الأربعاء، 11 مارس 2026

الغزالي والنجاة من نفق الجماعة

 



مرشد الإخوان حسن الهضيبى فصل الشيخ محمد الغزالى بعد خلافهما فكان رد الأخير: ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون

سمعتُ الأستاذ عمر عبد الكافي يحكي عن والد الشيخ محمد الغزالي فيقول: إن والد الغزالي كان بقالًا بسيطًا يمتلك بقالة متواضعة في قرية من قري محافظة البحيرة، وكان يدخر ربحه ليتمكن من السفر إلي الإسكندرية لكي يجلب البضاعة الجديدة التي تحتاجها بقالته، وفي يوم من الأيام وصلت مدخراته إلي عشرة جنيهات، وهذا مبلغ خرافي حسب أسعار ذلك الوقت، وضع الرجل العشرة جنيهات (وكانت ورقة واحدة) في حافظة نقوده وصعد القطار المتجه إلي الإسكندرية، وعند هبوطه في محطة الوصول تمكن لص خفيف اليد من سرقة حافظته منه، وعندها انهار التاجر البسيط جالسًا علي مقعد من مقاعد المحطة يشكو إلى الله ضياع كل ثروته، اللص خفيف اليد فتش الحافظة فلم يجد بها شيئًا وذلك لأن والد الشيخ الغزالي كان قد خبأ ثروته في جيب سحري من جيوبها، وظل يدعو الله أن يعيد عليه ثروته، هنا يأس اللص من أن يجد في الحافظة شيئًا ينتفع به، فقذف بها علي رصيف المحطة في ذات اللحظة التي كان فيها التاجر البسيط يدعو الله بأن يعيد إليه حافظته، فوجئ التاجر بالحافظة على بعد خطوة منه فصاح وقد ذهب عنه تحفظه مخاطبًا المولي عز وجل: "يا رب هات إيدك أبوسها".

تلك القصة على طرافتها يمكنها أن تقدم لنا تصورًا عامًا عن الوسط الذي نشأ فيه الشيخ محمد الغزالي، هذا الوسط المصري المحب للدين المكافح في الدنيا، صاحب التعبيرات التي تخرج منه عفو الخاطر فتكشف عن مدي تغلغل الرحمة الإلهية بين جوانبه.

وعلى ما سبق فليس مستبعدًا أن تكون رؤية في المنام سببًا لتسمية الشيخ باسمه المركّب الذي أصبح أشهر من نار على علم.

يقولون إن والد الشيخ سمي الشيخ "محمد الغزالي" بهذا الاسم رغبة منه بالتيمن بالإمام أبي حامد الغزالي (صاحب إحياء علوم الدين) فلقد رأى الوالد التاجر البسيط في منامه أبا حامد الغزالي الذي قال له "أنه سوف ينجب ولدا ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه".

ولد الشيخ محمد الغزالي في قرية نكلا العنب، بمحافظة البحيرة في العام 1917، أتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ويقول عن نفسه: "كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي".

بعد مرحلة الكتاب وحفظ القرآن وتعلم مبادئ الحساب التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة 1937والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وتخرّج بعد أربع سنوات، متخصصُا في الدعوة والإرشاد.

في فترة دراسته نال الشيخ إعجاب أساتذته الذين يأتي على رأسهم الشيخ الإمام محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة.

انضم الغزالي في شبابه إلى جماعة الإخوان. بدأ الغزالي الكتابة في مجلات وصحف الإخوان حتى تم تصعيده في هيكل التنظيم ليصل على عضوية مكتب الإرشاد، وبعد حل الجماعة بعد قيامها باغتيال محمود فهمي باشا النقراشي رئيس وزراء مصر، جرى اعتقال الشيخ وباقي قيادات الجماعة وأمضي معهم فترة الاعتقال كاملة في سجن الطور.

ما الذي حدث بينه وبينهم خلال فترة الاعتقال؟

ليس ثمة إجابة شافية، ربما كانت فترة الاعتقال فترة مراجعات فكرية، وربما تكشف له من أمر الجماعة ما كان خافيًا عنه، بصفة عامة سيبدأ خلاف الشيخ مع الجماعة بعد تولي حسن الهضيبي منصب المرشد العام.

وعن هذه الحادثة المهمة جدًا في تاريخه يقول الغزالي: "إنَّ الذين يحسبون أنفسهم 'جماعةَ المسلمين' يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضرباً من مخالفة الله ورسوله، وطريقاً مُمَهِّدة إلى النار، وبئس القرار! وقد كنتُ أسيرُ مع زميلي الأستاذ/ سيد سابق قريباً من شُعبة المَنيَل، فمرَّ بنا اثنان من أولئك الشُّبّان المفتونين، وأَبَيا إلاَّ إسماعَنا رأيهم فينا، وهو أننا من أهل جهنم'!

إنني تذكرتُ بعد أيام هذا العداء المُرَّ، والأوامرَ التي أوحتْ به، فعزَّ عليَّ أن يُلعَب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدَّد سياسةُ الخوارج مرة أخري، فيُلعَن أهلُ الإيمان، ويُتْرَك أهلُ الطغيان! فمِن المُضحك أو المُبكي أن يخطب الجمعةَ عقب فَصْلِنا من المركز العام 'للإخوان' مَن يؤكد أنَّ الولاء للقيادة يُكَفِّر السيئاتِ، وأن الخروجَ عن الجماعة يمحقُ الفضائل، وأن الذين نابذوا القيادة عادوا إلى الجاهلية الأُولي، لأنهم خلعوا البَيعة".

وعن ذلك الخروج الكبير يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "بعد أن اختلف –الغزالي- مع مرشد الإخوان الثاني حسن الهضيبي، قال الغزالي: إن ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون، وأسمَي من أن يشتبك فيه مُتشاكسون! وقد كنتُ حريصاً على الصمت الجميل يومَ عرفتُ أنِّي سأعملُ للإسلام وحدي، بيدَ أن أحداً من خَلْق الله ـ مِن قيادات الإخوان ـ اعترضني ليقول لي: إنْ تكلَّمتَ قُتِلْتَ!

فكان هذا هو الحافز الفذ على أن أتكلَّم وأُطنِب'!

ويُعقِّب -القرضاوي- قائلاً: لقد كان للشيخ الغزالي رأيٌ في سياسة حسن الهضيبي، فنقدَ بعنفٍ هذه السياسة، وازداد عنفه حينما أعلن الهضيبي فَصْله من دعوة الإخوان، التي قضي فيها شبابه، ونَذَر لها عمره، ولم يكن يتصور أن يأتي يومٌ يُبْعَد فيه عن دارٍ كان أحدَ بُناتِها، وحَمَلَة حِجارتها.. وكان مما هاج غضبه، واستثار غريزةَ الدفاع فيه، أنَّ بعض أُولي الهَوَس من الإخوان هدَّده وتحدّاه!".

كانت مغادرة الشيخ لنفق الإخوان المعتم بشارة خير له ولنا فقد تدفق الشيخ كاتبًا وخطيبًا، ترقي في سلك الوظائف، حتى أصبح مديرًا للمساجد، ثم مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد. ثم أعير للمملكة العربية السعودية أستاذًا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ودرّس في كلية الشريعة بقطر، وعُيِّن وكيلاً لوزارة الأوقاف بمصر، كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات وكانت آخر مناصبه.

وحصد العديد من الجوائز فحصل على جائزة الملك فيصل العالمية الإسلامية 1989.

وقد ترك لنا أكثر من خمسين كتابًا من أشهرها السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، عقيدة المسلم، فقه السيرة، كيف تفهم الإسلام، هموم داعية، سر تأخر العرب والمسلمين، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، خلق المسلم، معركة المصحف، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، الإسلام المفتري عليه، الإسلام والمناهج الاشتراكية، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، الإسلام والاستبداد السياسي، الإسلام والطاقات المعطلة، الاستعمار أحقاد وأطماع، في موكب الدعوة، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، حقيقة القومية العربية، مع الله، الحق المر، قذائف الحق، كفاح دين، من هنا نعلم.

ومن العجيب أنه تعرض لموجة تكفير بعد نشر كتابه الشهير "السيرة بين أهل الفقه وأهل الحديث" لأنه في ذلك الكتاب تجرأ على مناقشة حديث من تلك التي رواها الإمام مسلم!

ويقول الكاتب الأستاذ صلاح حسن رشيد: "وممّا يُحكي، أنَّ الشيخ الغزالي كان قد ألَّفَ كتاباً، كشف فيه خطايا وجرائم الإخوان طوال تاريخهم، وما دبَّروه، ويُدبِّرونه للوصول إلى السلطة، ولو على حساب المبادئ، والإسلام نفسه، والوطن! واهتدي إلى أنَّ الجماعة أصبحت تتخذ أسلوب الماسونية العالمية طريقةً لها ومنهج حياةٍ، مع تعيين المرشد الثاني حسن الهضيبي، الذي وصفه الشيخ الغزالي بأنه كان ماسونياً! وأنه جاء إلى الجماعة، وهو ليس منها، فأصبح مرشدها، بقدرةِ قادرٍ!

هذا الكتاب عنوانه 'كفاح حياتي' لكنه لم يخرجْ إلي النور، ولم يُطبعْ بعدُ! ومن المحتمل أنْ يكون الإخوان قد وسَّطوا أُناساً من العلماء، للحيلولة دون نشره! وهو ما أُرَجِّحه، خاصةً إذا عرفنا شجاعة وجسارة الشيخ الغزالي، ودخوله في معارك فكرية، وسياسية عديدة، لم يخشَ فيها أحداً!

فليتَ هذا الكتابَ يُطبعُ الآن، لنعرف عنهم المزيد، والمزيد ممّا كشفه الشيخ محمد الغزالي، وعرفه عنهم، وعن فكرهم المعوج، من الأسرار، والمآسي، والجرائم، والقصص الدامية، فكَتَبَه إبراءً للذمَّة، وشهادةً للتاريخ".

انتهي كلام الأستاذ صلاح، وعن نفسي فقد سألت عن هذا الكتاب المجهول فريقًا من المهتمين بتاريخ الجماعة فلم ينفوا ولم يثبتوا، وليت الدولة تجد في الحصول على ذلك الكتاب إذا كان له وجود فعلًا.

وفي أخريات حياته كان يضيق بأدنى تعرض لجوهر العقيدة الإسلامية التي عاش حياته مدافعًا عنها ولذا كان يُعطي الكلمة في أي مؤتمر يحضره فور طلبه لها لكي يدلي بدلوه في تصحيح ما يقوله أحد المؤتمرين، والمشهور أن أخر مؤتمر حضره الشيخ كان بالسعودية وقال فيه أحدهم كلامًا أغضب الشيخ الذي رد منفعلًا ثم فاضت روحه بعدها مباشرة وذلك يوم 9 مارس 1996 وجرى دفنه بالبقيع بالمدينة المنورة. حيث كان قد صرح قبل موته بأمنيته أن يدفن هناك.


منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 08 مارس 2026م.

متى سينتهي عفن داعش

 


المنطقة كلها الآن على كف عفريت كما يقال فماذا لو انتهز هؤلاء فرصة من فرص الفوضى وفروا من سجونهم وهم مجرمون

كان الأديب الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي يملأ الدنيا ويشغل الناس، ثم حانت ساعته في اليوم الثاني عشر من شهر يوليو من العام 1924، وهو اليوم نفسه الذي تعرض فيه زعيم الأمة سعد باشا زغلول لمحاولة اغتيال، فطمست أخبار المحاولة الفاشلة خبر موت الأستاذ الأديب، فجاءت جنازته باردة، وهو المعنى الذي قصده أمير الشعراء أحمد شوقي في القصيدة التي رثى بها المنفلوطي:

"اختَرتَ يَومَ الهَولِ يَومَ وَداعِ

وَنَعاكَ في عَصفِ الرِياحِ الناعي

هَتَفَ النُعاةُ ضُحىً فَأَوصَدَ دونَهُم

جُرحُ الرَئيسِ مَنافِذَ الأَسماعِ

مَن ماتَ في فَزَعِ القِيامَةِ لَم يَجِد

قَدَماً تُشَيِّعُ أَو حَفاوَةَ ساعي".

وللأسف فيوم هول أمتي يبدو أشد وأصعب من يوم الهول الذي قصده شوقي، الأمة لا تعيش يوم هول بل تعيش أيام أهوال، تمسي على حال وتصبح على غيره، هل يعرف أحد مصير ومستقبل إيران مثلًا؟.

في أيام الأهوال التي نعيشها ننسى هول مركزي جعلته الأهوال العاتية هولًا هامشيًا، إنه هول داعش، نعم داعش هذا التنظيم الإرهابي الذي خاض في دماء العرب والمسلمين لسنوات، والذي لم يطلق طلقة رصاص واحدة على كيان الاحتلال.

داعش الذي أطلقوه على الأمة والآن يجبرونها على دفع تكاليف إعاشته!

وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تجمع انتخابي بفلوريدا في أغسطس من العام 2016 وقال: "إن الرئيس الأمريكي أوباما هو مؤسس داعش، وهيلاري كلينتون شريكته في التأسيس".

ولأن الاتهام خطير (هل هو خطير أم هو فاضح!) فقد هاج السياسيون الأمريكان وماجوا وشددوا الضغط على ترامب لكي يسحب اتهامه، فلجأ ترامب إلى التلاعب فقال: "لماذا لا تستوعبون روح السخرية"، ثم عاد ليوجه الاتهام الصريح مصرًا على أن أوباما هو المؤسس الفعلي للتنظيم المجرم، حتى عندما وفر له المذيع هيو هيويت فرصة للتراجع وقال له: "أنت تقصد أن أوباما قد خلق بحالة الفراغ الأمني فرصة لنشأة التنظيم!".

رد ترامب بصراحته المعتادة: "لا، لا أقصد ما تفسيرك، أنا أعني أن أوباما هو مؤسس داعش.. أنا أعني ذلك تماماً".

ما سبق يشير ولو إشارة عابرة إلى أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن التنظيم المجرم الذي سفك دماء العرب والمسلمين، ليس عربيًا خالصًا ولا يمكن بأي وجه من الوجوه قبول ما يرفعه من شعارات توجد بها كلمة الإسلام.

كبر التنظيم الإرهابي حتى ضم إليه مجرمين من مئة دولة، لاحظ أن عدد الدول العربية هو اثنتان وعشرون دولة فقط، وعدد الدول الإسلامية هو سبع وخمسون دولة فقط.

فمن أين جاء المجرمون أعضاء التنظيم المجرم؟

بعد معارك طاحنة هُزم التنظيم في معاقله المركزية في سوريا والعراق، العمود الفقري للتنظيم المجرم أصبح في قبضة السجون السورية، لا نتحدث عن ألف أو عن ألفين، نتحدث عن عشرات الآلاف الذين ينتمون لمئة دولة!

في مخيم سوري يدعى الهول يوجد قرابة الخمسين ألف من عوائل التنظيم، ما بين نساء وأطفال وعجائز!

ولأن الأيام أيام هول، ولأن العالم كله مشغول بما قد يجري بين الأمريكان وطهران فقد قرر الذين أطلقوا التنظيم المجرم غسل إيديهم منه مرة واحدة وإلى الأبد!

الدول التي ينتمي إليه أعضاء التنظيم الإرهابي قالت: لا شأن لنا بهم!

وما أفصح رئيس وزراء استراليا الذي وقف يخطب عن مصير الدواعش الاستراليين فقال: "رسالتي إلى أولئك الذين غادروا أستراليا لدعم تنظيم إرهابي يكره قيمنا هي رسالة بسيطة وواضحة: لقد اتخذتم قراركم، والآن عليكم تحمل عواقب هذا القرار.

إن أولويتي الأولى والأخيرة هي الحفاظ على أمن الأستراليين. لن نضع حياة أي مواطن أسترالي أو أي موظف أمني في خطر من أجل إعادة أشخاص اختاروا بملء إرادتهم الانضمام إلى منظمة بربرية تسعى لتدمير طريقتنا في الحياة.

هؤلاء الأشخاص لا يمثلون أستراليا، وتصرفاتهم كانت خيانة لبلدنا وللأمن العالمي. لذا، دعوني أكون واضحاً: الحكومة الأسترالية ليس لديها أي خطط لإعادة هؤلاء الأفراد. أستراليا مكان أفضل وأكثر أماناً بدونهم، ونحن لن نعتذر عن وضع سلامة مجتمعنا فوق أي اعتبار آخر".

ما مصير كل هؤلاء ودولهم ترفض استقبالهم؟

الأكثرية ما تزال في السجون والمخيمات السورية، ولأن بضعة آلاف منهم قد فروا فقد تدخل الأمريكان ونسقوا مع العراق وسوريا لكي ينقلوا بضعة آلاف إلى العراق.

المنطقة كلها الآن على كف عفريت كما يقال، فماذا لو انتهز هؤلاء فرصة من فرص الفوضى وفروا من سجونهم، هم مجرمون، ونادرًا ما تاب مجرم، فلماذا يجب على العرب والمسلمين فقط دفع فواتير العالم كله؟

في أيام الهول التي تعيشها الأمة لم يلتفت أحد إلى عودة التنظيم للقتل والتخريب، ففي ظهر الاثنين الماضي اشتبك التنظيم المجرم مع أفراد من الجيش السوري وقتلوا خمسة منه في عملتين منفصلتين وقعتا في توقيت واحد!

هناك من يمسك بخيوط التنظيم الإرهابي ويطلقه على أمتنا البائسة التي يتكاثر عليها الأعداء ، هناك رائحة كريهة تبعث من ملف داعش، ومن حقنا أن نشك في أصل التأسيس وفي مسيره ومصيره.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 01 مارس 2026م.


الثلاثاء، 10 مارس 2026

الانشغال بالعنوان عن المضمون

 


 

أم المشاكل تسكن في عقليتنا نحن فالذين سمعوا بكتاب "نصر الله – أسطورة لم تمت" تركوا كل ما فيه وراحوا يتناقشون حول خرافة.  

انطلقت طائرات كيان الاحتلال مساء الجمعة السابع والعشرين من سبتمبر من العام 2024 حاملة ثلاثة وثمانين طنًا من المتفجرات لتلقيها على مربع سكني لبناني، كان معدًا ليكون مقر اجتماعات أمين عام حزب الله الأسبق السيد حسن نصر الله مع أكابر قيادات حزبه.

 بعد مجادلات وأقوال متناقضة وجمل مبتورة، أعلن الحزب عن استشهاد الأمين العام ومعه كبار القادة.

كان على العقلية العربية واللبنانية خاصة أن تضع نقطة في نهاية السطر ثم تبدأ في إنشاء جملة جديدة، لمراجعة ما حدث وكيف حدث وكيف سيكون سلوك الحزب ومقاومته بعد تلك الضربة القاسية.

ولكن ما شاهدناه بعد تلك الضربة يؤكد مجددًا أن هناك من لا يريد لنا أن نستفيق، بل هناك من يرسم لنا خارطة طريق لمشاعرنا ولتعاملنا مع أمورنا الخاصة جدًا بل الغارقة في الخصوصية.

هناك على مرمى حجر منا يقف كيان الاحتلال لينتهز أدني الفرص التي تتيح له الوجود في حياتنا بأي طريقة كانت وعلى أي شكل كان ذلك الوجود.

هم يعرفون حق المعرفة دور الأمين العام في مجريات الصراع منذ ظهوره على قمة الأحداث قبل ثلاثين سنة، وهم يعرفون تعلق جماهير عريضة به وبخطاباته وبمواقفه، ولذا سمحوا لضابط من ضباطهم السريين بأن يكتب وينشر مؤلفًا ضخمًا عن شخص الأمين العام!

قالت وسائل إعلامهم: "كشف دورن كدوش، مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي عن قصة بطلها ضابط رفيع في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهو قائد وحدة 9900، قام بتأليف كتاب حول شخصية الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، وموضوع اغتياله. الضابط، المعروف باسم "العميد ش"، يتولى منذ عامين قيادة وحدة الاستخبارات البصرية (الوحدة 9900)، وقد كتب الكتاب الذي يتألف من 500 صفحة جزئيًا خلال إجازة دراسية حصل عليها قبل اندلاع الحرب، ثم استكمل تأليفه خلال الأشهر الأخيرة بعد تنفيذ عملية اغتيال نصر الله، بينما لا يزال يشغل منصبه الحالي في شعبة الاستخبارات.

ويحمل الكتاب عنوان: "نصر الله – أسطورة لم تمت".

اللافت في الأمر أن هذا يُعدّ سابقة في إسرائيل، إذ يقوم ضابط يشغل موقعًا حساسًا في المؤسسة الأمنية بتأليف ونشر كتاب في خضم الحرب. وقد أثار ذلك تساؤلات حول دوافع النشر في هذا التوقيت، خاصة أن الحرب لا تزال مستمرة، ويُنظر إلى الكتاب كحدث غير معتاد في ظل الظروف الأمنية الراهنة.

يصف الكتاب نصر الله بأنه بارع في التسويق الذاتي والخطابة، حاد كالسيف وناعم كالحرير وقادر على أسر القلوب".

هل في السطور السابقة مشكلة؟

بل مشاكل.

نحن أمام تجربة غير مسبوقة يقدمها كيان الاحتلال، لقد سمح لضابط رفيع المستوى بتأليف ونشر كتاب ضخم والكيان كله تحت النار، وهذا ما لم يفعله من قبل، فلماذا هذا التوقيت تحديدًا؟

ثم ما هي نسب مصداقية الضابط الذي يعمل في مكان له حساسية خاصة، ستفرض عليه تلك الحساسية طريقة معينة في تناول الأمور.

أما أم المشاكل فهى تسكن في عقليتنا نحن، فالذين سمعوا بالكتاب فتركوا كل ما فيه وما جاء به وراحوا يتناقشون بل يتصارعون حول خرافة، ألا وهي نجاة الأمين العام!

 كيف نجا الرجل وأهله الذين هم أهله قالوا أمام كاميرات الفضائيات أنهم شاهدوا جثمانه وأنهم شاركوا في دفنه؟

لقد رأيت رجلًا يبدو عاقلًا يحكي وهو يبكي بدموع غزيرة أنه قد شاهد السيد يطوف على الناس ويقدم لهم الماء في مسجد من مساجد النجف!

ما هذا الخبل، إنه الذهول عندما تنشغل بأمسك عن يومك وتنشغل بمستقبلك عن واقعك، فتخرج من يومك صفر اليدين، لا تحقق إنجازًا أي إنجاز ولا تفعل شيئًا سوى الاستغراق في غيوبة الأمنيات.

لقد نجح الكتاب نجاحًا ساحقًا عندما جعل بعضنا ينشغل بعنوانه عن مضمونه، العنوان "أسطورة لم تمت"، هو عنوان مجازي لا يؤخذ منه بأي وجه من الوجوه أن المقصود هو بقاء الأمين العام على قيد الحياة، ولكنها عقلية المذهول الذي يعزي نفسه بأن صاحبه على قيد الحياة رغم آلاف الكيلو جرامات من المتفجرات التي نسفت مربعًا سكنينًا كاملًا.

 

منشور بجريدة صوت الأمة  الأحد الموافق 22 فبراير 2026م

 

 


الاثنين، 9 مارس 2026

ضرورة شكر النبلاء


 جوارديولا والطبيبة البريطانية إيلين كريسلز والإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون دفعوا وسيدفعون ثمن مواقفهم الإنسانية النبيلة 

نعتاد على نعم الله، فنظن أنها سهلة وفي المتناول بل نظن أنها من حقوقنا، وذلك لأننا بفضل الله ورحمته لم نعاصر زمنًا، كانت فيه تلك النعم من المحرمات، يرفع المسلم منا الآن الأذان كما يريد ويصلي في المسجد أو البيت بل وفي الشارع كما يريد، ويظن أن الأمر كان بتلك السهولة منذ البداية الأولى، غير مدرك أن كلمة "الله أكبر" لم يكن مسموحًا بها، أما الشهادة بأن محمدًا رسول الله فكان دونها الرقاب، وحال المسيحيين في ذلك كحال المسلمين، فالمسيحي اليوم يتمتع بحقوقه الدينية كاملة، ويظن الأمر سهلًا لأنه لم يعش زمن إلقاء المسيحيين في الأخدود، لا لشيء إلا لأنهم أمنوا بالله العزيز الحميد.

الموقف من فلسطين يشبه إلى حد بعيد الموقف من الدين في الأزمنة الغابرة، أنت تؤيد الحق الفلسطيني وترفع صوتك به وتندد بمجاز كيان الاحتلال التي يرتكبها صباح مساء في قلب غزة وفي عموم فلسطين، ولكن قرينك الأوربي أو الأمريكي إن رفع صوته بتأييد الحق الفلسطيني أو بمعارضة المجازر (مجرد معارضة سليمة) جرى عقابه عقابًا أليمًا موجعًا، انظر إلى حالة الطبيبة البريطانية إيلين كريسلز التي شاركت في مظاهرة منددة بجرائم جيش الاحتلال، فورًا قام أعضاء اللوبي الصهيوني بتصوريها ثم بحثوا عنها حتى عرفوا هويتها وعملها بل ومسكنها الخاص، لقد جعلوا حياتها قطعة من الجحيم، بعثوا بالآلاف الشكاوي ضدها بتهمة معادة السامية، كثرة الشكاوى جعلت الصحافة تهتم بحالة الطبيبة التي تعمل استشارية أطفال بمستشفى لندني، فنشرت جريدة تلجراف تقريرًا عنها قالت فيه: "إن الطبيبة نشرت على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي سلسلة منشورات وُصفت بـ"المعادية للسامية"، وهي في واقع الأمر عبارات تنتقد الاحتلال وأفعاله بحق الشعب الفلسطيني. في أحد منشوراتها، وصفت كريسلز مقاتلي حماس بأنهم مقاومون مظلومون وليسوا إرهابيين".

تدخل الصحافة لم يشفع للطبيبة لأن أعضاء اللوبي لم يكفوا عن تقديم الشكاوى، فما كان من هيئة الخدمات الصحية البريطانية، إلا أن أوقفت الطبيبة عن العمل.

ماذا فعلنا نحن أهل القضية وأصحابها؟

للحق لم نفعل شيئًا، لم نقدم أي دعم أو حماية للطبيبة ولغيرها من الذين غلبوا إنسانيتهم على مصالحهم الخاصة، لقد تصدت دولة جنوب إفريقيا لجرائم المحتل ثم تركناها عارية في الميدان تواجه ضغوطًا رهيبة من الدول الراعية لجرائم المحتل، علمًا بأن مساندة أحرار الإنسانية لن تكلفنا سوى إرسال برقية شكر من كلمتين اثنتين فقط "شكرًا لإنسانيتكم".

مع نموذج الطبيبة يأتي نموذج الإعلامي الأمريكي الأشهر تاكر كارلسون الذي كان من أشد مؤيدي كيان الاحتلال، ولكن مع تتالي مجاز الاحتلال استيقظ ضميره فأصبح صاحب الصوت الأعلى ضد جرائم دولة الاحتلال، بل ذهب بعيدًا في معارضة الكيان فقال: "شعب الله المختار بدعة مُختلة لتبرير قتل الأبرياء وهي تتناقض مع جوهر الرسالة المسيحية".

ثم زار قطر ليلتقي بأطفال غزة الذين بتر الاحتلال أطرافهم، وقام بتصويرهم ليؤكد أن جيش الاحتلال يقتل ويصيب الأطفال متعمدًا، وبث تاكر فيديو المقابلة على منصته ولم يكن زمن الفيديو يتجاوز الدقائق الأربعة، ولكن شاهده أكثر من عشرين مليون مواطن أمريكي في أقل من يوم واحد فقط!

طبعًا اللوبي لم يسكت فجرى اتهام تاكر بكافة التهم من معادة السامية إلى اعتناق النازية إلى العمالة للعرب!.. ثم وصلته تهديدات بإسكات صوته حتى أنه صرح بأنه لن يسكت إلا إذا قتل!

مرة ثانية، هل قدمنا لتاكر أي دعم أو مساندة وهو يخوض حربًا دفاعًا عن قضية نحن أهلها؟

أختم مع الإنساني النبيل الرياضي الأشهر بيب جوارديولا المدير الفني لنادي مانشستر سيتي الإنجليزي، الرجل منذ بدء الطوفان لم يكف عن مساندة أطفال فلسطين وعن التنديد بمجازر الاحتلال، فقبل أيام، وفي حفل خيري أقيم قالت الصحافة التي غطت وقائع الحفل: إن جوارديولا عبّر عن قلقه العميق تجاه الأطفال المتضرّرين من النزاع في غزة، متحدثاً بلهجة مؤثرة عن الكلفة الإنسانية للنزاع، مركزاً على معاناة الأطفال العالقين في ظروف خارجة تماماً عن إرادتهم. وأشار إلى صورة لطفل يبحث بين الأنقاض عن والدته، موضحاً أن الطفل لم يكن يعلم أنها مدفونة تحت الركام، وبدلاً من توجيه خطابه إلى أطراف سياسية بعينها، صاغ جوارديولا رسالته في إطار المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي، وأكد أن الأطفال الفلسطينيين يوجّهون نداءً صامتاً إلى العالم طلباً للمساعدة، داعياً القادة إلى التحرك وعدم الاكتفاء بغضّ الطرف.

ليس من السهل أن تنحاز للحق وأن ترفع صوتك ضد الظلم، وهؤلاء الثلاثة دفعوا وسيدفعون ثمن مواقفهم الإنسانية النبيلة، وتركهم في العراء دون دعم أو مساندة أمر عجيب بل مريب، هم ساندوا حقنا فليس أقل من كلمة شكر، ولا أظنها ستكلفنا شيئًا.


منشور بجريدة صوت الأمة  الأحد الموافق 8 فبراير 2026م

 

 

الأربعاء، 28 يناير 2026

محمود عبد الدايم وجراب الحاوي


  تبدو بلدنا مثل جراب الحاوي، لا تنفد أعاجيبه، ففي الوقت الذي تشهد فيه البلاد (انفجارًا روائيًا مروعًا)، يخرج علينا القاص الأستاذ محمود عبد الدايم بمجموعته "خرائط الوحدة"، وهي المجموعة الثالثة في مسيرته القصصية التي بدأت قبل سنوات قلائل، بدأها بنشر مجموعته الأولى "خمورجي يروي التاريخ" عن دار أوراق، ثم نشر مجموعته الثانية "ن الفتة" عن دار أفاق، على ذلك فنحن أمام كاتب يرتكب في زمن الرواية فعل القص القصير عن سبق إصرار وتعمد!

تضم مجموعة عبد الدايم الثالثة سبع عشرة قصة، وتقع في تسع وسبعين صفحة من القطع الصغير، ونشرتها (مشكورة) الهيئة العامة لقصور الثقافة، وتباع النسخة بخمسة عشر جنيهًا، وتلك يد للهيئة على القراء نباركها، فقد طلبت نسخة من مجموعة هي في حجم مجموعة عبد الدايم فطلب مني ناشرها مئة وخمسين جنيهًا، بعد تخفيض (المعرفة والصداقة!).

الكاتب أي كاتب هو ليس أكثر من حزمة اختيارات، اختيار مركزي تتبعه اختيارات فرعية تؤكد الاختيار المركزي أو تتناقض معه في مفارقة من مفارقات الكُتّاب وعوالمهم العجيبة.

اختيار محمود عبد الدايم المركزي، وهو أن يعمل لدى (قصته وقصته فقط). العمل هنا بمعنى الخدمة وتقاضي الأجر، اختار هذا الخيار وهو يعلم لا شك في ذلك أنه سيخدم لدى التاريخ المؤجل، ونادرا ما حسم التاريخ مؤجلاته!

كان بمقدوره مغازلة قارئه بمشهد هنا أو غمزة هناك، وساعتها كان سيضمن رضا القارئ الباحث عن دفقة دم طازجة من تخيل مشهد بعينه!

لكنه لم يرتكب أيًا من تلك الحماقات التي تناقض اختياره، فهو مخلص حتى النزف لنصه، لا يقحم عليه جملة واحدة زائدة، ولذا ستجد قصصًا تشغل صفحة واحدة لا تزيد.

منذ القصة الأولى في المجموعة التي تحمل عنوان "كلمات متقاطعة" يقرر الكاتب الانحياز إلى واحد من خياراته الفرعية، وهو أن يكون وفيًا لعنوان مجموعته، ففي القصة تبرز الوحدة بخرائطها الموجعة بل المتوحشة، نحن أمام طفلة مولعة بأبيها، أفتح قوسًا افتراضيًا لأقول: محمود نفسه مولع بأبيه، فهو يهدي له مجموعته ثم صور الأبوة بتعددها منتشرة على طول المجموعة وعرضها.

ولع البنات بآبائهن يقلق علماء النفس، فقد تغالي البنت في التعلق بأبيها فتصنع منه صنمًا تطوف حوله ليل نهار، ثم تكبر فتبحث عن رجل كأبيها وأبدًا لن تجده فتشقى وتتعس لأنها تطلب ما لم يُخلق.

بحمد الله طفلة محمود عبد الدايم سوية، تبحث عن الدفء الطبيعي وليس عن صنم تقيمه في قلبها لتعبده ليل نهار، الأب من ناحيته سوي يعرف حقوق ابنته، تبدأ اللعبة بل تبدأ الحياة بأن تسأل الطفلة أباها: "كلمة من ثلاثة حروف" بعد افتعال التفكير يجيب الأب: "حضن". يسأل الأب هذه المرة: "كلمة من حرفين" تجيب البنت: "حب".

تتواصل اللعبة أو الحياة حتى تكبر البنت وتتزوج وتلد طفلًا، فيموت الأب. هل تسرع محمود في قتل الرجل؟

لا، يا صاحبي، لقد قتله لكي تكتمل خرائط الوحدة.

قرأتُ مرة أن المهجور يشعر كأن ماءً يغلي قد سكب على ذراعه، هذا عن المهجور الذي هجره حبيبه فكيف بمن هجره حبيبه بالموت!

الطفلة التي أصبحت أمًا نامت في حضن حبيبها المسجى وهمست في أذنه: "كلمة من ثلاثة حروف". الميت لا يتكلم فترد هي على سؤالها: "م..و..ت".

نعم إنه الموت الذي هو هجر أبدي ولا أمل في حضن جديد قبل يوم الحساب.

بعد موت الأب تبدأ بذاءة تقاسم الميراث، كيف قست قلوبنا فحولنا آية من آيات الله إلى بذاءة ودمامة وقبح؟

البنت المحبة أعلنت انسحابها من المشهد البذيء بأن طلبت الحب وتركت لهم ما يتصارع عليه الناس عادة، قالت: "ملابس أبي لي، صور أبي لي، أوراق أبي لي، رائحة أبي لي".

هل سيوقف محمود عبد الدايم اللعبة؟

هل بمقدوره إيقاف الحياة؟

سيدخل الكاتب ببراعة وعذوبة الحفيد، ابن الابنة، كانت المهجورة بالموت قد علمت طفلها لعبة الحياة فسألها: "كلمة من ثلاثة أحرف" تجيب: "أبي" يغضب ويجيب: "بل أمي"، يا صغيري لا تغضب فكل يغني أو يبكي على ليلاه.

الكاتب المولع بالأب يقدم نغمات مذهلة على اللحن الرئيس، لحن العمل لدي النص والخدمة عند القصة ثم الأجر والحساب والمكافأة من رب العباد.

يقدم محمود في قصته "شريط لاصق" أبًا جهنميًا، تشفق عليه وتلعنه في آن واحد، هل تلعنه هو أم تلعن مجتمعه، الأب كأي أب بدأ طفلًا لا حول له ولا قوة، سمع أمه تقول: "السكوت من ذهب" كان في الخامسة من عمره عندما سمع الجملة المفخخة، هناك ذهب مقابل السكوت، بريق الذهب يعمي العيون فليس كثيرًا عليه أن يمسك الألسنة، والولد وأن كان في سن البراءة، لكنه ليس بريئًا تمامًا، قلنا هناك ذهب أمام السكوت!

خدع الولد فطرته وأقنعها بأنه إذا سكت صار بارًا بأمه مطيعًا لها (أراهنك أنه كان يحلم بهسهسة الذهب وبريقه) وضع الولد شريطًا لاصقًا أغلق به فمه، ذهب إلى المدرسة فسكت تمامًا، رضى بأن يكون أبلهًا في نظر زملائه، كبر فأحب، والكلام هو المطر الذي يروي زهرة الحب، فماذا سيصنع؟

اختار صامتة مثله ترضى بصمته، كثرت الأشرطة اللاصقة لكي يضمن أمنه وأمانه ورضا أمه، ومن يعلم فقد يأتي الذهب!

عاش مع الصامتة حياة تليق بصامتين كأن الكلام لم يُخلق، مرة واحدة تمردت الصامتة، لقد رأت الصامت يحاول وضع شريط لاصق على فم طفلهما ثمرة السكوت والصمت!

أعود لفتح قوس افتراضي لأقول: سبق لمحمود كتابة قصة عن الأعمى، كيف يرى في أحلامه.

الآن كيف يتكلم الأخرس، لا تقنعني بأنه لن يتكلم، الكلام لذة الكلام شهوة الكلام هو الحياة ففي البدء كانت الكلمة.

تمرد الصامتة قادها إلى الطلاق، واصل هو سكوته وتنازل عن كل شيء وغادر مسكن الزوجية إلى غير رجعة، كانت التي وسوست إليه بذهب السكوت قد ماتت، بقي وحيدًا مشيدًا حصون وقلاع السكوت، مات وحيدًا وما دل جيرانه على موته سوى تعفن جثته!

لقد مات وهو يمسك بجهاز كاسيت كف شريطه عن الدوران.

ذهبوا به إلى مقابر الصدقة فهم لا يعرفون له جذرًا ولا فرعًا، بواب العمارة الذي كان يعبث بمحتويات شقة الساكت الأبدي، متمنيًا الحصول على شيء، وقع على رقم هاتف الطليقة، لم ترد ورد الابن معلنًا بأنه لا يريد معرفة شيء عن ابيه!

ثم ذهب الابن إلى الشقة، وجد مئات من أشرطة الكاسيت (لماذا لم يجد الأشرطة اللاصقة؟).

عكف على الاستماع إليها، كانت تحمل صوت الساكت، لقد تكلم بالطول والعرض والعمق والارتفاع، تكلم أخيرًا عن نفسه وعن أمه وعن عمله، وعن زوجته التي صارت مطلقته، وعن ابنه الذي حرم نفسه منه.

لقد خدعنا محمود عبد الدايم، فالولد الذي رضى بأن يكون أبلهًا لم يكن مطيعًا لأمه فقد تكلم وأسرف في الكلام بل سجل كلامه ليخلده.

وبعدُ فقد تحدثت في صدر كلمتي عن جراب الحاوي الذي أخرج لنا القاص محمود عبد الدايم الذي يصر على الإخلاص للقصة القصيرة في زمن سطوة الرواية وسيولتها وانفجارها، وننتظر منه الكثير والمدهش من الإخلاص.

 

 منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 25 يناير 2026م.

الأربعاء، 21 يناير 2026

محمد فريد ... محامي الشعب


 

عجيب جدًا بطلنا العظيم محمد فريد، الرجل ولد وفي فمه ملعقة من ذهب، أبوه هو أحمد باشا فريد من أكابر الدولة المصرية، كان يمتلك ـ كما أخبرنا الكاتب صبري أبو المجد ـ ألف ومائتي فدان، له وقصرًا فى شارع شبرا مساحته خمسة أفدنة من أراضي البناء، وعمارتين بشارع الظاهر.

وأم محمد فريد كانت من هوانم زمانها ، وعائلته تنحدر من أصول تركية ووجه فريد نفسه كان مدورًا مثل قرص الشهد ، كما سيصفه صلاح جاهين.

رجل بهذه المواصفات ما الذي يجعله يترك ليونة الحرير ويذهب طائعًا مختارًا وبكامل إرادته إلى جحيم مقاومة المحتل وطغيان الحاكم المحلي؟.

ليس سوى نداء الحرية، بعضهم يستنكف أن يكون ملكًا متوجًا على عالم من العبيد، وعلى رأس هؤلاء البعض يقف شامخًا محمد فريد.

ولد فريد في 20 يناير 1868 في القاهرة ولفظ أنفاسه الأخيرة في 15 نوفمبر 1919 في برلين ، ونحن ندعو الدولة المصرية للاحتفال بمرور مئة عام على رحيل هذا المجاهد العظيم .

سجل فريد تفوقًا واضحًا في مجال التعليم وحاز على شهادة الحقوق في بدايات شبابه، وكان منذ أول عهده بالدنيا واثقًا بحتمية مواجهته للطغيان في أي شكل كان، صاحب زعيم الوطنية مصطفى كامل وشاركه في تأسيس حزب الوطنية " الحزب الوطني ".

العمل

رجل في ثراء فريد ، لم يكن يحتاج لأي عمل ، ولكن فريد من هؤلاء الذين لا يشعرون باكتمال رجولتهم إلا بالسعى الجاد نحو قمم الرقي ، وكان العلم والعمل هما الطريقان الوحيدان نحو القمم التي ينشدونها .

في بداية عمله ، تولى فريد وظيفة مُترجِم بقلم قضايا الدائرة السنيّة، ولم يطل به البقاء في تلك الوظيفة رغم أنه حصل على ترقية بعد عام واحد من توليه الوظيفة ، في العام 1892 انتدبَ في نِيابة محكمة مصر الابتدائيّة، ثمّ في نيابة الأزبكيّة، ورُقِّي لمنصب وكيل نيابة، ثمّ أصبحَ وكيلاً بنيابة الاستئناف سنة 1895.

ثم ترك العمل الحكومي وكان أيامها غاية المراد، وتفرغ للمحاماة فاستحق عن جدارة لقب محامي الشعب.

خلال رحلة العمل هذه ستتسع دوائر معارف فريد وسيحتك بطوائف الشعب، وهو الأمر الذي مكنه فيما بعد من تأسيس تنظيمه الوطني الكبير الذي سيكون النواة الصلبة لكل التنظيمات الثورية التي ستعمل على تحرير الوطن من المحتل الغاصب.

في العام 1888 تزوج فريد ورزق بولدين وأربع بنات، ستكون منهن فريدة التي سنقف عندها في قادم السطور.

حمل الأمانة

في العام 1908 توفي الزعيم مصطفى كامل وهو في ريعان شبابه ، كامل لم يكن كغيره من دعاة مقاومة الاحتلال ، لقد كان أبرز اسم وطني عرفته البلاد بعد عرابي باشا ، وموته المباغت هز الوطن من أدناه إلى أقصاه ، فمن سيقوم مقام الزعيم ، ومن يجرؤ على حمل الأمانة وتحمل المسئولية ؟

ليس سوى فريد بحضوره وإخلاصه وعقله المنظم الراجح .

أصبح فريد زعيمًا للحزب الوطني فقفز به سنوات إلى الأمام .

كان فريد ابن الباشوات يعرف حجم كارثة الأمية التي تنخر في عظام الوطن فبدأ في محوها على نفقته الخاصة، لقد أنشأ أربع مدارس ليلية لمحو الأمية في القاهرة، ثم تكاثرت المدارس حتى لم تبق محافظة إلا وبها أكثر من مدرسة.

معلمو المدارس كانوا من أبناء الحزب الوطني، وكانوا يعملون بدون مقابل مادي ، مقابلهم هو مساندة زعيمهم في محو أمية الشعب ، كان المعلمون محامين وأطباء ومهندسين ، يقتطع الواحد منهم الساعتين والثلاث ساعات من وقته الثمين لكي يعلم الشعب .

النقابة الأولى والمظاهرة الأولى

عندما رسخت أقدام مدارس فريد، تركها لمعلميها، وراح يلهب حماس الشعب بسلاسل من المقالات الملتهبة المحرضة على الاحتلال وعلى الحاكم المحلي عباس حلمي الثاني.

ثم رأى فريد أن المدارس والمقالات لن تصمد بمفردها أمام الطغيان فقرر إنشاء أول نقابة عرفها تاريخ مصر الحديث ، فأنشأ أول نقابة للعمال سنة 1909 . ولكن النقابة على عظمتها لا تكفي لمواجهة الفساد السياسي الذي كان يضرب البلاد فطالب فريد بإصلاح سياسي شامل وكامل يعتمد على كتابة دستور للبلاد يخضع له الجميع (لاحظ أن هذه الدعوة كانت قبل ما يزيد على قرن من الزمان) ولتحقيق هدفه هذا شن فريد حملة قاسية على الوزارة فقال :"  من لنا بنظارة (وزارة) تستقيل بشهامة وتعلن للعالم أسباب استقالتها ؟ لو استقالت وزارة بهذه الصورة ، لن يوجد بعد ذلك من المصريين من يقبل الوزارة مهما زيد مرتبه، إذن لأُعلن الدستور على الفور".

هو يريد وزارة حرة لا تخضع للمحتل أو للقصر، ولأن هذا المطلب يستدعى قوة ضغط كبري فقد قرر فريد الدعوة إلى التظاهر السلمي للمطالبة بكتابة الدستور.

هنا تبرز أهمية معرفة السياسي  بشعبه ، فريد الذي عمل في النيابة والمحاماة والمدارس الليلية والصحف وطاف أرجاء البلاد كان مؤمنًا بقدرته على حشد الجماهير ، فهو يعرف شعبه وشعبه يعرفه ، فريد لم يكن من هؤلاء الذين تسقطهم السماء فجأة أو تنبتهم الأرض بغتة .

لبى الشعب نداء فريد فكان يجتمع عشرات الآلاف في حديقة الجزيرة القريبة من ميدان التحرير ، في مظاهرة عارمة تخترق قلب القاهرة رافعة شعار كتابة الدستور ، وكانت تلك المظاهرات هى أولى المظاهرات المدنية السلمية التي عرفتها مصر .

المواجهة

لم يهتم القصر بمظاهرات فريد، فقرر الرجل الفذ الذهاب إلى المواجهة عبر طريق جديد لم يسبقه إليه أحد.

قام بكتابة صيغة موحدة تطالب بصنع دستور للبلاد ، وطبع على نفقته الخاصة عشرات الآلاف من تلك الصيغة وقام مع رجاله بتوزيعها في شتى أنحاء البلاد ، نجحت تلك الحملة نجاحًا ساحقًا فقد لبى الشعب الدعوة وقام بالتوقيع على عرائض فريد الذي حمل إلى القصر في أسبوع واحد دفعتين من العرائض كانت الأولى تحمل توقيعات ستة عشر ألف مواطن وكانت الثانية تحمل توقيعات خمسة وأربعين ألف مواطن!

وكالعادة لم يهتم الحاكم بهذه العرائض ورفض صنع دستور للوطن، ولكن فريد لم يستسلم لليأس والقنوط فقام بإشعال الأرض تحت قدمي حاكم القصر، عبر الرسائل والبرقيات التي كان يرسلها للخارج فاضحًا طغيان القصر.

ثم قام بجولة شملت العديد من عواصم أوربا الكبرى شرح فيها لجماهير تلك الأمم ولسياسييها المسألة المصرية على أكمل وجه .

القصر والمحتل الإنجليزي كانا يتربصان بفريد ويعملان على إسكات صوته بأي طريقة كانت ولكنه كان في حماية الشعب الذي ألتف حوله.

الشعر والسجن

لعب الشعر في حياة فريد دورًا مهمًا ، فقد سجن بسبب ديوان شعر ، ثم سيقوم شاعر عظيم هو صلاح جاهين بإنصافه بعد رحيله بعقود ولأننا نحتفل بمئوية هذا المجاهد العظيم فإنني أدعو القارئ الكريم إلى قراءة ما كتبه جاهين عن فريد.

" خـد الكـتـاب فـى يمـيـنك وانـظر الترقـيم

عنـد المـحبـة وعنـد المـوت فى حرف الميـم

تلــقى محـمد فـريد بيـنـهم مقـيم ع العـهـد

وتلـقى وجـهـه المِـدَور زى قـرص الشـهـد

ملـيـان حمـاسة وكيـاسـة وجدعـنه وتصمـيم

عـلى إيـه مصمـم؟.

 يسـهـم زى كـل زعـيم

ويقـول عـلى الثـورة مهـما اتطـلـبت من جهد

أنـا مش عرابـى اللـى وأدوا ثـورتـه فى المهد

أنـا بابـنى فى السـر شيء صعب المنال كالفهد

على اسم مصر

محلـول مـركـز مـن السـكر فـى كبـايــة

وف قلـبـه خـيـط يتـلضـم حبـايـة حبايـه

سـكـر نبـات بلـلورات المـاظ بتضـوى ضَىّ

وتفـضـل الألمـاظـات تكـبـر شـوى شـوى

لحـد مـا العـقد يبـقى فـى الجـمـال غـايـه

ده الحـزب فـى الشـعـب نضـرب به المثل آيه

الصلـب والسـايـل الاثنـيـن سـوا يـا خـى

تنـظـيم محـمد فـريد فـى كـل قريـه وحـى

بلـلوره بتـشـع بـالثـورة اللـى يومـها جـى

على اسم مصر

العقد ألماظ ورقبة مـصــر لايـقـالـه

ضـيع فـريد كـل أرضـه علـيـه وأمـوالــه

وفـجـأة حـاكمـوه ويـالله نفـوه عـن الأوطان

وحـرب عالـمـية أولـى ووفـد م الأعـيــان

وثـورة والانـجـليـز انـحـطـوا وانـشـالوا

ميـن اللـى نـظـم فـلـول الشـعب ده بحـاله

ازاى جمـيـع البـلاد تنـهـض فـى نفـس الآن

القـاهـرة اسكـنـدريـة منـفـلـوط اســوان

وبعـيـد يـا ولـداه فريـد مرمى وحيد شرقـان

على اسم مصر

السـيمـفونـية اسـمـها الثـورة على المحتــل

سـنـة تسـعتـاشـر اتعـزفـت فى كل محــل

تألـيف محـمد فـريـد ألـفـهـا مـن سنـوات

وكتـب لـها النـوتة بـوق وبيـانو وكمـنـجات

عزفـوهـا مـن غير قيادته وجمـعهم ما اخـتل

غـيـر وقـت صـرف الأجـور لما النـفر يتذل

مـن وقـتـها وغلـوشـت نغـمات عـلى نغمات

وسـعد زغلـول زعـيم مشـغول فـى الانتخابات

يخـطب ويضـرب بإيـده يطـبـع البصـمـات

على اسم مصر".

نعم ـ غير منكرين لدور ثوار1919 ـ فإن محمد فريد هو مفجر الثورة وراعيها ومنظمها بل ومُنظرّها، فتنظيمه كان هو وقود ثورة قادها سعد زغلول ونسبت إليه.

وعودة إلى سياقنا نقول : عندما كان فريد يتجول في أوربا مطالبًا بحق مصر في الحرية والدستور ، علم أن الشاعر الوطني الشيخ علي الغاياتي قد كتب ديوانًا بعنوان " وطنيتي " مؤرخو حياة فريد قالوا : إن فريدًا لم يكن قد قرأ الديوان ، ولكن من الواضح أنه كان يعرف الشاعر واتجاهاته الوطنيه فكتب للديوان مقدمة ثانية وكان الشيخ الوطني عبد العزيز جاويش قد كتب مقدمة أولى .

قال فريد في مقدمته  "لقد كان من نتيجة استبداد حكومة الفرد إماتة الشعر الحماسي ، وحمل الشعراء بالعطايا والمنح علي وضع قصائد المدح البارد والإطراء الفارغ للملوك والأمراء والوزراء وابتعادهم عن كل ما يربي النفوس ويغرس فيها حب الحرية والاستقلال ،  كما كان من نتائج هذا الاستبداد خلو خطب المساجد من كل فائدة تعود علي المستمع ، حتى أصبحت كلها تدور حول موضوع التزهيد في الدنيا ، والحض علي الكسل وانتظار الرزق بلا سعي ولا عمل".

أرسل فريد بمقدمته فنشرت في صدر الديوان ، وهنا جن جنون الاحتلال والقصر فعملا على سجن فريد الذي كان في أوربا وأخبره الوطنيون بنيات القصر والاحتلال تجاهه ونصحوه بالبقاء في أوربا حتى تمر الأزمة ولكن ابنته فريدة بعثت إليه برسالة ، حفظها لنا المؤرخ العظيم عبد الرحمن الرافعي جاء فيها :" لنفرض أنهم يحكمون عليك بمثل ما حكموا به على الشيخ عبد العزيز جاويش، فذلك أشرف من أن يقال بأنكم هربتم... وأختم جوابي بالتوسل إليكم باسم الوطنية والحرية، التي تضحون بكل عزيز في سبيل نصرتها أن تعودوا وتتحملوا آلام السجن".

عاد فريد في آواخر ديسمبر سنة 1910 ليجد المحاكمة في انتظاره لأنه كتب مقدمة ثورية لديوان شعر ثوري!

هنا نذكر أن الذي تولى التحقيق كان محمد توفيق نسيم، الذي سيصبح رئيسًا للوزراء فيما بعد!

بدأ نسيم التحقيق في الرابع من يناير من العام 1911 ، لم ينكر فريد علاقته بالمقدمة وكان يمكنه الإنكار ، حوّل نسيم القضية إلى محكمة جنايات مصر يوم 23 يناير سنة  1911 كان رئيس المحكمة هو المستر دلبر وجلي، حضر فريد منفردًا دون اصطحاب محامين مكتفيا بأقواله في التحقيق، لأنه كان يرى التهمة نفسها لا أساس لها من الحق والقانون فلا تحتاج إلى دفاع .

طبعًا كانت التهمة من تلك التهم الفضفاضة التي نعرفها والتي تدور حول تكدير السلم العام وإثارة الجماهير!

حكمت المحكمة على فريد بالحبس لستة أشهر، تقبل فريد الحكم بثبات يليق به، إلى الزنزانة جاءه  

كولسن باشا مدير مصلحة السجون وجرى بينهما الحوار الآتي

كولسن : إنني أسعى للعفو عنك إذا وعدت بتغيير خطتك.

فريد: إن ما تطلبه مستحيل.

كولسن : إنني لا أطلب منك تغيير مبادئك بل تخفيف لهجتك.

فريد: ولا هذه أيضًا.

كولسن : أنت إذن تريد قضاء الستة شهور في السجن.

فريد: نعم وأزيد عليها يومًا لو أردتم!

عندما غادر فريد محبسه ، غادره في ساعة مبكرة من الصباح لكي لا يتسبب في تجمهر الناس فيكدر الأمن العام ، ولكن خبر مغادرته للسجن كان قد تسرب ، ففوجئ بانتظار الشعب له عند بوابة السجن ، وحمل الشعب ابنه البار على الأعناق هو يهتف بحياته وحياة الوطن .

وقال فريد عقب مغادرته للسجن :" مضي علي ستة أشهر في غيابات السجن، ولم أشعر أبداً بالضيق إلا عند اقتراب خروجي ، لعلمي أني خارج إلى سجن آخر، وهو سجن الأمة المصرية، الذي تحده سلطة الفرد ويحرسه الاحتلال!

 الأمة أصبحت مهددة بقانون المطبوعات، ومحكمة الجنايات، محرومة من الضمانات التي منحها القانون العام للقتلة وقطاع الطرق".

العودة إلى الجهاد

لم يركن فريد للراحة ، يومًا من أيام حياته القصيرة ، فهو لم يعش سوى إحدى وخمسين سنة فقط ، بعد سجنه وسّع فريد دائرة مطالبه ، فهو يطالب بالدستور وبمجلس نيابي ويقود حركة الجماهير لإنشاء النقابات التي تحمي حقوق العمال ثم هو يهتم اهتمامًا خاصة بالمواضيع الاقتصاديّة التي تتعلَّق بالاقتصاد الوطنيّ، كالشركات الأجنبيّة، وميزانيّة الدولة .

إن حركة التمصير التي بدأها العبقري طلعت باشا حرب ثم أصبحت حجر الزاوية في عهد عبد الناصر كان فريد يخطط لها ويحشد الشعب من أجلها قبل تحققها بعقود ، الفلاح لم يغب عن ذهن فريد فقد ناقش مع الفلاحين سبل حل أزمة الرهون ، وساند ودعم كل إضراب وطني من إضراب الفلاحين وإلى إضراب الجزارين ، مع تركيز خاص على القضية الأم وهى قضية الحصول على الاستقلال ، هذا إضافة إلى قضية التعليم التي كان يراها في أهمية قضية الحرية.

المنفى

في العام 1912 عقد المؤتمر السنوي للحزب الوطني وألقي فريد خطابًا من خطاباته التي تهز أركان القصر والمحتل فقرر الاثنان اعتقال فريد وكل مساعديه فشنا حملة اعتقال طالت معظم رموز العمل الوطني وعلى رأسهم قيادات الحزب الوطني.

هنا قرر فريد مغادرة مصر لمواصلة الجهاد من خارجها فسافر باحثًا عن الدعم إلى تركيا ومنها إلى باريس، ثمّ إلى جنيف لحُضور مُؤتَمر السلام، وفي عام 1913 سافرَ إلى هولندا لحضور مُؤتَمر السلام.

قبل المنفى وأثناءه لم ينس فريد قلمه، فقد كتب عدة كتب تعد من أبرز ما نشر من مؤلفات لزعماء الوطنية، كتب فريد (تاريخ الدولة العلية) و(من مصر إلى مصر) و(رحلة في بلاد الأندلس ومراكش والجزائر) و(البهجة التوفيقية في تاريخ مؤسس العائلة الخديوية) و (تاريخ الرومانيين).

الوصية

في منفاه، أصيب فريد بالفشل الكلوي، ولكنه كان يتحامل على جسده ليواصل جهاده من أجل وطنه، ولكنه عندما كان في العاصمة الألمانية برلين شعر باقتراب موته.

يقول المؤرخ رؤوف عباس : أرسل فريد من برلين خطابا إلى صديقه إسماعيل لبيب، المقيم فى جنيف يطلب فيه سرعة الحضور إليه، لبى الصديق دعوته، وحين التقى به طلب منه فريد أن يتسلم صندوقا أودعه عند سيدة ألمانية، كان يسكن عندها، وأوصاه أن يحافظ عليه وأن يحمله إلى مصر– حين تسنح الفرصة – ليسلمه إلى ابنه عبد الخالق فريد، الصندوق كان يضم مذكرات وأوراق فريد .

يقول المؤرخ عبد الرحمن الرافعي : عندما ساءت صحة فريد  قال لصديقيه  الدكتور عبد العزيز عمران وإسماعيل لبيب: قضيت بعيدًا عن مصر سبع سنوات، فإذا مت فضعونى فى صندوق، واحفظونى فى مكان آمين، حتى تتاح الفرصة لنقل جثتى إلى وطنى العزيز.

الرحيل

دخل فريد فى غيبوبة قبيل موته بأيام، ثم لفظ أنفاسه الأخيرة فى منتصف الساعة الحادية عشرة من مساء السبت 15 نوفمبر من العام 1919.

عرف المصريون برحيل ابنهم البار فأقاموا له جنازة رمزية حاشدة تليق به وبهم، ولكن أين جثمان فريد.

عبيد الاحتلال والباكون على أسرة محمد علي لن يعترفوا أن نقل جثمان فريد من برلين إلى القاهرة كان مغامرة أقرب للمقامرة، وذلك لأن القصر والاحتلال لم يعلنا تحملهما لنفقات نقل الجثمان.

يقول مؤرخو حياة فريد : وضع جثمانه فى تابوت حديدي وتم حفظ التابوت فى كنيسة بالقرب من المقبرة، وبقى وديعة لدى حارس الكنيسة.

عندما مات فريد كان قد أفنى كل ثروته من أجل وطنه ، ولكن مصر هي مصر ، قد تسكت حينًا ولكنها أبدًا لا تغفل عن أولادها ، ولذا فقد أوحت مصر العظيمة إلى ابنها البار الحاج خليل عفيفى الذي كان تاجرًا من تجار محافظة الشرقية بأن يسافر على نفقته الخاصة إلى برلين ليعود بجثمان فريد ، وبالفعل سافر الحاج خليل وعاد بالجثمان في يونيو من العام 1920 ليدفن في ثرى مصر العظيمة .

بعدها بسنوات سيخلد صلاح جاهين تلك اللحظة عندما يكتب :

"وف أوضـة عريـانـة فيـها كـل شىء بـردان

رقـد فـريـد وحــده بالحـمى وبالـهذيــان

وقـام وقـف ع السـريـر فـى تـلـج المـانيا

ينـده يـا مصـر اسمـعى اللـى مفـارق الدنـيا

وصيـنـى الثـورة الاشـتـراكـية والبـنـيـان

ثـورة بحـق وحقـيـق مـش حـركة م الأعيان

ماتغـمـضوش عـن وحـوش الغـرب ولا ثانية

ح تـروح وحـوش لنجـليـز تتطلع وحوش تانية

وسـقـط ونطـق الشـهـادة ونظـرتـه الحانية

على اسم مصر ".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات الاثنين 18 نوفمبر 2019