الثلاثاء، 13 أكتوبر 2026

فن العدودة.. أرشيف الدموع المصرية


يعد الشاعر الكبير الأستاذ درويش الأسيوطي من أصحاب المواقف النادرة في الثقافة المصرية المعاصرة، إذ إنه وقلة من المثقفين والكُتّاب لم يغادروا قط الأقاليم التي ولدوا بها إلا لرحلة علم أو عمل قصيرة، وتلك الإقامة وإن كانت حرمتهم من فرصة الشيوع والانتشار الكبير إلا أنها جعلتهم من آباء الثقافة في أقاليمهم.

ولد الأسيوطي في السادس من أغسطس من العام 1946 بقرية الهماميّة التابعة لمركز البداري بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، غادر أسيوط ليحصل على بكالوريوس التجارة من جامعة عين شمس القاهرية، ثم عاد بعدها إلى أسيوط ليقيم، مشاركة في ترقيتها وتثقيف أولادها فأنشأ العديد من الجرائد والمجلات، منها” صوت الجماهير” و” اللقاء” و” الملتقى” و” سلسلة الإبداع الثقافي، و” سلسلة كتب مسارح”.

وأخرج الأسيوطي العديد من المسرحيات ومثّل في بعضها وقد حاز على جائزة الممثل الأول في العام 1971.

ومع عطائه المشهود في المجال المسرحي وفي الكتابة للطفل، ظل الشعر هو ميدانه الأول، فنشر الكثير من المجموعات الشعرية، نذكر منها” أغنية لسيناء ” والحب في الغربة “أغنية رمادية” و” من أسفار القلب “.

وقد أهتم اهتمامًا خاصًا بكل ما له علاقة بالتراث الصعيدي، فكتب ونشر ثلاثة كتب هي” لعب العيال” و” من أهازيج المهد “و” أشكال العديد في صعيد مصر “.

وأمام كل هذا العطاء المتواصل على مدار أكثر من نصف قرن كرمته الدولة ومنحته جائزتها التشجيعية، ثم منحته وسام الفنون من الطبقة الأولى في العام 1997.

حرارة الدموع

في العام 2006 نشرت الهيئة العامة لقصور الثقافة لدرويش الأسيوطي كتابه الذي بين أيدينا” أشكال العديد في مصر”.

الأسيوطي مولع أصلًا بصيانة وحفظ التراث عامة والصعيدي منه على وجه الخصوص، ولكنه مع كتابه هذا، كأني به لم يكن يقصد الحفظ فحسب، بل والرثاء أيضًا، رثاء فن عظيم مات أو شارف على الموت.

سأل الأصمعي أعرابيًا: ما بال المراثي أشرف أشعاركم؟

رد الأعرابي: لأننا نقولها وقلوبنا محترقة.

وسأل درويش الأسيوطي أمه: هل ما يزال لديك يا أمي من هذا العديد؟

فردت: الأم: هو إمتي بيخلص يا ولدي، العديد، نهر حزن بلا مصب، يجري من آلاف السنين ولن يجف.

من حرقة السؤالين والإجابتين، يبدأ الأسيوطي كتابه الذي هو أقرب إلى بحث جامع، يجري وفق المناهج الأكاديمية وليس الكتابات التلقائية.

يؤكد الأسيوطي أن العديد هو فن نسائي خالص، فلن تجد رجلًا يعدد كما تعدد النساء، هذا مع أن العديد ليس إلا رثاءً للميت وتعديدَا لمناقبه، ولكن طريقة النساء في قول هذا الرثاء، لا تصلح مع الرجال خاصة في مجتمع الصعيد.

أعتمد الأسيوطي في جمعه لمادة كتابه على محفوظاته من العديد لأنه عندما كان طفلًا كان يُسمح له بالوجود مع والدته في الجنائز، ولأن الشاعر يولد شاعرًا فقد حفظت ذاكرة الأسيوطي كثرة من فن العديد، ثم أعتمد على تسجيلات قام بها لنساء ورجال من شمال الصعيد وهي المنطقة التي يعرف جغرافيتها جيدًا وكذا عائلاتها.

العديد بمعنى تعديد المناقب والمكارم هو فن عربي قديم جدًا، ومع الأحداث غادر ديوان الميراثي الفصيح إلى أرض العامية المصرية، وتولته النساء المصريات بالتهذيب والترقيق، حتى أن المستمع لا يستطيع حبس دموعه متى سمع عديد المرأة الصعيدية.

الضغوط الاجتماعية

قد يظن البعض أن صاحبة العدودة تنطلق هكذا فجأة للبكاء الشعري على الميت، وهذا الظن غير صحيح بالمرة، فالمرأة تعاني ما نعرفه من ضغوط اجتماعية وثقافية، ولذا تجد في حلقة التعديد فرصة للإفراج عن أحزانها الخاصة، العامة، لأن أحزانها هى أحزان بقية النساء.

تقول المعددة:

” قالوا حزينة / أنا قلت من يومي

قسموا النوايب / طلع الكبير كومي”.

والمعنى أنها حزينة مذ كانت، وعندما قاموا بتوزيع المصائب وجدت أن نصيبها هو أكبر المصائب والأحزان!

ثم بعد رثاء الذات يبدأ القصيد الحزين، الذي يتكون غالبًا من بيتين أو أربعة أبيات، وليس مهمًا التزام قافية واحدة كما في شعر الميراثي الفصيح، لأن المعددة تهتم بوجود التقارب والتوافق الموسيقي بين حركة الحروف.

والمثال على ذلك هو عديد المرأة التي مات زوجها فجأة ورأسه على صدرها.

فهى تقول:” صبرك عليّ/ لما أقول قولي

ميلة رقبتك / حرمتني من نومي”.

هنا تتساوى كلمة (قولي) مع كلمة (نومي) في التقفية.

فالتقفية تبدأ بضم الحرف الأول، ثم وجود حرف المد الواو ثم كسر الحرف الثالث، وأخيرًا الكسرة المتمثلة في حرف المد الياء، وهكذا.

بعد التمهيد برثاء الذات، تنخرط المرأة في حديث مع نفسها، إنه ذاته الذي نعرفه باسم (المنولوج)، واضح أن الاحزان هى خير معلم!

تقول المرأة:

” خلفت الطريق ومشيت بالعاني

خلف الطريق الوعد لقاني

خلفت الطريق ومشيت على مهلي

خلف الطريق الوعد نده لي”.

والمعنى أن الإنسان لن يفر من قدره الذي هو الوعد والمكتوب، فأي طريق اختار سيجد قدره أمامه، بل إن القدر سينادي على صاحبه!

ومن(المنولوج) تذهب المرأة إلى (الديالوج) فتجري حوارًا مع الآخر أو الآخرين، فهي تسأل وتسجل سؤالها، ثم تتلقى الإجابة وتسجلها.

تقول المرأة:

ـ وعملت إيه ساعتين طلوع روحي؟

ـ بقيت أسف الحمضلة بلوحي.

ـ وعملت إيه ساعتين طلوع الروح؟

ـ بقيت أسف الحمضلة باللوح.

المعني هو سؤال عن رد فعل تجاه لحظة الاحتضار.

وإجابة المسئولة أنها كانت تسف الحنظل بلوحها، والسف، عربي قديم وسف الدواء أي تناوله يابساً غير معجون.

والحمضلة تحريف للحنظل ولوحها تعني به كفها، فهي تسف الحنظل سفًا.

وفي العديد نوع فريد من السرد، وهو يظهر على صورتين، الصورة الأولى: أن يتضمن السرد ردًا ومثال ذلك العدودة التي تقول:

” شيعت لك مرسال تجيني تحت البيت”

هنا تقول المرأة لرجلها إنها قد بعثت له برسالة لكي يحضر إلى بيتها.

فيرد الرجل” أنا في قرار اللحد ما حسيت”.

يعتذر عن عدم حضوره لأنه قد مات ولم يشعر بالرسالة التي قامت الزوجة بإرسالها إليه.

والصورة الثانية: هى سرد خالص يكشف عن حالة المعددة ولا يكون في الصورة رد من الرجل.

تقول المعددة:

“خدت الفطير وشرايح الليمون

إنشوف حبيبي ليكون مغبون

خدت الفطير وشرايح الرمان

إنشوف حبيبي ليكون زعلان”.

ثم يصل الأسيوطي إلى شكل جديد من أشكال العديد فيكتب عن” التطويحة” فيقول يقصد بالتطويحة مد النائحة صوتها بالغناء، استعدادًا لقفلة المقطوعة. ولذلك يأتي الحرف الذي تمده الشطرة ما قبل الأخيرة من المقطوعة، ولأنها دائمًا في جانب الثوابت، بل تكون في آخر الثوابت، فستكون الكلمة التي بها الحرف في الموضوع نفسه من مقطوعة من مقطوعات مجموعة العدودة مثل كلمة: حبيبي في المجموعة السابقة أما الحرف المقصود فسيكون ياء المد السابقة للباء.

ثم ضاع الجمال

أزعم أن الكتاب يضم آلاف الأبيات الفاتنة، فالكتاب كبير يقارب الخمسمائة صفحة من القطع المتوسط، ومؤلفه هو شاعر بالأساس، يحفظ الكثير ولديه تسجيلات حية للكثرين من الرواة النساء والرجال المنتشرين بين قرى أسيوط.

أبيات قصائد العديد تشمل كل مناحي وحالات الحياة، فهي تصف أحوال الإنسان من لحظة مرض موته، ثم طلوع روحه ثم مرحلة غسله الغسل الشرعي، ثم دفنه، ثم إقامة صوان العزاء، ثم تخيل حالاته تحت التراب، ثم تنطلق المعددة فتقول إنه في موسم الحصاد كان يفعل كذا وكذا من مكارم الأخلاق، وفي ساعات الزواج كان يفعل كذا، وفي أيام البناء والعمران كان يفعل كذا، إنها ترثي كل اللحظات والمواقف التي كان يبرز فيها شخص الراحل الكريم، وتقول على لسان ابنته ما يجب ان تقوله الابنة وكذا على لسان ابنه وكذا على لسان زوجته.

رصد شعري رائع يدفع بالدموع إلى العيون، ثم جرت في النهر المياه التي نعرفها، فذهب كل هذا التراث أو كاد يذهب لولا بقية باقية من قدماء الرواة.

لماذا كاد هذا الفن أن يختفي؟

يجيب الأسيوطي: هناك أسباب تأتي من داخل الفن نفسه وأسباب تأتي من خارجه.

الأسباب التي تأتي من داخله يقف على رأسها، استعصاء الكثير من مفردات هذا الفن على غير أبناء المنطقة التي تعيش بها المعددة، وظني أن محفوظات الأسيوطي، مقصورة على أبناء شمال الصعيد فقط، وذلك الاستعصاء جعل الفن محاصرًا بحدود جغرافية لا يستطيع تجاوزها، فالعديد في الأقصر وأسوان وسوهاج، غيره في أسيوط والمنيا.

ومن الأسباب الخارجية نلاحظ أن العديد مقصور على حلقات النساء، فكيف لرجل أن يقتحم تلك الحلقات ليقوم بالتسجيل، هذا في الصعيد دونه خرط القتاد؟

ثم هناك تراجع نظرتنا إلى مورثنا الثقافي، ونعت هذا التراث بالتخلف والتدني، وهو شهد الله من كل ذلك براء، فبعض المقطوعات التي أوردها الأستاذ الأسيوطي تقف رأسًا برأس مع شوامخ الخنساء ولكن من الذي يقدر فن امرأة صعيدية أمية؟

ثم كانت ما يقولون إنها صحوة إسلامية، فتلك الصحوة المزعومة جعلت دعاتها يحرمون كل تلك الطقوس ومن بينها فن التعديد، وهذا عجيب جدًا فلو كانت صحوة ما كانت لتخاصم الفن الجميل المؤثر، فما الحرمة في البكاء بشكل شعري على ميت عزيز؟

وبعدُ فقد جمع الأسيوطي مادة كتابه قبل ما يزيد على العشرين سنة، وتوقع أن يختفي هذا الفن، لأن الرواة كانوا متقدمين في السن، وأغلب الظن أن أحدًا لم يحفظ عنهم، ثم الموت نفسه أصبح معلبًا وسابق التجهيز ويملأ الطرقات فذهبت الحسرة والدهشة وهما من لوازم فن التعديد، فإن لم تبارد المؤسسات المعنية بجمع هذا التراث فسيختفي تمامًا كأنه لم يكن يومًا يملأ الدنيا ويشغل الناس.

ـــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات أونلاين الموافق 21 ديسمبر 2020


 

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

سلامٌ على صلاح عيسى في الساخرين


 قالت لي الشاعرة الكبيرة كوثر مصطفى: عملت شهورًا مع صلاح عيسى فكان يدهشني، لقد كان يستطيع الجمع بين الكتابة ومحادثة جليسه! ثم دار الزمان دورته وعملت أنا مع الأستاذ صلاح عيسى فرأيته يدخن ويرشف القهوة ويتشاجر معي ويلقي بالنكات ويكتب كتابة دافئة متدفقة كأنها تملى عليه!

كنت أسأله عن تفرده هذا فيرد ضاحكًا: لقد مرضت بالكتابة في طفولتي وتجاهل أهلي علاجي.

بعيدًا عن إجابته الضاحكة فقد كان فعل الكتابة بالنسبة لعيسى كأنه من أفعال الغريزة التي لا يمكن مقاومتها أو الفرار منها، كان يكتب كأن الكتابة هى الهواء الذي يتنفس، ولا حياة لإنسان إن توقف تنفسه.

سألته مرة عن جدوى الكتابة فقال: هى النقطة التي لا يبدأ النهر إلا بها، يومًا بعد يوم وسنة بعد سنة، بل ودهرًا بعد دهر، تظهر جدوى الكتابة، بل تظهر فائدة كل فن وعلم، قد يموت الكاتب ولا يرى بعينيه أثر كتابته، ولكن صدقني الكلمات لا تتبخر، وهي تختبئ في مكان ما ثم تظهر في يوم ما وقد أعلنت انتصارها الحاسم والنهائي على كل قبح.

كأن إجابته لم تقنعني، لذا قطع كلامه ونفث دخان سيجارته بالقرب من وجهي وقال: قم لعملك يرحمك الله.

ها! لقد أهدتني جملته تفسيرًا صادقًا لظاهرة صلاح عيسى.

إنه الشغف بالعمل، هو يعمل ليل نهار، يعمل وهو مطرود من جرائده، يعمل وهو معتقل لا يعرف متى سيرى ضياء الشوارع، يعمل ليضرب المثل، في مقاومة  الظلم والقبح بالعمل، وليضرب المثل في الخصام الأبدي للكسل وتقلبات المزاج، وليضرب المثل في الانحياز التام والكامل لمعنى السير ولو منفردًا في الطرق الموحشة التي ستقود يومًا إلى نشوة الانتصار للجمال وللحق وللعدل.

أتذكر الأستاذ الضاحك الباكي صلاح عيسي وبين يدي أحدث مؤلفاته “سلامي عليك يا زمان / مشاغبات وهموم صحفي عربي في الثمانينيات”.


هذا الكتاب الذي نشرته قبل أيام “دار الكرمة” هو شهادة على شغف صلاح عيسى بالعمل ، فالكتاب ما هو إلا جمع لمقالات سبق له نشرها في صحف شتى، ثم بصبر جمعها مرتبة حسب تواريخ نشرها، ووضعها في مكان ما من مكتبته المترامية الأطراف، فما أن رحل عن دنيانا قبل سنة حتى تناولت زوجته الكاتبة الكبيرة الأستاذة أمينة النقاش ملف المقالات وقدمته لدار الكرمة.

واحد غير الأستاذ صلاح نشقى لنجمع ما تبعثر في بطون الجرائد من كتاباته، أما هو فقد كان يتقن عمله ويحرص على الاحتفاظ بكل ورقة كتبها حتى ولو لم تكن تحمل سوى سطرً واحد.

يضم الكتاب ستة وثلاثين مقالًا نشر معظمها في الثمانينيات، وكلها وفية لعنوانها الذى هو اشتباك حي لصحفي عربي مع وقائع وأحداث زمانه.

يبدأ الكتاب بمقدمة طيبة كتبتها الأستاذة أمينة النقاش، وكان ألطف ما بها هو حرصها على شرح عنوان الكتاب، فسلام عليك يا زمن هو جزء من دور غناه الفنان الراحل محمد عثمان الذي كان صلاح عيسى مولعًا به.

ولكن برغم جودة المقدمة فلم تقطع الأستاذة أمينة بنسبة العنوان للمؤلف، فهل هو الذي كتبه أم هى التي قامت بوضعه على الكتاب وفاءً لذكرى محبة صلاح لمحمد عثمان.

كما لم تذكر سببًا لإعادة نشر مقال أو فصل “خط العتبة يا حبيبي” وهو الفصل الذي كتبه عيسى عن الراحل الكريم الكبير فتحي رضوان ونشره في كتابه “شخصيات لها العجب”.

 

وكان من الطيب المفيد أن تقوم الأستاذة أمينة بذكر أسماء الجرائد التي نشرت بها المقالات لكي يتمكن الباحث من الرجوع إليها، وهى ذكرت الصحف على وجه الإجمال وليس على وجه التفصيل اللازم لحفظ التراث.

بعيدًا عن هذه الملاحظات الهينة نتوقف عند واحد من فصول الكتاب وهو فصل جامع لخصائص أسلوب صلاح عيسى، كما أنه يكشف عن توجهه العربي وعن وجهه العروبي، ذلكم هو الفصل المعنون بـ “إحنا بتوع البيريسترويكا”.

يبدأ عيسى هذا الفصل بوقوفه في صالة مطار القاهرة تمهيدًا لسفره إلى دمشق، قبل إقلاعه يجلب بخياله الخصب شاعر النيل حافظ إبراهيم الذي ينشد عيسى سائلًا: “لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟

هنا العلا وهناك المجد والحسب”. يقول عيسى: حيرني السؤال وبدا لي أن الإجابة عليه مشكلة معقدة.

سافر عيسى فاستقبله في دمشق صوت عفاف راضي مغنيًا “كله في المواني يا بابا”. في دمشق كان الفندق متواضعًا وقاعة الاجتماعات أشد تواضعًا ، الحضور الساطع كان للبرد الشديد، كان المجتمعون من شتى أرجاء الوطن العربي الكبير، يدخنون في شراهة وهم يتناقشون حول “البيريسترويكا العربية !”

يسأل عيسى نفسه: هذه البيريسترويكا هل هى شأن روسي بدأه رئيس روسيا جورباتشوف أم هي نظرية عالمية؟ وإن كانت تعني في روسيا إعادة البناء فما هو معناها في الواقع العربي؟

 

يفيق عيسى من أسئلته التي يلقيها على نفسه فيسمع شجار المناقشات الساخنة .لقد وصل النقاش إلى فرضية عربية عجيبة، يقول ملخصها: يجب ألا ندخل الثمانينيات بحقد الأربعينيات والخمسينيات، لو واصلنا الصراع مع الصهاينة فسيتوتر السلام العالمي وقد يصل التوتر إلى استخدام الأسلحة النووية، ولو جرى استخدامها فسنهلك جميعًا نحن والصهاينة وسيفوتنا تحرير فلسطين من النهر إلى البحر!

لقد سمعهم عيسى وهو يقولون: إن إعادة البناء وفق آليات البيريسترويكا العربية ستتيح لنا الدخول إلى الزمن القادم بمفاهيم العقل لا النقل .عند هذا الحد تأكد عيسى أن المغنية كانت محقة وهى تغني “كله في المواني”. الجماعة يريدون مصالحة العدو والتطبيع معه دون قيد أو شرط لكي لا ينهار السلام العالمي!

في طريق عودته إلى القاهرة مثخنًا بجراح المناقشات، يتم اتهام ليبيا بإسقاط طائرة أمريكية فوق قرية لوكيربي الاسكتلندية، وهو الحادث الذي عرف إعلاميًا باسم قضية لوكيربي وكان سببًا في حصار أمريكا لليبيا لسنوات.

جرى تفتيش الوفد الذي شارك في اجتماع “البيريسترويكا”، في كل مطار وصل إليه، حتى إذا وصل الوفد  إلى مطار القاهرة رأي عيسى شاعر النيل في استقباله ليسأله مجددًا “لمصر أم لربوع الشام تنتسب؟ هنا العلا وهناك المجد والحسب”. هنا أجابه عيسى : “إحنا بتوع البيريسترويكا “، فتقدم شخص كان يقف خلف شاعر النيل ليقول له بصراحة: “اتفضلوا معي على مكتب الأمن”.

 

منشور بموقع أصوات أونلاين بتاريخ 7 يناير 2019.

السبت، 26 سبتمبر 2026

المنفلوطي المفترى عليه (2 ـ 2 )

في الجزء الأول من مقالنا توقفنا عند سجن المنفلوطي بسبب قصيدته التي هجا بها الخديوي عباس حلمي الثاني.

قام المنفلوطي وصديقه الصحفي الناشر أحمد فؤاد باستئناف الحكم، قبلت المحكمة الاستئناف فعدلت الحكم بالسجن لستة أشهر مع بقاء الغرامة كما هى، يدفع فؤاد ثلاثين جنيهًا ويدفع المنفلوطي عشرين جنيهًا.

وقبل مواصلة الرحلة مع المنفلوطي المفترى عليه، نتوقف قليلًا عنده صديقه الأديب والناشر أحمد فؤاد الذي أدرك من البداية أنه سيسجن ولو قدم ألف دليل على براءته فقرر فضح العائلة المالكة أمام المحكمة فقال وفق الكاتب سعد رضوان الذي أرخ لتلك القضية: «إن الرعية لم تسر حقا بقدوم الخديوي، وإن محبة الرعية الملكية أمر اختياري وما من ملك إلا وله من لا يسر بقدومه، والملك لا يستطيع إرغام رعيته على محبته، لأن الملك يملك أجسام الناس ولا يملك قلوبهم، وأنه ليس أول من جاهر وأعلن للناس مظالم الخديوي، فإن أحدًا لا ينسى قصة مدفع الوالي سعيد التي نشرتها صحف مصر فى وقتها، فقد استورد الجيش مدفعا جديدا من فرنسا، وطلب سعيد تجربته فى أحد الميادين العامة، ونقل المدفع إلى ميدان عام، وأمر بإطلاقه فاقترب منه أحد رجال الحاشية، وقال: هل يأمر أفندينا بأن نتمهل قليلا حتى يمر الناس؟.

فرد سعيد: ليس عندى وقت، أطلق النار فنحن لم نستلم الناس بالعدد!

وأكمل فؤاد كلامه قائلًا: إن الخديوي إسماعيل أراد جمع مبلغ من المال، فصنع شارات جوخ وزعها على أهالى طنطا مقابل خمسمائة جنيه للشارة.

وأضاف فؤاد: أن رجال إسماعيل حاصروا مرة بلدة بالوجه القبلي، هرب إليها أحد خصوم إسماعيل فأمر بضربها بالمدافع.

 

التشطير المريب

لم تمت القصيدة بسجن شاعرها وناشرها، بل حدث العكس، لقد زادها سجنهما انتشارًا، فرأت السلطات ـ وفق رأي جمهور المؤرخين ـ أن توجه للقصيدة ضربة قاضية.

أنقل عن الكاتبة رفيعة عبد الرازق محمد التي قصت قصة التشطير المريب: حتى تقضي السلطة على الضجة، كلفت الصحفي سليم سركيس الذي كان يصدر مجلة (المشير) بأن يبحث عن شاعر له القدرة على تحويل القصيدة المذكورة من هجاء إلى مدح، ولم يجد سليم سركيس أفضل من شاعر عراقي ضرير نزح من الموصل إلى مصر واسمه الشيخ عثمان الموصلي أو عثمان الضرير يقوم بالمهمة لمقدرته الأدبية والشعرية.

قام الموصلي بتشطير القصيدة بحيث أدى التشطير إلى قلب معنى القصيدة الأصلي ونشرت (المشير) التشطير ومنه:

(قدوم ولكن لا أقول سعيد)

على فاجر هجو الملوك يريد

لإضرابه بيت من اللؤم عامر

(وملك وإن طال المدى سيبيد)

(رمتنا بكم مقدونيا فأصابنا)

رخاء عن الجدب المبيد بعيد.

ما بين الأقواس هو من شعر المنفلوطي، والتشطير لا يكون إلا كما فعل الموصلي، شطر من المنفلوطي وشطر من عنده، وهذا أدى إلى صحوة القصيدة مرة ثانية لا موتها!

بعد سنوات سيزعم سركيس أن التشطير كان حيلة منه وليس بأمر من السلطات، لكي يضمن للقصيدة رواجًا لا يوقعه تحت طائلة القانون!

 

أيام البؤس

غادر المنفلوطي السجن، ليجد نفسه في الشارع حرفيًا، فلا وظيفة ولا مدخرات ولا جريدة تقبل أن يكتب لها، فهو عدو الحاكم، فمن يغامر بمساندته؟.

فيما بعد سيسرف المنفلوطي في سرد تفاصيل تلك الأيام البائسة، وقد بحثت أنا عن دعم عائلته له فلم أظفر بشيء.

هل نفضت العائلة العريقة يديها من ولدها بعد مغادرته للأزهر؟.

أم تلقوا أمرًا من الخديوي بترك ولدهم للأيام والليالي؟.

الإمام مرة ثانية

مر بنا أن الشيخ الإمام محمد عبده هو الذي أنقذ المنفلوطي أثناء دراسته في الأزهر وهو الذي رعى موهبته، والآن في أيام المحنة يظهر الإمام مجددًا لا لينقذ موهبة المنفلوطي فحسب، بل لينقذ حياته كلها.

سعى الإمام حتى حصل على عفو من الخديوي عن المنفلوطي، استرد بموجبه بعض حقوقه، ثم فتح له الإمام أبواب الصحف ثانية، فأمطرها المنفلوطي بمقالاته، وهى تلك المقالات التي سيجمعها فيما بعد في كتاب «النظرات» الشهير، ولم تكن المقالات لأكل العيش بل كانت لبناء وعي وتأسيس شخصية وإقرار منهج.

 

عن تلك المقالات يقول الأستاذ نجيب محفوظ: إن الجريدة التي كانت تظفر بمقال للمنفلوطي كانت تبيع النسخة بقرشين، وكان القرشان ثروة طائلة!

ومن أيادي الإمام البيضاء على المنفلوطي أنه قدمه لسعد باشا زغلول، وكان زغلول من أخلص تلاميذ الشيخ الإمام.

أحب زغلول المنفلوطي وعرف قدره فأخترع له وظيفة حكومية تقيه شر الأيام

كان سعد باشا يتولى نظارة المعارف (وزارة التربية والتعليم حاليًا) فجاء بالمنفلوطي ليتولى وظيفة «المحرر العربي» للوزارة.

 

وكانت مهام الوظيفة هى ترقية الأساليب داخل دواوين الوزارة فى قراراتها ومكاتباتها خاصة فى المسائل الكبرى التى تكتب من أجلها المذكرات المطولة والقرارات المسهبة.

لم يجد المنفلوطي مشقة في وظيفته، فهو وُلد ليكتب، ووظيفته هى الكتابة التي لا يعرف غيرها، تواصلت أيام الراحة حتى طرق بابه في العام 1905 خبر رحيل شيخه الإمام محمد عبده.

 

هنا ضاق السيد مصطفى بكل شيء، فقد خسر المساعد والمعين، فقرر تحت وطأة أحزانه على شيخه العودة إلى منفلوط!

مكث الرجل في مسقط رأسه عامين كاملين، معتزلًا كل نشاط عام، ثم ـ شأن كل أصحاب الرسالات ـ تخلص من عزلته وأحزانه وعاد إلى القاهرة ليواصل مقالاته ومعاركه مع المحتل وأعوانه من حكام القصر.

جناية المازني

في العام 1921 نشر الأستاذان محمود عباس العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني كتبهما الشهير «الديوان» كانا أيامها من الناشئين في عالم الأدب والثقافة، وكان المنفلوطي الذي سبقهما في الميلاد باثنتي عشرة سنة كاملة يعد من أكابر الأدباء.

لا أعرف هل هو طيش الشباب أم حب الشهرة الذي جعل الشاب المازني يهجم على المنفلوطي هجمة ستكون دليل الاتهام الأول ضده، بل أكاد أقول الأوحد.

كتب المازني عن المنفلوطي فقال: «ماذا في كتابات المنفلوطي مما يستحق أن يعد من أجله كاتباً أو أديباً إلا إذا كان الأدب كله عبثاً في عبث لا طائل تحته؟ سمعت بعض السخفاء من شيوخنا المائتين يقول إن في أسلوبه حلاوة. ولو أنه قال نعومة لكان أقرب إلى الصواب، ولو قال أنوثة لأصاب المحز».

 

بربك هل هذا نقد أم هو النقض والنسف؟.

الشاب المازني سمع لا شك برأي الأساتذة في المنفلوطي ولكنه تجاهل كل كلام يصب في صالح الرجل.

قال أحمد حسن الزيات عن المنفلوطي: «لقد عالج الأقصوصة أول الناس وبلغ في إجادتها شأواً ما كان ينتظر ممن نشأ كنشأته في جيل كجيله، وسر الذيوع في أدبه أنه ظهر على فترة من الأدب اللباب، وفاجأ الناس بهذا القصص الرائع الذي يصف الألم ويمثل العيوب في أسلوب رفيع وبيان عذب وسياق مطّرد ولفظ مختار».

وقال حافظ إبراهيم: «المنفلوطي حسن الديباجة، منسجم الكلام، رقيق المعنى».

وعنه قال وليّ الدين يكن: «السيد مصطفى لطفي المنفلوطي رجل من كبار كتّاب القلم في زماننا، فهو من كتّاب الطبقة الأولى،

و شعر  المنفلوطي كالعقود الذهبية، إلا أن حبات اللؤلؤ فيها قليلة، فهو يخلب بروائعهِ أكثر مما يخلب ببدائعهِ».

كأن الأستاذ المازني لم يجد في الورد عيبًا فراح ينتقد اعتزاز المنفلوطي بنسبه فقال يخاطبه: «وما للقراء ولأجدادك الذين لم تزدنا بهم علماً فيشفع لك ما أفدت في سماجة ما كتبت، ولقد قرأنا لجيته شاعر الألمان الضخم كتاباً في تاريح حياته يقع في أكثر من ستمئة صفحة، ولا نذكر أنه أورد اسم أبيه حتى ولا في سياقة الحديث».

عجيب هذا النقد، هل جوته منزل من السماء، فإذا لم يذكر أباه، يصبح فرضُا على كل أديب أن يسكت عن والده؟.

ثم صنو المازني أعني الدكتور طه حسين نسب المتنبي العظيم إلى الفاحشة لأن المتنبي لم يفتخر بوالده في شعره.

فهل المقدر لنسبه المعتز به على خطأ وغير المقدر على خطأ أيضًا؟.

ثم يجعل الأستاذ المازني من نفسه آلة حاسبة فيقول في نقده لكتاب المنفلوطي الشهير «العبارات»: «كل لفظة يمكن الاستغناء عنها قاتلة للكاتب، فإن العالم أغنى في باب الأدب من أن يحتمل هذا الحشو … وقد عددنا إلى الآن 572 مفعولاً مطلقاً ولا ندري إلى أي رقم يرتفع العدد إذا استقصينا».

 

نقد المازني للمنفلوطي يشبه الخروب، طن من الخشب ودرهم من الحلاوة، ولكن المزعج أن كثيرين المعاصرين لم يقرأ الواحد منهم مقالًا واحدًا للمنفلوطي، يردد نقد المازني كأنه وحي إلهي!

عاب المازني على المنفلوطي ما فعله بالروايات الغربية ونسب ذلك إلى محبة المنفلوطي للشهرة!

والحق أن المنفلوطي كان يعيش بين الجيل الذي لا يعرف كتابة الرواية وفق القالب الغربي، والرجل لم يصف نفسه يومًا بالمترجم، هو كان ينتقي الروايات التي يشهد لها عارفو اللغات الغربية ويدفع بها إلى مترجم متخصص، وبعد الترجمة يعيد هو صياغتها وفق البيان العربي الناصع، وطبعًا كان ينسب العمل إلى صاحبه، فأي محبة للشهر تتكلف كل هذا العناء؟.

لقد ساعد تعريب المنفلوطي للروايات على ذيوعها وقد قال الأستاذ محفوظ إنه في صباه قد قرأ رواية من الروايات التي عربها المنفلوطي عشرين مرة!

وقد تأسس على نقد المازني لصاحب العبرات والنظرات اتهام جديد بأنه رجل حزين يعمل على استجداء الدموع من عيون القراء.

نعم المنفلوطي كان حزينًا ولكنه لم يكن كئيبًا، الرجل دفن بيديه أربعة من أولاده الذكور، فكيف كان سيأتيه الفرح؟

ثم هناك ما عناه من قسوة السجن، ثم البطالة بعد السجن، ثم التضييق عليه، ثم الغربة عن أهله وعائلته، الذي عاش حياة كحياة المنفلوطي يصبح من حقه أن يحزن وأن يعبر عن أحزانه.

 

مفارقة الرحيل

وفق الحسابات البشرية كان يجب أن يعمر المنفلوطي طويلًا، ولكن: «وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ».

كان المنفلوطي يملأ الدنيا ويشغل الناس وكان في الرابعة والأربعين من عمره، وهى سن اكتمال الفتوة ولياقة الكتابة، وكان لصاحبه القديم سعد باشا زغلول مكانة عند الشعب لا تضاهيها مكانة، وفي يوم الخميس 12 يونيو تعرض الباشا لمحاولة اغتيال هزت الشارع هزًا، في ذلك اليوم رحل المنفلوطي!

كانت الأبصار كلها متجهة صوب بيت الزعيم، فلم يعرف أحد برحيل المنفلوطي الذي شيع إلى مثواه في جنازة فقيرة لا تليق لا باسمه ولا بمكانته، وما كان أحكم أمير الشعراء شوقي عندما رثا المنفلوطي قائلًا:

اخترت يوم الهول يوم وداع

ونعاك في عصف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم

جرح الرئيس منافذ الأسماع

من مات في فزع القيامة لم يجد

قدما تشيع أو حفاوة ساع.

 

منشور بموقع أصوات أون لاين بتاريخ 5 يوليو 2020م.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

المنفلوطي المفترى عليه (1 ـ 2 )

 


المنفلوطي المفترى عليه (1 ـ 2 )

كثيرًا ما سألت نفسي: أي جرأة كان يمتلكها نجيب محفوظ وهو يكتب بالفصحى شخصية مثل شخصية " زيطة صانع العاهات"؟

كيف لم يعرف التردد طريقه إلى قلب محفوظ الناشئ وهو يقرر قرارًا نهائيًا لا رجوع عنه أن رواياته وقصصه النابتة من قلب الحارة القاهرية لن تكتب سوى بالعربية الفصحى؟

كيف أفلت من تأثير أستاذه سلامة موسى وهو من أكابر الداعين إلى الكتابة بالعامية؟

ظلت تلك الأسئلة تشغلني إلى أن وجدت ما أعتقد أنه الجواب الشافي، إن كلمة السر في تكوين محفوظ هي " مصطفى لطفي المنفلوطي ".

كان من حسن حظ الأدب العربي أن الكاتب الأستاذ إبراهيم عبد العزيز قام بجمع معظم الحوارات التي أجريت مع محفوظ ونشرها في كتابين " نجيب محفوظ بقلم نجيب محفوظ " و " أنا نجيب محفوظ ".

في الكتاب الأول يستفيض محفوظ في ذكر المنفلوطي فيقول:" إن معرفتي بالتراث بدأت من القرآن الكريم والأحاديث إلى الشعر الجاهلي، تأتي بعد ذلك مرحلة المنفلوطي، وما أدراك ما المنفلوطي وأثره في تهذيب النفوس؟

 تعلقت بالمنفلوطي وكان هو المدرسة الإلزامية لجيلنا كله، أسلوبه جديد جميل ساحر فيما يتناوله من موضوعات كانوا يترجمونها له ويقوم هو بتعريبها بطريقته المتميزة الآتية من بين أساليب صعبة جدًا، فكان مثل " المياه الحلوة" ولهذا كان له تأثير في جيلنا كله، كنا نتعلم اللغة والنحو منه فقد قام بنقلة كبيرة جدًا قبل المجددين.

ولقد كنت أعلق له صورة في بيتنا على أساس أنه على قيد الحياة ، واتضح لي أنه فارق دنيانا فبكيت عليه بعد وفاته بعشر سنوات

كنت محاكيًا ومتأسيا بلغة أستاذي طه حسين ، أما المنفلوطي فقد ولدت في حضنه لذا قمت بتقليده تقليدًا صريحًا في أعمال لم  أنشرها ".

ما سبق على أهميته وخطورته يعد قطرة من بحر محبة محفوظ للمنفلوطي واعترافه بفضله ومكانته بين الأدباء ، تلك المحبة ستبلغ ذروتها في اعتراف لمحفوظ  نجده في سطر من سطور رواية "السكرية " وهذا السطر لفت نظر المؤرخ الأستاذ صلاح عيسى  فجعله مفتاحًا لفهم المنفلوطي وتأثيره ، في السكرية يقول أحد أبطالها :" إن أسود ثلاثة أيام عاشها كانت تلك الأيام التي شهدت رحيل سيد درويش وانفصال السودان عن مصر ورحيل مصطفى لطفي المنفلوطي".

فمن هو المنفلوطي الذي يجحد البعض ذكراه ومكانته ويرون ضرورة التخلص منه ومن إنتاجه؟

ميراث الأجداد

ولد مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن حسن لطفي في العام 1876 بمدينة منفلوط إحدى أشهر مدن محافظة أسيوط ، أبوه عربي مصري ، وأمه تركية ، ويعلو نسبه إلى الفرع الحسيني من آل البيت الكرام .

كانوا يأخذون عليه اعتزازه بنسبه ، وهذا من عجيب النقد المصري!

كانت أسرة مصطفى تكاد تحتكر معرفة  علوم الشريعة واللغة ومناصب القضاء، نشأ مصطفى عارفًا بنسبه الشريف وبمكانة أسرته ، فحفظ القرآن الكريم كله وهو دون العاشرة من عمره، ثم كان لا بد من الإقامة في القاهرة للدراسة في الأزهر .

غادر الطفل مصطفى حضن أسرته ورعايتها حبًا في الأزهر.

تحمل الطفل عناء الغربة وأظهر تفوقًا ملحوظًا في دروس اللغة والأدب، فكان تفوقه هذا نكبة عليه.

لقد شغف مصطفى بالأدب ، وظني أن شغفه هذا جعله يهمل في دراسة علوم الشريعة وهى فخر الأزهر الأول ، فضاق به زملاؤه فراحوا يضيقون عليه ، حتى ترك الدروس كلها بل والأزهر ذاته ولم يحصل على شهادته ، منقطعًا لدراسة الأدب.

العودة إلى منفلوط بخفي حنين كانت كارثة ستهز أعمدة الأسرة ، والبقاء في القاهرة لدراسة الأدب ، كان عملًا جنونيًا .

عاش مصطفى هذه الحيرة وتحمل صابرًا تبعاتها إلى أن لاحت في آخر النفق أضواء الشيخ الإمام محمد عبده.

لزم مصطفى مجلس الإمام وشرب من بين يديه الأدب واللغة.

عدوى الثورة

كان الشيخ الإمام محمد عبده من وجوه الثورة العرابية النيرة ، ثم بعد هزيمتها لم يتنكر لها وإن جنح إلى نوع من الإصلاح الهادئ البعيد عن صخب الثورات ، ولكن بقيت جذوة الثورة مشتعلة بين جوانحه ، ومن معطف الإمام سيخرج جيل جديد يفجر ثورة جديدة 1919.

من أبرز رجالات هذا الجيل كان مصطفى لطفي المنفلوطي الذي اصطدم مبكرًا بأسرة محمد علي الحاكمة .

كان المنفلوطي قد غادر الأزهر ولم يحصل على شهادته ولكنه حاز ما أستطاع إليه سبيلًا من علوم اللغة والشريعة ، فأصبح واحدًا من الكتاب الصحفيين الذين يلهبون ظهر المحتل الإنجليزي بسياط مقالاتهم.

يرصد الكاتب الأستاذ أحمد عبد الهادي تفاصيل هذه الفترة من حياة المنفلوطي في كتابه " المنفلوطي .. حياته ومؤلفاته " فيقول ما مخلصه : إن المنفلوطي بدأ حياته الأدبية شاعرًا ثائرًا يكاد يوقف شعره على القضية الوطنية التي لا هدف لها أسمى من طرد المحتل والتخلص من الخونة أعوان الاحتلال ، ففي العام 1897 نشر المنفلوطي قصيدة تحت عنوان " تحرير مصر " ووقعها باسم " عدو الاحتلال ".

كانت مصر أيامها تحت حكم الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان مقدرًا من أطياف واسعة من الشعب ، لكن المنفلوطي كان يرى الدودة التي في أصل الشجرة فقال :

ألا رايةٌ للعدلُ في مصرَ تَخفُق

لعل مساعي دولة الظلم تخفق

ألا صدمةٌ للجور توقف سيره

فيجبر ذاك الكسرُ والفتقُ يرتقُ

ذهِلنا فما ندري أولى أمورنا

بلندنَ أم في مصرَ كيفَ نُفرِّقُ؟".

وقد انتشرت هذه القصيدة بين الناس انتشار النار في الهشيم ، وعرف الجميع أن شاعرها هو مصطفى لطفي المنفلوطي ، وقد وقعها باسم مستعار لكي يفلت من الملاحقة الأمنية والقضائية .

ثم حدث أن الخديوي عباس حلمي الثاني قد قام برحلة داخل الوطن ، وكانت المدن الكبرى تحسن استقباله ووداعه ، وكانت الصحف ، وعلى رأسها صحيفة المؤيد تبالغ في تغطية أخبار الرحلة الداخلية.

في صباح الثالث من نوفمبر من العام 1897 عاد الخديوي من رحلته التي ختمها بزيارة ثغر الإسكندرية، غير مدرك أن قنبلة شعرية ستنفجر في وجهه بعد قليل.

في يوم الخميس الرابع من نوفمبر ذهب الشاعر الشاب السيد مصطفى لطفي المنفلوطي إلى الصحفي السيد أحمد فؤاد صاحب جريدة " الصاعقة " وكأن أحمد فؤاد صحفيًا من الأحرار الكارهين للمحتل ولأعوانه .

قدم المنفلوطي لفؤاد قصيدة من خمسة وعشرين بيتًا تندد بالخديوي وبرحلته وتتمنى زوال ملكه وتهجو أجداده.

رغم خطورة القصيدة التي كانت تسبح ضد التيار فإن أحمد فؤاد قد وافق على نشرها، وزيادة في السخرية من المقام الخديوي فقد صدرها بهذه الجملة " تهنئة مرفوعة إلى سمو خديوي مصر لمناسبة عودته من ثغر الإسكندرية إلى العاصمة ".

بعد تلك الجملة بدأت القصيدة التي قال فيها المنفلوطي :

قدومٌ ولكن لا أقولُ سعيدُ  

وملكٌ وإن طالَ المدى سيبيدُ

بعدتَ وثغر الناس بالبشرِ باسِمٌ

وعدتَ وحُزنٌ في الفُؤادِ شديدُ

تذكرنا روياكَ أيامَ أُنزِلَت

علينا خطوبٌ من جُدودِكَ سُودُ

كأني بقصرِ الملكِ أصبحَ بائداً

من الظلمِ والظلمُ المبينُ مُبيدُ

أعباس ترجو أن تكونَ خليفةً

كما ودَّ آباءٌ ورامَ جُدودُ

فيا ليتَ دنيانا تزولُ وليتنا

نكون ببطنِ الأرض حين تسودُ".

حظ هذه القصيدة من الانتشار لم يقل عن حظ سابقتها، بل فاقه بمراحل، لقد نسخ الشعب القصيدة، وباعها البائعون بخمسة فرنكات للنسخة الواحدة، وتلك الفرنكات كانت ثمنًا لديوان المتنبي كاملًا!

غياهب السجن

كانت السلطات تعرف أن المنفلوطي هو صاحب القصيدة، ولكنها تجاهلته وقصيدته لكى يموتا مختنقين بالصمت، وراهنت السلطات على أن الشعب الذي نسخ القصيدة سرعان ما سينساها منشغلًا بأمر جديد من أمور الحياة، ولكن تقدرون فتضحك الأقدار، لقد خاب رهان السلطات فقد عبرت القصيدة الحدود ووصلت إلى قلب لندن فقامت جريدة " التايمز " بترجمتها ونشرها فعرف بها في الغرب ما يقارب المليون قارئ !.

هنا تحركت السلطات وطلبت النيابة محاكمة منشئ القصيدة ، فتم القبض على ناشرها أحمد فؤاد الذي لم يعترف باسم المنفلوطي ، فضاق صدر الخديوي لأنه عارض من البداية الاكتفاء بمحاكمة الناشر ثم لأنه رأى التخلص من السيد توفيق البكري الذي كان رئيس لجنة الموازنة في مجلس شورى القوانين ، وكانت العلاقة بينه وبين الخديوي قد بدأت تسوء .

أنكر البكري تأليفه للقصيدة ، ولم تجد النيابة دليلًا يؤيدها ، فحفظت التحقيقات مع البكري، وبالضغط على ناشر القصيدة أحمد فؤاد ، اعترف بأنه طبع القصيدة في مطبعة الشيخ محمد الخيامي ، وبالقبض على الخيامي اعترف بأن مصطفى لطفي المنفلوطي كان مع فؤاد يراجع معه القصيدة .

في اليوم الرابع من ديسمبر من العام 1897 صدر الحكم ضد أحمد فؤاد بالحبس عشرين شهرًا وغرامة قدرها ثلاثون جنيهًا ، وضد المنفلوطي بالحبس اثني عشر شهرًا وغرامة قدرها عشرون جنيهًا.

لجأ المنفلوطي إلى استئناف الحكم فماذا حدث؟.

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع أصوات الاثنين 29 يونيو 2020