وهو في الثامنة من عمره ، رأي مفتشًا إنجليزيًا فصاح في وجوه زملائه : هذا هو جلاد دنشواي . كان  قد حفظ شعر حافظ إبراهيم الذي جاء فيه:

أنت جلادنا فلا تنس / أنّا لبسنا على يديك الحدادا.

وهو بيت من قصيدة هجاء المحامي المصري الشهير إبراهيم الهلباوي الذي كان يدافع عن الإنجليز وقدم مرافعة شهيرة جلبت الإعدام لأربعة من المصريين في مذبحة دنشواي، ولكن ذهن الطفل تعلق بصورة الجلاد مفترضًا أن كل جلاد لابد أن يكون إنجليزيًا

.

صياح محمد جعل الأطفال يصيحون بدورهم ، فخرج الجميع في مظاهرة يقودها محمد رافضة وجود مفتش إنجليزي في المدارس المصرية. وتطور الموقف، ليتم فصل الطفل المشاغب فصلًا نهائيًا لا يحق له معه الذهاب إلى أي مدرسة أخرى.

بعد تفكير عميق في مصير محمد، لجأت الأسرة إلى حيلة عجيبة، لقد رحل الطفل إلى بني سويف ليقيم مع جدته، وهناك قام الأب بتحريف اسم ابنه وقدم شهادة للمدرسة باسم محمد مظهر سعيد الذي كان مهندسًا شهيرًا في ذلك الزمن وكان عمًا للأب. أما الاسم الحقيقي للطفل “محمد حسن سعيد ” فسيختفي إلى الأبد وسنعرف الرجل باسمه الجديد.

في كتابه الجليل “سجين ثورة 1919، والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن احتفالها بمئوية هذه الثورة الأم، يسجل لنا محمد مظهر سعيد هذه الصفحات من نشأته الأولى، ثم التحاقه المدرسة حيث واظب على حفظ الأشعار الوطنية وخطب مصطفى باشا كامل الذي توفي في العام 1908 وهو في ريعان شبابه، فأقام الوطنيون حفلة تأبين له كان بطلها الطفل مظهر الذي ألقى على الجمع المحتشد خطبة نارية تنادي بحرية البلاد وترثي زعيم الوطنية الشاب.

 ربما كان على مظهر أن يتوقف مراعيًا حساسية وضع أسرته أو طامحًا لمكان مرموق تحت ظل شمس الاحتلال، لكن النفحة الإلهية المنادية بالكرامة والحرية  جرت في عروق الطفل مجرى الدم. وحين رأي الأب اندفاع ابنه المراهق نحو العمل السياسي الرافض لوجود الاحتلال والداعي لمقاومته بكافة أشكال وأنواع المقاومة، قال له: “تعلم أولًا وتعلم جيدًا ثم افعل بنفسك ما تشاء”. فالتحق مظهر بالمدرسة الخديوية الثانوية لكي يقع الاصطدام المباشر بينه وبين المحتل.

 

في فضح الإنجليز

في صفحات كتابه التي تبدو كماء النار يقذف “محمد مظهر سعيد” عيون “عبيد الاحتلال” الذين يتغنون بالتعليم البريطاني وبعظمة المدرسين البريطانيين، يفضح تلك الأكاذيب، “لقد كانت بريطانيا العظمى لا ترسل إلا الجهلاء من أبنائها ليكونوا مدرسين للمصريين، فمدرس الجغرافيا كان كالحمار وكذا مدرس التاريخ والرياضيات، ولم يكن يشذ عن تلك القاعدة إلا مدرس من بين كل عشرة مدرسين”. أما المناهج فكانت تسبح بحمد بريطانيا وتهجو المصريين المتخلفين المرضى الحاسدين لبريطانيا.

كان من زملاء مظهر في المدرسة العالم الشهير “مصطفى مشرفة” والتربوي الشهير “إسماعيل القباني” وكان معه أيضًا “السيد محمد يوسف” الذي سيصبح وزيرًا للتعليم في عهد ثورة يوليو. لكن هؤلاء الثلاثة لم يكن لهم نشاط سياسي مثل مظهر فواصلوا طريق التعليم لا يحيدون عنه.


في العام 1914 تقدم مظهر للالتحاق بكلية الطب، فرأي مدير المدرسة الإنجليزي صغر سنه وضآلة جسده فصاح: كيف دخل هذا الطفل إلى مدرستي؟. فرد عليه مظهر بإنجليزية راقية: “لست طفلًا، وهذه مدرسة مصرية وأنت لا تمتلكها”. فما كان من المدير سوى أن ركل مظهر بكل قسوة ليطرحه أرضًا ثم قرر فصله فصلًا نهائيًا.

في هجاء السلطان

ذهب مظهر ليلتحق بمدرسة المعلمين العليا، وكانت بريطانيا قد خلعت عباس حلمي الثاني وولّت حسين كامل سلطانا على مصر، وجرّمت التظاهر وفرضت كل قوانينها على مصر، فأصبحت البلاد مستعمرة إنجليزية كغيرها من المستعمرات. لم يسكت مظهر ورفاقه على هذا التدخل السافر في أحوال الوطن، فكانوا يعقدون اللقاءات

 

في المقاهي هربًا من أعين الشرطة التي تتجسس عليهم، وظل مظهر يحرض زملاءه على الثورة، حتى جاء يوم قال فيه مدرس بريطاني للطلاب “أنعموا يا أولاد أنتم من الآن رعايا بريطانيا شئتم أم أبيتم”. فانبرى له الطالب “محمد حبيب أحمد” قائلًا: “أولا لسنا أولادًا وثانيًا نحن لسنا رعايا. وهنا تدخل مظهر ليقول: “مصريون كنا وسنبقى أما أنتم فمستعمرون”. هاج الطلاب وصرخوا في البريطاني: اخرج من الفصل. فخرج البريطاني مطرودًا لكنه أسرها في نفسه.

 وحين قرر السلطان حسين كامل زيارة المدرسة، جّهز مظهر ورفاقه أنفسهم ليستقبلوه أسوأ استقبال، لأنه واقع في غرام المحتل، فراحوا يقلدونه بصوت منّغم “عفارم عفارم” ليصبح السلطان هدفا لسخريتهم، فما كان منه إلا أن تعاون مع أحبابه الإنجليز وأصدر أمرًا بفصل مظهر وحبيب فصلًا نهائيًا.

حاول مظهر ورفيق نضاله حبيب السفر لاستكمال تعليمهما في تركيا أو فرنسا أو لبنان، لكن بريطانيا كانت قد وضعتهما على القائمة السوداء، فسافرا إلى أسوان ليقودا الثورة من هناك، والأسبوع القادم بإذن الله نعيش تفاصيل هذه الثورة كما سجّلها العالم الجليل الدكتور محمد مظهر سعيد.

 

منشور بموقع أصوات بتاريخ 18 فبراير 2019م.


الأربعاء، 26 أغسطس 2026

رؤية نفسية لأبطال محمود السعدني


 قبل ربع قرن نشرت أخبار اليوم كتاب " ملاعيب الولد الشقي " لمحمود السعدني ، جئت به ممنيًا نفسي بمتعة سبق لي تذوقها مع كتابات السعدني  ، ولكن خاب ظني فنفرت من الكتاب ، لأني وجدته قائمًا على سرد "مقالب "صنعها السعدني لحشد من الناس.

المقلب بطبيعته هو سخرية حادة تصل لدرجة إيذاء الضحية، وذلك سلوك أنفر منه ولا أرى فيه فنًا يستحق عناء كتابته.

نفوري من المقالب جعلني لا أشغل نفسي بضياع نسختي من الكتاب ، ثم حدث أن أجبرتني ظروف العمل على البحث عن معلومة انفرد السعدني بذكرها في كتابه فقمت بشراء نسخة حديثة  صادرة من دار الشروق ، راجعت المعلومة ثم وجدتني أعيد قراءة الكتاب بعين جديدة ، فرأيتني قد ظلمت السعدني لأن رسالة كتابه كانت تحتاج لنضج لم أكن أتمتع به .

كتاب السعدني في عمقه هو كتاب متفرد عن النرجسيين الذين يرون أنفسهم فوق كل شيء ، بل لا يرون هذا الشيء الذي هم فوقه لأنهم لا يرون سوى ذواتهم .

ولكي تتضح رسالة الكتاب ، أنقل ـ بتصرف يسير ـ عن المحلل النفسي الدكتور يحيي موسى شرحه لرؤية النرجسي لذاته ، يقول يحيي : كل إنسان لديه ذات ولديه صورة عن ذاته ، إلا المصاب بأعلى درجات النرجسية ، فهو لا يمتلك ذاتًا ، لقد دفن النرجسي ذاته التي ولد بها ، لأنه يشعر بعار ما وبخزي ما ، ولأن حياته لن تستمر بدون ذات ، فهو يلجأ إلى خلق ذاته التي يرضى هو عنها ، ثم بعد قليل تصبح هذه الصورة التي خلقها هو هى ذاته الفعلية التي فصلها تفصيلًا بوحي من خياله الجامح ، ومع الأيام ترسخ صورة الذات التي خلقها ، فيؤمن النرجسي أن الصورة هي ذاته ، فيبدأ في التعامل مع المحيطين به بوصفه أحسن وأعظم وأجمل منهم جميعًا ، ثم سرعان ما يؤمن بأنه الأحسن والأعظم والأجمل ، ولا يعد يرى المحيطين أصلًا ، ويوم يتعطف عليهم بنظرة ، فهو ينظر إليهم بوصفهم مجرد دمى يلهو بها حينًا ثم متى شاء كسرها ، وهو يؤمن أن حتمًا سيجد غيرها ، تمده بأسباب العظمة التي يعيشها بيقين تام وبقلب مطمئن ، وهؤلاء لعنة من لعنات الزمن ، لأنهم ببساطة من مصاصي الدماء يعيشون على امتصاص مشاعر وعواطف ومحبة واهتمام الآخرين ، ثم يصيبهم الملل فيبحثون عن ضحية جديدة ولا يشبعون أبدًا ولا يشكرون أبدًا ، ثم لا يكفون عن الشكوى لأن الدنيا لا تعطيهم مقابل عبقريتهم التي يؤمنون بها كل الإيمان .

انتهى نقلي عن الدكتور يحيي.

أبطال كتاب السعدني ضربهم هذا النوع من النرجسية ، فراحوا يسلكون في الحياة مسلك العظماء وهم على حقيقتهم من صعاليك البشرية ولا يتمتعون بأدنى قدر من العظمة التي يفرضونها على الناس فرضًا .

كتب السعدني حوادث كتابه بصراحة عجيبة ، فهو يقول إن فلانًا الشهير جدًا قد صنعت معه المقلب الفلاني ، وبعض تلك المقالب كادت أن ترسل بالسعدني إلى وراء الشمس كما يقولون .

ورغم صراحة السعدني التي أعتمدها في كل كتابه فإن فصلًا واحدًا رمز فيه لبطل الواقعة بالأحرف ، وهو ما لم يصنعه في بقية الكتاب !

" أ . ن . ح " بطل مقلب السعدني كان يؤمن أنه قصاص عظيم وخطير ، وذلك في زمن سطوح نجم  يحيي حقي ويوسف إدريس وغيرهما من أكابر كتاب القصة القصيرة ، وتلكم أولى علامات النرجسية ، ذهب السيد " أ . ن . ح " إلى الأديب الشهير يوسف السباعي، وقدم إليه مجموعته القصصية التي تحمل عنوان " في سبيل الحياة ".

 لا نعرف هل طالعها السباعي أم لا ، قام السباعي بتقديم المجموعة للسعدني لكي يكتب لها مقدمة .

قرأ السعدني المجموعة فجن جنونه ، لقد كانت القصة الأولى تبدأ هكذا :" يا رجال الفضيلة إن زوجتي بالحديقة .. إنها بالحديقة ".

وكانت بداية القصة الثانية تقول:" يا بوليس الآداب إن زوجتي بالحديقة.. إنها بالحديقة ".

مع مطلع كل قصة كان الكاتب يأتي بهيئة جديدة، لكي يخبرنا أن زوجته بالحديقة، فهو ينادي الأزهر الشريف وبقية مؤسسات الدولة لكي يقول:" إن زوجته بالحديقة.. إنها بالحديقة ".

ترى هل قرأ هذا الرجل شيئًا من فن القصة؟

يقينًا لم يقرأ شيئًا ، فما حاجته للقراءة ومتاعبها وهو قاص عظيم مبتكر ، إنها صورة الذات التي خلقها هو بيديه .

ثم هل شعر للحظة إن هناك منافسين أقوياء مثل يوسف إدريس مثلًا؟

يقينًا لم يشعر بوجود يوسف إدريس، إنه لا يرى سوى ذاته التي يريد فرضها من خلال نشر إبداعاته على بني البشر.

ولأني قد عرفت السعدني في حياته ، فسأقدم لك وصفًا لحالته عندما يعتزم ارتكاب مقلب .

يبتسم السعدني ابتسامة خفيفة ، ثم يتحدث كأنه لم يعرف المزاح قط ، يصبح جادًا جدًا في غير افتعال ، وتلك الحالة من التقمص تجعل الضحية يسلم بأنه أمام معجب مفتون !.

أمسك السعدني قلمًا وكتب مقدمة جاء فيها :" هذا كاتب متقدم على الفصيلة الأولى ، مندفع نحو الشفق ، مضروب على قفاه ".

ظاهر أشد الظهور أن هذا الكلام هو هجاء لا مدح فيه، ولكن هل النرجسي سيرى هذا الهجاء؟

لا يا صاحبي النرجسي مبرأ من كل خطيئة، فكيف لك أن تهجوه؟

النرجسي لا يخطئ أبدًا، فأنت إن شتمته فهو لن يسمعك، لأنه هناك فوق السحاب، ثم لا أنت ولا غيرك تجرؤ على شتيمته، فأنت دائمًا تقصد غيره.

لم يتوقف السعدني بعد مقدمته هذه الهجائية لقد كتب عشر صفحات من تلك النوعية جاء فيها :" إن الكاتب هو المترامي في اللانهائي المتوازي مع الإردوازية المصنوعة من عجين أصفر شفاف ".

ثم ختم السعدني مقدمته كاتبًا :" وهذا الكاتب ينبغي تكريمه برجمه بكتل الذهب والفضة ، ليكون عبرة للآخرين ، حتى لا يفكر ، أحد مثله في الكتابة .. لأن هذا النوع من الكتابات الساحرة يمكن أن ينقلب سحرها ، فيقتل قارئها وبائعها وحاملها وطابعها ، مع أن الزمن لو أنصف وعدل لكان القتل من نصيب كاتبها .. فهذا هو الجزاء الوحيد لمن يرتفع بفنه إلى عنان السماء فيكون له المسير والمصير والعصير أيضًا ".

جاء الكاتب السيد " أ. ن . ح " وأخذ المقدمة من السعدني وفرح بها أشد الفرح !

غضب السعدني من نفسه لأنه رأى فشله في السخرية من الكاتب ، ثم بعد أيام كان السعدني سائرًا في الشارع فسمع صيحات باعة الصحف : اقرأ كتاب في سبيل الحياة تقديم الكاتب الكبير محمود الصعيدي .

كان السعدني قد وقع باسم مستعار لكي ينجو من الكاتب عندما يكتشف سخريته منه ، ذهب السعدني حاملًا غضبه إلى الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي يقول عنه السعدني إنه كان على علاقة مباشرة بنصف الشعب المصري ، وقص عليه حكاية المقدمة التي جلبت الشهرة لكاتب تافه لا يعرف من الكتابة شيئًا ، قام الشناوي بالاتصال بمعارفه الكثيرين وأوصاهم بشراء نسخة من كتاب " في سبيل الحياة " اتصالات الشناوي أسهمت في نفاد الطبعة الأولى في خلال أيام قلائل !.

ثم كان أن أحدهم كشف للكاتب النرجسي مقلب مقدمة السعدني ، النرجسي لأنه تافه جدًا لا يمكن أن يرى عيوبه ولا أن يرى سخرية الناس منه ، ولكن بتدخل أحدهم هذا ، غضب الكاتب وذهب إلى روز اليوسف لكي يقف وقفة مع السعدني الذي جعله مسخًا ، هنا تدخل الكاتب الراحل حسن عثمان زميل السعدني ،
 وقال للكاتب : هون عليك لقد حدث خطأ فني فذهبت مقدمة محمود الصعيدي إلى كتابك وذهبت مقدمة كتابك لكاتب آخر .

فورًا أقتنع النرجسي التافه بهذا التبرير المضحك ، فما كان من السعدني إلا أن بارك له نجاح كتابه وتعهد بأن يكتب مقدمات جديدة لإبداعه القادم !.

وعلى هذا المنوال يمضي كتاب السعدني كاشفًا عن أمراض النرجسيين الذين يريدون فرض عظمتهم المتخيلة فرضًا، وللأسف ينجحون في الفوز بفرص ما كان لهم أن يفوزوا بها أبدًا.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات / الاثنين 13 مايو 2019

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام (4) والأخيرة


 

في آخر خطاب عثرنا عليه، يكتب أبي الحاج عبد الرحيم لابنه بهجات: "ماذا عليك لو تكتب جواب بالفلاحي وتسلم فيه على أعمامك عبد الوهاب وكامل وسامي وأحمد محمد وكل من اشترك معك في مناقشة في قهوة عمك مصطفى، مثل أعمامك عبد الحفيظ على وعبد البديع أحمد ومصطفى وعلى محمد، وحبذا لو قلت سلامي إلى عمي عبد التواب الزهري الراجل الجاد وضروري من سلامك الخاص على عبد الحكيم سلامه لأنه الأكثر إيماناً بالمنظمة.

أنا مهتم بأشجارك التي غرستها وتعبت فيها فهي عزيزة على، وضروري من السلام على الأسطى حمدان لأنه تفضل مشكوراً بري أشجارك".

هنا لي أنا وقفة للتعليق، فقد غرس أعضاء منظمة الشباب بقيادة أبي الحاج بهجات أشجارًا معمرة في شوارع التمساحية، خاصة حول وابور المياه العذبة الذي أقامته ثورة يوليو في أول الستينيات بالقرية وكذا حول الوحدة الصحية، كان وابور المياه يخدم ثلاث قرى، التمساحية وبوق والمنشاة الصغرى، وكانت الوحدة الصحية تقدم خدماتها المجانية للقرى ذاتها!

كيف كان يشرب أهالي التمساحية قبل وابور الثورة؟

من الآبار وكانت قليلة جدًا أو من الطلمبات وكانت نادرة أو من الترع، نعم من الترع!

أما عن الرعاية الصحية فلم تكن تعتمد سوى على الوصفات الشعبية أو مجهود فلان وفلان من الحلاقين، أصحاب المال فقط، وكانوا أقلية لا تذكر هم الذين كان باستطاعتهم الذهاب إلى الأطباء هذا كان حال معظم القرى المصرية قبل ثورة يوليو، ثم يأتي من يتحدث عن أن ثورة يوليو قد حرمت جموع المصريين من خدمات الحلاق الإيطالي والجرسون الفرنسي والسائق اليوناني الذين كانوا يعملون في خدمة الشعب المصري!

مضت السنون وجرى اقتلاع معظم الأشجار، وبقيت شجرة زنزلخت وحيدة كنا نعرفها باسم شجرة الحاج بهجات بجوار وابور المياه، ثم جرت في النهر المياه التي نعرفها، وسافر الحاج بهجات إلى اليمن الشقيق معارًا للتدريس في مدارسها، وكان ذلك في أول الثمانينات، وجرى اقتلاع الشجرة الوحيدة المتبقية من مشروع كامل، وعندما عرف بالخبر الأليم بعث لي برسالة وكنت طالبًا في الثانوية، بقي في ذاكرتي منها قوله الغاضب: "كيف لم تقاتل من أجل شجرتي!".

يضيف الوالد خطابه: "أحوال المنظمة عال: وستبقى وتكبر وتعظم وسيذهب (الذين في قلوبهم مرض) إلى الجحيم".

هذه الفقرة توقفت أمامها بوعي رجل في الستين، حتى منظمة الشباب التي كانت الظهير السياسي والشعبي لرجل بحجم عبد الناصر كانت تواجهها العوائق والعراقيل، من هؤلاء الذين وصفهم الوالد بالذين في قلوبهم مرض، هل هم بقايا الأقطاع أم الذين يحبون الاستعمار لوجه الشيطان أم دراويش أسرة محمد علي أم تراه كان يقصد الذين قال عنهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس".

يختم الوالد خطابه كاتبًا: "بعد سفرك مباشرة ضيق (فلان) الخناق على الأعضاء من حتى كاد أغلبهم يكفر لولا بقية من أمل (أفتكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، يا أخي إن منظمة الشباب لو كانت بالإلزام كما في بعض الأعمال لملها الناس ولفر منها الشباب، لكن حياتها في الاقتناع وشعارها كقول الله تعالى "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". صدق الله وكتبه ورسله.

في ختام رسالته وضع الوالد بفطرته الإنسانية ولا أقول السياسية الملح على الجرح، إنه يرى بعين البصيرة المضيئة آفة المجتمع العربي لا المصري، وهى أن يستبد فرد أو جماعة بمشروع عظيم، أن يظن أحدهم أنه بمفرده يستطيع فعل كل شيء وإنجاز أي شيء، في تلك اللحظة البائسة التعسة يبدأ انهيار المشروع بانصراف الجموع عنه، كان الوالد يرى أن فكرة منظمة الشباب تتجاوز الإطار السياسي، إنها فكرة الالتفاف حول أهداف الثورة الكبرى والدفاع عنها والتبشير بها والهبوط بها من سماء النظرية إلى أرض الواقع، لكن (فلان) الذي كان يضيق الخناق على الناس لن يعرف جرمه إلا بعد انفضاض الناس عن الفكرة وتركها وحيدة تتلاعب بها رياح المصالح والأهواء.

رحم الله أبي وجيله من الذين أخلصوا لحلمهم الجمعي، وعرفوا أن النجاة الفردية هي ضرب من الأوهام فلا نجاة لفرد في قارب يغرق.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الثلاثاء،11 أغسطس 2026م.

الأحد، 2 أغسطس 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام ( 3 )

 


كنت أحيانًا أتسأل عن دور ثورة يوليو في حياة أبي وجيله، وكانت وساوس الشيطان تتلاعب بي، أحدهم قال لي مرة: "عبد الناصر سحّر لهذا الشعب!".

ولأني ـ بفضل الله ـ من الكافرين بالسحر والسحرة وكل ألاعيب الشعوذة، فلم أرد على محدثي ورتلت في سري: "عسى ربي أن يهدني سواء السبيل".

وقد فتحت لي الخطابات بابًا من أبواب اليقين، حقًا كان لا مفر من ثورة يوليو، وجاءت الثورة لتنقذ أمة عظيمة من اليأس قبل أن تنقذها من الجوع والمرض والحفاء.

في الخطابات لا أجد أدنى شكوى من صعوبة الحالة المادية، أو من الخوف من المستقبل، بل أجد حماسًا وأملًا، يجعل أبي يتخير ألفاظ خطابه إلى ابنه فيقول له في الخطاب الثاني، وهو للأسف غير مؤرخ: "لكم كان بودي أن ينوب قدمي عن قلمي وبناني عن بياني، ولكن هي مشاغل الحياة وعوائق الزمن.. أضرع إلى الله أن تصلك كلماتي هذه وأنت متوج بالصحة والرفاهية.. كل ما يقلقني في الحياة أن يصلك خطابي وأنت متأهب لأداء فريضة الجمعة: صل يا بني واشكر الله على نعمائه على ما أولاك به من رعاية وحدب

 

ولدي العزيز: كن رجلاً عاقلاً متزناً صريحاً شجاعاً في كل أمورك.. وصيتي: عش مع الواقع دائماً وأبداً، ولاتكن من الذين يعيشون في الأوهام والخيالات".

 

ما زلنا في مطلع الستينيات، وأبي يعول قبيلة من أولاده الذين يتلقون تعليمهم النظامي، ومع ذلك يكتب لولده في خطاب مؤرخ بـ 24 نوفمبر من العام 1961: "إن شاء الله تجدني ملبيًا لجميع طلباتك ورغباتك أما عن الرحلة وغيرها فأنت حر في كل تصرفاتك وأني وأشهد الله، قد أوكلت أمرك لضميرك الحي وشعورك الحساس فثق بنفسك وكن معتدًا برأيك، أما عن مسألة الفلوس والعيش فهذه أمور تافهة إن شاء الله لا تستدعي تفكيرك فيها بمشيئة الله سأصل عندك.. أنا والزميل عبد البديع يوم الاثنين القادم وسأنفذ جميع طلباتك، سير إلى الأمام وكن مستقيماً وصل لله واشكر نعمائه".

سر هذا الاطمئنان، هو في قرارات الثورة التي دعمت أبي الموظف بالابتدائية الذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون راتبه قد تجاوز سقف العشرة جنيهات شهريًا، لقد قامت الثورة بخفض الرسوم ثم خفض الإيجارات ثم فتحت المجال العام أمام طبقة كاملة لكي تنهض وتعمل، قرارات الثورة جعلت طالبًا في مدرسة المعلمين يقدم على القيام برحلة إلى قاهرة المعز قادمًا من أسيوط، تلك لعمري كانت مغامرة، ثم الأب يبارك الرحلة ويدعمها ويدعو ولده إلى عدم الانشغال بأمور الفلوس!

مضت السنون ونحن الآن في الرابع من مارس من العام 1967، وفي ذلك العام وقبيل أشهر من كارثة يونيو كان أبي الحاج بهجات في الثانية والعشرين من عمره، وكان منخرطًا بهمة في الشأن العام وعضوًا بارزا في منظمة الشباب الاشتراكي، وكانت الظهير الشبابي بل الشعبي لعبد الناصر (التمساحية البعيدة جدًا كانت في قلب هذا الحراك!).

الوالد من أسيوط يكتب لولده الذي سافر ليحضر اجتماعًا للمنظمة عقد في مدينة حلوان جنوب القاهرة في العاشر من مارس من العام 1967: "لماذا تأخرت على بالمراسلة للآن، رجائي رسالة تحتوي على الآتي:

رحلتك مفصلة من قيام التاكسي بك حتى وصولك إلى المعسكر وكل ما صادفته ومعاملة سائق التاكسي معكم.

وكلامي وليست نصيحتي أو وصيتي، ألا تقبل على عملك أقبال المنوط به بل أقدم عليه برضاً وحب وإيمان وتفان وإخلاص وأظنك من الفاعلين لأنه حلمنا الذي كنا نعيشه من أجيال.

سأعرض عليك الآن منظرًا سريعًا في ثوان من فصل من فصول مسرحية الحياة الطويلة..

هذا المنظر لا أحكيه لك وأقول يا ولدي في غابر الأيام كان وكان و....... كلا، فقد لا تصدق ولكنك ابن الثورة بل سأجعلك تحكيه لنفسك لأنك بطله 

الزمان السبت الموافق 4 مارس 1967م درجوا اسمك في البلد ضمن خمسين شخصًا يمثلون القرية.

كلامي انتهى وإليك نصيحتي ووصيتي:

أولاً: الصلاة ثم الصلاة فهي الدرع والوقاية والصبر والنشاط والحب والطاعة والأدب والالتزام وصدق المنفلوطي (إن لم تكن الصلاة أفضل العبادات لكانت أحسن العبادات).

ثانياً: التسامح والبساطة وعدم التكلف حتى في الكلام ومطمئن عليك في هذه الناحية

ثالثاً: التعرف على الآخرين كل الآخرين داخل المعسكر وخارجه ما وسعك ذلك.

وصيتي انتهت.

من الواضح أن أعمال معسكر منظمة الشباب الاشتراكي قد تواصلت حتى وصلنا إلى الثاني من مايو من العام 1967 وفيه يكتب الوالد لولده: "هل سمعت أضواء المدينة البارحة وما أدخله عليها جلال معوض من التجديد حين آمن بإنسانيته ورسالته هو وكل من اشترك معه.

قلتَ في خطابك الأخير إن عدد الدارسين بالمعهد 251 دارساً فهل تعرفت على الكثير منهم.

صل من أجلك وأجلنا ومن أجل الإنسانية إن كنت مؤمنًا بإنسانيتك وزر أولياء الله لأن دعواتك ستكون مجابة بإذن الله وخاصة إذا دعوت لنا وحبذا لو تيسرت لك زيارة آل بيت الرسول صل الله عليه وسلم والصالحين وفضيلة مولانا السيد محمد أبو العيون.

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله..

منشور بجريدة صوت الأمة الجمعة، 31 يوليو 2026.


الاثنين، 27 يوليو 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام (2)


 

ولد الحاج عبد الرحيم عبد الجابر بقرية التمساحية بمركز القوصية بمحافظة أسيوط في العام 1919، فكان وجيله من ثمار الثورة المصرية اليانعة، وأيامها (والكلام لعبيد الاحتلال ودراويش أسرة محمد علي) كان التعليم عملية شاقة جدًا على كل جميع المستويات، الاقتصادي منها والاجتماعي، التعليم أيامها كان مقصورًا على الكتاتيب، وسعيد الحظ وصاحب الثروة هو الذي سيغادر إلى القاهرة حيث جنة الأزهر الشريف، أما عن وجود المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في القرى فهذا أمور فوق الخيال.

تعليم الكتاتيب كان مقصورًا على حفظ القرآن الكريم ثم معرفة مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم يترك التلميذ لشأنه.

لا يخجل عبيد الاحتلال ودراويش أسرة محمد علي، فيشنون حروبهم على ثورة يوليو التي جعلت التعليم كالماء والهواء حقًا.. 

من الواضح أن الحاج عبد الرحيم قد سمع باسم عباس محمود العقاد، وكيف بعزم من حديد وبهمة الملوك تعلم العلم الذي تعلمه وتسلح بالثقافة التي تسلح بها، حاز كل تلك المكانة ولم يحصل من شهادات التعليم الرسمي سوى على شهادة الابتدائية، وهذا كان حال أديب العربية الأعظم مصطفى صادق الرافعي، بعد الابتدائية التي لا أعرف كيف حصل عليها أبي انطلق يقرأ كل ما يصل إليه فترك لنا مكتبة ذاخرة بأمهات الكتاب في شتى المجالات!

أما ابنه أكبر أولاده الحاج بهجات فقد ولد في العام 1945، وعندما جاءت ثورة يوليو فتحت له ولجيله أبواب التعليم الإلزامي المنضبط، فحصل على الابتدائية ثم الإعدادية ثم التحق بمدرسة المعلمين، وهنا لنا وقفة مع تلك المدرسة العظيمة. أنقل عن صفحة تاريخ التعليم المصري: "إن لمصر تاريخ طويل في إعداد المعلم وكانت هناك معاهد أكاديمية تقوم بهذا الدور، ففي عام 1872 أنشأت دار العلوم كأول معهد علمي لإعداد معلمي اللغة العربية، إذا أن المقررات التربوية لم تدرج ضمن خطة الدراسة بها إلا ابتداء من عام1886م، وفي عام 1888م أنشأت مدرسة المعلمين المركزية".

أما عن أبرز خريجي المدرسة العظيمة فإليك هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر: |الأديب إبراهيم عبد القادر المازني، والأديب محمد فريد أبو حديد، والمؤرخ محمد شفيق غربال، والشاعر عبد الرحمن شكري والمفكر زكي نجيب محمود!".

كانت مدرسة المعلمين تفتح أبوابها للتلاميذ الحاصلين على الإعدادية بشرطين، الأول أن يكون التلميذ متفوقًا، والثاني أن يكون راغبًا حقًا في أن يصبح معلمًا.

ثم بعد هذا التاريخ العريق للمدرسة تم إغلاقها بقرار عجيب في مطلع الثمانينات، ومن يوم إغلاقها لم ير التعليم خيرًا.

مدرسة الحاج بهجات كانت في ديروط بشمال أسيوط، وبين ديروط والتمساحية، مسافة لا تزيد عن ثلاثين كيلو مترًا، ومع قرب المسافة فإن خطابات الوالد لولده لم تكن تنقطع!

الخطاب الأول، وهو للأسف ليس مؤرخًا، يزف فيه الوالد لولده خبرًا سعيدًا فيقول: "أذيع أمس أن السيد كمال الدين حسين قرر تخفيض نصف الرسوم على الإعدادي والثانوي والجامعات، ودفع النصف الباقي على قسطين".

ورود اسم الوزير كمال الدين حسين يقطع بأن زمن الخطاب في أول الستينيات، ويلاحظ أن الحاج عبد الرحيم في خطاب عائلي يستخدم لغة التوقير مع معالي الوزير فيصفه بالسيد، ثم الموضوع مهم جدًا من وجهة نظره، الرسوم ستخفض، فكم كانت الرسوم التي فرح أبي بتخفيضها؟

بحثت فوجدت ما يلي: "المرحلة الإعدادية: كانت الرسوم المقررة قرابة 150 قرشاً (جنيهاً ونصف) سنوياً، فجرى تخفيضها لتصبح 75 قرشاً فقط".

لاحظ أن هذا النصف سيدفع على قسطين، يعني القسط أقل من خمسة وثلاثين قرشًا، آه نسيت إخبار قارئ اليوم أن كل مئة قرش تساوي جنيهًا واحدًا!

المرحلة الثانوية: كانت رسوم الخدمات والأنشطة تبلغ 3 جنيهات سنوياً، فخُفضت بموجب هذا القرار إلى 150 قرشاً (جنيهاً ونصف).

التعليم الجامعي: كانت الرسوم والاشتراكات الإضافية لخدمات الكليات والمعامل وتأمين الأدوات تتراوح بين 4 جنيهات إلى 6 جنيهات (حسب الكلية نظرية أم عملية)، وخُفِّضت بموجب القرار لتصبح بين جنيه ونصف إلى 3 جنيهات كحد أقصى.

قد تبدو فرحة أبي عجيبة لأن الأمر كله هو أمر قروش وجنيهات معدودة، ولكن عليك أن تعود إلى قبل ستين عامًا من عامنا هذا، فترى أن متوسط الرواتب الشهرية للموظفين كان يتراوح بين 10 إلى 15 جنيهاً فقط.

كان أبي قد أصبح موظفًا حكوميًا بعد أن أنشأت ثورة يوليو الجمعيات الزراعية المخصصة لخدمة الفلاح، فكان هو وعمي الحاج حسين عراقي (والد الكاتب والبرلماني الأستاذ عماد الدين حسين) أول موظفين قامت على أكتافهما الجمعية الزراعية بالتمساحية.

بالعودة إلى قرار الحكومة بتخفيض الرسوم الدراسية فقد فسر لي ولوع أبي بالدولة المصرية، فقد كان يجدد مبايعته لها مع كل خطاب شديد الخصوصية، لم يكن يعلم أن أحدًا غيره وغير ولده البكري سيطلع عليه!

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 26 يوليو 2026م.