الاثنين، 26 أكتوبر 2026

حزب شاب يزلزل العالم!


 

في البدء كانت الصهيونية تُصنف بوصفها فكرة عنصرية، وصعد التصنيف حتى أصبح أمميًا.

ففي العام 1975 اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا يقضي بأن الصهيونية هي شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري، وقد صوتت لصالح القرار اثنتان وسبعون دولة على رأسها الدول العربية، والدول التي كانت تعرف بدول الكتلة السوفيتية، ودول عدم الانحياز، وعارض القرار خمس وثلاثون دولة وامتنعت اثنتان وثلاثون دولة عن التصويت.

 

ظل القرار ساريًا ومحترمًا عالميًا حتى وسوس الشيطان الأمريكي للعرب ببدء التفاوض العلني مع كيان الاحتلال، وكانت البداية في مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991، وافق العرب على حضور المؤتمر وكان على رأس الموافقين منظمة التحرير الفلسطينية في زمن ياسر عرفات، وكانت المنظمة هي الممثل الشرعي والوحيد للفلسطينيين!

 

بعد الموافقة العربية جاء الفخ الأمريكي: لكي تحضر إسرائيل ولكي تحصلوا على أي مكسب فلا بد من إلغاء قرار عنصرية الصهيونية!

 

كانت كتلة عدم الانحياز وكذا كتلة الدول السوفيتية قد أصبحتا فعلًا ماضيًا، وكان العرب قد اقتتلوا وجهًا لوجه بعد الغزو الصدامي الجنوني لأرض الكويت، فتم التصويت الأممي على إلغاء القرار، فصوتت مئة وإحدى عشرة دولة على قرار الإلغاء، وعارضته خمس وعشرون دولة فقط، وامتنعت عن التصويت ثلاث عشرة دولة، أصحاب القضية أنفسهم صوتوا لصالح قرار الإلغاء، ومن يومها لا يجرؤ أحد على نعت الصهيونية بالعنصرية، ولو فعلها فعليه تحمل النتائج القاسية بل القاصمة لظهره!

 

ثم جاء الطوفان وقام الكيان بارتكاب كل أفعال وأشكال الإبادة ضد نساء وأطفال وشيوخ المسكينة غزة، فلم يجرؤ أحد على وصف الصهيونية بالعنصرية، فقد مضى ذاك الزمان وأهله!

 

هل مر بك أن اعتماد قرار الصهيونية عنصرية قد صدر في العام 1975، وقبل ذلك العام بعامين اثنين فقط شهد الغرب، المملكة المتحدة تحديدًا ميلاد حزب الخضر الذي سيلعب دورًا مهمًا وخطيرًا في قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ولكن بعد مرور نصف قرن على انطلاقه.

 

تقول بيانات الحزب: إنه تأسس في إنجلترا وويلز في الأصل باسم "حزب الشعب" ثم أصبح يعرف باسم "حزب البيئة"، ولكن في العام 1985 أصبح اسمه "حزب الخضر"، وفي العام 1990 انقسم الحزب إلى ثلاثة أحزاب مستقلة وهي: حزب الخضر في إنجلترا وويلز، وحزب الخضر الأسكتلندي، وحزب الخضر في أيرلندا الشمالية.

 

في العام 2010، حدثت النقلة التاريخية للحزب فقد فاز الحزب بأول مقعد له في مجلس العموم البريطاني، أما القفزة الكبرى فقد حققها الحزب في انتخابات عندما حصد أربعة مقاعد في البرلمان، ومع التقدم في البرلمان شهد حضورًا شعبيًا لافتًا، فهو يضم الآن أكثر من ربع مليون عضو، مما جعله ثالث أكبر حزب بريطاني من حيث عدد الأعضاء.

 

في شهرنا هذا أكتوبر من عامنا هذا 2026 سجل الحزب قفزته الخرافية، فقد صوت أعضاؤه في مؤتمرهم العام لصالح قرار يعتبر الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية ويدعو لإقامة دولة ديمقراطية واحدة في فلسطين!

 

هكذا من صلب بريطانيا صاحبة وعد بلفور يأتي حزب له شعبيته بما لم يأت به الأوائل، يقف على رأس الحزب السياسي الشاب زاك بولانسكي، وهو يهودي الديانة، وقد صرح بأنه ضد قرار المؤتمر العام ولكنه يحترمه ويلتزم به فهكذا هي قواعد الديمقراطية.

 

قرار الحزب جعله عرضة لهجوم صهيوني بشع ولمحاولات تفجير من الداخل، فالقرار بالأساس يأتي عكس الريح لا البريطانية بل العربية، فالكل يحاول إقرار مبدا الدولتين، فيما عدا أمريكا والكيان، والحزب فقط هو الذي ينادي بدولة فلسطينية واحدة ديمقراطية تتسع للجميع.

 

الأكيد أن حزب الخضر البريطاني سيدفع ثمن قرار مؤتمره العام، وسيكون الثمن فادحًا فالصهيونية العالمية لن تتركه لشأنه، وستقوم بتفجيره من داخله لأن هناك من قيادات الحزب من يرفض القرار وصوت ضده، ولكن المحزن في الأمر أن العرب والمسلمين بل والسلطة الفلسطينية لم يقدموا دعمًا، أي دعم لحزب يسبح منفردا ضد التيار.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الجمعة، 16 أكتوبر 2026م.

الأحد، 25 أكتوبر 2026

تحرير ولكن!


 

نبارك للأشقاء في العراق مغادرة قوات الاحتلال للقواعد لكن على الأشقاء أن يدركوا أن جهاد إعادة بناء بلدهم العظيم بدأ

جاء الثلاثون من سبتمبر من عامنا هذا 2026 لتعلن الولايات المتحدة الأمريكية انسحابها العسكري من العراق الشقيق، الخبر مفرح لا شك في ذلك، ولكن بحثت عن الفرحة في التغطية الإعلامية عبر الفضائيات وكتابات المحللين المتخصصين فلم أظفر بشيء!

خبر عابر وتغطية باهتة مباشرة، كأن يقال "الطقس اليوم حار!.

بدأت كارثة احتلال أمريكا للعراق منذ حرب الخليج الثانية، بعد الغزو الجنوني الذي قام به صدام لأرض الكويت، من تلك اللحظة فرضت أمريكا وجودها بقوة السلاح ولا شيء غيره، ثم تدهور الوضع حتى وصلنا إلى الغزو البري وسقوط عاصمة الخلافة بغداد تحت أقدام الأمريكان في التاسع من أبريل من العام 2003، في تلك الفترة الممتدة من 2003 إلى 2011 كان الاحتلال قد بلغ ذروته عبر تمركزه في 505 قاعدة بطول العراق وعرضه، ثم بدأ الوضع يتحسن حتى وصلنا إلى عدد محدود من القواعد،  تلك القواعد مهمة نعم وخطيرة نعم ولكنها ليست بأهمية وخطورة مئات القواعد التي دشنها الاحتلال.

على ما سبق، فلماذا غابت الفرحة العارمة التي تصاحب دائمًا تحرير الأوطان؟!

العراقيون ليسوا سواءً في موقفهم من قواعد الاحتلال، فهناك فريق شيعي مسلح يستطيع بسلاحه الدفاع عن نفسه أمام توحش داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية، وفريق كردي له سلاحه، أما قلب العراق وأعني السنة فلا سلاح لهم، ومن هنا تنبت مخاوف الكثيرين من أفراد الطائفة السنية، فماذا لو عادت داعش، ليس معنى هذا أن السنة ترحب بوجود القواعد الأمريكية ولكن الطائفة تبحث عن ضمانات لأمنها في مجتمع كل فريق فيه مسلح حتى أنفه!

واصلت البحث عن أسباب غياب الفرحة العارمة بتحرير الوطن فوقعت على دراسة كتبها ونشرها الباحث الأستاذ عريب الرنتاوي.

في دراسته أكد على نقطتين مهمتين تفسران سبب غياب الفرحة العارمة بتحرير العراق.

النقطة الأولى هي: العراقيون يدركون أن الأمريكان غادروا القواعد التي في بلده إلى قواعد في بلدان مجاورة ن يعني يستطيع الأمريكي العودة خلال ساعة ويستطيع القصف من مكان تمركزه الجديد، كأن الأمر يشبه الحصار غير المباشر، الحصار عن بعد ولكنه بعد لا يحول بين الصواريخ وبين أهدافها!

النقطة الثانية لخصها الباحث تحت عنوان لافت عندما كتبت:" التسلط الأمريكي على العراق سينتقل من يد وزارة الحرب البنتاجون الخشنة إلى يد وزارة المالية الناعمة!

في تفاصيل هذه النقطة قال: إن العراق لم يسترد بعد سيطرته المباشرة على موارد نفطه، فلا تزال عوائده التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد العراقي "90 بالمئة تقريباً من موازنة الدولة التشغيلية والاستثمارية"، تودع مباشرة في حسابات الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. هذا "الإملاء" المالي المستمر منذ الغزو والاجتياح (2003)، يمنح واشنطن الصلاحية والقدرة على التحكم بتدفقات السيولة النقدية وتأخير التحويلات عند الحاجة، وبما يضع أي حكومة في بغداد أمام سيناريو العجز عن دفع رواتب موظفيها دون المصادقة الأمريكية.

ثم أن واشنطن أحكمت رقابتها اللصيقة على القطاع المصرفي العراقي عبر منصات إلكترونية صارمة لضمان الامتثال المالي، وبات بمقدور "الفيدرالي" و"الخزانة" تقييد شحنات الدولار النقدية الموجهة للبنك المركزي العراقي تحت ذريعة مكافحة التهريب ومنع وصولها إلى جهات ودول خاضعة للعقوبات الأمريكية (إيران)، هذا النظام الرقابي الصارم أدى في كثير من الأحيان إلى أزمات حادة في سعر الصرف واهتزازات اقتصادية دورية... والخلاصة أن "صنبور المال" العراقي مازال، وسيبقى إلى أمدٍ غير معلوم، في يد واشنطن.

ثم هناك قصة الغاز القادم من إيران إلى العراق، الأمريكان يسمحون للعراق باستيراد الغاز لكي يتم تشغيل محطات الكهرباء، ولكن عندما يريدون قطع خطوط الاستيراد، سيغرق العراق في الظلام!

وبعدُ فنحن نبارك للأشقاء في العراق مغادرة قوات الاحتلال للقواعد التي تمركزوا فيها على قرابة الربع قرن، ولكن على الأشقاء أن يدركوا أن الجهاد الأكبر والأهم قد بدأ، جهاد إعادة بناء بلدهم العظيم بناءً يليق بعراق المجد الذي كان يومًا عاصمة الدنيا ومركز التنوير والمعرفة.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 11 أكتوبر 2026.

 

سأقتلك فقط.. فلماذا تكرهني!


 

ظهر السيد جون بولتون مستشار الأمن القومي الأمريكي في العام 2022 في حوار مع شبكة "سي إن إن " ليقول هادئًا واثقًا مطمئنًا: "لقد ساعدت في التخطيط لانقلابات في دول أخرى!".

اعتراف بولتون ذكّر العالم بطرفة تقول: "سألوا أحد وزراء الخارجية: لماذا يشهد العالم كله انقلابات بينما تنجو أمريكا وحدها من هذا الداء؟".. رد معالي الوزير: "لأنه لا توجد سفارة للولايات المتحدة الأمريكية في واشنطن!".

قبل تصريح بولتون بسنوات كثيرة وتحديدًا في ليلة السادس عشر من سبتمبر من العام 2001 وبعد خمسة أيام فقط من أحداث الحادي عشر من سبتمبر وقف الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش أمام الصحفيين ليقول هادئا واثقًا مطمئنًا: "هذه حملة صليبية، هذه الحرب على الإرهاب، ستستغرق بعض الوقت".

ما الذي جاء بذكر الصليب هنا؟.. معروف أن الحملات الصليبية كانت أوروبا تشنها على المسلمين دون غيرهم من بني البشر، إذًا قرر بوش شن حرب صليبية على المسلمين قبل حتى أن يعترف تنظيم القاعدة بمسئوليته عن الأحداث (بمناسبة ذكر تنظيم القاعدة، ترى كم تبلغ نسبة المكون الأمريكي في هذا التنظيم؟).

قبل تصريح بولتون ومع تصريح بوش كانت الإدارات الأمريكية تصرخ باكية: "لماذا يكرهوننا؟".

صرخة مضحكة (أم وقحة) كأن الصرخة تقول: "كيف تكرهني وأنا لم أفعل شيئًا سوى قتلك!".

تقول الأنباء القادمة من واشنطن ما ملخصه: أخطرت الإدارة الأمريكية الكونجرس بشكل غير رسمي ببدء إجراءات تمرير صفقة تسليح ضخمة لإسرائيل تُقدر بـ 2.8 مليار دولار.

تضم الصفقة نحو 40,000 قنبلة ثقيلة تزن الواحدة منها ألفي رطل (طن تقريبًا)، وهي مقسمة كالتالي: 20,000 قنبلة من طراز MK-84 (قنابل إسقاط حر غير موجهة شديدة التدمير يتم تعديلها لاحقاً بأنظمة توجيه)، 20,000 قنبلة من طراز BLU-117.20,000 رأس اختراقي مدمر من طراز I-2000 (المعروفة بـ "خارقات التحصينات" والمنشآت الممتدة تحت الأرض).

غني عن الذكر أن الديمقراطيين سيحاولون عرقة الصفقة (غزة دمرت أيام الديمقراطي بايدن) ولكن محاولات الديمقراطيين لن تمثل شيئًا لأن إدارة ترامب ستلجأ إلى استخدام الصلاحية القانونية لتجاوز المراجعة البرلمانية عبر تفعيل "بند الطوارئ والأمن القومي الصارم" وبند الطوارئ هذا يسمح بتصدير ما تريد الإدارة تصديره من سلاح لأي جهة كانت.

من العلم العام الذي لا يختلف عليه اثنان أن هذه القنابل موجهة أولًا لغزة والضفة والجنوب اللبناني، تذكرت أن معرفة قديمة قد ربطتني بالقنبلة الأمريكية MK-84، نعم إنها ذات القنبلة التي استخدمها الكيان في مجزرة مواصي خان يونس بغزة، تقول بيانات القنبلة التي يملأ ذكرها المواقع الإخبارية: إنها تزن قرابة الطن، وهي تغوص سريعاً قبل لحظة الانفجار. وعندما تنفجر تحت السطح، تدفع كميات هائلة من التربة إلى الخارج، مما يخلق حفرة بعمق يصل إلى 15 متراً، وفور انفجارها تتمزق رئات الضحايا ثم الأمعاء، وطبلة الأذن، أما شظاياها الفولاذية فهى تتحول إلى آلاف القذائف الصغيرة، فتقتل فورًا كل من كان يوجد في دائرة يبلغ قطرها الثلاثمئة مترًا، وتلك القذائف الصغيرة تتحرك بسرعة تفوق سرعة الصوت.

ترى هل سيأتي اليوم الذي تعرف فيه الإدارات الأمريكية لماذا هي مكروهة؟!..

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 04 أكتوبر 2026.

 

ماكليمور والفرص الضائعة

 

يغيظني استهتار بعضنا، بالمواقف العالمية التي يتخذها أحرار الإنسانية ضد دولة الكيان المحتل. نظن أن الأمر سهلًا أو عاديًا أو لن يقدم ولن يؤخر، وهذا ليس صحيحًا بالمرة، فإلقاء أصغر حجر في البحيرة الراكدة هو أحسن ألف مرة من مصمصة الشفاه حزنًا على البحيرة الراكدة. 

إن أي تحرك لنصرة فلسطين ولرفع الحصار عن غزة يجب أن يقابل بالشكر والامتنان، خاصة لو كان هذا التحرك من بيئة هي بحكم تكوينها وثقافتها بل وعقيدتها معادية لأي حق فلسطيني أو عربي أو إسلامي.

كان صاحب العصا، رحمه الله، قد بشرنا في خطاب له قبل استشهاده بأن "المقاومة ستجبر الاحتلال إما على تطبيق القرارات الدولية وإقامة دولة فلسطينية، أو وضعه في تصادم مع الإرادة الدولية وعزله تماماً عن المنطقة والعالم، وسلب الشرعية الدولية عنه ودفعه نحو الاختناق الدبلوماسي والنبذ العالمي في حال رفضه الانصياع للحقوق الفلسطينية".

قالها الرجل ولكن لم نسمعها جيدًا!..

أقول هذا وعيني على ما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية خلال شهرنا هذا، بطل القصة هو المغني البريطاني الأشهر إد شيران، أحد أنجح نجوم الغناء في العالم. ولكي تعرف مكانته نذكر أن حفلاته يحضرها مئات الآلاف، وقد حققت جولاته في السنوات الأخيرة قرابة 1.9 مليار دولار من بيع قرابة 21 مليون تذكرة.

حفلات شيران لا تقام على المسارح العادية، فعدد الجماهير يتجاوز سعة أي مسرح، ولذا يتم التعاقد معه على الغناء بداخل ملاعب كرة القدم الأمريكية، وهذه بدورها يمتلكها جماعة من أصحاب المليارات الذين يتحكمون عمليًا في استضافة الحفلات الكبرى أو إلغائها.

أزمة جولة شيران التي حدثت قبل أيام، بدأت عندما انضم إليها مغني الراب الأميركي الشهير ماكليمور، ماكليمور هو في حد ذاته مشكلة للثقافة التي تناصر الكيان ظالمًا أو ظالمًا، فلم يكن الكيان مظلومًا في أي يوم ، ماكليمور بدأ مناصرة غزة والدفاع عنها مبكرًا وتوج مواقفه بان قدم أغنية تحت عنوان "Hind’s Hall" أي مبنى هند، وهند هذه هي هند رجب الطفلة الفلسطينية الشهيدة التي قتلها جنود الاحتلال، يوم قدم ماكليمور أغنيته في العام 2024 اكتسحت العالم الغربي الذي وجد نفسه في مأزق كان قد تحدث عنه صاحب العصا، فإما يواصل مناصرته لقتلة الأطفال وإما يقول كلمة حق لصالح الأطفال الأبرياء.

صعد ماكليمور على المسرح مرتديا الكوفية الفلسطينية، ثم هتف بأعلى صوته "فلسطين حرة" ثم غنى أغنية هند ليشتعل الملعب!

رغم أن الملعب يقع في مدينة نيويورك، ولكن العالم كله عرف بهتاف الفنان الأمريكي، فورًا تحرك اللوبي الصهيوني، واتصل بصاحب الجولة المغني شيران وأبلغوه بأنهم وافقوا على استضافة أمسية غنائية ترفيهية، وليس تجمعًا سياسيًا تُوجَّه خلاله اتهامات إلى إسرائيل!

تعهد منظمو الجولة بأن ماكليمور لن يفعلها ثانية، ولكنه صعد إلى المسرح في الليلة التالية، ليقول أمام الجميع: "إن السبب الرئيسي لموافقتي على المشاركة في جولة شيران، هو أن أقف على المسارح وفي الملاعب في مختلف أنحاء أميركيا، وأقول كلمتين عزيزتين جدًا على قلبي: فلسطين حرة".

ولم يكتف بذلك فقد قال لليهود الحاضرين: "إن انتقاد إسرائيل، وانتقاد الفصل العنصري، ومعارضة الإبادة الجماعية، لا يمثل بأي حال من الأحوال انتقادًا لكم".

هنا تأكد اللوبي أن مغني الراب عصي على التطويع ولن يتنازل عن موقفه، فخاطبوا صاحب الجولة قائلين: "إما استكمال الجولة ونجاح الحفلات وإما ماكلمور".

رضخ شيران وقام باستبعاد الفنان المناصر للحق الفلسطيني، قرار الاستبعاد أغضب جماهير ماكليمور الذين لهم موقفه من فلسطين، هنا تدارك شيران الموقف وأصدر بيانًا نفى فيه مسئوليته الشخصية عن استبعاد صديقه، وألقى بالمسئولية على أصحاب الملاعب والمسارح!.

بيان شيران لم يقنع أحدًا، لقد ظن ملاك الملاعب والمسارح وجلهم من الصهاينة أو المتصهينين أن الأمر سيقف عن غضب جماهير ماكليمور، ولم يظن أحدهم أن الأزمة ستصبح كرة نار تكبر وتتدحرج لتكتسح في طريقها كل شيء!

أولًا: أعلنت جولة شيران حالة "إدارة أضرار".

ثانيًا: حدثت حالة انسحاب جماعي للفنانين تضامناً مع ماكليمور، فقد أعلن جميع الفنانين والفرق الافتتاحية المتبقية انسحابهم الفوري من الجولة، وأبرزهم النجم الأمريكي فينيس والفنان الأيرلندي آرون رو، وفرقة لوتشان غراهام، والفرقة الأيرلندية بيوجا.

ثالثًا: وجد شيران نفسه وحيدًا، وهو الذي يعتمد على الجماعية في جولاته العالمية.

رابعًا: وقع أمران في غاية الخطورة، فقد تراجعت مبيعات التذاكر، ثم انخفضت أسعار تذاكر حفلات إد شيران المقبلة في بعض المدن الأمريكية مثل فيلادلفيا بنسبة وصلت إلى 50%.

خامسًا: استجابة لغضب الجماهير من تخلي شيران عن رفيق حفلاتهماكليمور فقد أعلنت إذاعة "كلاسيك هيتس" الشهيرة في أيرلندا حذف أغاني إد شيران تماماً من قوائم بثها.

سادسًا: رأى ماكليمور أن يتدخل بعد أن أصبحت الأزمة عالمية فقال: “لم أكن بحاجة إلى 10 حفلات، بل كفتني فرصتان لأقف أمام 90 ألفشخص وأقول كلمات حرّروا فلسطين. إذا كان ثمن ذلك خسارة المسرح،فهي أنجح جولة في حياتي لأنها أعادت الضوء للقضية".

سابعًا: أعلن ماكليمور تبرعه بكامل أجر الجولة البالغ مليون دولار لصالح 6 منظمات إغاثية فلسطينية (من بينها الأونروا).

ثامنًا: تمنيت لو كتبت أن دولة عربية أو جهة عربية قد قدمت دعوة لماكليمور ليغني أمام الجمهور العربي وعلى أكبر مسرح عربي داعمًا فلسطين ، ولكن متى أحسنا انتهاز الفرص؟

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 27 سبتمبر 2026.

 

 

 

 

 

لماذا لا نستغل فيلم "نازا"؟


 

الفيلم المكرم من مهرجان فينيسيا قائم على شهادات 24 من جيش الاحتلال أكدوا جمعيًا أن القتل الذي شهدته غزة كان متعمدًا

قبل أيام فاز الفيلم البريطاني الوثائقي "نازا" بجائزة لجنة تحكيم مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، ومن يومها والعرب والغرب وكيان الاحتلال مشغولون بالحديث عن الفيلم والتفاعل معه!.

الفيلم بريطاني الإنتاج وقد قدمت صحيفة الجارديان مساهمة كبرى لكي يتم إنجازه، وهو من إخراج اثنين من الكيان هما يوفال أبراهام وراشيل تسور.

لا يقدم الفيلم القصص السينمائية المعتادة، لأنه قائم على تقديم شهادات لأربعة وعشرين جنديًا وضابطًا من جيش الاحتلال، ومن مخابراته، أكدوا جمعيًا في شهاداتهم أن القتل الذي شهدته غزة كان متعمدًا لأنه كان يستند إلى استخدام أنظمة المراقبة والذكاء الاصطناعي.

ما الجديد الذي قدمه الفيلم؟

بالنسبة لنا نحن لا جديد يذكر ولا قديم يعاد، فنحن نعرف كيف يقتلوننا بل نعرف كيف نُقتل في الطرقات والزنازين وفي أعالي الجبال وفي عتمة الأنفاق!

وهذا الفيلم وألف غيره لن يوقفوا المجاز التي يرتكبها الكيان لا في غزة ولا في الضفة ولا في الجنوب اللبناني، في الصيف الماضي ضرب الكيان في يوم واحد ست جبهات، من العراق شرقًا إلى تونس غربًا، فمع كامل التقدير والاحترام للقصائد والأغاني والروايات والأفلام وغيرها من الفنون، فلا غير السيف فهو أصدق أنباء من الكتب.

الجديد كان لدى الغرب الذي أنتج الفيلم وحمى مخرجيه لثلاث سنوات حتى تمكنا من تسجيل الشهادات في سرية تامة ثم عرض الفيلم في مهرجان دولي عريق ومهم ثم صفق لمدة خمس وعشرين دقيقة لمخرجيه، وشهدت قاعة العرض رفع العلمين الفلسطيني واللبناني، وهذا هو الجديد بالنسبة للسادة في الغرب، ستقول هم يقتلون القتيل ويمشون في جنازته، ستقول هم يغسلون سمعتهم، ستقول هم يساوون بين الجلاد والضحية، سأرد بنعم، ولكن تفكيك السردية الصهيونية بأيدي أولادها شيء مهم جدًا ويمكننا البناء عليه، ثم لم يمنعنا أحد من أن نقدم سرديتنا نحن وقصتنا نحن، بعيون مخرجينا وبوجوه أبطالنا!

وجهت للفيلم انتقادات طالت حتى عنوانه "نازا"، فقد سألت المختصين عن عنوان الفيلم فوصلتني الإجابات الآتية: "المصطلح باللغة الإنجليزية هو Collateral Damage، وترجمته الحرفية في المعاجم والقواميس العسكرية والسياسية هي "الأضرار الجانبية" أو "الخسائر الجانبية".

ولكن سياق فيلم "نازا NAZA" يكشف أن الكلمة تحمل معاني مختلفة، فهناك المعنى العسكري: هو اختصار عسكري مشتق من العبرية نيزك أغافي Nezek Agavi، وتستخدمه البيروقراطية العسكرية كـ "مصطلح مُلطّف" للهروب من المسؤولية الأخلاقية.

أما المعنى الفعلي الذي يقدمه الفيلم فهو أن هذا "الضرر الجانبي" ليس مجرد حادث غير مقصود، بل هو "رقم محدد ومحسوب مسبقاً" عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي؛ حيث تقرر القيادة مسبقاً عدد الأرواح المدنية (النساء والأطفال) المسموح بإزهاقها كـ "أثر جانبي" لتدمير هدف معين.

عندما قرأت مصطلح "أثر جانبي" هاجمتني الذكرى الدامية، أعني مجزرة سوق النصيرات بغزة. تقول ويكبيديا: مجزرة سوق النصيرات هي العملية العسكرية الدامية التي نفذها جيش الاحتلال في 8 يونيو 2024 وسط قطاع غزة. استهدفت العملية استعادة أربعة أسرى كانوا محتجزين في المنطقة، ونُفذت بغطاء ناري كثيف وقصف عشوائي طال سوق المخيم المكتظ بالمدنيين والنازحين والمناطق المحيطة به.

أسفر القصف الجوي والبري والبحري المكثف عن استشهاد 274 فلسطينياً على الأقل (غالبيتهم من الأطفال والنساء والمدنيين في السوق والبيوت) وإصابة أكثر من 698 آخرين بجروح خطيرة". كل هؤلاء الشهداء وكل هؤلاء المصابين هم في عين العدو وتقديره مجرد "أثر جانبي!".

داخل الكيان قامت قيامتهم ضد الفيلم، رئيس الوزراء الأسبق، نفتالي بينيت الذي يقدم نفسه بوصفه المعارض الشرس لسياسات نتانياهو شن حملة شعواء ضد الفيلم، وقال: "فرية دم مروعة تُحاك ضد جنود وضباط الجيش الإسرائيلي لتشويه صورتهم أمام الرأي العام العالمي، وقيام مواطنين إسرائيليين بإنتاج فيلم يعتمد على تسريبات من داخل منظومة الاستخبارات العسكرية ليدين دولتهم في المحافل الدولية هو بمثابة طعنة في الظهر وعمل عدائي يخدم الدعاية المضادة لبلادهم، خاصة أن الجيش يتحرك وفق معايير قانونية دقيقة".

أما ميكى زوهار وزير ثقافة الكيان فقد أعلن عن تحركه للمطالبة بسحب الجنسية من مخرجي الفيلم، يوفال أبراهام وراشيل تسور، واصفاً العمل بأنه خيانة تشوه صورة الدولة.

وبعدُ، فالفيلم قدم لنا ما يمكن البناء عليه، فهل هناك جهة عربية تنوي التحرك لتقديم قصة غزة كما حدثت بعيدًا عن فخ المصالح السياسية الضيقة؟!.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 20 سبتمبر 2026.

إنها عقيدة وليست هلوسة


 

فانس مؤمن بالمسيح الدجال الذي سيتسبب في المعركة الكبرى "هرمجدون" والتي سيكتسح فيها الغرب ومعه طبعًا إسرائيل العالم

ولد جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، في الثاني من أغسطس من العام 1984، وقد نشأ في أسرة يلعب الدين ـ بمعناه العام ـ فيها دورًا كبيرًا، فجدته التي تأثر بها كانت سيدة متدينة وفق المفهوم الأمريكي للتدين، عاش فانس سنوات الطفولة والمراهقة في محيط بروتستانتي إنجيلي، ثم لأسباب لا نعرفها تحول إلى "الإلحاد"!، وهذا عجيب جدًا، ففي شبابه وأيام دراسته الجامعية كان يقدم نفسه بوصفه من الملحدين الغاضبين!.

هذه التحولات الفجائية العاصفة ستترتب عليها نتائج تبدو فادحة بالنسبة لنا نحن أبناء العالم الإسلامي والوطن العربي، فبعد إلحاده عاد إلى الدين عندما كان في الخامسة والثلاثين من عمره، وأعلن بصفة رسمية في العام 2019 أنه قد أصبح مؤمنًا على المذهب الكاثوليكي!

وقريبًا سيظهر له كتاب تحت عنوان "المناولة: طريقي للعودة إلى الإيمان"، سيكشف فيه كيف أسهمت الكاثوليكية في تشكيل مبادئه الاجتماعية وآرائه السياسية.

ستقول وما علاقة الآراء السياسية بالعقيدة الدينية؟

هنا يا صاحبي مربط الفرس وأصل القصة ورأس النبع!

كل ما نراه نحن من أعمال السياسية هو عند فانس وفريقه من صلب العقيدة، هل رأيت الآن حجم الكارثة؟

ظهر فانس في لقاء مطول مع الإنجيلي برايس كروفورد الذي بث المقابلة عبر منصة "يوتيوب" ليقول بملء فمه: بأنه "لن يُفاجأ إذا كان المسيح الدجال يسير بيننا الآن"، وبأنه يشعر بـ "ظلام روحي" خلال بعض اللقاءات المغلقة مع قادة العالم.

واعتبر فانس "أن تفسير الأجسام الطائرة المجهولة بوصفها ملائكة أو شياطين يعد تفسيرًا محتملًا ومقبولًا".

وعند سؤاله عن فرصه في دخول الجنة أجاب فانس: "فرصي في دخول الجنة تتراوح ما بين سبعة إلى ثمانية من عشرة"!.

حديث فانس الواضح الجلي عن المسيح الدجال يكشف عن جزء مهم من عقيدة اليمين الديني الذي يحكم أمريكا التي بدورها تسعى جاهدة لحكم كل العالم والسيطرة التامة عليه.

فانس مؤمن بالمسيح الدجال الذي سيتسبب في المعركة الكبرى "هرمجدون"، والتي سيكتسح فيها الغرب ومعه طبعًا إسرائيل العالم، فيعود المسيح لنشر الأمن والسلام الكاملين لألف عام متواصلة ثم يفنى العالم الذي نعرفه!

تبشير فانس بوجود المسيح الدجال الآن وليس بعد مئة عام مثلًا مهم جدًا وخطير جدًا، فهذا يعني لهذا التيار أن المعركة الكبرى على الأبواب وما عليهم إلا التبكير بها، فأي كلام عن سلام دائم أو حل نهائي للصراعات على الأرض أو على مناطق النفوذ أو على أي مصلحة من مصالح الدنيا، فهذا بالنسبة لهم عبث وهراء تفرضه موازين القوى، ولكن أمر الله نافذ ولا راد لمشيئته التي شاءت أن يظهر المسيح الدجال ليعود المسيح الحقيقي رجل الأمن والأمان والسلام.

هذا الفكر ليس من باب الهلوسة والاستغراق في الغيبيات، هو عند أصحابه جزء لا يتجزأ من عقيدة يؤمنون بحتمية فرضها بقوة السلاح، القصة عندهم ليست قصة المقاومة الفلسطينية أو اللبنانية أو حتى إيران، القصة هي في حتمية وضرورة الانتصار لإسرائيل لكي يعود المسيح فيحكمون هم باسمه وتحت رعايته العالم كل العالم لألف سنة من السلام الذي يعم جنبات الأرض!

مر بك أن فانس يشعر بالظلام الروحي خلال بعض اللقاءات المغلقة مع قادة العالم!

لاحظ أنه هنا يشيطن قادة العالم، خاصة وهو يتحدث عن "بعض" وليس "كل" فالبعض، وهم الذين يرون غير ما يرى هم شياطين دعاة ظلام وعتمة وإظلام، فقتال هؤلاء واكتساحهم وزلزلة عروشهم ما هو إلا نشر للنور وللضياء وطبعًا قربى لله!

فانس والذين معه وما أكثرهم يعلمون تمام العلم أن منطقتنا هي المستهدفة، فسيادة إسرائيل المطلقة على كل فلسطين شرط رئيس من شروط عودة المسيح، ولأنهم يعرفون عن تراثنا وميراثنا التاريخي والثقافي بل والعقدي الكثير فقد وجهوا لنا ضربة استباقية، فقد نشر الكاتب الأمريكي جويل ريتشاردسون كتابه "المسيح الدجال الإسلامي"، وفي ذلك الكتاب يقارن المؤلف بين المهدي المنتظر المسلم وما ورد في "سفر الرؤيا" عن المسيح الدجال، ليخلص بأن مهدي المسلمين ما هو إلا المسيح الدجال الذي سيعمل لفترة على تكوين قوة إسلامية ستحاول زعزعة العالم، فليس أمام العالم إلا المسارعة لقتال هؤلاء قبل أن تقوى شوكتهم!.

هل هناك حل عاقل مع أصحاب هذا الفكر؟

لا حل إلا أن تكون قويًا ترد الصاع صاعين، أما غير ذلك فانت ساقط في جب الأوهام، فهم يتحدثون عن عقيدة يؤمنون بها ويقدمون أرواحهم فداء لها، ولا يتحدثون عن هلوسة قد تسخر منها أو تستهتر بها.

 

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 13 سبتمبر 2026

 

 

 

 

الخميس، 22 أكتوبر 2026

الضيف أحمد.. السهم والشهاب!


 

يطول عمر البعض، ثم ينتهون عندما يموتون، تبحث للواحد منهم عن أثر أو ذكرى فارقة فلا تجد شيئًا، وبعضهم يعيش السنوات القلائل وعندما يأتيه أمر الله، تجد الدهشة تستولي عليك وأنت تحاول إحصاء أعماله، وهذا من كثرتها ومن ضخامتها التي لا تتناسب مع سني عمره القليلة.

ثم العمر نوع من الرزق وصدق رسولنا الكريم الذي قال: "إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنَّ نَفْسًا لن تَموتَ حتى تَسْتكمِلَ أَجَلَها وتَسْتَوْعِبَ رِزْقَها، فاتَّقُوا اللهَ وأَجْمِلُوا في الطَّلَبِ، ولا يَحْمِلَنَّ أحَدَكم اسْتِبْطاءُ الرِّزْقِ على أنْ يَطْلُبَهُ بمَعْصِيَةِ اللهِ؛ فإنَّ اللهَ تعالى لا يُنالُ ما عِنْدَهُ إلَّا بِطاعَتِهِ".. أكتب هذا بعد فراغي من قراءة كتاب الأستاذة زينب عبد اللاه "الضيف سيرة أطول من العمر"، والضيف هو الفنان الراحل الضيف أحمد، والكتاب صادر عن دار ريشة بغلاف متميز صنعته الفنانة هدير الصادق.

رزق الله الضيف الحضور والتوهج فصنع في عشرين سنة ما لم يصنعه غيره في تسعين سنة!.

أنقل عبارة كتبها الراحل الكريم الدكتور شاكر عبد الحميد عن القصاص يحيي الطاهر عبد الله: "مبدع وأصيل، مشرق وطموح، عميق ومؤثر، بسيط ومعبر، دخل حياتنا كالسهم ومرق من عالمنا كالشهاب".. هذه الجملة هي من حق الضيف كما كانت من حق يحيي، فكلاهما عاش عمرًا قصيرًا ولكنه خلف إنتاجًا ضخمَا متميزًا!

الكتابة عن الضيف صعبة، وذلك لندرة المواد المتعلقة بحياته القصيرة، عن نفسي رأيت للضيف مقابلة تلفزيونية واحدة جمعته مع الكاتب ثروت أباظة، وكانت المقابلة عصبية، فأباظة ظهر بمظهر الممتعض من جلوسه مع ممثل، والضيف فرض وجوده في الحلقة بالاستغراق في استعراض ثقافته لكي ينفي عن نفسه تهمة التفاهة!

ثم نحن لا نعرف للضيف سوى حفنة من أعماله، مثل طبيخ الملائكة، وزيارة غرامية، وكل واحد له عفريت، ويوم في السجن، وشاطئ المرح، ثم ظهوره اللافت في فيلم عروس النيل، أما الأعمال التي قدمته ورسخت وجوده فقد سقطت من ذاكرة الأيام لأنها لم تسجل.

أصدق ما قالته زينب عن تفرغها لأربع سنوات لمطاردة قصص حياة الضيف، نعم يمتلك قصصًا وليست قصة واحدة، وقد واجهت زينب عوائق تخطتها بنجاح، فأولًا: سعت إلى السيدة الكريمة نبيلة مندور زوج الضيف، ولكن السيدة بطبيعتها قليلة الكلام بعيدة عن الأضواء، فلم تقل عن زوجها إلا ما تقوله زوجة وفية عن رفيق عمر وحبيب قلب، ثانيًا: معظم رفاق الضيف رحلوا ومن بقي منهم على قيد الحياة نالت منه أحداث الزمان التي لها فعل عوامل التعرية، فالفنان فاروق فلوكس وكان رفيقًا وصديقًا مقربًا من الضيف قدم لزينب الكثير من المستندات والصور، ولكن لم يقدم لها إلا أقل الكلام عن تحليله لشخصية الضيف، وقد أوجعني أن فلوكس ضعف بصره بحيث لم يستطع قراءة ما كتبه على ظهر الصور من ملاحظات!

والحال كما ترى فقد شمرت الكاتبة عن ساعديها وراحت تطارد القصص لتجمعها في نسيج واحد متكامل بداية من الميلاد في 12 فبراير من العام 1936(مع إشارتها إلى أن تاريخ اليوم والشهر مختلف عليه)، وإلى وفاته في 16 أبريل من العام 1970.

ولد الضيف لأسرة من أعيان قرية تمى الأمديد الواقعة في محافظة الدقهلية، كان والده عمدة القرية وكان جده المباشر من السياسيين المرموقين في زمن الخديوي إسماعيل، أما جده البعيد فكان الإمام الحسين ابن الإمام علي بن أبي طالب عليهما السلام، فأسرة الضيف تنتمي إلى عائلة الشرايفة التي ينتهي نسبها إلى الإمام الحسين وهم من أشراف محافظة قنا وتحديدًا من كوم البجا بفرشوط، وقد نزحوا أولًا إلى الشرقية ثم استقروا في الدقهلية.

الفقرة السابقة مهداة إلى الذين يتحدثون عن مصر بوصفها "كميت!".

ولهم أقول: مصر لم تكن يومًا مصرية أو عربية أو إفريقية أو شرق متوسطية أو إسلامية، مصر كانت وستظل إنسانية، ترحب ببني الإنسان بعيدًا عن لونه وعرقه وعقيدته، ومن استقام لها قدمت له عيونها!

نعود إلى سيرة الضيف التي هي أطول من عمره فنجد أن المميز في أسرته هو حرصها التام على تعليم أولادها رغم أي ظرف مادي أو اجتماعي تتعرض له الأسرة، فالتعليم عندها أولًا ثم تأتي الحياة بما تأتي به!

اليسر الذي تمتع به الضيف في طفولته، رغم كثرة أولاد والده مكنه من التعبير عن عشقه للمسرح مبكرًا، فقد جمع أخوته وأولاد عمومته وكون بهم أولى فرقه المسرحية، وطبعًا كان هو المؤلف والمخرج والبطل.

لاحظ أننا نتحدث عن حياة طفل قروي قبل ثمانين عامًا، لقد عرف الضيف المسرح والسينما بعد تردده مع شقيق الأكبر على مسارح ودور العرض التي كانت بمدينة المنصورة!

الأسرة الحريصة على تعليم أولادها بعث به مع أخوته وأولاد عمومته إلى شقة العجوزة بالقاهرة لكي يكمل تعليمه الثانوي والجامعي، فبدأ الرحلة من كلية الآداب بجامعة القاهرة ومن المسرح الجامعي تفوق كمخرج وممثل، فكان رئيسا لفريق التمثيل وقدم العديد من عروض الأدب العالمي ومنها مسرحية «الأخوة كرامازوف» وحصل على الميدالية الذهبية فى مسابقة كأس الجامعات، ولفت الأنظار بموهبته فاختاره الفنان الكبير فؤاد المهندس للمشاركة فى مسرحية «أنا وهو وهي»، بعدها واصل الضيف حضوره المشع حتى وصل إلى ضفاف مرحلة ثلاثي أضواء المسرح، حيث سمير غانم وجورج سيدهم وحيث الجماهيرية الكاسحة والتألق اللافت.

تتوقف الكاتبة الأستاذة زينب عبد اللاه عند نبوءة عراف تنبأ للضيف برحيله المبكر، ومن الواضح أن الضيف لأمر لا يعرفه سوى الله قد صدق النبوءة، فراح يستغرق في العمل لكي يراكم التجارب والخبرة، وكما انطلق كالسهم فقد انطفأ مثل شهاب، يرحمه الله.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 06 سبتمبر 2026

فلنحتفل بميلاده دائمًا وأبدًا


 

احتفل، الأسوياء، من المسلمين الأسبوع الماضي بذكرى ميلاد سيد الخلق صلى الله عليه وسلم، أما الذين يضيقون واسعًا ويحجرون على الأمة فقد تصدى لهم فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر الشريف، فقال لهم: "إن احتفالنا بمولد خاتم الأنبياء والمرسلين ليس احتفالًا بعظيم من العظماء، ممن يتوقف التاريخ عند أدوارهم قليلًا أو كثيرًا، ثم ما يلبث أن يروح ويتركهم، بل هو احتفال من نوع آخر مختلف، إنه احتفال بالنبوة والوحي الإلهي وسفارة السماء إلى الأرض، والكمال الإنساني في أرفع درجاته وأعلى منازله، والعظمة في أرقى مظاهرها وتجلياتها، احتفال بالتشبه بأخلاق الله تعالى قدر ما تطيقه الطبيعة البشرية، وقد تمثل كل ذلك في طبائع الأنبياء والمرسلين، الذين عصمهم الله من الانحراف، وحرس سلوكهم من ضلالات النفس وغوايات الشياطين، وفطر ظاهرهم وباطنهم على الحق والخير والرحمة".

وقديمًا تصدى لهم الصاحبي الجليل حسان بن ثابت شاعر الرسول فقال واصفًا سيد الخلق: "وأجمل منك لم ترَ قط عيني وأكمل منك لم تلد النساء

خُلقت مبرّأً من كل عيب

كأنك قد خُلقت كما تشاء".

ولأن أيام الأمة ثقال تسودها القسوة والغلظة فحري بنا أن نتأمل معًا بعض المواقف التي تجلت فيها رحمة الرسول التي لم يخص بها المؤمنين برسالته، بل جعلها عامة تشمل كل مخلوقات الله.

ولد صلى الله عليه وسلم بمكة المكرمة ولم يغادرها إلا وهو في الثالثة والخمسين، وعندما شرفه الله بالرسالة كان في الأربعين من عمره فناصبته مكة العداء لثلاث عشرة سنة كاملة، فهاجر إلى المدينة المنورة وواصلت مكة حربها الشرسة عليه وعلى دينه وقتلت من خيرة أصحابه مَنْ قتلت، وقتلت عمه حمزة أسد الله وأسد رسوله، بل مثلت بجثمانه الطاهر، وعندما جاء فتح مكة في العام الثامن من الهجرة كان قد مضى على بدء العداء إحدى وعشرون سنة كاملة، فلو أنه صلى الله عليه وسلم اقتص منهم لكان عادلًا، بل لو أنه خرّب بيوتهم لكان عادلًا ولكنه بالرحمة التي جعلها الله في قلبه، غفر للجميع وسامح الجميع وعفا عن الجميع وقال قولته الخالدة: "اذهبوا فأنتم الطلقاء".

ثم هناك قصته مع ثمامة بن أثال، لقد أسره المسلمون وأتوا به إلى النبي فربطوه بسارية من سواري المسجد، ومكث على تلك الحال ثلاثة أيام، حتى دخل الإيمان قلبه، ثم أمر الرسول بإطلاقه، فانطلق ثمامة إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثم دخل المسجد فقال: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، يا محمد: والله ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه إلي، والله ما كان من دين أبغض إلي من دينك، فأصبح دينك أحب الدين إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فأصبح بلدك أحب البلاد إلي".

وبعدها أصبح ثمامة من قادة المسلمين!

ونرى الآن فلانًا الذين يقتل زوجته ومعها أسرتها، وننسى فعله صلى الله عليه وسلم مع أزواجه أمهات المؤمنين ومع السيدة الزهراء كريمته.

كان الرسول يرحم أزواجه بل ويدللهن، فقد كان يجلس عند بعيره فيضع ركبته وتضع صفية رضي الله عنها رجلها على ركبته حتى تركب البعير، لاحظ أنه الرسول، ولاحظ أنه رئيس دولة الإسلام والقائد الأعلى لجيش المسلمين، ولكن هكذا كانت رحمته وهكذا كان تواضعه، ثم كان عندما تأتيه ابنته فاطمة رضي الله عنها يأخذ بيدها ويقبلها، ويجلسها في مكانه الذي يجلس فيه.

ونختم برحمته التي جعل للجماد منها نصيبًا، فعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم كان يقوم يوم الجمعة فيسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد، فجاء رومي فقال: ألا نصنع لك شيئا تقعد عليه فكأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتين ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر خار الجذع كخوار الثور حتى ارتج المسجد لخواره حزنا على الني، فنزل الرسول من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه الرسول الله سكن، ثم قال: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة".

أيها المسلم السوي، كن مع أزهرك الشريف واحتفل بذكرى ميلاد سيد الخلق وتذكر دائمًا قوله تعالى: "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ".

 

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 30 أغسطس 2026

 

 

 

 

 

 

 

"دشت ليلى" الإيرانية!

 

وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترام قبل أيام قلائل مضت، خطيبًا في تجمع سياسي في أكاديمية للشرطة بمقاطعة ناسو في ولاية نيويورك وقال نصًا: "بعد أن ننتهي من هزيمة إيران، التي تتعرض الآن لهزيمة قاسية للغاية، قريباً جداً سأعلن مضيق هرمز أرضاً تابعة للولايات المتحدة".

أظنها المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس أي رئيس عزمه على احتلال أرض دولة تبعد عن دولته بالآلاف الكيلو مترات، ترامب سيحتل المضيق بل ويضمه إلى الأرض الأمريكية ليخترق حواجز الجغرافيا والتاريخ معًا، لماذا سيفعلها ترامب؟

ليس هناك مبرر يقبله عقل العاقل، فترامب يحارب إيران لأنها تنوي، مجرد نية إنتاج سلاح نووي، وهو بلسانه قال مرارًا وتكرارًا: "لقد نجحت في تدمير برنامج إيران النووي".. فلماذا يحاربها؟.. لإسقاط نظام حكمها، وفي سبيل ذلك قتل مرشد ثورتها وقتل قادة الصفوف الأولى من القادة العسكريين والدينيين والعلماء والسياسيين، ثم لم يسقط نظام الحكم الإيراني، الآن جاء دور الاحتلال والضم المباشر السافر العريان الذي لا يستر عريه أي ادعاء زائف من مزاعم الغرب الإنساني المتحضر المتمدين الديمقراطي.

هل عارض أحد من الحضور الرئيس الأمريكي؟.. العكس هو ما حدث فقد صفق له بعضهم استحسانًا وقهقه له الآخرون إعجابًا.

ترامب ليس ابن ذاته، هو ابن طبقته وتياره وثقافته، إنه خير معبر عن غطرسة القوة.

أما موضوع سحق إيران وكونها الآن تتلقى هزيمة نكراء، فهذا أمر تؤكد الوقائع التي تجري على الأرض أنه من الأمور الخيالية التي تجري في رأس الرئيس الأمريكي فقط، ولكن فلنمد الخيط إلى منتهاه، ماذا سيحدث للإيرانيين إن سحقوا وتم احتلال مضيق هرمز وضمه إلى الأرض الأمريكية؟.. سيحدث ما حدث قبل ربع قرن في أفغانستان، سيصحو العالم ليجد نفسه أمام مذبحة "دشت ليلى"، وهذه المرة سيكون اسمها "دشت أصفهان" أو "دشت طهران" أو أي بلد إيراني.

دشت ليلى بالفارسية تعني "سهل أو صحراء ليلى"، وهو مكان يقع في شمال أفغانستان.

بدأت المأساة في أواخر نوفمبر 2001 فقد انهارت جبهة حركة طالبان التي كانت تقود الأفغان في التصدي للغزو الأمريكي لبلادهم، قوات طالبان كانت محاصرة في مدينة "قندوز"، قوات الحصار كانت خليطًا من القوات الأمريكية ومن قوات الجنرال عبد الرشيد دوستم، أقوى حلفاء أمريكا بين الأفغان.

استسلام قوات طالبان كان صريحًا واضحا، لقد غادر المقاتلون مواقعهم رافعين رايات الاستسلام البيضاء.

طبعًا حدث اتفاق بينهم وبين الأمريكان ودوستم على احترام قوانين الحرب!

طبعًا لم يصدق أحد تعهدات الأمريكان ونجا!

كان الأمريكان ودوستم قد جهزوا شاحنات مخصصة أصلًا لنقل البضائع لا البشر لتنقل المقاتلين إلى السجون.

الصورة تغني عن ألف كلمة بل عن مليون كلمة، وصور الكارثة سجلها الفيلم الوثائقي "قافلة الموت".

الفيلم أعده المنتج والمخرج الأيرلندي جامي دوران عن تحقيقات أجراها الصحفي الأفغاني نجيب الله قرشي.

جاء في الفيلم: حُشر ما بين مئتين إلى ثلاثمائة رجل في الحاوية الواحدة حشراً لا يسمح حتى بالسقوط أرضاً، وقفوا ملتصقين، صدورهم في ظهور بعضهم، وظهرهم على جدران الفولاذ الساخنة ثم أُغلق الباب الحديدي واختفى الضوء وانقطع الهواء، نفد الأكسجين ببطء وبدأوا يلهثون صرخوا: "نموت.. أعطونا ماء.. نحن بشر لا حيوانات".

سمعهم سائق فتسلل بمطرقة وصنع ثقوباً صغيرة في جدار الحاوية ومرر لهم زجاجة ماء، لكن جنود دوستم رأوه وضربوه بأعقاب البنادق حتى كاد يموت وحين لم تعد تكفي ثقوب المطرقة، أخرج الجنود بنادقهم الكلاشينكوف وأفرغوا رصاصاتهم في جدران الحاوية. اخترق الرصاص الفولاذ ومزق الأجساد المتلاصقة.

يقول أحد السائقين: "فتحوا باب الحاوية الأولى.. تساقطت الجثث كالسمك وملابسهم ممزقة ومبللة بالعرق والدم كلهم ماتوا لم ينجُ أحد".

ما وقع للدفعة الأولى من المستسلمين وقع لباقي الدفعات، حشر في شاحنات فولاذية ثم من لم يمت بنقص الاوكسجين سيموت بطلقات الرصاص.

أين كان الأمريكان الذين أعطوا العهد والأمان لطالبان؟

يا رجل هل هذا سؤال!

كانوا يقدمون الجرافات التي ستصنع واحدة من كبريات المقابر الجماعية في تاريخ الحروب، فثلاثة آلاف من طالبان قتلوا في ساعة واحدة بطريقة واحدة!.

تسرب خبر المجزرة فقال البنتاجون: "لم نعرف.. لم نشارك.. لم نتواجد هناك."

إذا كنت تصدق البنتاجون فأنت وقلبك وأنت وعقلك وأنت ودينك!

عندما عرض فيلم "قافلة الموت" أصبح الصمت محرجًا للجميع، فتحركت في فبراير 2002 منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان" ووصلت صحراء دشت ليلي ووجدوا عظامًا بشرية مبعثرة تنهشها الكلاب، قامت المنظمة بحفر ستة أمتار، فعثرت على خمس عشرة جثة في طبقة واحدة وكانت الأجساد متحللة، والأيدي لا تزال مقيدة.

قبل أن تفلت الأمور وتجمع المنظمة الأدلة التي تدين الأمريكان ودوستم، نبشت القبور وأُخرجت العظام وسُحقت وحين عاد المحققون لم يجدوا شيئًا!

كان رئيس أمريكا أيامها هو بوش الذي نجح نجاحًا ساحقًا في طمس معالم المجزرة، ثم مرت السنون وجاء الديمقراطي أوباما فتعهد بفتح التحقيق ولكن الشهود كانوا قد ماتوا والأدلة كانت قد اختفت، لتصبح المجزرة مجرد رقم في سجلات المجازر التي يتعرض لها من يستسلم للأمريكان أو يصدق وعودهم.

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 23 أغسطس 2026

 


الجنازة التي فضحت الكيان


 

يقيم بعضهم حفلات زفاف جماعي، فيكون الأمر مبهجًا لأنه ينشر فوق الرؤوس فرحة عامة تدعو للتفاؤل، وتضخ في العروق المتيبسة بفعل أحداث الزمان دفقة أمل طازجة، ولكن غزة الحبيبة المقاومة الصابرة المحتسبة، هي بلد المفارقات، بل هي منشأ المفارقة، فهي تقاتل أعتى جيوش المنطقة بصدرها العاري وتربح جولات مدوية، وستربح الجولة الأخيرة، وهذا وعد الله، وتقيم حفلات الزفاف الجماعية في زمن الموت الجماعي، وتقيم مراسم العزاء لجنازة جماعية لشهداء مجزرة لم يسمع بمثلها التاريخ من قبل، فقد ودعت غزة في ساعة واحدة مئة واثنا عشر شهيدًا.

تقول القصة: إنه في يوم الثاني والعشرين من نوفمبر من العام 2023 أي بعد مرور أقل من شهرين على انطلاق الطوفان المبارك، قام العدو المحتل بجولة قصف جنونية لحي الصبرة الواقع في جنوب مدينة غزة، تركز القصف على بيوت عائلتين فقط من عائلات الحي، عائلة أبو شريعة وعائلة الحساينة، هدأ جنون العدو فظهر حي الصبرة على هيئة مقبرة جماعية فقد ارتقى من العائلتين ثلاثمئة وثمانية من الأبرياء ، ومن يوم تلك المجزرة حاول رجال غزة انتشال جثامين الشهداء، ولكن هيهات، فالأمر يحتاج إلى معدات ثقيلة وإلى آلات متقدمة تخلو منها غزة ولا يسمح العدو بدخولها إلى القطاع كله، كان الحفر والبحث يجري بالأظافر وبأبسط الآلات المتاحة وتواصل لعامين ونصف العام، وأخيرًا تمكن المنقذون من انتشال جثامين أو بالأحرى بقايا جثامين مئة واثني عشر شهيدًا، وبقي تحت الأنقاض مئة وسبعة وخمسون شهيدًا، قد يأتي يوم انتشال بقاياهم وقد لا يأتي!

صباح الثلاثاء الرابع من أغسطس من عامنا هذا 2026 خرجت غزة، كل غزة في مشهد يقشعر له جلد كل حر لتوديع الشهداء الذين جرى تكفينهم بأعلام فلسطين.

كنت أنتظر تغطية إعلامية كبرى تفضح جرائم الاحتلال، ولكن خاب أملي، وكنت أنتظر تغطية إعلامية تمسك بحرارة الموقف وبألمه ولكن هيهات، هو مجرد خبر عابر بين عشرات الأخبار بدأ بث الخبر في ضحى الثلاثاء ثم تلاشى من فوق الشريط الدوار بعد ظهر الثلاثاء، وكأن شيئًا لم يكن، ضاعت فرصة ذهبية لفضح العدو على مستوى العالم ولكي يعرف من لم يعرف بعد أصل إجرامه ومنبع خسته، فقد قتل نساء العائلتين وأطفالها ورجالها وشيوخها ولم يفلت منه أصحاب الظروف الخاصة.

هل ضاعت الفرصة أم نحن الذين أضعناها، ونحن هذه تعود على العرب أولًا، فهم يمتلكون وسائل إعلامية ذات تأثير عالمي ولكن تلك الوسائل تتعطل بفعل فاعل إذا كان الأمر يخص فلسطين وغزة على وجه التحديد.

نحن أضعنا الفرصة وقدمنا تغطية عابرة باهتة لم تحمل شيئًا من حرارة المأساة، أما العدو فقد استغل الجنازة الجماعية أحسن استغلال وقد أهرقت نفسي في البحث عن تلخيص لتغطية الكيان من خلال الترجمات التي تقدمها المواقع المتخصصة فوجدت ما يلي:

أولًا: الكيان يستغل الفرصة ليعمم صيغة واحدة يعتمدها، فليس هناك ضحايا أو شهداء أو حتى قتلى، الجنازة في نظر كيان الاحتلال هي عملية دفن مجموعة من المخربين الذين تم تصفيتهم لأن أيديهم ملوثة بدماء جنود جيش الدفاع الأخلاقي العظيم!

ثانيًا: الجنازة ما هي إلا عمل استعراضي من أعمال الفصائل المخربة، تريد منها وبها صنع حالة من الضغط الدولي على حكومة نتانياهو للحصول على المزيد من المكاسب!

ثالثًا: التشكيك في الأمر كله، فكل هذه الجثامين هي في حقيقتها لدروع بشرية كانت الفصائل تختفي خلفها للنيل من جيش الدفاع، وهؤلاء القتلى هم الذين اختاروا بمحض إراداتهم الاختباء في قبو سكني ليكونوا دروعاً بشرية للفصائل الإرهابية!

رابعًا: حملة سخرية وشماتة واسعة النطاق فقد انتشرت تعليقات تحمل هذه الكلمات "نرجو أن يلحق بهم بقية المخربين في غزة" أو "تنظيف قطاع غزة مستمر".

خامسًا: التركيز على استدعاء السابع من أكتوبر بوصفه المسئول الأول والأخير عن دمار غزة، مع تبرير كل تدمير حدث تحت شعار "من بدأ الحرب بالأمس لا يحق له البكاء على قتلاه اليوم".

سادسًا وأخيرًا: عدم ذكر أسماء العائلات المنكوبة "أبو شريعة" أو "الحساينة" كمواطنين، بل تُذكر المنطقة كبؤرة جغرافية للقتال. وبذلك، يتحول استخراج رفات 112 إنساناً بعد قرابة 3 سنوات تحت الأنقاض، في عين المشاهد الإسرائيلي، إلى مجرد "تطهير لجيوب تخريبية قديمة".

خالص العزاء لغزة ولأهلها، ولا عزاء لديمقراطية الغرب التي ماتت وفاحت رائحتها.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 16 أغسطس 2026