السبت، 13 يونيو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (4)


 

قلت في ختام الجزء الثالث من كلمتي هذه عن فتنة كتاب " في الشعر الجاهلي " للأستاذ العميد طه حسين، إن الدكتور إبراهيم عوض قد كشف في دراسته النفيسة " سرقة أم ملكية صحيحة " عن مفاجآت خطيرة تكفي واحدة منها لإعادة النظر في ملكية العميد لأصل كتابه وهو الشك في صحة نسب الشعر الجاهلي!

لقد تتبع الدكتور عوض كتابات طه حسين فى الفترة الممتدة ما بين دخوله الجامعة المصرية سنة 1908 واتصاله بالمستشرقين اتصالاً مباشرًا فى قاعات الدرس وخارجها إلى تاريخ تأليفه لكتابه: "فى الشعر الجاهلي".

فوجد أن العميد قد تناول كتاب جرجي زيدان "تاريخ آداب اللغة العربية" فى عدة مقالات بمجلة "الهداية" (أعداد يونيه ويوليه، وأغسطس وسبتمبر، وأكتوبر ونوفمبر 1911م) وتعرَّض لبعض ما قاله زيدان حول الشعر الجاهلي، لكن لم تبدر مِنْ فيه كلمةٌ واحدةٌ يحيط بها طائف من الشك فى ذلك الشعر، بل إن كلامه ليدل على أنه كان يأخذ صحته قضية مسلَّمة: ففي المقال الأول مثلا لا يخرج ما قاله فى ذلك الصدد عن الاعتراض على زيدان لتقسيمه شعراء الجاهلية إلى أمراءَ وفرسانٍ وصعاليكَ وأصحاب معلقات بدلا من تقسيمهم على أساس من أشعارهم وما تتأثر به هذه الأشعار من طبيعة الإقليم والدين والأخلاق والعادات ونحو ذلك، أو الاعتراض عليه بأن زوجة امرئ القيس لم يكن اسمها "جندب" بل "أم جندب". وفى المقال الثاني نراه يتحدث عن امرئ القيس وزهير وابن أم كلثوم وعنترة وغيرهم من أصحاب المعلقات حديث المطمئن تمام الاطمئنان إلى حقيقتهم التاريخية وتمثيل أشعارهم للبيئة التي ظهروا فيها خير تمثيل.

يواصل الدكتور إبراهيم عوض تنقيبه عن جذور الشك لدي العميد فيقول: فى محاضرةٍ ألقاها فى 19 شهر أكتوبر من العام نفسه بعنوان "هل تستردّ اللغةُ مجدَها القديم؟" ونُشِرت فى المجلة ذاتها فى عدد أكتوبر- نوفمبر من ذلك العام نراه يتعرض لشعر الجاهليين بما يدل دلالة جازمة على أنه كان خالي البال تماما من الشك فيه: فهو مثلا يتحدث عن اللغة العربية فى الجاهلية مؤكدا أنها لغة فخمة الألفاظ ضخمة المعاني متينة الأساليب رصينة التراكيب كاملة القوى استطاعت أن تعبِّر آدابُها الوجدانية عن كل ما كان العرب يريدون التعبير عنه فى أي مجال من مجالات القول، وأن أشعارها تتفوق على الشعر المصري فى عصره، ضاربا مثلا على هذا التفوق من شعر امرئ القيس نفسه، الذى سينفى وجوده فيما بعد فى كتابه "فى الشعر الجاهلي"، ومستشهدا على ما يريد تقريره من أفكار وآراء بأشعار الملك الضِّلِّيل وغيره من شعراء الجاهلية كالأعشى وكبشة أخت عمرو بن معد يكرب، بل إنه قد عرَّج فى تلك الخطبة على ابن سلام وكتابه "طبقات الشعراء"، وهو أول كتاب يؤصِّل نظرية الشك فى الشعر الجاهلي، ومع هذا لم يتطرق بكلمة واحدة، ولو همسًا، إلى الكلام عن النَّحْل فى ذلك الشعر! ليس ذلك فحسب، إذ نسمعه يقول فى الشعر الجاهلي هذه الكلمة الخطيرة الدلالة: "فى ذلكم العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالْتَهَم كلَّ شيء واحتكم فى كل إنسان، ولم تكن كلمةٌ إلا له، ولا رأىٌ إلا عنه، ولا اعتمادٌ إلا عليه. وكان يكفي للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه، أو يذم الرفيع فيضعه، أو يغرى بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القُوَى، أو يدعو إلى السِّلْم فتصبح الضغائن والأحقاد نَسْيًا منسيًّا".

ثم يضع الدكتور إبراهيم عوض يده على جملة من مقالات الدكتور طه حسين نشرها في كبريات صحف زمانه ولم يشر في مقال واحد لأي شك في صحة نسب الشعر الجاهلي.

يحصي الدكتور عوض المقالات فيقول: فى مقال منشور بجريدة "السياسة" بتاريخ أول أكتوبر 1924م عن الغزل فى صدر الإسلام: "غزل الجاهليين كان ماديا خالصا فى حين كان فى غزل الإسلاميين شيء غير المادة. ما الذي كان يُعْنَى به امرؤ القيس أو النابغة أو الأعشى إذا تغزّلوا وذَكَروا النساء؟ كان الغزل عندهم ضّرْبًا من الوصف...، وقلما تجد عندهم عناية بالعاطفة أو حرصا على تمثيلها، فإن وَجَدْتَ عندهم هذه العناية لم تلبث أن تزدري هذه العاطفة ازدراءً لأنها كانت عاطفة مادية غليظة... كانت عواطفهم تصدر عن الشهوات وإيثار اللذة قبل كل شيء".

وفى "السياسة" أيضا بتاريخ 17 أكتوبر 1924م، وتحت عنوان “عَوْدٌ إلى الغزلين- وضّاح اليمن"، نسمعه يقول: "أريد أن أحدثك عن هذا الشاعر الذى يلقبونه بــ" وضّاح اليمن"، والذى فُتِن به بعض أساتذة الأدب المُحْدَثين حتى خُيِّل إليهم أنه اخترع الشعر التمثيلي وأضافه إلى تراثنا القديم... ونَسُوا أن الحوار ليس هو التمثيل، وإنما هو أصل من أصول التمثيل، ونَسُوا أيضا أن هذا الحوار الذى يجدونه فى شعر وضّاح قد سبق إليه الشعراءُ جميعا فى جاهليتهم وإسلامهم، فحاور امرؤ القيس عشيقاته وحاور ابن أبى ربيعة أخدانه".

وفى نفس الجريدة بتاريخ 10 ديسمبر 1924م نجده يؤكد أن شعراء الجاهلية لم يكونوا يُعْنَوْن بالغزل إلا بوصفه "وسيلة شعرية إلى ما كانوا يذهبون فيه من مذاهبهم الشعرية المختلفة. ولا نكاد نعرف بين الجاهليين شاعرا قَصَر حياتَه الشعرية على الغزل. بل قليلٌ جدًّا عددُ القصائد الجاهلية التي لم يتناول فيها أصحابُها إلا الغزلَ وحده".

الحمد لله أن شبكة الانترنيت تحتفظ بنسخة من دراسة الدكتور إبراهيم عوض فعلى الراغب في الزيادة العودة إليها، وبعدُ فسحقًا للتعصب الذي يجعل بعضهم يبتلع زلط العميد ولكنه يغص بأدنى كلمة نقد توجه لكتابات العميد، لقد كان العميد قبل أسابيع قليلة من نشر مرجليوث لبحثه عن الشعر الجاهلي، لا يشك في صحة نسب الشعر الجاهلي أدني شك، ثم كان من أمره ما كان فليرحمه الله وليغفر له سقطته.

 

منشور بجريدة صوت الأمة السبت الموافق 06 يونيه 2026م.

الخميس، 4 يونيو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (3)


 

تطرح فتنة كتاب "في الشعر الجاهلي" للأستاذ العميد طه حسين سؤالين مهمين.

الأول: لماذا شك العميد في تراث أمته؟

والأخير: هل كان شكه أصيلًا ينبع من معاناة البحث والتقصي؟

في إجابة السؤال الأول: من حق العميد وغيره أن يشك، فالشك نشاط إنساني ليس مقصورًا على فئة دون أخرى، وكلنا يشك في هذه القضية أو غيرها، والعميد لم يرتكب بشكه جنحة أو جناية أو أدنى مخالفة.

أما عن جواب السؤال الثاني، فاللحق فقد شقيت وتعبت لكي أصل إلى جواب يطمئن له قلبي.

قرأت في قضية الشعر الجاهلي ما شاء الله لي أن أقرأ ولكن لم أجد برد الاطمئنان وسلامته، حتى فتح الله لي باب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس وهو صاحب مؤلفات أظنها تزيد على المئة، وقد اشتبكت معظم مؤلفاته مع الشائك والحساس من قضايا الأدب والدين والتاريخ الإسلامي.

كتب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض دراسة نادرة نشرها تحت عنوان "سرقة أم ملكية صحيحة؟"، والدراسة بطبيعة الحال عن كتاب العميد "في الشعر الجاهلي".

بقدر الله وجدتها في أحد مواقع الانترنيت، وكان هذا قبل سنوات بعيدة، فقمت بالاحتفاظ بها لنفاستها ولأنها هي التي وضعت كل النقاط على كل الحروف، ومعها وجدت برد الاطمئنان ولطفه.

كان الدكتور عوض قد نشر كتابه "معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين"، وفيه انتصر للرافعي، الذي كان قد نسف مزاعم طه حسين عن الشعر الجاهلي في كتابه "تحت راية القرآن".

مرت السنون ووقف طالب من طلاب الدكتور عوض ليقول له: "يبدو لى أنك قد ظلمتَ الدكتور طه فى اتهامك إياه بأنه أخذ نظريته التي تشكك فى الشعر الجاهلي وشعرائه من المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث".

يقول الدكتور عوض: " كعادتي فى مثل تلك الظروف توقفت قليلا وأنا أبتسم للطالب قبل أن أرد عليه بما يشبه الإلهام: غريبة! كيف فاتني أن أرجع لما كتبه الدكتور طه فى كتابه "قادة الفكر" عن الشاعر الإغريقي هوميروس صاحب الإلياذة قبل أن أضع كتابي هذا؟".

ثم أردفت قائلا: "أرجو منك أن تنزل الآن فتستعير ذلك الكتاب من مكتبة الكلية وتحضره لى حتى نستكمل النقاش فى مكتبي، إذ يغلب على ظني أن طه حسين قد تطرق إلى الحديث عن الشعر الجاهلي فى أول فصول ذلك الكتاب الذي كنت قرأته من زمن غير قريب، وأريد أن أرى ماذا قال فى ذلك الموضوع".

في هذه الفقرة أمر مهم جدًا، فالدكتور عوض الباحث المدقق، قد فاته أن يرجع إلى كتاب للعميد وهو مربط الفرس، ولو كان قد عاد إليه لوفر على نفسه جهد البحث والتفكير في أمر أصالة شك العميد في الشعر الجاهلي، ولكن هذا ما كان.

عاد الطالب النابه بالكتاب وفتحه الدكتور عوض أمام الطالب ورفاقه ليضع عقولهم وقلوبهم أمام النص القاطع الجازم الذي شهد فيه العميد بأن الشعر الجاهلي كان أصيلًا بل كان عظيمًا بل هو أعظم ما انتجته حضارة العرب!

قال العميد في كتابه "قادة الفكر" الذي نشره في العام 1925، وقبل ظهور بحث مرجليوث بأسابيع قليلة: "ما كانت الحضارة الإسلامية، التي ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لِتُوجَد لو لم توجد البداوة العربية التي سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم".

قبل مرجليوث بأسابيع لم يكن العميد يشك، بل كان مؤمنًا بوجود شعراء أفذاذ هم امرؤ القيس والأعشى وزهير وغيرهم، وهؤلاء نحن لا نعرف قدرهم!

أليس هذا عجيبًا، بل دعني أقول مريبًا!

يبدو لي أن للشك مراحل كأنها مراحل تكوين الإنسان، نطفة فعلقة فمضغة، وتكوين عظام ولحم ثم خروج من الرحم ثم... إلى أن يبلغ أشده.

وهذا يستغرق سنوات من عمر الإنسان، وكذا الشك في قضية أي قضية، تبدأ كأنها الهمس ثم تستولي على تفكير المشغول بها إلى أن تخرج مكتملة في شكل كتاب أو غيره من أدوات الإفصاح والإظهار.

فمتى شك العميد؟

نعود للدكتور إبراهيم عوض الذي تقصى في دراسته جذور الشك عند العميد، لنجد أنفسنا أمام مفاجآت وأي مفاجآت!

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.

منشور بجريدة صوت الأمة السبت الموافق 30 مايو 2026م.

الاثنين، 25 مايو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (2)


 

غادر محمود شاكر مصر ليقيم في جزيرة العرب، مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وهناك أسس مدرسة جدة الابتدائية وتولى إدارتها والتدريس بها.

 غياب شاكر الذي كان شاهد العيان على القضية منذ بدأت لم يسهم في إخماد نيرانها، فقد صدر بيان عن فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية وقد وجدته بنصه في أول كتاب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد حسن الخضر ، قال فضيلة المفتي: "إن الباطل ما برح يحارب الحقيقة الإسلامية بسيوفه المفلولة وشبهاته الضئيلة، ثم يرجع خائبًا بغير جدوى. وقد عاد اليوم من جولة يدفعه إليها نفر من المتأثرين بكتب الداعين إلى معاداة دين سيد المرسلين، سقطوا على ما فيها من تضليل فالتقطوا منه ما راق لهم، وظلوا يعرضونه على أنظار قرائنا وأسماع الطلاب من أبنائنا، زاعمين أنه بضاعة جديدة هي ثمرات قرائحهم ونتائج أفكارهم، محاولين بذلك تقويض بناء قامت فضائله الشامخة على أساس متين من الحقائق الراسخة، فاستاء من عملهم هذا أهل العلم الصحيح والأدب الصريح. ومن هذه الكتب رسالة عنوانها «في الشعر الجاهلي» عُرف صاحبها بالتعصب لكل ما فيه كيد للإسلام وحط من جلاله وفضائل عظمائه وآلة. وقد احتوت هذه الرسالة على مزاعم وأباطيل يجمعها كلها وصف واحد هو الاستخفاف بالحقائق والتعصب لعقيدة خاصة افتتن مؤلف الرسالة بها.

 فانبرى له حضرة العالم المحقق والفهامة المدقق (السيد محمد الخضر حسين التونسي من علماء الجامع الأزهر بمصر وجامع الزيتونة بتونس) فحلل هذه الرسالة تحليلًا علميًّا نزيهًا، رد فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، ودحض الأباطيل بالأدلة الواضحة، ونبه إلى مغامز الكتاب المردود عليه، ودل على المرامي التي يرمي إليها، وأبان عن موطن ضعفه ومكامن سخفه. ولعمري إنه قد خدم بهذا العمل الجليل العلم المتين والأدب الرفيع خدمة تحول بها شر الكتاب المردود عليه إلى خير. جزاه الله عن الدين والعلم والحق أفضل ما يجزي به عباده الصالحين المخلصين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".

ثم قامت النيابة العامة باستدعاء الدكتور طه وأجرت معه تحقيقًا مطولًا تولاه رئيس نيابة مصر الأستاذ محمد بك نور.

 كنت قد سمعت كغيري عن هذا التحقيق، الذي طالما تغني به شيعة العميد، فهم يرونه تحقيقًا يدل على ليبرالية النيابة وعلى رسوخ العميد الذي لم يتراجع عن أقواله في المحضر الرسمي!

ثم كان أن وقع في يدي العدد (149) من مجلة القاهرة التي كان يرأس تحريرها الدكتور غالي شكري، وقد صدر في شهر إبريل من العام 1995 ووجدت به كنزين، الأول هو النص الأصلي الكامل لكتاب "في الشعر الجاهلي" قبل أن يعيد العميد نشره ولكن تحت عنوان "في الأدب الجاهلي" وقبل أن يحذف فقرات كانت للحق هدف كتابه الأول ورسالته!

 فانظر إلى رسوخ العميد!

 الكنز الثاني: كان نص تحقيق محمد بك نور مع العميد، وإنا لله وإنا إليه راجعون في أخلاق القوم، لقد قرأت كلمات التحقيق كلمة كلمة فلم أجد لا ليبرالية ولا تقدمية ولا حتى رجعية، هو تحقيق مهني بامتياز، سين سؤال وجيم إجابة، وقد تعجبت من ثقافة المحقق ومن الهدوء الذي فرضه على جلسة التحقيق، فلا صخب ولا ضوضاء ولا انتزاع لاعترافات بالحيلة واللف والدوران.

 لا أنسى من أسئلة التحقيق سؤال وجهه محمد بك نور إلى العميد، وكان عن كلام العميد عن تباين لغة حمير ولغة عدنان، وزعم العميد وجود مراجع تثبت ذلك التباين فلما قال له المحقق: "هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا؟".

أجاب العميد: "أنا لا أقدم شيئًا".

تعود لقراءة التحقيق فلا تجد شيئًا من مزاعم شيعة العميد، فلا المحقق متساهل ولا العميد راسخ، وقد انتهى التحقيق بهذه الجملة الحاسمة: "القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا، محمد نور رئيس نيابة مصر، القاهرة في 30 مارس 1927".

 نعود إلى كتاب في الشعر الجاهلي ونسأل: هل كان طه حسين هو أول من تحدث عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلذا ثار الناس ضده؟

 حقائق التاريخ التي لا يختلف عليها اثنان تؤكد أن العميد جاء متأخرًا جدًا، فقد سبقه بقرون العلامة ابن سلام الجمحي الذي ولد في العام 140 من الهجرة النبوية الشريفة وتوفي في العام 231 من الهجرة.

وقد تناول في كتابه الأشهر "طبقات فحول الشعراء" قضية نسب الشعر الجاهلي، فتلقت الأمة كلامه بوصفه كلام ناقد يجتهد، وانتهى الأمر، عند حد الاجتهاد، ثم جاء مصطفى صادق الرافعي ونشر للناس كتابه "تاريخ آداب العرب" في العام 1911، أي قبل ظهور كتاب العميد بخمس عشرة سنة كاملة، وقد أفاض الرافعي في الكلام عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلم يلمه أحد، بل مدحه كثيرون، يأتي على رأسهم الدكتور ناصر الدين الأسد الذي قال عن الباب الذي خصصه الرافعي لمناقشة قضية الشعر الجاهلي لقد: "حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا فى صعيد واحد من كتابٍ لمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها واستقصاه استقصاءً".

 وما بين ابن سلام والرافعي كتب كثيرون عرب وعجم عن هذه القضية، فلماذا ثار الناس على العميد؟

 أغلب ظني أن الناس قد ثارت لأنهم شق عليهم أن يتهم الدكتور طه جموع علماء الأمة بالتواطؤ على الكذب، فهؤلاء العلماء الذين نقلوا إلينا الشعر الجاهلي هم الذين نقلوا إلينا القرآن والأحاديث النبوية والقدسية وسائر علوم المسلمين الأوائل وتاريخهم، فإذا كانوا قد اخترعوا ما عرفناه باسم الشعر الجاهلي فما الذي يمنعهم من اختراع غيره!

 ثم شق على الناس أن العميد قد بدأ بحثه بالشك وانهاه باليقين، ولم يقدم دليلًا يثبت به شكه ولا دليلًا يؤكد به يقينه، فهو قالها في أول كتابه صريحة واضحة: "أعلن اليك والى غيرك من القرّاء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس فى شيء؛ وانما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصّاص أو اختراع المفسرين والمحدّثين والمتكلمين".

 

لسنا أمام شك مباح، نحن أمام نسف لا يقوم على دليل.

 ثم شق على الناس الاستهانة التي تناول بها العميد قصتي الرسولين الكريمين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل، عليهما السلام فقد قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي".

 يا رجل أنت كنت تتكلم عن الشعر الذي هو صناعة بشرية فلماذا تركت شهوة الكلام تقودك إلى أن سقطت هذه السقطة؟

 وبعدُ كل كان الأستاذ العميد أصيلًا في شكه؟.. نجيب الأسبوع المقبل إن شاء الله.


منشور بجريدة صوت الأمة السبت 23 مايو 2026م.

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (1)



في العام 1926 قرر عميد الأدب العربي، الأستاذ الدكتور طه حسين نشر كتابه "في الشعر الجاهلي"، ومن يومها وإلى يوم الناس هذا والكتاب، محل أخذ ورد، وغالب التعامل معه صفري، فجماعة يتعصبون للكتاب وكاتبه ويرفعونهما إلى درجة التقديس وجماعة لا يطيقون لا الكتاب ولا كاتبه.

مرت مئة سنة على ظهور الكتاب ولكن ذكره لم يخمد وناره لم تنطفئ وفتنته ما تزال قائمة على رأس موضوعات الأدب العربي وأبوابه.

 ما الذي جعل لهذا الكتاب كل هذا الأثر.

 هي فقرات خطها العميد وكانت هي صلب الكتاب ورسالته منها قوله في أول كتابه: "أول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك، أو قل ألح عليّ الشك، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين ميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء; وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين".

 ثم قال العميد: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللـقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها؛ ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى".

 كلام العميد خطير جدًا، فهو ينسف ركنًا ركينًا من حياة العرب والمسلمين ويتهم ولو بالتلميح كل الرواة بالتواطؤ على الكذب والوضع والانتحال، والذي يكذب في أمر نملة سيكذب في أمر فيل، فالكذب كالكفر ملة واحدة!

 

ثم حشد العميد فقرات أخر تحدث فيها في غير احتشام عن السياسة التي انتهجها المسلمون في عهد النبوءة للتقريب بينهم وبين يهود الجزيرة العربية.

 فورًا تحرك الأزهر الشريف ورفع شيخه، الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، تقريراً رسمياً إلى النائب العام يتهم فيه طه حسين بـ "تكذيب القرآن صراحة".

ووصف الكتاب بأنه "معول لهدم الدين". لم يكتفِ الأزهر بالبيانات، بل قدم بلاغاً رسمياً للنيابة العامة في يونيو 1926، مطالباً بمحاكمة طه حسين ومعاقبته جنائياً بتهمة إهانة الإسلام.

ثم توالت الكتب التي نقدت بل نقضت كتاب العميد، نذكر الآن كتب الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (تحت راية القرآن) والأستاذ الشيخ محمد الخضري وكتابه (محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي) وعاد الشيخ الخضري ليكتب مجددًا تحت (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) ونشر الأستاذ محمد فريد وجدي كتابه (نقد كتاب الشعر الجاهلي). أما الكتاب الخامس فكان للدكتور محمد لطفي جمعة ونشره تحت عنوان (الشهاب الراصد) والكتاب السادس والأخير كان للدكتور محمد أحمد الغمراوي (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي).

 ثم هناك عشرات المقالات الكبيرة التي كتبها أمثال أمير البيان الأستاذ شكيب أرسلان وحارس العربية الشيخ الأستاذ محمود محمد شاكر، وبخصوص الأستاذ شاكر فقد كان شاهد عيان على أحداث تلك الفتنة منذ أول اندلاعها.

كان الأستاذ شاكر من تلامذة العميد المقربين، فهو أولًا ابن الشيخ الأستاذ محمد شاكر عالم زمانه ووكيل شيخ الأزهر وثانيًا هو شقيق القاضي الجليل والمحدث الكبير أحمد شاكر، والاثنان كان بينهما وبين العميد ما يكون بين الأدباء والعلماء من روابط ومعرفة، وثالثا: كان الشيخ الأستاذ سيد بن علي المرصفي أستاذهما معًا وعلى يديه تتلمذا، ورابعًا: كان العميد هو الذي توسط للأستاذ شاكر لكي يلتحق بكلية الآداب فسم اللغة العربية مع أنه كان من الحاصلين على الثانوية العلمية وليس الأدبية!

 كان شاكر من طلاب كلية الآداب الذين يلقي عليهم العميد بمحاضراته عن الشعر الجاهلي، وقبل أن يسمع شاكر كلام أستاذه كان قد قرأ البحث الذي نشره البريطاني ديفيد صامويل مرجليوث في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية عن " أصول الشعر العربي" لم يتوقف شاكر عند بحث المستشرق مرجليوث فهو لم يكن يظن بالمستشرقين خيرًا ولم يكن ينتظر منهم إنصافًا، ودائمًا ما أشار إلى أنهم في غالبهم جماعة من عملاء مخابرات الاحتلال.

 تفاجأ شاكر بما سمعه من أستاذه، العميد كان يقوم بدور صدى صوت المستشرق، فما يقوله تحت قبة جامعة القاهرة قاله مرجليوث. في المجلة!

 

تجرع شاكر الغيظ لشهور، فأدبه يمنعه من مواجهة أستاذه صاحب الفضل عليه، ولكن الحديث الشريف القائل "ألَا لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم رَهْبةُ النَّاسِ أنْ يقولَ بحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَه؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجَلٍ، ولا يُباعِدُ من رِزْقٍ؛ أنْ يقولَ بحَقٍّ أو يُذكِّرَ بعَظيمٍ". كان يطارده.

 تحدث شاكر إلى بعض رفاقه وأعلن بينهم أن العميد يسطو على كلام المستشرق الأعجمي مرجليوث.

 عن تلك الفترة قال شاكر: "دخلتُ الجامعة، وسمعتُ ما يقوله الدكتور طه في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي رجّ حياتي رجّاً شديداً زلزل نفسي.. فُوجئنا جميعاً بالدكتور طه، وبصوته الجهير، وبألفاظه العذبة، وبحسن تعبيره عن مقاصده، ثم بإنكاره صحةَ الشعر الجاهلي.. وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرّعتُ الغيظ بحتاً، ووقعتُ في ظلامٍ يُفضي إلى ظلام، وفي حيرةٍ تجرّني إلى حيرة، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمّتي، وفي رُواتها، وفي نُحاتها، وفي مفسّري القرآن ورُواة الحديث، وبقيتُ أتلدّد يميناً وشمالاً زمناً متطاولاً".

طبعًا قامت القيامة، لأن شاكرًا تحدث إلى بعض رفاقه بما في نفسه، كان شاكر يومئذ تحت العشرين والعميد أستاذ ذائع الصيت تحت الأربعين بقليل، لا تكافؤ بين الرجلين من أي وجه من الوجوه، بعدها أقدم شاكر على أهم خطوات عمره، لقد قرر ترك الجامعة والذهاب إلى جزيرة العرب ليستيقن أمر أمته كلها وليس شعرها الجاهلي فحسب، سيودع شاكر دنياه القديمة بكلمات تقطر حزنًا وألمًا قال: "فارقتها (الجامعة) ومعي ذل العجز، يومئذ على مواجهته (طه حسين) برأي في تفاصيل "سنة السطو" التي سنها لتلاميذه من بعده، وإن عجزي عن مواجهته بلساني.. كان يهدم نفسي هدماً، وينسف آدابي نسفاً، ويترك في ضميري غصة تأبى أن تزول".. 

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 17 مايو 2026م.



الأحد، 26 أبريل 2026

صدق أو لا تصدق.. أمريكا لا تحارب إيران!

 


صباح الأحد السابع من ديسمبر من العام 1941 شنت اليابان هجومها الشهير على البوارج الأمريكية في بيرل هاربر، ولأن الأمريكان يحسبون قطهم جملًا فقد صاحوا: لقد دمر اليابانيون أسطولنا.

 

سيثبت التاريخ أن اليابان قد أغرقت أربع بوارج من ثمانية، أما النواة الصلبة للأسطول فلم تمس بسوء، ولكنهم الأمريكان يا صاحبي.

 

مساء الاثنين الثامن ديسمبر من العام 1941 توجه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى مقر الكونجرس وألقى خطابه الذي سيصبح تاريخًا، لأن ما بعده كان مفارقًا لما قبله، في مستهل خطابه قال روزفلت: "هذا اليوم سيبقى في ذاكرة العار".

 

روزفلت لم يكن ترامب، وأمريكا لم تكن قد أصبحت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، والعالم كله لم يكن قبل خمس وثمانين سنة هو العالم الذي نعرفه الآن، أيامها كان لا مفر من مراعاة بعض التقاليد، ولذا فقد طلب روزفلت إعلان حالة الحرب.

 

فورًا اجتمع مجلس النواب ومجلس الشيوخ للتصويت على قرار الحرب، صوت مجلس الشيوخ بالإجماع اثنان وثمانون صوتًا مقابل صفر!

 

أما مجلس النواب فقد صوت بأغلبية ساحقة ثلاثمئة وثمانية وثمانون صوتًا مقابل صوت واحد، هذا الصوت الواحد الرافض للحرب كان صوت النائبة "جانيت رانكين" التي كانت ترفض الحروب من حيث المبدأ، فقد كانت تعارض إعلان الحرب أثناء الحرب العالمية الأولى.

 

بعد التصويت أعلن روزفلت الحرب في نفس اليوم، وبدأ طحن الأمريكان لعظام اليابان وصولًا إلى النهاية الأبشع عندما قصف الأمريكان مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية!

صدق أو لا تصدق، من يومها أي من خمس وثمانين سنة لم تعلن أمريكا حالة حرب واحدة!

لا تسل عن الحرب الكورية (1950–1953).

ولا عن حرب فيتنام (1955–1975).

ولا عن حرب عاصفة الصحراء (1990–1991).

ولا عن حرب أفغانستان (2001–2021).

ولا عن حرب العراق (2003–2011).

كل تلك الحروب كانت "عمليات عسكرية!".

فإذا كانت تلك المعارك التي دمرت البلاد والعباد هي مجرد عمليات عسكرية فكيف ستكون الحروب؟.

حتى الحرب الحالية التي شنها الأمريكان على إيران ليست حربًا وفق الحالة الأمريكية، إنها يا صاحبي

"الغضب الملحمي" أو "نزاع مسلح محدود" أو "دفاع شرعي عن النفس ضد تهديد مباشر".

هذا التلاعب التشريعي يأتي على هوى رئيس بمواصفات ترامب، فهو لا يريد الذهاب إلى الكونجرس، لأنه

من المحتمل ولو بنسبة واحد بالمئة أن يرفض الكونجرس إعلان الحرب، ثم هو لا يريد أن تفتح الأمم

المتحدة فمها بكلمة اعتراض مجرد اعتراض، وذلك لأن الأمم المتحدة ترفض شن الحرب إلا بعد استيفاء

شروط هي غائبة بالكلية في الحالة الأمريكية الإيرانية، وعلى ذلك فليقم ترامب بتدمير إيران وإشعال

منطقة الشرق الأوسط كلها تحت زعم أن إيران تمثل تهديدًا مباشرًا ووجوديًا لأمريكا، وهو الزعم الذي نفاه

صديق ترامب القديم جو كينت مدير المركز الوطني الأمريكى لمكافحة الإرهاب، الذي تقدم باستقالة

مكتوبة من منصبه وقال في كتاب استقالته: "إن إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً، وإن إسرائيل وجماعات ضغط

أمريكية يجرون  البلاد لحرب لا تخدم مصالحها".

لا الكونجرس ولا غيره يستطيع إيقاف هذه الحرب الملعونة، لسبب بسيط وهو أنها لم تندلع بعد، فترامب

يتعامل مع كل هذا الدمار الذي لحق بالشرق الأوسط كله بوصفه نقاش خشن، نعم هذه هي حقيقة رؤيته، لأن

الرجل الذي هدد متفاخرا بقدرته على محو حضارة كلمة في ليلة واحدة وبضربة واحدة، لن يهتم ولو

للحظة بحياة ملايين البشر الذي تهدد حربه المجنونة الملعونة حياتهم.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 19 أبريل 2026م.


الأحد، 19 أبريل 2026

مأساة ملتهبة ورد بارد


 

هناك عشرة آلاف فلسطيني ينتظره حبل المشنقة.. ونتانياهو وبن غفير لن يسمعا لأحد وهما محترفان في تربية الغضب  

في مساء الاثنين، 30 مارس 2026 كان إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي لكيان الاحتلال يحتفل مع عصابة حزبه "عظمة يهودية" بإقرار قانون يتيح لكيان الاحتلال إعدام من شاء من الأسرى الفلسطينيين.

من عمق المشهد تقدمت النائبة ليمور سون هار ميلخ، العضوة بارزة بحزب بن غفير وهي التي حاربت من خلف الستار لكي يظهر القانون إلى النور، كانت تبتسم بل تكاد ترقص وهي تبكي فرحاً وتحتفل داخل الكنيست مع بن غفير، وظهرت في صور تحمل حبل مشنقة وزي إدارة السجون، كانت تفتخر بأنها من أكثر أعضاء الكنيست تطرفاً؛ فهي تدعو لطرِد الفلسطينيين وإعادة استيطان غزة، وترى أنه لا وجود لأبرياء في قطاع غزة، فكل أهل القطاع من الإرهابيين الذين يجب قتلهم!

مشهد يوم الاثنين 30 مارس 2026 كان مشهد إسدال الستار على مسرحية دموية بدأت فصولها قبل سنوات!

البداية كانت في أواخر العام 2022.

كان بنيامين نتانياهو يبحث عن حليف قوي يضمن له تشكيل الوزارة، هنا تقدم بن غفير وقال لنتانياهو: سأكون حليفك بشرط، أن تمرر قانونًا يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين!

ظل الأمر محل بحث حتى تم إقرار القانون، أين كان العالم أثناء إعداد القانون؟

الكل يبكي على ليلاه أو يغني لها، ثم الأمر من وجهة نظر العالم ليس مهمًا، هؤلاء فلسطينيون يرفضون الموت في هدوء فلماذا لا يموتون وينتهي أمر هذا الصداع الذي يسببونه لملوك العالم!

لم يتوقف أحد لتحرير مسألة الأسرى، هل هم أسرى حقًا، وهل تنطبق عليهم قوانين الأسر العالمية؟

الواقع يقول إن سجون الاحتلال مكتظة بآلاف الفلسطينيين الأبرياء، فكثرة من الذين يلقي الاحتلال عليهم القبض لم يشاركوا قط في مظاهرة فضلًا على أن يكونوا من المسلحين الذي يريدون تحريره بلادهم بالرصاص، هناك أطفال ونساء وعجائز يتم الإغارة على بيوتهم ثم الدفع بهم إلى قاع الزنازين، وبعضهم يتم اغتصابه وبعضهم يتم قتله وصاحب الحظ الحسن منهم هو الذي يغادر سجنه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا بفضل عملية تبادل تقوم بها المقاومة.

مساء الاثنين الأسود الذي تم فيه التصويت في الكنيست لصالح القانون بأغلبية لافتة كان ملتهبًا، بكل مشاعر الغضب والقهر وقلة الحيلة، ولكن جاءت ردود الأفعال المحلية والقومية والإقليمية والدولية على هذا القانون المجرم باردة كأنها قطعًا من الثلج!

إنها نفس بيانات التنديد والشجب والاستنكار، هل خاف الكيان يومًا من تلك البيانات، هل تراجع يومًا خشية إغضاب هذا الطرف أو ذاك؟

الكيان عينه فقط على الولايات المتحدة الأمريكية، فهو لا يهتم بأحد إلا بها ولا يشغله موقف سوى موقفها، وكان موقف أمريكا كالعهد به مؤيدًا لأي خطوة يخطوها الكيان، فقد قالت خارجيتها: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة بالأفراد المدانين بالإرهاب، نحن على ثقة بأن أي إجراء مماثل سينفَّذ في ظل محاكمة عادلة".

أين هو العدل في كيان قائم على القتل والإبادة ومستند لأساطير ما أنزل الله بها من سلطان؟

هناك عشرة آلاف فلسطيني ينتظره حبل المشنقة، ونتانياهو وبن غفير لن يسمعا لأحد وهما محترفان في تربية الغضب الذي يتحول إلى عمليات طعن ودهس وخطف.

لا رهان على صوت الضمير أو العقل، فلا ضمير لدى هؤلاء ولا عقل لهم سوى ذلك العقل الغارق في أوهام السيطرة على الشرق الأوسط.

تلك الأوهام التي جعلتهم يختارون الثلاثين من مارس تحديدًا وهو يوم الأرض لدى الفلسطينيين ليكون يوم إعلان قتلهم بيد قانون مجرم لا يحترم ولو ذرة من حقوق الإنسان.

لو أن دولة واحدة أو منظمة هددت كيان الاحتلال بإجراءات عقابية عملية ما جرؤ الكيان على تمرير القانون، أما بيانات الشجب والاستنكار فالكيان يتعامل معها بوصفها قطع الثلج التي وضعها بن غفير وهو يتبادل كؤوس الشمبانيا مع عصابته في قلب الكنيست احتفالًا بإقرار القانون!

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 12 أبريل 2026م.  

الأربعاء، 1 أبريل 2026

الذي لا يعرف الحروب يدعو إليها


قال القدماء: إن شاباً كان يواعد ابنة تاجر حبوب، وفي مرة من المرات، كانت المواعدة في مخزن أبيها، شعر الأب بحركة غريبة فدخل مسرعًا ليجد أمامه ما لا يليق، هرب الشاب، ولسوء حظه تعثر في جوال عدس، تبعثر العدس وتناثر على ملابسه، واصل الأب مطاردة الشاب وهو يهدده بالقتل، تجمع المارة، مستنكرين أن يقتل التاجر شابًا حاول سرقة بعض العدس، فحالوا بين الأب وبين الشاب وهنا قال الأب مقولته التاريخية: "اللي ما بيعرفش يقول عدس".

 

الذي ذكرني بقصة العدس هو موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المندفع بقوة ثور هائج إلى ساحات حرب لا يعرف أحد عن مصيرها ومسيرها شيئًا، ترامب لا يعرف ما الحروب ومع جهله بها فهو مصر عليها حتى آخر إيراني أو عربي خليجي، فهو يراهن على أن قواته مصونة محصنة، لن تفقد أكثر من عشرين فردًا ولكنها ستغنم النصر المبين.

 

لقد سلط الله صحيفة نيويورك تايمز على ترامب، فقد نشرت تقريرًا مطولًا في ديسمبر من العام 2018 قالت فيه: إن ترامب قد هرب من حرب بلاده ضد فيتنام خمس مرات، أربع مرات بحجة انخراطه في الدارسة الجامعية، أما المرة الخامسة والأخيرة فقد تمت بحيلة ترامبية عظيمة!

 

جاء في تقرير الصحيفة: أن ترامب قال إنه يعاني من "نتوءات عظمية" في كعبي قدميه، وتلك النتوءات تعفيه من الخدمة العسكرية!

 

المفاجأة التي كشفها تقرير الصحيفة هي أن الطبيب الذي شخص حالة ترامب هو "لاري برونشتاين" (متوفى)، وأن ابنتيه صرحتا للصحيفة بأن هذا التشخيص كان بمثابة "مجاملة" لوالد فريد ترامب، الذي كان يمتلك المبنى الذي يقع فيه عيادة الطبيب!

 

طبعًا ترامب شن حملة ضد الصحيفة وكذبها ولكنه لم يذهب إلى القضاء ثم شتم الذين أكدوا صدق معلومات الجريدة ولكنه لم يذهب إلى القضاء!

 

هل تعرف أخي الكريم، كيف بدأت الحرب بين أمريكا وفيتنام التي تهرب منها ترامب عندما كان شابًا؟.. لقد بدأت بكذبة مثل الكذبة التي اخترعها ترامب ليشن وهو عجوز حربًا تكاد تدمر الشرق الأوسط كله.

 

كانت فرنسا تستعمر فيتنام، ثم تحت ضربات المقاومة الفيتنامية هربت فرنسا مهزومة، ولكن فيتنام انقسمت على نفسها بين شمال شيوعي وجنوب رأسمالي، الروس والصينيون ساندوا الشمال طبعًا، وأمريكا ساندت الجنوب.

 

في الجنوب المدعوم من أمريكا كان مقاتلون يتقون لتوحيد البلاد تحت راية الشمال الشيوعي، هنا قالت أمريكا: لو سقطت فيتنام في قبضة الحكم الشيوعي فستسقط كل قارة آسيا فلا مفر من الذهاب لتدمير الشمال الفيتنامي وقمع متمردي الجنوب!

 

في أغسطس من العام 1964 قالت سفن أمريكية إنها كانت تبحر في خليج تونكين في أمان الله ثم فجأة وبدون مبرر تعرضت لهجوم شنه عليها فيتنام الشمالي!

هنا ذهب الرئيس الأمريكي جونسون إلى الكونجرس وحصل منه على تفويض بإرسال القوات اللازمة لحماية البحرية الأمريكية.

 

بدأت الحرب التي تواصلت حتى العام 1975 وبلغ عدد ضحايا فيتنام من المدنيين والعسكريين قرابة الأربعة ملايين مواطن وبلغ عدد القتلى من الجيش الأمريكي ثمانية وخمسن ألف قتيل، ثم انسحبت أمريكا ولم تحقق هدفًا من أهدافها وتوحد الشمال مع الجنوب، والآن تبلغ قيمة الصادرات الفيتنامية إلى أمريكا 193.8 مليار دولار وفقاً لتقديرات التجارة الأمريكية لعام 2025، بزيادة ضخمة بلغت 42% عن عام 2024.

 

هل تذكر الكذبة التي اندلعت بسببها الحرب بين أمريكا وفيتنام؟

 

في العام 2005 كشفت وثائق رُفعت عنها السرية خاصة من وكالة الأمن القومي أن الهجوم الذي قالت السفن الأمريكية أنها قد شُن عليها لم يحدث أبداً.

كشفت الوثائق أن بلاغات السفن كانت ناتجة عن قراءات رادار خاطئة، بسبب سوء الأحوال الجوية، ولكن جونسون الذي كان يسعى للقتال شن الحرب بناءً على معلومات هو يعلم أنها زائفة!

 

الحرب التي هرب منها ترامب عندما كان شابًا أصبحت تعرف بين الأمريكان بحرب "أشباح تونكين"، فلم يكن في الخليج سوى أشباح فيتنام وليس سفن فيتنام، وترامب العجوز يصر على مواصلة حرب سيقاتل فيها أشباح الشرق الأوسط بحثًا عن مشروع نووي هو بنفسه قال إنه قد قضى عليه ودمره تدميرًا.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 29 مارس 2026م.