الاثنين، 6 يوليو 2026

المقاومة كلمة سر رواية "دماء على خرائط الشرق"


يغلب على ظنى أن إقدام الروائية نوارة نجم على كتابة روايتها "دماء على خرائط الشرق" جاء للتخلص من كوابيس الحاضر ومن مخاوف المستقبل،

نوارة قالت: إن الرواية تعتمل بداخلها على مدى ثلاث عشرة سنة، وأنا أقول: "لولا ضغط الحاضر والمستقبل ما كانت الكاتبة ستعود إلى الماضى، الذى قد نراه بعيدًا بينما هو حاضر بثقله فى قلب أيامنا هذه!".

"رواية نوارة صادرة عن دار الشروق بغلاف متميز للفنان عمرو الكفراوى وفى عدد من الصفحات وصل إلى ثمانمائة وإحدى وستين صفحة. "

- نوارة نجم لم تستجب لشيطان التجريب... ولم تكتب عن المطلق المستحيل

من مناقب نوارة الروائية أنها لم تستجب أدنى استجابة لشيطان التجريب فتكتب فى الفراغ عن المطلق المستحيل، هى حددت بصرامة تاريخ روايتها وأبطالها بل أزياء الأبطال ومأكلهم ومشربهم، بل وتروم ركبتى أحد أبطالها، وذلك الرذاذ الذى يتطاير من فم أحدهم، تلك الصرامة مكنتها من تحديد الهدف ومن ثم التصويب عليه بسهم نارى، فدون تحديد الهدف كان السهم سيطيش ولا نحصل سوى على صفحات لوث سواد الحبر بياضها!

فى أولى الصفحات وسوس شيطان الخوف لنوارة، وللأسف سمعت له، فوضعت إشارة إلى أن الرواية مستلهمة من التاريخ، ما عليك يا سيدتى بأن تكون الرواية من التاريخ أو الجغرافيا، هناك قارئ سيقرأ والحكم الحقيقى بيده هو فقط، وهناك ذائقة ستقرر التصنيف.

ثم وضعت قائمة بأسماء شخصيات الرواية، لقد خافت من أن يؤدى التشابك والتشعب إلى شرود القارئ وتشتت ذهنه، وفى هذه هى لم تحسن الظن بنا نحن أحفاد السير الملحمية، أجدادنا القدامى كتبوا ألف ليلة وجاء جد قريب أعنى شيخ الروائيين نجيب محفوظ، فكتب «بين القصرين» فى ألف صفحة، ولم نتشتت ونحن نقرأ تلك الملاحم.

الروائى المتقن هو بطبعه من أهل المكر والحيل.. يصنع جسورًا لطيفة تكاد لا تُرى يعبر عليها أبطاله

الروائى المتقن هو بطبعه من أهل المكر والحيل، يصنع جسورًا لطيفة تكاد لا تُرى يعبر عليها أبطاله، وتربط بين عوالمهم، فى خفاء سرعان ما ينجلى فإذا محمد كأنه المسيح!

جسر نوارة كان استدعاء التاريخ، وهى تعلم علم اليقين أن استدعاء التاريخ ليس من الأعمال المجانية الآمنة، بل هو عمل مغامر بل قل مقامر تحفه كلاليب تتخطف السائر الغافل، فأقل لفتة قد تؤدى إلى الانزلاق نحو هاوية لا قرار لها.

الرواية طرحت أسئلة كبرى موجعة ولم تتهرب من الإجابة عنها

تاريخ نوارة يطرح الأسئلة الكبرى الموجعة:


لماذا كل هذا الدم؟

لماذا تعثرنا وتخبطنا بعد أن كنا نمضى قدمًا إلى الأمام لتحقيق شروط ثقافتنا التى هى الإسلام ولا شىء غيره؟

هل يمكن كسر هذا الأغلال الجهنمية الذى تطوق أعناقنا؟

يرحم الله المفكر المسلم العربى الجزائرى مالك بن نبى، لطالما تحدث وكتب عن «القابلية للاستعمار» من تلك النقطة الملعونة بدأت نوارة، نحن حقًا قبلنا بالاستعمار، انظر إلى ضربة البداية التى نفذتها نوارة، عائلة عراقية تتبع، تسود جيرانها بثروتها وبحسن علاقاتها مع الجميع، ولكن كما قال صلاح عبدالصبور: "الدودة فى أصل الشجرة" فرب العائلة ميرزا حسن القماش، قبل بالاستعمار التركى، ألا لا يحدثنى أحد عن فتح تركى لبلاد العرب والمسلمين، لقد كان احتلالًا بغيضًا دفع أجدانا ثمنه، وظنى أننا نواصل دفع الثمن!

الأب المهيب يتصاغر أمام الحاكم أو المحتل التركى، يقدم له أنفس الهدايا لكى يتكرم جناب المحتل ويشرفه بأن يحضر حفل زفاف ابنه محمد صفى على ابنة عمه.

بجبروت مضحك يحشد الأب الهمام ذكوره الثلاثة: محمد الزكى ومحمد العلى ومحمد صفى، ليمثلوا معه بين يدى الحاكم التركى، قدموا هداياهم النفسية ثم لم يحصلوا من واجب شيئًا، ولو حتى على كأس ماء!

الذى يقول به العقل إن الحاكم ولو كان محتلًا هو مسئول عن أمن رعيته، فماذا فعل التركى ساعة أن جد الجدد وسطعت شمس الحقيقة؟

لقد ترك المتشددين يذبحون زوار مرقد الإمام الحسين، لماذا لم يدافع الحاكم عن رعيته؟

سنعرف الإجابة التى ستتكر مرات كثيرة على صفحات الرواية "لا أحد يدافع عن شىء لا يملكه" المحتل يعرف باليقين أنه محتل وليس مالكًا، هو له المغنم كله وعلينا نحن المغرم كله!

لقد بدأ شتات محمد صفى من تلك اللحظة الملعونة، لقد قتل اثنين من المهاجمين ربما ثأرًا لوالده ولأحد شقيقيه وربما رغبة فى النجاة وربما استجابة إلى معمار الرواية القائم على رصد الشتات.

فى الرواية كما فى الحياة أرض الله واسعة ولكن أرض المنافى ضيقة خانقة

فى لحظة فاجرة أساسها القبول بالاستعمار تبدل كل شىء مرة واحدة وإلى الأبد، محمد صفى لن يعود إلى بيت أبيه، فلم يعد هناك أب ولن يعود إلى حبيبته سيفر من العراق إلى أرض الله الواسعة، ولكن ما أضيق أرض المنفى.

حيثما ولى محمد صفى وجهه وجد الاستعمار، سيفر إلى الهند، تخيل معى عراقى يهرب إلى الهند، فيجد فى وجهه الشركة الشرقية، وهى كما أنقل بياناتها عن ويكيبيديا: هى شركة مساهمة إنجليزية أُسست عام 1600، تحولت من مشروع تجارى صغير إلى قوة استعمارية سيطرت على أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية، وامتلكت الشركة جيشها الخاص وفُرضت سيادتها وإدارتها بدعم من الحكومة البريطانية.

هذه بيانات باردة لا تقدم شيئًا من حرارة المأساة ولا مرارة الفاجعة، نحن فى الحقيقة أمام وحش كونى معطر يتناول طعامه بالشوكة والسكين ويتحدث هامسًا لكنه يقتل الشرق كل الشرق بدم بارد وبعزم حديدى لا يكل ولا يمل.

صفى الهارب من المتشددين سيقع فى قبضة أب الكنيسة البريطانية التى هى أصلًا واقعة بين أنياب الشركة الشرقية، محمد المسلم سينام ويصحو ليجد نفسه قد أصبح يحمل اسم "زافير سافيو" ثم سيجد نفسه زوجًا لمايا الهندية التى ستحمل اسم "ماريا" ثم ستلد له «توماس» الذى هو راج الرضى، وفرانسيسكو الذى هو «أرجون تقى» وأخير أمير!

أسماء عجيبة ولكنها ترضى الكنيسة والهنود والشيعة!

أزعم أن نوارة قد جلست إلى نفسها تسألها: «ما العمل مع كل هذا العذاب وكل هذه الدماء».

الانهيار ولطم الخدود وشق الجيوب لن يقدم ولن يؤخر، لقد أبدت نوارة رباطة جأش تحسد عليها، بداخلها إيمان بحتمية وقوع سوالف أقضية الله على عباده وعبيده ثم هى تعرف أن «الدودة فى أصل الشجرة» وللحق هما فى الرواية دودتان، دودة قبول الاستعمار ودودة التعصب المذهبى والطائفى، هاتان الدودتان هما أصل بلاء كل هذا الشرق والطعنة النجلاء التى أصابت قلبه فنزف دمه وصار إلى ما صار إليه، من بؤس وتعاسة وشقاء.

تقدم نوارة فى روايتها عوالم أربع عائلات، عائلة محمد صفى العراقى الشيعى وعائلة حسين المدنى (نسبة للمدينة المنورة) المسلم السنى، وعائلة حسين أبو ركبة المصرى الصعيدى الجذور، وعائلة حماد الحجازى الذى يمتلك قرية صعيدية بمن عليها!

لقد وقع الفأس فى الرأس وعرفت نوارة بعد مائة صفحة من بداية روايتها أنها قد ورطت نفسها (فى زمن الريلز) فى كتابة رواية أجيال تستغرق أحداثها زمنًا يقترب من القرن وتجرى على مساحة تبلغ ملايين الكيلو مترات وتستهلك حياة عشرات الأبطال، هنا الأمر بحاجة إلى حشد كل القوى، خاصة الخفية منها، لتسمع الكاتبة أصوات أبطالها وتتعرف على وقع خطواتهم وتسجل حاضرهم كما عاشوه لا كما تمنت هى لهم، وتلك لعمرى مهمة شاقة تحتاج إلى رهافة أنامل عازف بيانو وحكمة أصابع جراح وقوة سواعد جزار، كان لا بد من وصل وقطع وجراحة وبتر، ولكن يجب أن يتم كل ذلك ونحن لا نرى عرق الكاتبة ولا نسمع لهاث أنفاسها، ثم هى لا تنسى أمر الدودتين، القبول بالاستعمار والتعصب المذهبى والطائفى، لقد تسلطت الدودتان على حياة محمد صفى، والآن جاء دور حسين المدنى لينال نصيبه من البؤس والتعاسة والشقاء.

حسين المدنى ليس ابن قلب الجزيرة العربية فحسب، هو موصول بالسادة الأكابر، آل البيت الشريف، يتعامل مع الحسن والحسين والإمام علىّ بوصفهم أجداده ومع زينب رئيسة الديوان بوصفها عمته الكبرى والعظمى، أما المسجد النبوى فهو إرثه القلبى والروحى الذى لا يتنازل عن مثقال ذرة منه، ما العمل وقد علا نجم التشدد؟

التشدد يحاصر الآن مدينة الرسول، لماذا؟

لأن نسخة الإسلام التى عليها أهل المدينة لا تعجبه، أحفاد الأنصار والمهاجرين هم فى نظره أهل بدعه، والبدعة ضلالة، وأى ضلالة ليس لها إلا السيف!

حسين فنان، يصنع الأثاث كما يحب هو، وله صوت جميل، ثم هذا رجل جده صاح فى الجموع يومًا «هيهات منا الذلة» ولذا بادر بحراسة المدينة ليصد عنها سيوف وبنادق المتشددين، عملت دودة قبول الاستعمار عملها وسلم الترك المدينة لسيوف التشدد، لماذا سيدافع التركى عن مدينة هو لا يملكها؟

الطائفية لا علاج لها إلا الصدام معها ثم الدنيا لمن غلب، وقد غلب التشدد، وتورط هو فى قتل بعضهم، وعرفوا هم وجهه فخصصوا رجلين منهم ليثأرا منه.

ابن الجزيرة العربية حيث لا شىء سوى ذكريات الأوس والخزرج وقريش والكثير من الرمل وبعض النخيل وجد نفسه هاربًا إلى مصر، حيث وفرة كل شىء من نيل وشجر ونساء وزحام وحرفيين وطواغيت، نزل حسين أرض مصر فى زمن ثورة المصريين على الحاكم التركى خورشيد باشا، ما الذى جعله ينخرط فى أعمال الثورة؟

إنها جينات الجد «هيهات منا الذلة» ثار مع الثائرين ورأى جثث الثوار تملأ طرقات مصر المحروسة ورأى رقاب شيوخ الأزهر وطلابه، وهى تطير، وربطت الثورة بينه وبين عربجى يدعى حسين الشعرانى برابطة الدم والحلم المستحيل.

المصريون الذين قدموا الدم ليتخلصوا من خورشيد باشا، هم أنفسهم الذين نصبوا أعجميًا يدعى محمد على حاكمًا للبلاد ليواصل مسلسل ذبحهم، هل جن المصريون؟ أى خبل ضرب إدراكهم، لماذا لم يحكموا هم بلادهم؟

مرة ثانية ولن تكون الأخيرة، إنها دودة القبول بالاستعمار.

أرض الله واسعة ولكن أرض المنافى ضيقة خانقة، رجلا التشدد يواصلان مطاردة حسين، يظهران فى قلب زحام مصر المحروسة، ينبتان من تحت أحجار الأزقة ويهبطان مطرًا مسمومًا من سماء التعصب والطائفية، هما يجاهدان فى سبيل الله بقتل حسين، وما ذنب حسين إلا أنه كان يحتفل بذكرى ميلاد جده، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أهلكت دودة التعصب والطائفية كل هذا الشرق الذى كان عظيمًا لا يعد إلا بالخير.

حسين الشعرانى (نسبة لحى باب الشعرية القاهرى) هو أصلًا من قرية البرشا من قرى مركز ملوى بمحافظة المنيا بصعيد مصر، يرسم خطة النجاة لحسين المدنى من مطارديه، ابن الجزيرة العربية هو الآن فى قارب نيلى يتجه إلى المنيا، نبت رجلا التشدد من بين ألواح القارب البائس، ابن الجزيرة لا يعرف ما النيل ولا ما السباحة ولكنه يقفز فى النيل ويتخبط حتى ينقذه قسيس ظنه يريد الانتحار لا النجاة من القتل.

بعد عذاب يصل إلى بيت محمد أبوركبة والد صديقه حسين الشعرانى، يتعجب أبوركبة من جنون ولده فهو لا يستطيع حماية نفسه حتى يوفر الحماية لابن الجزيرة العربية!

فى البرشا كما فى كل مصر، كل شىء بيد الترك والمماليك، أما أهل البلاد فهو فى أحسن الأحوال أجراء وفى معظمها خدم لا حول لهم ولا قوة!

يصحو حسين فيجد مطارديه أمامه، لقد وصلوا إلى قلب الصعيد، يضطر المسكين إلى الإفصاح عن نسبه الشريف، يتأكد شيخ التكية من صحة النسب، فيصبح حسين هو السيد ابن السادة، فى صفحات عذبة تسرد نوارة قصة حب حسين لفاطمة شقيقة حسن الشعرانى، إنها صبية مصرية ذات حضور أنثوى مزلزل، كل ما فى فاطمة جميل مليح، من العينين إلى صوتها المغنى الثرى، إنها تغنى مع حسين على شاطئ النيل فيولد حسين من جديد، يتزوجها ويحضر شقيقها الثائر الزفاف ويبشر المصريين بأنه قد أصبح من مساعدى السيد عمر مكرم الثورى القوى وبأن الخير قادم على يدى محمد على باشا!

يعود حسين بامرأته شقيقة صاحبه إلى مصر المحروسة، ويلمع نجمه بوصفه فنان صناعة الأثاث والتحف لا مجرد نجار فقير، تتصل أسبابه عبر مملوك بمحمد على فيصطفيه، ويهب له قصرًا وتدخل زوجته على حريم الباشا مغنية ومتحدثة تأخذ بالقلوب، لكن دودة القبول بالاستعمار تعمل عملها، يرتكب الباشا مجازره، التى صنعت أنهارًا من الدماء، وفى إحداها ينقلب على الذين نصبوه فيقتل حسين الشعرانى!

لم يحزن المدنى على أحد حزنه على الشعرانى، لقد غامر بأن دفنه ثم ادعى أن جثمانه قد طار ودخل القبر من تلقاء نفسه، وشاعت الكلمة فأصبح الشعرانى من أولياء الله الصالحين الذين يحج إليهم طالبو الحاجات، عقد حسين العزم على أن يثأر لدم صاحبه من الباشا شخصيًا، جمع فريق اغتيالات ونهب لمخازن الباشا، ولكى يتم عمله عقد صفقة مع المملوك: عليك السلاح وعلىّ تخليصك من الباشا.

هل يثق أحد بصفقة مع مملوك؟

لكى يأمن حسين طلب الزواج من قمرية شقيقة المملوك، للحق هى رهينة وليست زوجة، تزوجها فرفضت أن يلمسها، إنها ربيبة قصور تشمخ ببياض بشرتها، حسين الذى كانت تغازله الفتيات والذى غنت له فاطمة صرخ فى وجهها بسره الدفين: بل أنا سيدك، أنا حفيد الرسول!

تقرأ تعقد حياة قمرية التى ستعود لتعيش مع فلاحى البرشا بل تتزوج من الشيخ حماد الحجازى، لأن زوجها حسين حفيد صاحب الصرخة قد فر إلى عكا، بعد أن تقرأ ستسأل نفسك: مع كل خرائط الدماء هذه كيف لم نندثر؟

ليس فى السؤال مبالغة هذه ثمنمائة وإحدى وستون صفحة من الدم ومن الطغيان ومن البوس المصفى، فكيف لم ينقرض هذا الشرق؟

فى يوم ما سيطلق الشرق طلقته الأخيرة ويحقق نصره الحاسم

مفتاح الإجابة أو كلمة السر سربتها نوارة برشاقة ومهارة عبر الجسور التى أقامتها لردم الفجوات التاريخية، جسور نوارة اللطيفة التى تخاصم الزعيق والضجيج والصراخ والمباشرة الفجة تمثلت أولًا فى جسرين، النساء والمقاومة، نساء الرواية كأنهن زينب بنت على، شقيقة الحسين والحسين التى وقعت على قلبها كل الفواجع وعاشت كل النكبات ثم نهضت من تحت الأنقاض والرماد لتحفظ الذكرى وتجدد العهد وترعى الحياة، ثم المقاومة، شرقنا كله ولا تفرق بين عرب وفرس وهنود، هو أستاذ من أساتذة المقاومة الإنسانية، نحن نقاوم الدودتين الكونيتين، القبول بالاستعمار والتعصب المذهبى والطائفى، نقاوم وننتصر لكننا لا نبنى على انتصارنا، فنتقهقر لتعود الدودتان لقهرنا، فى يوم عساه يكون قريبًا، سنطلق الطلقة الأخيرة الحاسمة، سنقاوم وننتصر ونبنى فننجو من الاندثار والانقراض.

شكرًا لنوارة نجم.. وننتظر جديدها الذى وعدت به.

منشور بجريدة الشروق يوم الجمعة 3 يوليه 2026.

الأحد، 21 يونيو 2026

التاريخ شيء والسينما شيء آخر


 

لم يخترع الإسلام العرب، لأن الإسلام دينًا وليس عرقًا أو جنسية، كان العرب قبل الإسلام أمة من الأمم، يتمركزون في حدود شبه الجزيرة العربية، ولكنهم عاشوا بوصفهم قبائل، متحاربة في معظم الأحيان، وكانت كل قبيلة كأنها دولة فهي تفرض سيطرتها الكاملة على الأرض التي تعيش فوقها، وتصادر ثرواتها لصالح القبيلة فقط وليس هناك معنى للتحالف أو حتى حقوق الجوار إلا من باب الشهامة والنخوة والكرم.

وكان تاريخ تلك الدول التي هي في حقيقتها قبائل تاريخ شفهي يعتمد على الذاكرة، أما التدوين والتسجيل والتوثيق والنقد، فأمور كانت فوق إمكانيات العقلية العربية وقتئذ، طبعًا الذاكرة لا يسلم أحد من خيانتها، والاعتماد عليها ومن ثم على حفظ الوقائع أمر لا تحمد عقباه، ثم هناك تضارب المصالح بل تناقضها، فكل قبيلة لن تسجل سوى مفاخرها وانتصاراتها ولن تعترف بفضيلة لقبيلة منافسة!

ثم جاء الإسلام، فآلف بين قلوب العرب فأصبح المتحاربون بنعمة الله إخوانا، وانطلق العرب شرقًا وغربًا في حركة فتوحات كاسحة لم يعرف لها التاريخ البشري مثيلًا من قبل، ففي قرابة مئة عام فقط، توارت القبيلة بل تكاد تكون انتهت وحلت الدولة المركزية محلها، وأصبحت الجزيرة العربية القاعدة المركزية لإمبراطورية عربية إسلامية لا تغيب عنها الشمس، هنا بدأ التفكير في تدوين التاريخ لا روايته شفهيًا، فقد أصبح المسلمون أممًا عظيمة مختلفة الألسن، صهرت نفسها في بوتقة الإسلام بمعناه العام.

عباقرة القرن الأول والثاني الهجري قرروا البدء في تدوين تاريخ الأمة، التي كانت قبل قليل قبائل متفرقة متناحرة.

السطر الأول من المحاولة يشهد لهؤلاء بالعبقرية، لقد قرروا البدء من تسجيل أدق تفاصيل حياة الرجل الذي بفضله أصبحوا إمبراطورية وليسوا سكان خيام، أعني تدوين حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لقد سجلوا كل ما يتعلق بحياته، ولأن الأمر خطير بل خطير جدًا فقد تفتقت أذهانهم اللامعة عن طريقة في الكتابة غير مسبوقة، لقد سبقوا العالمين في التدوين عبر الإسناد، وما فعلوه في تدوين الأحاديث النبوية الشريفة والأحاديث القدسية أصبح منهجهم في كتابة التاريخ.

وهذا الحرص على تتبع الرواة وتتبع أحوالهم من حيث العدالة ومتانة الحفظ والثقة، لم يكن أمرًا شائعًا لدي أي أمة من الأمم المتحضرة التي عرفت التدوين قبل أمة العرب بقرون.

لن تجد حادثة قل شأنها أم عظم تروى هكذا بدون رواة وبدون إسناد ثم ينظرون في المتن وهل يصح أم لا.

هذه المدرسة في كتابة التاريخ هي مدرسة إسلامية الأبوين والجدين وليست مستوردة بحال من الأحوال، وكنت من الذين يظنون أن رسوخ وعراقة تلك المدرسة أصبح من الأمور المفروغ منها ولكن تأتي الأيام بالعجائب، فقد ترك أحفاد العباقرة منهج مدرستهم الأم الراسخة وذهبوا إلى سبيل الهوى والمصلحة الشخصية الضيقة، والآن هم يتحاربون على صفحات وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي حول ما يعرف باسم الحروب الصليبية!

بداية نحن ضحايا تلك المجاز الأوربية لم نطلق عليها يومًا هذه التسمية، فهى عند مؤرخينا الذين عاصروها معروفة باسم "حروب الفرنجة أو الافرنج"، وليس هناك أدنى إشارة إلى الصليب وغيرهم من علامات المسيحية، ثم تلك المجاز وهي مجاز إبادة واحتلال استيطاني لم تكن تهدد المسلمين فحسب، إذ كان الأوربي يقتل الجميع مسلمين ومسيحيين ويهودًا، القتل لم يكن على الهوية الدينية بل كان على هوية الإقامة، فكل بلاد الشام مستباحة ولا فرق بين مسلم شامي ومسيحي ويهودي، المهم أنه من المقيمين بالشام.

أحفاد العباقرة يعتمدون في روايتهم لحروب الفرنجة على مشاهد سينمائية، وأنا لا أعرف ما هي علاقة السينما بالتاريخ، السينما سينما والتاريخ تاريخ ولكل ضوابط ومنهج.

والحمد لله وجدت الكاتب الدكتور أشرف قطب يعود إلى مدرسة أجداده في كلمة طيبة جدًا شارك بها في النقاش الدائر.

قال الدكتور قطب: "لقد كانت الحملات الصليبية بالنسبة لأهل الشام ومصر قرنين كاملين من الحصار والمجازر والدمار والمقاومة المستمرة.

بدأ كل شيء سنة 1095م عندما أطلق البابا أوربان الثاني دعوته الشهيرة في مجمع كليرمون، ووعد المشاركين بغفران الذنوب، وفتح أبواب الجنة أمام من يحمل السلاح ويتجه شرقًا.

لكن أول من تحرك لم يكونوا الفرسان أصلًا، كانت البداية مع ما عرف بـ"حملة العامة" أو "حملة الناسك"، بقيادة الراهب بطرس الناسك.

آلاف من الفلاحين والمشردين والمغامرين اندفعوا نحو الشرق دون تنظيم أو تدريب، وفي طريقهم ارتكبوا مذابح بحق اليهود في المدن الأوروبية، ونهبوا القرى التي مروا بها، وعندما وصلوا إلى الأناضول اصطدموا بقوات السلاجقة فتمت إبادتهم تقريبًا.

ثم جاءت الحملة الصليبية الأولى، وهنا بدأ الكابوس الحقيقي، اجتاحت الجيوش الصليبية بلاد الشام مدينة بعد مدينة. سقطت الرها ثم أنطاكية، ثم وصلوا إلى القدس سنة 1099م.

وما حدث هناك كان من أبشع المجازر في تاريخ العصور الوسطى.

دخل الصليبيون المدينة وقتلوا المسلمين واليهود بلا تمييز. تذكر المصادر المعاصرة أن الشوارع امتلأت بالجثث، وأن الدماء غمرت أجزاء من المدينة، قُتل رجال ونساء وأطفال وشيوخ، ولم يشفع لأحد وجوده في منزل أو مسجد أو حتى كنيس، هكذا تأسست مملكة القدس الصليبية فوق بحر من الدماء".

أعرف أن معارك الأمريكان الدائرة الآن فوق أرض أمتنا هي التي فجرت النقاش حول حروب الفرنجة، وغضبنا من المعارك الحالية ورفضنا لها لا يعني ترك منهج أمتنا في كتابة التاريخ، فليس صحيحًا بحال من الأحوال أن المسلمين استلموا لهذه المجاز وليس صحيحًا أنهم أثناء تحريرهم لبيت المقدس قد أبادوا اليهود.

"اعدلوا هو أقرب للتقوى".

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 21 يونيه 2026م.

الشحات يكشف ينابيع عبقرية الطويل

 

كتاب "كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب" قدم خلاصة فن الطويل طفل مصري ذاق اليتم مبكرًا ثم امتلأ بموسيقى مصرية ففاضت عبقريته

يأتي كتاب الكاتب الأستاذ سعيد الشحات "كمال الطويل.. طيب يا صبر طيب"، خطوة مفصلية في رحلة بدأها الأستاذ الشحات بكتابه عن السيدة أم كلثوم، ثم كتابه عن الفنان محمد رشدي، ثم كتابه عن الموسيقار عمار الشريعي، أقول خطوة مفصلية لمعرفتي الشخصية بالكاتب، فبعد نجاح كتبه التي ذكرت توقف ليسأل نفسه: هل أكمل هذا الطريق أم أعود إلى كتب التاريخ والسياسة والأدب ولدي عشرات الأفكار التي يمكن تنفيذها بيسر وسهولة

أظن أنا أن نجاح كتاب الطويل سيغري الشحات بالمواصلة ولديه الكثير من كنوز أكابر الفنانين.

كتاب الشحات الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع، وبغلاف مميز للفنان الأستاذ يوسف الشريف يواصل فيه الكاتب منهجه في كتابة تراجم الفنانين، فهو يعتمد أولًا على تسجيلات للقاءات جمعته بهم، ثم على شهادات سبق لهم الإدلاء بها، ثم يعمل ذائقته هو في تقليب أمورهم على كافة الوجوه، فهو لا يقبل منهم شيئًا بوصفه الحقيقة الوحيدة، فكلنا يعرف أن للقمر وجهان أحدهما مظلم!

في كتاب الطويل تجلت مكافأة السماء لسعيد الشحات على هيئة علاقة لطيفة ربطته بالفنان زياد الطويل نجل الموسيقار كمال الطويل، من حسن حظ سعيد الشحات أن زيادًا مولع بأبيه وحريص على تراثه وعارف بفضله وبمكانته، ولذا فقد فتح له عن طيب خاطر مكتبته وقدم له ما طلب من وثائق ومعلومات ما كان الشحات سيصل إليها لولا سخاء قلب زياد.

وللحق يجب أن تكون لنا وقفة مع أولاد وورثة الفنانين وأصحاب الشأن العام، فكثرة منهم لا تريد الاقتراب من ذكر أسماء آبائهم، وكأن هؤلاء الآباء وقف خاص عليهم وليسوا أصحاب شأن عام ولهم في حياة الأمة دور وأي دور، وبعض الأبناء والورثة لا يعرفون عن الأب إلا اسمه ولا علاقة لهم بتاريخه ولا تراثه، ولي شخصيًا مع هذا النوع مواقف بلغت الغاية من السخافة.

نعود للفنان الأستاذ زياد الطويل لنوجه له تحية تقدير وعرفان فلولاه ما تمكن الشحات من نشر قائمة تكاد تكون كاملة لأعمال الأستاذ الموسيقار كمال الطويل الموسيقية، كما قام بنشر مجموعات من الصور الفوتغرافية التي ضمت الموسيقار الراحل مع نخبة من فناني الأمة العربية.

ضربة البداية التي نفذها الشحات تعصر قلب القارئ وتضع يده على حقيقة بهجة موسيقى الطويل المسكونة بشجن لم نكن قبل كتاب الشحات نعرف من أي نبع جاء.

يورد الشحات بدايات أمر الطويل فينقل عنه هذه الفقرة: "كان جدي من التجار المعروفين في طنطا، وكانت والدتي من الصعيد من مواليد بلدة اسمها "النواميس"، وهي من قري مركز البداري بمحافظة أسيوط، تعلم والدي وأشقاؤه عبد الفتاح ومحمد والدكتور عبد السلام في طنطا حتي أنهوا مرحلة التعليم الابتدائي، وبعدها سافروا إلي القاهرة حيث التحقوا بمدرسة السعيدية الثانوية، وبعد ثلاثة أعوام من مولدي سافر أبي في بعثة دراسية (الهندسة) إلي ليفربول بإنجلترا لمدة خمسة أعوام، وكانت والدتي في ذلك الوقت حاملا في أختي –الله يرحمها- فسافرنا إلي طنطا للإقامة في منزل جدي.

أنهي والدي دراسته بالبعثة وعاد إلي مصر، ولم يكن وحده فقد عادت معه زوجته التي ارتبط بها خلال فترة دراسته في ليفربول، وهي فتاة مصرية كانت شقيقة لأحد زملائه في البعثة وهو المهندس محمد شرف نعمان، والده أصلا من تونس وسافرت مع شقيقها لرعاية شئونه خلال سنوات الغربة، حيث التقت بوالدي الذي تعلق بها، وتعلقت به فكان الزواج، وعندما علمت أمي بنبأ زواجه من غيرها لم تحتمل الصدمة، وتوفيت في وقت لم نكن نعلم فيه أنا وشقيقتي شيئا عما يجري من حولنا، فقد تم طلاق والدتي بعد أن طلبت منه أسرة زوجته الجديدة ذلك، وانتقلت مع شقيقتي إلي القاهرة، فالتحقت أنا بمدرسة الأورمان الداخلية، بينما ذهبت شقيقتي للإقامة في بيت عائلة عمي الدكتور عبد السلام الطويل بعد التحاقها بمدرسة إنجليزية قرب كوبري الملك الصالح، وكانت السيدة جيهان السادات طالبة في نفس المدرسة."

ما كل هذا الشتات، صعيد وطنطا وقاهرة وليفربول، ثم أب غائب وأم راحلة، اليتم حتى في الشيخوخة مؤلم فكيف هو ألم يتم الطفولة، ثم كيف هو ألم يتم طفل فنان، نعم يولد الفنان فنانًا ويولد العالم عالمًا، وما للسنوات من عمل سوى تعميق المجرى وتمهيد الطريق لما هو قادم من نبوغ وذيوع.

في سنوات الطفولة تلك ومع الفقدان المبكر للأم تأتي الموسيقى، عوضًا عن حضن غاب وعن بهجة قبلات لن يحصل عليها أبدًا.

هنا يضع الشحات أيدينا على النبع الثاني والحاسم في رحلة تكوين الموسيقار كمال الطويل، ينقل الشحات عن الطويل: "نشأ داخلي حب المزيكا بصورة تلقائية وبشكل مدهش، وكان ذلك من خلال  التجار الكبار في طنطا والبلاد المجاورة، ففي الأعياد والمناسبات الدينية، وما أكثرها لدي المصريين، كان هؤلاء التجار الكبار يقيمون سرادقات تتلي فيها آيات الذكر الحكيم وتقدم الأناشيد والتواشيح الدينية، أذكر فرحي وإعجابي بصوت المرحوم المقرئ الشهير الشيخ مصطفي إسماعيل، وبعدما كبرت قليلا أحببت صوته أكثر حين نزل ضيفا وقارئا علي سرادق أقامه جدي، في تلك الليلة وأنا استمع إليه انتابني حالة من السعادة الكبيرة، وبالإضافة إلي قراءة الشيخ مصطفي كانت هناك فرق الإنشاد الديني، وتشبعت مسامعي بكل هذا الجمال، ونقلته إلي إحساسي، إحساس الصبا".

يبلغ مولد السيد البدوي غايته من الزحام يوم الخميس استعدادا لإحياء الليلة الختامية التي هي ليلة الجمعة، ويمكن أن تسمي هذه الليلة ليلة الطرب والحظ، إذ يفد مشاهير المغنيين والمنشدين لإحياء تلك الليلة، كما يتوافد علي المولد رواد السماع والحظوظ من كل فج، وتبدو السرادقات في أبهي ما تكون زخرفا وزينة.

هذه المناسبات الدينية الجميلة غرست في نفسي كل المشاعر الجميلة العذبة من خلال عالم الأصوات المترنمة في السرادقات التي يقيمها جدي والآخرون من أهل المدينة، وعبر "أصوات السماء" هذه بدأ إحساسي- على الرغم من صغر سني- بالموسيقي والأداء الجميل الساحر، لقد اكتشفت شيئا مثيرا هو جمال ورقة الصوت البشري، وأدركت مبكرا أن الصوت الإنساني يمكن أن يكون أجمل ما في الحياة".

لقد قدم لنا الشحات بمهارة خلاصة فن الطويل، طفل مصري ذاق اليتم مبكرًا، ثم امتلأ بموسيقى مصرية ففاضت عبقريته.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأربعاء الموافق 17 يونيه 2026م.

السبت، 13 يونيو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (4)


 

قلت في ختام الجزء الثالث من كلمتي هذه عن فتنة كتاب " في الشعر الجاهلي " للأستاذ العميد طه حسين، إن الدكتور إبراهيم عوض قد كشف في دراسته النفيسة " سرقة أم ملكية صحيحة " عن مفاجآت خطيرة تكفي واحدة منها لإعادة النظر في ملكية العميد لأصل كتابه وهو الشك في صحة نسب الشعر الجاهلي!

لقد تتبع الدكتور عوض كتابات طه حسين فى الفترة الممتدة ما بين دخوله الجامعة المصرية سنة 1908 واتصاله بالمستشرقين اتصالاً مباشرًا فى قاعات الدرس وخارجها إلى تاريخ تأليفه لكتابه: "فى الشعر الجاهلي".

فوجد أن العميد قد تناول كتاب جرجي زيدان "تاريخ آداب اللغة العربية" فى عدة مقالات بمجلة "الهداية" (أعداد يونيه ويوليه، وأغسطس وسبتمبر، وأكتوبر ونوفمبر 1911م) وتعرَّض لبعض ما قاله زيدان حول الشعر الجاهلي، لكن لم تبدر مِنْ فيه كلمةٌ واحدةٌ يحيط بها طائف من الشك فى ذلك الشعر، بل إن كلامه ليدل على أنه كان يأخذ صحته قضية مسلَّمة: ففي المقال الأول مثلا لا يخرج ما قاله فى ذلك الصدد عن الاعتراض على زيدان لتقسيمه شعراء الجاهلية إلى أمراءَ وفرسانٍ وصعاليكَ وأصحاب معلقات بدلا من تقسيمهم على أساس من أشعارهم وما تتأثر به هذه الأشعار من طبيعة الإقليم والدين والأخلاق والعادات ونحو ذلك، أو الاعتراض عليه بأن زوجة امرئ القيس لم يكن اسمها "جندب" بل "أم جندب". وفى المقال الثاني نراه يتحدث عن امرئ القيس وزهير وابن أم كلثوم وعنترة وغيرهم من أصحاب المعلقات حديث المطمئن تمام الاطمئنان إلى حقيقتهم التاريخية وتمثيل أشعارهم للبيئة التي ظهروا فيها خير تمثيل.

يواصل الدكتور إبراهيم عوض تنقيبه عن جذور الشك لدي العميد فيقول: فى محاضرةٍ ألقاها فى 19 شهر أكتوبر من العام نفسه بعنوان "هل تستردّ اللغةُ مجدَها القديم؟" ونُشِرت فى المجلة ذاتها فى عدد أكتوبر- نوفمبر من ذلك العام نراه يتعرض لشعر الجاهليين بما يدل دلالة جازمة على أنه كان خالي البال تماما من الشك فيه: فهو مثلا يتحدث عن اللغة العربية فى الجاهلية مؤكدا أنها لغة فخمة الألفاظ ضخمة المعاني متينة الأساليب رصينة التراكيب كاملة القوى استطاعت أن تعبِّر آدابُها الوجدانية عن كل ما كان العرب يريدون التعبير عنه فى أي مجال من مجالات القول، وأن أشعارها تتفوق على الشعر المصري فى عصره، ضاربا مثلا على هذا التفوق من شعر امرئ القيس نفسه، الذى سينفى وجوده فيما بعد فى كتابه "فى الشعر الجاهلي"، ومستشهدا على ما يريد تقريره من أفكار وآراء بأشعار الملك الضِّلِّيل وغيره من شعراء الجاهلية كالأعشى وكبشة أخت عمرو بن معد يكرب، بل إنه قد عرَّج فى تلك الخطبة على ابن سلام وكتابه "طبقات الشعراء"، وهو أول كتاب يؤصِّل نظرية الشك فى الشعر الجاهلي، ومع هذا لم يتطرق بكلمة واحدة، ولو همسًا، إلى الكلام عن النَّحْل فى ذلك الشعر! ليس ذلك فحسب، إذ نسمعه يقول فى الشعر الجاهلي هذه الكلمة الخطيرة الدلالة: "فى ذلكم العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالْتَهَم كلَّ شيء واحتكم فى كل إنسان، ولم تكن كلمةٌ إلا له، ولا رأىٌ إلا عنه، ولا اعتمادٌ إلا عليه. وكان يكفي للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه، أو يذم الرفيع فيضعه، أو يغرى بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القُوَى، أو يدعو إلى السِّلْم فتصبح الضغائن والأحقاد نَسْيًا منسيًّا".

ثم يضع الدكتور إبراهيم عوض يده على جملة من مقالات الدكتور طه حسين نشرها في كبريات صحف زمانه ولم يشر في مقال واحد لأي شك في صحة نسب الشعر الجاهلي.

يحصي الدكتور عوض المقالات فيقول: فى مقال منشور بجريدة "السياسة" بتاريخ أول أكتوبر 1924م عن الغزل فى صدر الإسلام: "غزل الجاهليين كان ماديا خالصا فى حين كان فى غزل الإسلاميين شيء غير المادة. ما الذي كان يُعْنَى به امرؤ القيس أو النابغة أو الأعشى إذا تغزّلوا وذَكَروا النساء؟ كان الغزل عندهم ضّرْبًا من الوصف...، وقلما تجد عندهم عناية بالعاطفة أو حرصا على تمثيلها، فإن وَجَدْتَ عندهم هذه العناية لم تلبث أن تزدري هذه العاطفة ازدراءً لأنها كانت عاطفة مادية غليظة... كانت عواطفهم تصدر عن الشهوات وإيثار اللذة قبل كل شيء".

وفى "السياسة" أيضا بتاريخ 17 أكتوبر 1924م، وتحت عنوان “عَوْدٌ إلى الغزلين- وضّاح اليمن"، نسمعه يقول: "أريد أن أحدثك عن هذا الشاعر الذى يلقبونه بــ" وضّاح اليمن"، والذى فُتِن به بعض أساتذة الأدب المُحْدَثين حتى خُيِّل إليهم أنه اخترع الشعر التمثيلي وأضافه إلى تراثنا القديم... ونَسُوا أن الحوار ليس هو التمثيل، وإنما هو أصل من أصول التمثيل، ونَسُوا أيضا أن هذا الحوار الذى يجدونه فى شعر وضّاح قد سبق إليه الشعراءُ جميعا فى جاهليتهم وإسلامهم، فحاور امرؤ القيس عشيقاته وحاور ابن أبى ربيعة أخدانه".

وفى نفس الجريدة بتاريخ 10 ديسمبر 1924م نجده يؤكد أن شعراء الجاهلية لم يكونوا يُعْنَوْن بالغزل إلا بوصفه "وسيلة شعرية إلى ما كانوا يذهبون فيه من مذاهبهم الشعرية المختلفة. ولا نكاد نعرف بين الجاهليين شاعرا قَصَر حياتَه الشعرية على الغزل. بل قليلٌ جدًّا عددُ القصائد الجاهلية التي لم يتناول فيها أصحابُها إلا الغزلَ وحده".

الحمد لله أن شبكة الانترنيت تحتفظ بنسخة من دراسة الدكتور إبراهيم عوض فعلى الراغب في الزيادة العودة إليها، وبعدُ فسحقًا للتعصب الذي يجعل بعضهم يبتلع زلط العميد ولكنه يغص بأدنى كلمة نقد توجه لكتابات العميد، لقد كان العميد قبل أسابيع قليلة من نشر مرجليوث لبحثه عن الشعر الجاهلي، لا يشك في صحة نسب الشعر الجاهلي أدني شك، ثم كان من أمره ما كان فليرحمه الله وليغفر له سقطته.

 

منشور بجريدة صوت الأمة السبت الموافق 06 يونيه 2026م.

الخميس، 4 يونيو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (3)


 

تطرح فتنة كتاب "في الشعر الجاهلي" للأستاذ العميد طه حسين سؤالين مهمين.

الأول: لماذا شك العميد في تراث أمته؟

والأخير: هل كان شكه أصيلًا ينبع من معاناة البحث والتقصي؟

في إجابة السؤال الأول: من حق العميد وغيره أن يشك، فالشك نشاط إنساني ليس مقصورًا على فئة دون أخرى، وكلنا يشك في هذه القضية أو غيرها، والعميد لم يرتكب بشكه جنحة أو جناية أو أدنى مخالفة.

أما عن جواب السؤال الثاني، فاللحق فقد شقيت وتعبت لكي أصل إلى جواب يطمئن له قلبي.

قرأت في قضية الشعر الجاهلي ما شاء الله لي أن أقرأ ولكن لم أجد برد الاطمئنان وسلامته، حتى فتح الله لي باب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض أستاذ الأدب العربي بجامعة عين شمس وهو صاحب مؤلفات أظنها تزيد على المئة، وقد اشتبكت معظم مؤلفاته مع الشائك والحساس من قضايا الأدب والدين والتاريخ الإسلامي.

كتب الأستاذ الدكتور إبراهيم عوض دراسة نادرة نشرها تحت عنوان "سرقة أم ملكية صحيحة؟"، والدراسة بطبيعة الحال عن كتاب العميد "في الشعر الجاهلي".

بقدر الله وجدتها في أحد مواقع الانترنيت، وكان هذا قبل سنوات بعيدة، فقمت بالاحتفاظ بها لنفاستها ولأنها هي التي وضعت كل النقاط على كل الحروف، ومعها وجدت برد الاطمئنان ولطفه.

كان الدكتور عوض قد نشر كتابه "معركة الشعر الجاهلي بين الرافعي وطه حسين"، وفيه انتصر للرافعي، الذي كان قد نسف مزاعم طه حسين عن الشعر الجاهلي في كتابه "تحت راية القرآن".

مرت السنون ووقف طالب من طلاب الدكتور عوض ليقول له: "يبدو لى أنك قد ظلمتَ الدكتور طه فى اتهامك إياه بأنه أخذ نظريته التي تشكك فى الشعر الجاهلي وشعرائه من المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مرجليوث".

يقول الدكتور عوض: " كعادتي فى مثل تلك الظروف توقفت قليلا وأنا أبتسم للطالب قبل أن أرد عليه بما يشبه الإلهام: غريبة! كيف فاتني أن أرجع لما كتبه الدكتور طه فى كتابه "قادة الفكر" عن الشاعر الإغريقي هوميروس صاحب الإلياذة قبل أن أضع كتابي هذا؟".

ثم أردفت قائلا: "أرجو منك أن تنزل الآن فتستعير ذلك الكتاب من مكتبة الكلية وتحضره لى حتى نستكمل النقاش فى مكتبي، إذ يغلب على ظني أن طه حسين قد تطرق إلى الحديث عن الشعر الجاهلي فى أول فصول ذلك الكتاب الذي كنت قرأته من زمن غير قريب، وأريد أن أرى ماذا قال فى ذلك الموضوع".

في هذه الفقرة أمر مهم جدًا، فالدكتور عوض الباحث المدقق، قد فاته أن يرجع إلى كتاب للعميد وهو مربط الفرس، ولو كان قد عاد إليه لوفر على نفسه جهد البحث والتفكير في أمر أصالة شك العميد في الشعر الجاهلي، ولكن هذا ما كان.

عاد الطالب النابه بالكتاب وفتحه الدكتور عوض أمام الطالب ورفاقه ليضع عقولهم وقلوبهم أمام النص القاطع الجازم الذي شهد فيه العميد بأن الشعر الجاهلي كان أصيلًا بل كان عظيمًا بل هو أعظم ما انتجته حضارة العرب!

قال العميد في كتابه "قادة الفكر" الذي نشره في العام 1925، وقبل ظهور بحث مرجليوث بأسابيع قليلة: "ما كانت الحضارة الإسلامية، التي ظهر فيها مَنْ ظهر مِنَ الخلفاء والعلماء وأفذاذ الرجال، لِتُوجَد لو لم توجد البداوة العربية التي سيطر عليها امرؤ القيس والنابغة والأعشى وزهير وغيرهم من الشعراء الذين نبخسهم أقدارهم ولا نعرف لهم حقهم".

قبل مرجليوث بأسابيع لم يكن العميد يشك، بل كان مؤمنًا بوجود شعراء أفذاذ هم امرؤ القيس والأعشى وزهير وغيرهم، وهؤلاء نحن لا نعرف قدرهم!

أليس هذا عجيبًا، بل دعني أقول مريبًا!

يبدو لي أن للشك مراحل كأنها مراحل تكوين الإنسان، نطفة فعلقة فمضغة، وتكوين عظام ولحم ثم خروج من الرحم ثم... إلى أن يبلغ أشده.

وهذا يستغرق سنوات من عمر الإنسان، وكذا الشك في قضية أي قضية، تبدأ كأنها الهمس ثم تستولي على تفكير المشغول بها إلى أن تخرج مكتملة في شكل كتاب أو غيره من أدوات الإفصاح والإظهار.

فمتى شك العميد؟

نعود للدكتور إبراهيم عوض الذي تقصى في دراسته جذور الشك عند العميد، لنجد أنفسنا أمام مفاجآت وأي مفاجآت!

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.

منشور بجريدة صوت الأمة السبت الموافق 30 مايو 2026م.

الاثنين، 25 مايو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (2)


 

غادر محمود شاكر مصر ليقيم في جزيرة العرب، مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وهناك أسس مدرسة جدة الابتدائية وتولى إدارتها والتدريس بها.

 غياب شاكر الذي كان شاهد العيان على القضية منذ بدأت لم يسهم في إخماد نيرانها، فقد صدر بيان عن فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية وقد وجدته بنصه في أول كتاب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد حسن الخضر ، قال فضيلة المفتي: "إن الباطل ما برح يحارب الحقيقة الإسلامية بسيوفه المفلولة وشبهاته الضئيلة، ثم يرجع خائبًا بغير جدوى. وقد عاد اليوم من جولة يدفعه إليها نفر من المتأثرين بكتب الداعين إلى معاداة دين سيد المرسلين، سقطوا على ما فيها من تضليل فالتقطوا منه ما راق لهم، وظلوا يعرضونه على أنظار قرائنا وأسماع الطلاب من أبنائنا، زاعمين أنه بضاعة جديدة هي ثمرات قرائحهم ونتائج أفكارهم، محاولين بذلك تقويض بناء قامت فضائله الشامخة على أساس متين من الحقائق الراسخة، فاستاء من عملهم هذا أهل العلم الصحيح والأدب الصريح. ومن هذه الكتب رسالة عنوانها «في الشعر الجاهلي» عُرف صاحبها بالتعصب لكل ما فيه كيد للإسلام وحط من جلاله وفضائل عظمائه وآلة. وقد احتوت هذه الرسالة على مزاعم وأباطيل يجمعها كلها وصف واحد هو الاستخفاف بالحقائق والتعصب لعقيدة خاصة افتتن مؤلف الرسالة بها.

 فانبرى له حضرة العالم المحقق والفهامة المدقق (السيد محمد الخضر حسين التونسي من علماء الجامع الأزهر بمصر وجامع الزيتونة بتونس) فحلل هذه الرسالة تحليلًا علميًّا نزيهًا، رد فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، ودحض الأباطيل بالأدلة الواضحة، ونبه إلى مغامز الكتاب المردود عليه، ودل على المرامي التي يرمي إليها، وأبان عن موطن ضعفه ومكامن سخفه. ولعمري إنه قد خدم بهذا العمل الجليل العلم المتين والأدب الرفيع خدمة تحول بها شر الكتاب المردود عليه إلى خير. جزاه الله عن الدين والعلم والحق أفضل ما يجزي به عباده الصالحين المخلصين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".

ثم قامت النيابة العامة باستدعاء الدكتور طه وأجرت معه تحقيقًا مطولًا تولاه رئيس نيابة مصر الأستاذ محمد بك نور.

 كنت قد سمعت كغيري عن هذا التحقيق، الذي طالما تغني به شيعة العميد، فهم يرونه تحقيقًا يدل على ليبرالية النيابة وعلى رسوخ العميد الذي لم يتراجع عن أقواله في المحضر الرسمي!

ثم كان أن وقع في يدي العدد (149) من مجلة القاهرة التي كان يرأس تحريرها الدكتور غالي شكري، وقد صدر في شهر إبريل من العام 1995 ووجدت به كنزين، الأول هو النص الأصلي الكامل لكتاب "في الشعر الجاهلي" قبل أن يعيد العميد نشره ولكن تحت عنوان "في الأدب الجاهلي" وقبل أن يحذف فقرات كانت للحق هدف كتابه الأول ورسالته!

 فانظر إلى رسوخ العميد!

 الكنز الثاني: كان نص تحقيق محمد بك نور مع العميد، وإنا لله وإنا إليه راجعون في أخلاق القوم، لقد قرأت كلمات التحقيق كلمة كلمة فلم أجد لا ليبرالية ولا تقدمية ولا حتى رجعية، هو تحقيق مهني بامتياز، سين سؤال وجيم إجابة، وقد تعجبت من ثقافة المحقق ومن الهدوء الذي فرضه على جلسة التحقيق، فلا صخب ولا ضوضاء ولا انتزاع لاعترافات بالحيلة واللف والدوران.

 لا أنسى من أسئلة التحقيق سؤال وجهه محمد بك نور إلى العميد، وكان عن كلام العميد عن تباين لغة حمير ولغة عدنان، وزعم العميد وجود مراجع تثبت ذلك التباين فلما قال له المحقق: "هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا؟".

أجاب العميد: "أنا لا أقدم شيئًا".

تعود لقراءة التحقيق فلا تجد شيئًا من مزاعم شيعة العميد، فلا المحقق متساهل ولا العميد راسخ، وقد انتهى التحقيق بهذه الجملة الحاسمة: "القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا، محمد نور رئيس نيابة مصر، القاهرة في 30 مارس 1927".

 نعود إلى كتاب في الشعر الجاهلي ونسأل: هل كان طه حسين هو أول من تحدث عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلذا ثار الناس ضده؟

 حقائق التاريخ التي لا يختلف عليها اثنان تؤكد أن العميد جاء متأخرًا جدًا، فقد سبقه بقرون العلامة ابن سلام الجمحي الذي ولد في العام 140 من الهجرة النبوية الشريفة وتوفي في العام 231 من الهجرة.

وقد تناول في كتابه الأشهر "طبقات فحول الشعراء" قضية نسب الشعر الجاهلي، فتلقت الأمة كلامه بوصفه كلام ناقد يجتهد، وانتهى الأمر، عند حد الاجتهاد، ثم جاء مصطفى صادق الرافعي ونشر للناس كتابه "تاريخ آداب العرب" في العام 1911، أي قبل ظهور كتاب العميد بخمس عشرة سنة كاملة، وقد أفاض الرافعي في الكلام عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلم يلمه أحد، بل مدحه كثيرون، يأتي على رأسهم الدكتور ناصر الدين الأسد الذي قال عن الباب الذي خصصه الرافعي لمناقشة قضية الشعر الجاهلي لقد: "حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا فى صعيد واحد من كتابٍ لمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها واستقصاه استقصاءً".

 وما بين ابن سلام والرافعي كتب كثيرون عرب وعجم عن هذه القضية، فلماذا ثار الناس على العميد؟

 أغلب ظني أن الناس قد ثارت لأنهم شق عليهم أن يتهم الدكتور طه جموع علماء الأمة بالتواطؤ على الكذب، فهؤلاء العلماء الذين نقلوا إلينا الشعر الجاهلي هم الذين نقلوا إلينا القرآن والأحاديث النبوية والقدسية وسائر علوم المسلمين الأوائل وتاريخهم، فإذا كانوا قد اخترعوا ما عرفناه باسم الشعر الجاهلي فما الذي يمنعهم من اختراع غيره!

 ثم شق على الناس أن العميد قد بدأ بحثه بالشك وانهاه باليقين، ولم يقدم دليلًا يثبت به شكه ولا دليلًا يؤكد به يقينه، فهو قالها في أول كتابه صريحة واضحة: "أعلن اليك والى غيرك من القرّاء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس فى شيء؛ وانما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصّاص أو اختراع المفسرين والمحدّثين والمتكلمين".

 

لسنا أمام شك مباح، نحن أمام نسف لا يقوم على دليل.

 ثم شق على الناس الاستهانة التي تناول بها العميد قصتي الرسولين الكريمين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل، عليهما السلام فقد قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي".

 يا رجل أنت كنت تتكلم عن الشعر الذي هو صناعة بشرية فلماذا تركت شهوة الكلام تقودك إلى أن سقطت هذه السقطة؟

 وبعدُ كل كان الأستاذ العميد أصيلًا في شكه؟.. نجيب الأسبوع المقبل إن شاء الله.


منشور بجريدة صوت الأمة السبت 23 مايو 2026م.