السبت، 26 سبتمبر 2026

المنفلوطي المفترى عليه (2 ـ 2 )

في الجزء الأول من مقالنا توقفنا عند سجن المنفلوطي بسبب قصيدته التي هجا بها الخديوي عباس حلمي الثاني.

قام المنفلوطي وصديقه الصحفي الناشر أحمد فؤاد باستئناف الحكم، قبلت المحكمة الاستئناف فعدلت الحكم بالسجن لستة أشهر مع بقاء الغرامة كما هى، يدفع فؤاد ثلاثين جنيهًا ويدفع المنفلوطي عشرين جنيهًا.

وقبل مواصلة الرحلة مع المنفلوطي المفترى عليه، نتوقف قليلًا عنده صديقه الأديب والناشر أحمد فؤاد الذي أدرك من البداية أنه سيسجن ولو قدم ألف دليل على براءته فقرر فضح العائلة المالكة أمام المحكمة فقال وفق الكاتب سعد رضوان الذي أرخ لتلك القضية: «إن الرعية لم تسر حقا بقدوم الخديوي، وإن محبة الرعية الملكية أمر اختياري وما من ملك إلا وله من لا يسر بقدومه، والملك لا يستطيع إرغام رعيته على محبته، لأن الملك يملك أجسام الناس ولا يملك قلوبهم، وأنه ليس أول من جاهر وأعلن للناس مظالم الخديوي، فإن أحدًا لا ينسى قصة مدفع الوالي سعيد التي نشرتها صحف مصر فى وقتها، فقد استورد الجيش مدفعا جديدا من فرنسا، وطلب سعيد تجربته فى أحد الميادين العامة، ونقل المدفع إلى ميدان عام، وأمر بإطلاقه فاقترب منه أحد رجال الحاشية، وقال: هل يأمر أفندينا بأن نتمهل قليلا حتى يمر الناس؟.

فرد سعيد: ليس عندى وقت، أطلق النار فنحن لم نستلم الناس بالعدد!

وأكمل فؤاد كلامه قائلًا: إن الخديوي إسماعيل أراد جمع مبلغ من المال، فصنع شارات جوخ وزعها على أهالى طنطا مقابل خمسمائة جنيه للشارة.

وأضاف فؤاد: أن رجال إسماعيل حاصروا مرة بلدة بالوجه القبلي، هرب إليها أحد خصوم إسماعيل فأمر بضربها بالمدافع.

 

التشطير المريب

لم تمت القصيدة بسجن شاعرها وناشرها، بل حدث العكس، لقد زادها سجنهما انتشارًا، فرأت السلطات ـ وفق رأي جمهور المؤرخين ـ أن توجه للقصيدة ضربة قاضية.

أنقل عن الكاتبة رفيعة عبد الرازق محمد التي قصت قصة التشطير المريب: حتى تقضي السلطة على الضجة، كلفت الصحفي سليم سركيس الذي كان يصدر مجلة (المشير) بأن يبحث عن شاعر له القدرة على تحويل القصيدة المذكورة من هجاء إلى مدح، ولم يجد سليم سركيس أفضل من شاعر عراقي ضرير نزح من الموصل إلى مصر واسمه الشيخ عثمان الموصلي أو عثمان الضرير يقوم بالمهمة لمقدرته الأدبية والشعرية.

قام الموصلي بتشطير القصيدة بحيث أدى التشطير إلى قلب معنى القصيدة الأصلي ونشرت (المشير) التشطير ومنه:

(قدوم ولكن لا أقول سعيد)

على فاجر هجو الملوك يريد

لإضرابه بيت من اللؤم عامر

(وملك وإن طال المدى سيبيد)

(رمتنا بكم مقدونيا فأصابنا)

رخاء عن الجدب المبيد بعيد.

ما بين الأقواس هو من شعر المنفلوطي، والتشطير لا يكون إلا كما فعل الموصلي، شطر من المنفلوطي وشطر من عنده، وهذا أدى إلى صحوة القصيدة مرة ثانية لا موتها!

بعد سنوات سيزعم سركيس أن التشطير كان حيلة منه وليس بأمر من السلطات، لكي يضمن للقصيدة رواجًا لا يوقعه تحت طائلة القانون!

 

أيام البؤس

غادر المنفلوطي السجن، ليجد نفسه في الشارع حرفيًا، فلا وظيفة ولا مدخرات ولا جريدة تقبل أن يكتب لها، فهو عدو الحاكم، فمن يغامر بمساندته؟.

فيما بعد سيسرف المنفلوطي في سرد تفاصيل تلك الأيام البائسة، وقد بحثت أنا عن دعم عائلته له فلم أظفر بشيء.

هل نفضت العائلة العريقة يديها من ولدها بعد مغادرته للأزهر؟.

أم تلقوا أمرًا من الخديوي بترك ولدهم للأيام والليالي؟.

الإمام مرة ثانية

مر بنا أن الشيخ الإمام محمد عبده هو الذي أنقذ المنفلوطي أثناء دراسته في الأزهر وهو الذي رعى موهبته، والآن في أيام المحنة يظهر الإمام مجددًا لا لينقذ موهبة المنفلوطي فحسب، بل لينقذ حياته كلها.

سعى الإمام حتى حصل على عفو من الخديوي عن المنفلوطي، استرد بموجبه بعض حقوقه، ثم فتح له الإمام أبواب الصحف ثانية، فأمطرها المنفلوطي بمقالاته، وهى تلك المقالات التي سيجمعها فيما بعد في كتاب «النظرات» الشهير، ولم تكن المقالات لأكل العيش بل كانت لبناء وعي وتأسيس شخصية وإقرار منهج.

 

عن تلك المقالات يقول الأستاذ نجيب محفوظ: إن الجريدة التي كانت تظفر بمقال للمنفلوطي كانت تبيع النسخة بقرشين، وكان القرشان ثروة طائلة!

ومن أيادي الإمام البيضاء على المنفلوطي أنه قدمه لسعد باشا زغلول، وكان زغلول من أخلص تلاميذ الشيخ الإمام.

أحب زغلول المنفلوطي وعرف قدره فأخترع له وظيفة حكومية تقيه شر الأيام

كان سعد باشا يتولى نظارة المعارف (وزارة التربية والتعليم حاليًا) فجاء بالمنفلوطي ليتولى وظيفة «المحرر العربي» للوزارة.

 

وكانت مهام الوظيفة هى ترقية الأساليب داخل دواوين الوزارة فى قراراتها ومكاتباتها خاصة فى المسائل الكبرى التى تكتب من أجلها المذكرات المطولة والقرارات المسهبة.

لم يجد المنفلوطي مشقة في وظيفته، فهو وُلد ليكتب، ووظيفته هى الكتابة التي لا يعرف غيرها، تواصلت أيام الراحة حتى طرق بابه في العام 1905 خبر رحيل شيخه الإمام محمد عبده.

 

هنا ضاق السيد مصطفى بكل شيء، فقد خسر المساعد والمعين، فقرر تحت وطأة أحزانه على شيخه العودة إلى منفلوط!

مكث الرجل في مسقط رأسه عامين كاملين، معتزلًا كل نشاط عام، ثم ـ شأن كل أصحاب الرسالات ـ تخلص من عزلته وأحزانه وعاد إلى القاهرة ليواصل مقالاته ومعاركه مع المحتل وأعوانه من حكام القصر.

جناية المازني

في العام 1921 نشر الأستاذان محمود عباس العقاد وإبراهيم عبد القادر المازني كتبهما الشهير «الديوان» كانا أيامها من الناشئين في عالم الأدب والثقافة، وكان المنفلوطي الذي سبقهما في الميلاد باثنتي عشرة سنة كاملة يعد من أكابر الأدباء.

لا أعرف هل هو طيش الشباب أم حب الشهرة الذي جعل الشاب المازني يهجم على المنفلوطي هجمة ستكون دليل الاتهام الأول ضده، بل أكاد أقول الأوحد.

كتب المازني عن المنفلوطي فقال: «ماذا في كتابات المنفلوطي مما يستحق أن يعد من أجله كاتباً أو أديباً إلا إذا كان الأدب كله عبثاً في عبث لا طائل تحته؟ سمعت بعض السخفاء من شيوخنا المائتين يقول إن في أسلوبه حلاوة. ولو أنه قال نعومة لكان أقرب إلى الصواب، ولو قال أنوثة لأصاب المحز».

 

بربك هل هذا نقد أم هو النقض والنسف؟.

الشاب المازني سمع لا شك برأي الأساتذة في المنفلوطي ولكنه تجاهل كل كلام يصب في صالح الرجل.

قال أحمد حسن الزيات عن المنفلوطي: «لقد عالج الأقصوصة أول الناس وبلغ في إجادتها شأواً ما كان ينتظر ممن نشأ كنشأته في جيل كجيله، وسر الذيوع في أدبه أنه ظهر على فترة من الأدب اللباب، وفاجأ الناس بهذا القصص الرائع الذي يصف الألم ويمثل العيوب في أسلوب رفيع وبيان عذب وسياق مطّرد ولفظ مختار».

وقال حافظ إبراهيم: «المنفلوطي حسن الديباجة، منسجم الكلام، رقيق المعنى».

وعنه قال وليّ الدين يكن: «السيد مصطفى لطفي المنفلوطي رجل من كبار كتّاب القلم في زماننا، فهو من كتّاب الطبقة الأولى،

و شعر  المنفلوطي كالعقود الذهبية، إلا أن حبات اللؤلؤ فيها قليلة، فهو يخلب بروائعهِ أكثر مما يخلب ببدائعهِ».

كأن الأستاذ المازني لم يجد في الورد عيبًا فراح ينتقد اعتزاز المنفلوطي بنسبه فقال يخاطبه: «وما للقراء ولأجدادك الذين لم تزدنا بهم علماً فيشفع لك ما أفدت في سماجة ما كتبت، ولقد قرأنا لجيته شاعر الألمان الضخم كتاباً في تاريح حياته يقع في أكثر من ستمئة صفحة، ولا نذكر أنه أورد اسم أبيه حتى ولا في سياقة الحديث».

عجيب هذا النقد، هل جوته منزل من السماء، فإذا لم يذكر أباه، يصبح فرضُا على كل أديب أن يسكت عن والده؟.

ثم صنو المازني أعني الدكتور طه حسين نسب المتنبي العظيم إلى الفاحشة لأن المتنبي لم يفتخر بوالده في شعره.

فهل المقدر لنسبه المعتز به على خطأ وغير المقدر على خطأ أيضًا؟.

ثم يجعل الأستاذ المازني من نفسه آلة حاسبة فيقول في نقده لكتاب المنفلوطي الشهير «العبارات»: «كل لفظة يمكن الاستغناء عنها قاتلة للكاتب، فإن العالم أغنى في باب الأدب من أن يحتمل هذا الحشو … وقد عددنا إلى الآن 572 مفعولاً مطلقاً ولا ندري إلى أي رقم يرتفع العدد إذا استقصينا».

 

نقد المازني للمنفلوطي يشبه الخروب، طن من الخشب ودرهم من الحلاوة، ولكن المزعج أن كثيرين المعاصرين لم يقرأ الواحد منهم مقالًا واحدًا للمنفلوطي، يردد نقد المازني كأنه وحي إلهي!

عاب المازني على المنفلوطي ما فعله بالروايات الغربية ونسب ذلك إلى محبة المنفلوطي للشهرة!

والحق أن المنفلوطي كان يعيش بين الجيل الذي لا يعرف كتابة الرواية وفق القالب الغربي، والرجل لم يصف نفسه يومًا بالمترجم، هو كان ينتقي الروايات التي يشهد لها عارفو اللغات الغربية ويدفع بها إلى مترجم متخصص، وبعد الترجمة يعيد هو صياغتها وفق البيان العربي الناصع، وطبعًا كان ينسب العمل إلى صاحبه، فأي محبة للشهر تتكلف كل هذا العناء؟.

لقد ساعد تعريب المنفلوطي للروايات على ذيوعها وقد قال الأستاذ محفوظ إنه في صباه قد قرأ رواية من الروايات التي عربها المنفلوطي عشرين مرة!

وقد تأسس على نقد المازني لصاحب العبرات والنظرات اتهام جديد بأنه رجل حزين يعمل على استجداء الدموع من عيون القراء.

نعم المنفلوطي كان حزينًا ولكنه لم يكن كئيبًا، الرجل دفن بيديه أربعة من أولاده الذكور، فكيف كان سيأتيه الفرح؟

ثم هناك ما عناه من قسوة السجن، ثم البطالة بعد السجن، ثم التضييق عليه، ثم الغربة عن أهله وعائلته، الذي عاش حياة كحياة المنفلوطي يصبح من حقه أن يحزن وأن يعبر عن أحزانه.

 

مفارقة الرحيل

وفق الحسابات البشرية كان يجب أن يعمر المنفلوطي طويلًا، ولكن: «وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ».

كان المنفلوطي يملأ الدنيا ويشغل الناس وكان في الرابعة والأربعين من عمره، وهى سن اكتمال الفتوة ولياقة الكتابة، وكان لصاحبه القديم سعد باشا زغلول مكانة عند الشعب لا تضاهيها مكانة، وفي يوم الخميس 12 يونيو تعرض الباشا لمحاولة اغتيال هزت الشارع هزًا، في ذلك اليوم رحل المنفلوطي!

كانت الأبصار كلها متجهة صوب بيت الزعيم، فلم يعرف أحد برحيل المنفلوطي الذي شيع إلى مثواه في جنازة فقيرة لا تليق لا باسمه ولا بمكانته، وما كان أحكم أمير الشعراء شوقي عندما رثا المنفلوطي قائلًا:

اخترت يوم الهول يوم وداع

ونعاك في عصف الرياح الناعي

هتف النعاة ضحى فأوصد دونهم

جرح الرئيس منافذ الأسماع

من مات في فزع القيامة لم يجد

قدما تشيع أو حفاوة ساع.

 

منشور بموقع أصوات أون لاين بتاريخ 5 يوليو 2020م.

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

المنفلوطي المفترى عليه (1 ـ 2 )

 


المنفلوطي المفترى عليه (1 ـ 2 )

كثيرًا ما سألت نفسي: أي جرأة كان يمتلكها نجيب محفوظ وهو يكتب بالفصحى شخصية مثل شخصية " زيطة صانع العاهات"؟

كيف لم يعرف التردد طريقه إلى قلب محفوظ الناشئ وهو يقرر قرارًا نهائيًا لا رجوع عنه أن رواياته وقصصه النابتة من قلب الحارة القاهرية لن تكتب سوى بالعربية الفصحى؟

كيف أفلت من تأثير أستاذه سلامة موسى وهو من أكابر الداعين إلى الكتابة بالعامية؟

ظلت تلك الأسئلة تشغلني إلى أن وجدت ما أعتقد أنه الجواب الشافي، إن كلمة السر في تكوين محفوظ هي " مصطفى لطفي المنفلوطي ".

كان من حسن حظ الأدب العربي أن الكاتب الأستاذ إبراهيم عبد العزيز قام بجمع معظم الحوارات التي أجريت مع محفوظ ونشرها في كتابين " نجيب محفوظ بقلم نجيب محفوظ " و " أنا نجيب محفوظ ".

في الكتاب الأول يستفيض محفوظ في ذكر المنفلوطي فيقول:" إن معرفتي بالتراث بدأت من القرآن الكريم والأحاديث إلى الشعر الجاهلي، تأتي بعد ذلك مرحلة المنفلوطي، وما أدراك ما المنفلوطي وأثره في تهذيب النفوس؟

 تعلقت بالمنفلوطي وكان هو المدرسة الإلزامية لجيلنا كله، أسلوبه جديد جميل ساحر فيما يتناوله من موضوعات كانوا يترجمونها له ويقوم هو بتعريبها بطريقته المتميزة الآتية من بين أساليب صعبة جدًا، فكان مثل " المياه الحلوة" ولهذا كان له تأثير في جيلنا كله، كنا نتعلم اللغة والنحو منه فقد قام بنقلة كبيرة جدًا قبل المجددين.

ولقد كنت أعلق له صورة في بيتنا على أساس أنه على قيد الحياة ، واتضح لي أنه فارق دنيانا فبكيت عليه بعد وفاته بعشر سنوات

كنت محاكيًا ومتأسيا بلغة أستاذي طه حسين ، أما المنفلوطي فقد ولدت في حضنه لذا قمت بتقليده تقليدًا صريحًا في أعمال لم  أنشرها ".

ما سبق على أهميته وخطورته يعد قطرة من بحر محبة محفوظ للمنفلوطي واعترافه بفضله ومكانته بين الأدباء ، تلك المحبة ستبلغ ذروتها في اعتراف لمحفوظ  نجده في سطر من سطور رواية "السكرية " وهذا السطر لفت نظر المؤرخ الأستاذ صلاح عيسى  فجعله مفتاحًا لفهم المنفلوطي وتأثيره ، في السكرية يقول أحد أبطالها :" إن أسود ثلاثة أيام عاشها كانت تلك الأيام التي شهدت رحيل سيد درويش وانفصال السودان عن مصر ورحيل مصطفى لطفي المنفلوطي".

فمن هو المنفلوطي الذي يجحد البعض ذكراه ومكانته ويرون ضرورة التخلص منه ومن إنتاجه؟

ميراث الأجداد

ولد مصطفى لطفي بن محمد لطفي بن حسن لطفي في العام 1876 بمدينة منفلوط إحدى أشهر مدن محافظة أسيوط ، أبوه عربي مصري ، وأمه تركية ، ويعلو نسبه إلى الفرع الحسيني من آل البيت الكرام .

كانوا يأخذون عليه اعتزازه بنسبه ، وهذا من عجيب النقد المصري!

كانت أسرة مصطفى تكاد تحتكر معرفة  علوم الشريعة واللغة ومناصب القضاء، نشأ مصطفى عارفًا بنسبه الشريف وبمكانة أسرته ، فحفظ القرآن الكريم كله وهو دون العاشرة من عمره، ثم كان لا بد من الإقامة في القاهرة للدراسة في الأزهر .

غادر الطفل مصطفى حضن أسرته ورعايتها حبًا في الأزهر.

تحمل الطفل عناء الغربة وأظهر تفوقًا ملحوظًا في دروس اللغة والأدب، فكان تفوقه هذا نكبة عليه.

لقد شغف مصطفى بالأدب ، وظني أن شغفه هذا جعله يهمل في دراسة علوم الشريعة وهى فخر الأزهر الأول ، فضاق به زملاؤه فراحوا يضيقون عليه ، حتى ترك الدروس كلها بل والأزهر ذاته ولم يحصل على شهادته ، منقطعًا لدراسة الأدب.

العودة إلى منفلوط بخفي حنين كانت كارثة ستهز أعمدة الأسرة ، والبقاء في القاهرة لدراسة الأدب ، كان عملًا جنونيًا .

عاش مصطفى هذه الحيرة وتحمل صابرًا تبعاتها إلى أن لاحت في آخر النفق أضواء الشيخ الإمام محمد عبده.

لزم مصطفى مجلس الإمام وشرب من بين يديه الأدب واللغة.

عدوى الثورة

كان الشيخ الإمام محمد عبده من وجوه الثورة العرابية النيرة ، ثم بعد هزيمتها لم يتنكر لها وإن جنح إلى نوع من الإصلاح الهادئ البعيد عن صخب الثورات ، ولكن بقيت جذوة الثورة مشتعلة بين جوانحه ، ومن معطف الإمام سيخرج جيل جديد يفجر ثورة جديدة 1919.

من أبرز رجالات هذا الجيل كان مصطفى لطفي المنفلوطي الذي اصطدم مبكرًا بأسرة محمد علي الحاكمة .

كان المنفلوطي قد غادر الأزهر ولم يحصل على شهادته ولكنه حاز ما أستطاع إليه سبيلًا من علوم اللغة والشريعة ، فأصبح واحدًا من الكتاب الصحفيين الذين يلهبون ظهر المحتل الإنجليزي بسياط مقالاتهم.

يرصد الكاتب الأستاذ أحمد عبد الهادي تفاصيل هذه الفترة من حياة المنفلوطي في كتابه " المنفلوطي .. حياته ومؤلفاته " فيقول ما مخلصه : إن المنفلوطي بدأ حياته الأدبية شاعرًا ثائرًا يكاد يوقف شعره على القضية الوطنية التي لا هدف لها أسمى من طرد المحتل والتخلص من الخونة أعوان الاحتلال ، ففي العام 1897 نشر المنفلوطي قصيدة تحت عنوان " تحرير مصر " ووقعها باسم " عدو الاحتلال ".

كانت مصر أيامها تحت حكم الخديوي عباس حلمي الثاني الذي كان مقدرًا من أطياف واسعة من الشعب ، لكن المنفلوطي كان يرى الدودة التي في أصل الشجرة فقال :

ألا رايةٌ للعدلُ في مصرَ تَخفُق

لعل مساعي دولة الظلم تخفق

ألا صدمةٌ للجور توقف سيره

فيجبر ذاك الكسرُ والفتقُ يرتقُ

ذهِلنا فما ندري أولى أمورنا

بلندنَ أم في مصرَ كيفَ نُفرِّقُ؟".

وقد انتشرت هذه القصيدة بين الناس انتشار النار في الهشيم ، وعرف الجميع أن شاعرها هو مصطفى لطفي المنفلوطي ، وقد وقعها باسم مستعار لكي يفلت من الملاحقة الأمنية والقضائية .

ثم حدث أن الخديوي عباس حلمي الثاني قد قام برحلة داخل الوطن ، وكانت المدن الكبرى تحسن استقباله ووداعه ، وكانت الصحف ، وعلى رأسها صحيفة المؤيد تبالغ في تغطية أخبار الرحلة الداخلية.

في صباح الثالث من نوفمبر من العام 1897 عاد الخديوي من رحلته التي ختمها بزيارة ثغر الإسكندرية، غير مدرك أن قنبلة شعرية ستنفجر في وجهه بعد قليل.

في يوم الخميس الرابع من نوفمبر ذهب الشاعر الشاب السيد مصطفى لطفي المنفلوطي إلى الصحفي السيد أحمد فؤاد صاحب جريدة " الصاعقة " وكأن أحمد فؤاد صحفيًا من الأحرار الكارهين للمحتل ولأعوانه .

قدم المنفلوطي لفؤاد قصيدة من خمسة وعشرين بيتًا تندد بالخديوي وبرحلته وتتمنى زوال ملكه وتهجو أجداده.

رغم خطورة القصيدة التي كانت تسبح ضد التيار فإن أحمد فؤاد قد وافق على نشرها، وزيادة في السخرية من المقام الخديوي فقد صدرها بهذه الجملة " تهنئة مرفوعة إلى سمو خديوي مصر لمناسبة عودته من ثغر الإسكندرية إلى العاصمة ".

بعد تلك الجملة بدأت القصيدة التي قال فيها المنفلوطي :

قدومٌ ولكن لا أقولُ سعيدُ  

وملكٌ وإن طالَ المدى سيبيدُ

بعدتَ وثغر الناس بالبشرِ باسِمٌ

وعدتَ وحُزنٌ في الفُؤادِ شديدُ

تذكرنا روياكَ أيامَ أُنزِلَت

علينا خطوبٌ من جُدودِكَ سُودُ

كأني بقصرِ الملكِ أصبحَ بائداً

من الظلمِ والظلمُ المبينُ مُبيدُ

أعباس ترجو أن تكونَ خليفةً

كما ودَّ آباءٌ ورامَ جُدودُ

فيا ليتَ دنيانا تزولُ وليتنا

نكون ببطنِ الأرض حين تسودُ".

حظ هذه القصيدة من الانتشار لم يقل عن حظ سابقتها، بل فاقه بمراحل، لقد نسخ الشعب القصيدة، وباعها البائعون بخمسة فرنكات للنسخة الواحدة، وتلك الفرنكات كانت ثمنًا لديوان المتنبي كاملًا!

غياهب السجن

كانت السلطات تعرف أن المنفلوطي هو صاحب القصيدة، ولكنها تجاهلته وقصيدته لكى يموتا مختنقين بالصمت، وراهنت السلطات على أن الشعب الذي نسخ القصيدة سرعان ما سينساها منشغلًا بأمر جديد من أمور الحياة، ولكن تقدرون فتضحك الأقدار، لقد خاب رهان السلطات فقد عبرت القصيدة الحدود ووصلت إلى قلب لندن فقامت جريدة " التايمز " بترجمتها ونشرها فعرف بها في الغرب ما يقارب المليون قارئ !.

هنا تحركت السلطات وطلبت النيابة محاكمة منشئ القصيدة ، فتم القبض على ناشرها أحمد فؤاد الذي لم يعترف باسم المنفلوطي ، فضاق صدر الخديوي لأنه عارض من البداية الاكتفاء بمحاكمة الناشر ثم لأنه رأى التخلص من السيد توفيق البكري الذي كان رئيس لجنة الموازنة في مجلس شورى القوانين ، وكانت العلاقة بينه وبين الخديوي قد بدأت تسوء .

أنكر البكري تأليفه للقصيدة ، ولم تجد النيابة دليلًا يؤيدها ، فحفظت التحقيقات مع البكري، وبالضغط على ناشر القصيدة أحمد فؤاد ، اعترف بأنه طبع القصيدة في مطبعة الشيخ محمد الخيامي ، وبالقبض على الخيامي اعترف بأن مصطفى لطفي المنفلوطي كان مع فؤاد يراجع معه القصيدة .

في اليوم الرابع من ديسمبر من العام 1897 صدر الحكم ضد أحمد فؤاد بالحبس عشرين شهرًا وغرامة قدرها ثلاثون جنيهًا ، وضد المنفلوطي بالحبس اثني عشر شهرًا وغرامة قدرها عشرون جنيهًا.

لجأ المنفلوطي إلى استئناف الحكم فماذا حدث؟.

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

موقع أصوات الاثنين 29 يونيو 2020


الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

ثورة أسوان المنسية (2 ـ 2)


 

توقفنا في المقال الأول الذي يتناول كتاب “سجين ثورة 1919” للمناضل الدكتور محمد مظهر سعيد، عند ذهابه للعمل مدرسًا في أسوان بصحبة رفيق دربه “محمد حبيب أحمد”.

فلماذا قبل محمد مظهر الذهاب إلى أسوان ليعمل مدرسًا بمدرسة ابتدائية براتب لا يتجاوز الجنيهين شهريًا، وهو ابن العائلة الثرية؟... لقد ذهب ليس بحثًا عن المال بطبيعة الحال، بل لأن المحتل وضعه وصديقه حبيب في القائمة السوداء، ومنعهما من استكمال الدراسة في مصر أو خارجها، كما منعهما من أي عمل كان، ولذا فقد فرحا عندما قبلت بهما مدرسة أهلية تعيش على معونة بسيطة من الحكومة وعلى صدقات أهل الخير. كان مظهر وصديقه من المؤمنين بأنهما صاحبا رسالة لابد وأن يقوما بتبليغها، وما كانت رسالتهما سوى نشر العلم وتنبيه الأمة لحاضرها، الأمة كانت قد سقطت تحت حافر الاحتلال البغيض، ولذا راحا ينشران المقاومة بمختلف أشكالها.

في أسوان سكنا فيلا كان يمتلكها ألماني يتجسس لصالح بلاده، وعندما فر من مصر ترك الفيلا الراقية بكل ما بها من أثاث، وأدوات للتجسس، وهي الأدوات التي ستقع في يد مظهر وصاحبه وسيقومان بتقديمها للمسئولين الحكوميين.

مضت الأيام وهما يفلتان بأعجوبة من ضابط بوليس مصري كان يعد عليهما أنفاسهما، حتى وصلتهما رغبة سعد باشا زغلول في جمع توقيعات لصالح الوفد المصري. كان جمع التوقيعات عملًا في غاية الخطورة، كأنه تأسيس لتنظيم مسلح، فالمحتل لا يريد إثارة قضية الاستقلال، وعبيد المحتل فقدوا كل ثقة بأنفسهم وبعزة بلادهم وراحوا يضربون بيد من حديد على رأس كل راغب في استقلال مصر.

تقدم مظهر وصاحبه الصفوف واستطاعا بطرق معقدة الاتصال بسعد باشا، الذي أرسل لهم عرائض التوقيع. وقع التجار والأعيان ومعظم المتعلمين على عرائض الوفد، ثم سرت روح المقاومة بين طوائف الشعب، فوقع معظم أهل أسوان.

يوم الحسم

أرسل مظهر العرائض إلى القاهرة، ثم عاد ينظم الصفوف ليوم الحسم والحشد، لقد تمكن وصاحبه حبيب من حشد كل طلاب المدارس والأعيان وكبار التجار والموظفين للتظاهر السلمي المندد ببقاء الاحتلال .وقبل انطلاق المظاهرة تواصل مظهر مع قوات الجيش المصري الموجودة في أسوان وحصل منهم على تعهد بعدم قمع المظاهرة، فما كان من قائد فرقة الجيش إلا أن قال له: “سنكون معكم وسنمنع الشرطة من التنكيل بكم”.

في نفس الوقت قامت قوات الاحتلال، التي كانت تتمركز في خزان أسوان بوضع المتفجرات في جسد الخزان لنسفه وإغراق البلاد بفيضان عارم. علم مظهر بذلك، فعاد إلى الجيش لكي يحمي الخزان، فقام الجيش بحماية الخزان، ثم انطلقت المظاهرة التي عندما تقرأ تفاصيلها وجلال تنظيمها لن تملك دموعك، إنه مخزون مصر الحضاري الذي يتجلى ساعة الأزمة.

نحن الحكومة

نجحت المظاهرة نجاحًا عظيمًا، ففكر مظهر ورفاقه في تنظيم شئون البلاد، فشكلوا مجلسًا أعلى يتولى الحكم بعد خلع قيادات الاحتلال وعبيدهم. أعترف أهل  أسوان بحكومة مظهر وتعاونوا معها لكي تنجح وتستمر في العمل، لأنها عملت من أولى لحظاتها على رفع الظلم عن المصريين، والتعامل مع الانجليز بوصفهم قوة احتلال يجب أن يرحل. بعد نجاح حكومة الثورة، جاءت قوات الاحتلال من السودان لقمع الثورة وإسقاط حكومتها. بمجيء قوات الاحتلال العسكرية، ارتفع صوت عبيد الاحتلال قائلين: “نحن ضد المظاهرات التي ستخرب البلد، والمظاهرات لن تخرج الإنجليز، ثم لماذا يخرج الإنجليز أصلًا ؟”.

 

حكم الإعدام

بعد مطاردات وأحداث جسام، وقع مظهر ورفاقه في قبضة الاحتلال الذي قام بسجنهم في أسوأ سجن، حتى أن مظهر يقول إنه لم يكن يقضي حاجته إلا مرة كل ثلاثة أيام، وذلك لأن قضاء الحاجة كان يتم في العراء أمام أعين الناس، ورجل كمظهر لا يمكن له أن يتعرى أمام أحد.

وفجأة تبدل الحال، عندما جاء قائد من قادة الاحتلال وتفاوض مع الثوار، وتحدث مع مظهر ورفاقه وعرف ثقافتهم الرفيعة وعراقة أصولهم. نقلهم القائد إلى غرف في فندق، ففرح مظهر وحبيب، لكن أحد الثوار وكان صاحب خبرة ،قال لهما “لا تفرحا، فهذه الرقة المفاجئة سندفع ثمنها قريبًا”.

لم يلتفت مظهر ورفاقه لتحذير رفيقهما، وتمتعا بالإقامة في السجن الفندقي، حتى أن مظهر كان يجلب الروايات والكتب إلى داخل غرفته المرتبة النظيفة وثيرة الفراش. ثم فجأة  أيضا، هبط عليهم القائد الإنجليزي ليخبرهم بأنه قد كتم عنهم لشهور حقيقة موقفهم. أبلغهم بأن حكما قد صدر بحقهم منذ زمن بعيد، لكنه لم يكن يستطيع تنفيذه، ولكن جاءت الأوامر بضرورة التنفيذ. لقد كان حكم بالإعدام قد صدر بحق الثوار الذين صعدوا إلى منصة الإعدام وهم يهتفون بحياة الوطن ويسألون الله قبول شهادتهم في سبيله.

وقف الأبطال الثوار على منصة الإعدام ،وجاء جنود الاحتلال فوضعوا ورقة بيضاء فوق قلب كل ثائر لكي يصوبوا طلقات بنادقهم على موضع القلب تمامًا.

صرخ قائد التنفيذ في جنوده: استعدوا.. وقبل أن يطلق الجنود الرصاص على الثوار بلحظات معدودة، جاءت سيارة تحمل قائدًا من قادة الاحتلال، ليبلغهم بوقف تنفيذ الحكم.

الثورة دائمًا

نُقل الثوار إلى سجن جديد في غاية السوء، حيث مكثوا  قرابة العام، ونجوا بأعجوبة من محاكمة عسكرية جديدة، وخبأت نيران الثورة في القلوب، بعدما تمكّن المحتل من رقاب الجميع، فكان الثائر القديم لا يذكر أيام ثورته بكلمة بل يتهرب من إعلان مشاركته فيها، لقد أصبحت مصر سجنًا كبيرًا يلقف كل ثائر.

مضت الأيام، وتزوج حبيب من شقيقة مظهر، ورأى مظهر أن ثورته لا تزال متقدة في قلبه، فعمل على هزيمة المحتل في ساحة العلم، بعد أن عرف حقيقة الثورة، إنها الذهاب إلى الأمام وإلى الأعلى، نعم فشلت الثورة في تحقيق هدفها الأول وهو طرد المحتل، لكنها حققت أهدافًا أخرى عظيمة، فقد جاءت بأول دستور للبلاد، وبانتخابات نيابية نزيهة، وقادت حركة التمصير، ومن رحمها وُلدت قيادات كبرى مثل النحاس ومكرم عبيد وطلعت حرب، ولأن مظهر كان يدرك هذه الحقائق ويحترمها فقد هزم الاحتلال في عقر داره.

عن معجم البابطين أنقل هذا الختام لحياة المناضل العظيم محمد مظهر، فقد حصل على ليسانس المعلمين العليا (قسم العلوم). ثم سافر إلى إنجلترا لمواصلة تعليمه، والتحق بجامعة برمنجهام، وحصل على بكالوريوس الرياضيات العالية، ثم ماجستير ودكتوراه في تخصص علم النفس.

عمل أستاذًا مساعدًا لعلم النفس بجامعة برمنجهام بلندن، ثم عاد إلى مصر، فعمل أستاذًا فرئيسًا لقسم علم النفس بمعهد التربية العالي، وأستاذًا بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.

انتدب مديرًا لكلية المعلمين العليا ببغداد، ثم خبيرًا فنيًا لوزارة المعارف العراقية.

ثم عاد مجددا إلى مصر ليعمل مفتشًا عامًا لعلم النفس والتربية بوزارة المعارف المصرية، ثم مديرًا للجامعة الشعبية، ومديرًا عامًا للخدمات الاجتماعية والثقافية بهيئة التحرير العليا عقب إعلان الجمهورية، وأستاذًا متفرغًا بعدة كليات، كما عمل خبيرًا ثقافيًا واجتماعيًا لجامعة الدول العربية على مدى خمسة وعشرين عامًا منذ إنشائها حتى وفاته عام 1970.

أسس جمعية نهضة القرى ومكافحة الأمية (1932) وكان مديرًا لها، وأسس لجنة التأليف والترجمة الدينية، وجمعية الصحة العقلية، وجمعية الدراسات الجنائية.

عُهد إليه (1949) الإشراف على لجنة جامعة الدول العربية لدراسة شؤون اللاجئين الفلسطينيين، ووضع المقاييس السيكولوجية لاختيار ضباط الشرطة والجيش في مصر (1932) ، وفي العراق (1937).

له قصائد نشرتها صحف ومجلات عصره، وله شعر مخطوط بحوزة أسرته، وله ملحمة شعرية بعنوان «ملحمة الجهاد» – طبعت في لبنان. وله مؤلفات عديدة، منها: «نحن والإنجليز» و«علم النفس النظري»، و«علم النفس الاجتماعي بين الإسلام والعالم الحديث»، و«علم النفس الجنائي – علم النفس المسرحي»، و«الأسرة والمجتمع»، و«برنارد شو»، و«جمهورية أفلاطون بالاشتراك مع نظلة الحكيم»، إضافة لأكثر من ثلاثين كتابًا أصدرتها الجامعة العربية في مجال المعرفة العامة.

 

منشور بموقع أصوات بتاريخ 25 فبراير 2019

ثورة أسوان المنسية (1-2)

 


يعد العالم الكبير الدكتور محمد مظهر سعيد أسطورة من أساطير زماننا القديم. ولد الرجل في العشرين من أغسطس من العام 1898، أي في الفترة التي شهدت فتوة وعنفوان الاحتلال الإنجليزي لبلادنا. كان أبوه مهندسًا فرنسي الثقافة، وكانت أمه من المتعلمات المثقفات ويكفي أنها كانت تجيد الإيطالية والفرنسية.

عندما كان الطفل محمد يزور جدته لوالدته التي كانت تقيم في أسيوط، كانت الجدة تقص عليه أخبار أجداده قادة الأساطيل وأمراء البحار الذين استشهدوا دفاعًا عن الملة والدولة، وكانت تخص بالذكر جده لطيف باشا الكبير الذي كان حاكمًا عامًا للسودان قبل الثورة المهدية، وكان من مؤيدي الضباط المصريين ضد حكومة نوبار بل وضد الخديوى ذاته. أما جدته لأبيه، والتي كانت تقيم في بني سويف، فكانت تحكي له عن جده عبد الرحمن كتخدا نائب والي مصر الذي ساند المصريين ضد المماليك، فغضب عليه أمراء المماليك  ففر من وجوههم وسكن أرض الحجاز.

وعلى صوت أبيه وهو ينشده الأشعار التي تمتدح شهداء دنشواي الذين شنقهم الاحتلال الانجليزي نشأ الطفل محمد، تلك القصائد الحارة التي سكنت قلبه وأقامت بداخله فلم تغادره أبدًا.

 

طفل مشاغب يكره المحتل

إذن فقد شب الطفل محمد وهو يحفظ قصائد الرثاء التي كتبها الشعراء تخليدًا لذكرى دنشواي، وعندما التحق بمدرسة عباس الابتدائية بالقاهرة وهو في الثامنة من عمره ، رأي مفتشًا إنجليزيًا فصاح في وجوه زملائه : هذا هو جلاد دنشواي . كان  قد حفظ شعر حافظ إبراهيم الذي جاء فيه:

أنت جلادنا فلا تنس / أنّا لبسنا على يديك الحدادا.

وهو بيت من قصيدة هجاء المحامي المصري الشهير إبراهيم الهلباوي الذي كان يدافع عن الإنجليز وقدم مرافعة شهيرة جلبت الإعدام لأربعة من المصريين في مذبحة دنشواي، ولكن ذهن الطفل تعلق بصورة الجلاد مفترضًا أن كل جلاد لابد أن يكون إنجليزيًا

.

صياح محمد جعل الأطفال يصيحون بدورهم ، فخرج الجميع في مظاهرة يقودها محمد رافضة وجود مفتش إنجليزي في المدارس المصرية. وتطور الموقف، ليتم فصل الطفل المشاغب فصلًا نهائيًا لا يحق له معه الذهاب إلى أي مدرسة أخرى.

بعد تفكير عميق في مصير محمد، لجأت الأسرة إلى حيلة عجيبة، لقد رحل الطفل إلى بني سويف ليقيم مع جدته، وهناك قام الأب بتحريف اسم ابنه وقدم شهادة للمدرسة باسم محمد مظهر سعيد الذي كان مهندسًا شهيرًا في ذلك الزمن وكان عمًا للأب. أما الاسم الحقيقي للطفل “محمد حسن سعيد ” فسيختفي إلى الأبد وسنعرف الرجل باسمه الجديد.

في كتابه الجليل “سجين ثورة 1919″، والصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة ضمن احتفالها بمئوية هذه الثورة الأم، يسجل لنا محمد مظهر سعيد هذه الصفحات من نشأته الأولى، ثم التحاقه المدرسة حيث واظب على حفظ الأشعار الوطنية وخطب مصطفى باشا كامل الذي توفي في العام 1908 وهو في ريعان شبابه، فأقام الوطنيون حفلة تأبين له كان بطلها الطفل مظهر الذي ألقى على الجمع المحتشد خطبة نارية تنادي بحرية البلاد وترثي زعيم الوطنية الشاب.

 ربما كان على مظهر أن يتوقف مراعيًا حساسية وضع أسرته أو طامحًا لمكان مرموق تحت ظل شمس الاحتلال، لكن النفحة الإلهية المنادية بالكرامة والحرية  جرت في عروق الطفل مجرى الدم. وحين رأي الأب اندفاع ابنه المراهق نحو العمل السياسي الرافض لوجود الاحتلال والداعي لمقاومته بكافة أشكال وأنواع المقاومة، قال له: “تعلم أولًا وتعلم جيدًا ثم افعل بنفسك ما تشاء”. فالتحق مظهر بالمدرسة الخديوية الثانوية لكي يقع الاصطدام المباشر بينه وبين المحتل.

 

في فضح الإنجليز

في صفحات كتابه التي تبدو كماء النار يقذف “محمد مظهر سعيد” عيون “عبيد الاحتلال” الذين يتغنون بالتعليم البريطاني وبعظمة المدرسين البريطانيين، يفضح تلك الأكاذيب، “لقد كانت بريطانيا العظمى لا ترسل إلا الجهلاء من أبنائها ليكونوا مدرسين للمصريين، فمدرس الجغرافيا كان كالحمار وكذا مدرس التاريخ والرياضيات، ولم يكن يشذ عن تلك القاعدة إلا مدرس من بين كل عشرة مدرسين”. أما المناهج فكانت تسبح بحمد بريطانيا وتهجو المصريين المتخلفين المرضى الحاسدين لبريطانيا.

كان من زملاء مظهر في المدرسة العالم الشهير “مصطفى مشرفة” والتربوي الشهير “إسماعيل القباني” وكان معه أيضًا “السيد محمد يوسف” الذي سيصبح وزيرًا للتعليم في عهد ثورة يوليو. لكن هؤلاء الثلاثة لم يكن لهم نشاط سياسي مثل مظهر فواصلوا طريق التعليم لا يحيدون عنه.


في العام 1914 تقدم مظهر للالتحاق بكلية الطب، فرأي مدير المدرسة الإنجليزي صغر سنه وضآلة جسده فصاح: كيف دخل هذا الطفل إلى مدرستي؟. فرد عليه مظهر بإنجليزية راقية: “لست طفلًا، وهذه مدرسة مصرية وأنت لا تمتلكها”. فما كان من المدير سوى أن ركل مظهر بكل قسوة ليطرحه أرضًا ثم قرر فصله فصلًا نهائيًا.

في هجاء السلطان

ذهب مظهر ليلتحق بمدرسة المعلمين العليا، وكانت بريطانيا قد خلعت عباس حلمي الثاني وولّت حسين كامل سلطانا على مصر، وجرّمت التظاهر وفرضت كل قوانينها على مصر، فأصبحت البلاد مستعمرة إنجليزية كغيرها من المستعمرات. لم يسكت مظهر ورفاقه على هذا التدخل السافر في أحوال الوطن، فكانوا يعقدون اللقاءات

 

في المقاهي هربًا من أعين الشرطة التي تتجسس عليهم، وظل مظهر يحرض زملاءه على الثورة، حتى جاء يوم قال فيه مدرس بريطاني للطلاب “أنعموا يا أولاد أنتم من الآن رعايا بريطانيا شئتم أم أبيتم”. فانبرى له الطالب “محمد حبيب أحمد” قائلًا: “أولا لسنا أولادًا وثانيًا نحن لسنا رعايا. وهنا تدخل مظهر ليقول: “مصريون كنا وسنبقى أما أنتم فمستعمرون”. هاج الطلاب وصرخوا في البريطاني: اخرج من الفصل. فخرج البريطاني مطرودًا لكنه أسرها في نفسه.

 وحين قرر السلطان حسين كامل زيارة المدرسة، جّهز مظهر ورفاقه أنفسهم ليستقبلوه أسوأ استقبال، لأنه واقع في غرام المحتل، فراحوا يقلدونه بصوت منّغم “عفارم عفارم” ليصبح السلطان هدفا لسخريتهم، فما كان منه إلا أن تعاون مع أحبابه الإنجليز وأصدر أمرًا بفصل مظهر وحبيب فصلًا نهائيًا.

حاول مظهر ورفيق نضاله حبيب السفر لاستكمال تعليمهما في تركيا أو فرنسا أو لبنان، لكن بريطانيا كانت قد وضعتهما على القائمة السوداء، فسافرا إلى أسوان ليقودا الثورة من هناك، والأسبوع القادم بإذن الله نعيش تفاصيل هذه الثورة كما سجّلها العالم الجليل الدكتور محمد مظهر سعيد.

 

منشور بموقع أصوات بتاريخ 18 فبراير 2019م.