الاثنين، 25 مايو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (2)


 

غادر محمود شاكر مصر ليقيم في جزيرة العرب، مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وهناك أسس مدرسة جدة الابتدائية وتولى إدارتها والتدريس بها.

 غياب شاكر الذي كان شاهد العيان على القضية منذ بدأت لم يسهم في إخماد نيرانها، فقد صدر بيان عن فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية وقد وجدته بنصه في أول كتاب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد حسن الخضر ، قال فضيلة المفتي: "إن الباطل ما برح يحارب الحقيقة الإسلامية بسيوفه المفلولة وشبهاته الضئيلة، ثم يرجع خائبًا بغير جدوى. وقد عاد اليوم من جولة يدفعه إليها نفر من المتأثرين بكتب الداعين إلى معاداة دين سيد المرسلين، سقطوا على ما فيها من تضليل فالتقطوا منه ما راق لهم، وظلوا يعرضونه على أنظار قرائنا وأسماع الطلاب من أبنائنا، زاعمين أنه بضاعة جديدة هي ثمرات قرائحهم ونتائج أفكارهم، محاولين بذلك تقويض بناء قامت فضائله الشامخة على أساس متين من الحقائق الراسخة، فاستاء من عملهم هذا أهل العلم الصحيح والأدب الصريح. ومن هذه الكتب رسالة عنوانها «في الشعر الجاهلي» عُرف صاحبها بالتعصب لكل ما فيه كيد للإسلام وحط من جلاله وفضائل عظمائه وآلة. وقد احتوت هذه الرسالة على مزاعم وأباطيل يجمعها كلها وصف واحد هو الاستخفاف بالحقائق والتعصب لعقيدة خاصة افتتن مؤلف الرسالة بها.

 فانبرى له حضرة العالم المحقق والفهامة المدقق (السيد محمد الخضر حسين التونسي من علماء الجامع الأزهر بمصر وجامع الزيتونة بتونس) فحلل هذه الرسالة تحليلًا علميًّا نزيهًا، رد فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، ودحض الأباطيل بالأدلة الواضحة، ونبه إلى مغامز الكتاب المردود عليه، ودل على المرامي التي يرمي إليها، وأبان عن موطن ضعفه ومكامن سخفه. ولعمري إنه قد خدم بهذا العمل الجليل العلم المتين والأدب الرفيع خدمة تحول بها شر الكتاب المردود عليه إلى خير. جزاه الله عن الدين والعلم والحق أفضل ما يجزي به عباده الصالحين المخلصين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".

ثم قامت النيابة العامة باستدعاء الدكتور طه وأجرت معه تحقيقًا مطولًا تولاه رئيس نيابة مصر الأستاذ محمد بك نور.

 كنت قد سمعت كغيري عن هذا التحقيق، الذي طالما تغني به شيعة العميد، فهم يرونه تحقيقًا يدل على ليبرالية النيابة وعلى رسوخ العميد الذي لم يتراجع عن أقواله في المحضر الرسمي!

ثم كان أن وقع في يدي العدد (149) من مجلة القاهرة التي كان يرأس تحريرها الدكتور غالي شكري، وقد صدر في شهر إبريل من العام 1995 ووجدت به كنزين، الأول هو النص الأصلي الكامل لكتاب "في الشعر الجاهلي" قبل أن يعيد العميد نشره ولكن تحت عنوان "في الأدب الجاهلي" وقبل أن يحذف فقرات كانت للحق هدف كتابه الأول ورسالته!

 فانظر إلى رسوخ العميد!

 الكنز الثاني: كان نص تحقيق محمد بك نور مع العميد، وإنا لله وإنا إليه راجعون في أخلاق القوم، لقد قرأت كلمات التحقيق كلمة كلمة فلم أجد لا ليبرالية ولا تقدمية ولا حتى رجعية، هو تحقيق مهني بامتياز، سين سؤال وجيم إجابة، وقد تعجبت من ثقافة المحقق ومن الهدوء الذي فرضه على جلسة التحقيق، فلا صخب ولا ضوضاء ولا انتزاع لاعترافات بالحيلة واللف والدوران.

 لا أنسى من أسئلة التحقيق سؤال وجهه محمد بك نور إلى العميد، وكان عن كلام العميد عن تباين لغة حمير ولغة عدنان، وزعم العميد وجود مراجع تثبت ذلك التباين فلما قال له المحقق: "هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا؟".

أجاب العميد: "أنا لا أقدم شيئًا".

تعود لقراءة التحقيق فلا تجد شيئًا من مزاعم شيعة العميد، فلا المحقق متساهل ولا العميد راسخ، وقد انتهى التحقيق بهذه الجملة الحاسمة: "القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا، محمد نور رئيس نيابة مصر، القاهرة في 30 مارس 1927".

 نعود إلى كتاب في الشعر الجاهلي ونسأل: هل كان طه حسين هو أول من تحدث عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلذا ثار الناس ضده؟

 حقائق التاريخ التي لا يختلف عليها اثنان تؤكد أن العميد جاء متأخرًا جدًا، فقد سبقه بقرون العلامة ابن سلام الجمحي الذي ولد في العام 140 من الهجرة النبوية الشريفة وتوفي في العام 231 من الهجرة.

وقد تناول في كتابه الأشهر "طبقات فحول الشعراء" قضية نسب الشعر الجاهلي، فتلقت الأمة كلامه بوصفه كلام ناقد يجتهد، وانتهى الأمر، عند حد الاجتهاد، ثم جاء مصطفى صادق الرافعي ونشر للناس كتابه "تاريخ آداب العرب" في العام 1911، أي قبل ظهور كتاب العميد بخمس عشرة سنة كاملة، وقد أفاض الرافعي في الكلام عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلم يلمه أحد، بل مدحه كثيرون، يأتي على رأسهم الدكتور ناصر الدين الأسد الذي قال عن الباب الذي خصصه الرافعي لمناقشة قضية الشعر الجاهلي لقد: "حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا فى صعيد واحد من كتابٍ لمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها واستقصاه استقصاءً".

 وما بين ابن سلام والرافعي كتب كثيرون عرب وعجم عن هذه القضية، فلماذا ثار الناس على العميد؟

 أغلب ظني أن الناس قد ثارت لأنهم شق عليهم أن يتهم الدكتور طه جموع علماء الأمة بالتواطؤ على الكذب، فهؤلاء العلماء الذين نقلوا إلينا الشعر الجاهلي هم الذين نقلوا إلينا القرآن والأحاديث النبوية والقدسية وسائر علوم المسلمين الأوائل وتاريخهم، فإذا كانوا قد اخترعوا ما عرفناه باسم الشعر الجاهلي فما الذي يمنعهم من اختراع غيره!

 ثم شق على الناس أن العميد قد بدأ بحثه بالشك وانهاه باليقين، ولم يقدم دليلًا يثبت به شكه ولا دليلًا يؤكد به يقينه، فهو قالها في أول كتابه صريحة واضحة: "أعلن اليك والى غيرك من القرّاء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس فى شيء؛ وانما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصّاص أو اختراع المفسرين والمحدّثين والمتكلمين".

 

لسنا أمام شك مباح، نحن أمام نسف لا يقوم على دليل.

 ثم شق على الناس الاستهانة التي تناول بها العميد قصتي الرسولين الكريمين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل، عليهما السلام فقد قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي".

 يا رجل أنت كنت تتكلم عن الشعر الذي هو صناعة بشرية فلماذا تركت شهوة الكلام تقودك إلى أن سقطت هذه السقطة؟

 وبعدُ كل كان الأستاذ العميد أصيلًا في شكه؟.. نجيب الأسبوع المقبل إن شاء الله.


منشور بجريدة صوت الأمة السبت 23 مايو 2026م.

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (1)



في العام 1926 قرر عميد الأدب العربي، الأستاذ الدكتور طه حسين نشر كتابه "في الشعر الجاهلي"، ومن يومها وإلى يوم الناس هذا والكتاب، محل أخذ ورد، وغالب التعامل معه صفري، فجماعة يتعصبون للكتاب وكاتبه ويرفعونهما إلى درجة التقديس وجماعة لا يطيقون لا الكتاب ولا كاتبه.

مرت مئة سنة على ظهور الكتاب ولكن ذكره لم يخمد وناره لم تنطفئ وفتنته ما تزال قائمة على رأس موضوعات الأدب العربي وأبوابه.

 ما الذي جعل لهذا الكتاب كل هذا الأثر.

 هي فقرات خطها العميد وكانت هي صلب الكتاب ورسالته منها قوله في أول كتابه: "أول شيء أفجؤك به في هذا الحديث هو أني شككت في قيمة الشعر الجاهلي وألححت في الشك، أو قل ألح عليّ الشك، فأخذت أبحث أفكر وأقرأ وأتدبر، حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إلا يكن يقينا فهو قريب من اليقين. ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعرا جاهليا ليست من الجاهلية في شيء، وإنما هي منتحلة مختلقة بعد ظهور الإسلام، فهي إسلامية تمثل حياة المسلمين ميولهم وأهواءهم أكثر مما تمثل حياة الجاهليين، وأكاد لا أشك في أن ما بقى من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جدا لا يمثل شيئا ولا يدل على أي شيء، ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي. وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النتيجة، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها، ولا أضعف عن أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء; وإنما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصاص أو اختراع المفسرين والمحدثين والمتكلمين".

 ثم قال العميد: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللـقرآن أن يحدثنا عنهما أيضاً، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي، فضلاً عن إثبات هذه القصة التي تحدثنا بهجرة إسماعيل بن إبراهيم إلى مكة ونشأة العرب المستعربة فيها؛ ونحن مضطرون إلى أن نرى في هذه القصة نوعاً من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهودية، والقرآن والتوراة من جهة أخرى".

 كلام العميد خطير جدًا، فهو ينسف ركنًا ركينًا من حياة العرب والمسلمين ويتهم ولو بالتلميح كل الرواة بالتواطؤ على الكذب والوضع والانتحال، والذي يكذب في أمر نملة سيكذب في أمر فيل، فالكذب كالكفر ملة واحدة!

 

ثم حشد العميد فقرات أخر تحدث فيها في غير احتشام عن السياسة التي انتهجها المسلمون في عهد النبوءة للتقريب بينهم وبين يهود الجزيرة العربية.

 فورًا تحرك الأزهر الشريف ورفع شيخه، الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي، تقريراً رسمياً إلى النائب العام يتهم فيه طه حسين بـ "تكذيب القرآن صراحة".

ووصف الكتاب بأنه "معول لهدم الدين". لم يكتفِ الأزهر بالبيانات، بل قدم بلاغاً رسمياً للنيابة العامة في يونيو 1926، مطالباً بمحاكمة طه حسين ومعاقبته جنائياً بتهمة إهانة الإسلام.

ثم توالت الكتب التي نقدت بل نقضت كتاب العميد، نذكر الآن كتب الأستاذ مصطفى صادق الرافعي (تحت راية القرآن) والأستاذ الشيخ محمد الخضري وكتابه (محاضرات في بيان الأخطاء العلمية التاريخية التي اشتمل عليها كتاب في الشعر الجاهلي) وعاد الشيخ الخضري ليكتب مجددًا تحت (نقض كتاب في الشعر الجاهلي) ونشر الأستاذ محمد فريد وجدي كتابه (نقد كتاب الشعر الجاهلي). أما الكتاب الخامس فكان للدكتور محمد لطفي جمعة ونشره تحت عنوان (الشهاب الراصد) والكتاب السادس والأخير كان للدكتور محمد أحمد الغمراوي (النقد التحليلي لكتاب في الأدب الجاهلي).

 ثم هناك عشرات المقالات الكبيرة التي كتبها أمثال أمير البيان الأستاذ شكيب أرسلان وحارس العربية الشيخ الأستاذ محمود محمد شاكر، وبخصوص الأستاذ شاكر فقد كان شاهد عيان على أحداث تلك الفتنة منذ أول اندلاعها.

كان الأستاذ شاكر من تلامذة العميد المقربين، فهو أولًا ابن الشيخ الأستاذ محمد شاكر عالم زمانه ووكيل شيخ الأزهر وثانيًا هو شقيق القاضي الجليل والمحدث الكبير أحمد شاكر، والاثنان كان بينهما وبين العميد ما يكون بين الأدباء والعلماء من روابط ومعرفة، وثالثا: كان الشيخ الأستاذ سيد بن علي المرصفي أستاذهما معًا وعلى يديه تتلمذا، ورابعًا: كان العميد هو الذي توسط للأستاذ شاكر لكي يلتحق بكلية الآداب فسم اللغة العربية مع أنه كان من الحاصلين على الثانوية العلمية وليس الأدبية!

 كان شاكر من طلاب كلية الآداب الذين يلقي عليهم العميد بمحاضراته عن الشعر الجاهلي، وقبل أن يسمع شاكر كلام أستاذه كان قد قرأ البحث الذي نشره البريطاني ديفيد صامويل مرجليوث في مجلة الجمعية الآسيوية الملكية عن " أصول الشعر العربي" لم يتوقف شاكر عند بحث المستشرق مرجليوث فهو لم يكن يظن بالمستشرقين خيرًا ولم يكن ينتظر منهم إنصافًا، ودائمًا ما أشار إلى أنهم في غالبهم جماعة من عملاء مخابرات الاحتلال.

 تفاجأ شاكر بما سمعه من أستاذه، العميد كان يقوم بدور صدى صوت المستشرق، فما يقوله تحت قبة جامعة القاهرة قاله مرجليوث. في المجلة!

 

تجرع شاكر الغيظ لشهور، فأدبه يمنعه من مواجهة أستاذه صاحب الفضل عليه، ولكن الحديث الشريف القائل "ألَا لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم رَهْبةُ النَّاسِ أنْ يقولَ بحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَه؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجَلٍ، ولا يُباعِدُ من رِزْقٍ؛ أنْ يقولَ بحَقٍّ أو يُذكِّرَ بعَظيمٍ". كان يطارده.

 تحدث شاكر إلى بعض رفاقه وأعلن بينهم أن العميد يسطو على كلام المستشرق الأعجمي مرجليوث.

 عن تلك الفترة قال شاكر: "دخلتُ الجامعة، وسمعتُ ما يقوله الدكتور طه في كتابه (في الشعر الجاهلي) الذي رجّ حياتي رجّاً شديداً زلزل نفسي.. فُوجئنا جميعاً بالدكتور طه، وبصوته الجهير، وبألفاظه العذبة، وبحسن تعبيره عن مقاصده، ثم بإنكاره صحةَ الشعر الجاهلي.. وأنا وحدي من بين جميع زملائي تجرّعتُ الغيظ بحتاً، ووقعتُ في ظلامٍ يُفضي إلى ظلام، وفي حيرةٍ تجرّني إلى حيرة، وهالني هذا الطعن الجازم في علماء أمّتي، وفي رُواتها، وفي نُحاتها، وفي مفسّري القرآن ورُواة الحديث، وبقيتُ أتلدّد يميناً وشمالاً زمناً متطاولاً".

طبعًا قامت القيامة، لأن شاكرًا تحدث إلى بعض رفاقه بما في نفسه، كان شاكر يومئذ تحت العشرين والعميد أستاذ ذائع الصيت تحت الأربعين بقليل، لا تكافؤ بين الرجلين من أي وجه من الوجوه، بعدها أقدم شاكر على أهم خطوات عمره، لقد قرر ترك الجامعة والذهاب إلى جزيرة العرب ليستيقن أمر أمته كلها وليس شعرها الجاهلي فحسب، سيودع شاكر دنياه القديمة بكلمات تقطر حزنًا وألمًا قال: "فارقتها (الجامعة) ومعي ذل العجز، يومئذ على مواجهته (طه حسين) برأي في تفاصيل "سنة السطو" التي سنها لتلاميذه من بعده، وإن عجزي عن مواجهته بلساني.. كان يهدم نفسي هدماً، وينسف آدابي نسفاً، ويترك في ضميري غصة تأبى أن تزول".. 

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 17 مايو 2026م.



الأحد، 26 أبريل 2026

صدق أو لا تصدق.. أمريكا لا تحارب إيران!

 


صباح الأحد السابع من ديسمبر من العام 1941 شنت اليابان هجومها الشهير على البوارج الأمريكية في بيرل هاربر، ولأن الأمريكان يحسبون قطهم جملًا فقد صاحوا: لقد دمر اليابانيون أسطولنا.

 

سيثبت التاريخ أن اليابان قد أغرقت أربع بوارج من ثمانية، أما النواة الصلبة للأسطول فلم تمس بسوء، ولكنهم الأمريكان يا صاحبي.

 

مساء الاثنين الثامن ديسمبر من العام 1941 توجه الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى مقر الكونجرس وألقى خطابه الذي سيصبح تاريخًا، لأن ما بعده كان مفارقًا لما قبله، في مستهل خطابه قال روزفلت: "هذا اليوم سيبقى في ذاكرة العار".

 

روزفلت لم يكن ترامب، وأمريكا لم تكن قد أصبحت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس، والعالم كله لم يكن قبل خمس وثمانين سنة هو العالم الذي نعرفه الآن، أيامها كان لا مفر من مراعاة بعض التقاليد، ولذا فقد طلب روزفلت إعلان حالة الحرب.

 

فورًا اجتمع مجلس النواب ومجلس الشيوخ للتصويت على قرار الحرب، صوت مجلس الشيوخ بالإجماع اثنان وثمانون صوتًا مقابل صفر!

 

أما مجلس النواب فقد صوت بأغلبية ساحقة ثلاثمئة وثمانية وثمانون صوتًا مقابل صوت واحد، هذا الصوت الواحد الرافض للحرب كان صوت النائبة "جانيت رانكين" التي كانت ترفض الحروب من حيث المبدأ، فقد كانت تعارض إعلان الحرب أثناء الحرب العالمية الأولى.

 

بعد التصويت أعلن روزفلت الحرب في نفس اليوم، وبدأ طحن الأمريكان لعظام اليابان وصولًا إلى النهاية الأبشع عندما قصف الأمريكان مدينتي هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية!

صدق أو لا تصدق، من يومها أي من خمس وثمانين سنة لم تعلن أمريكا حالة حرب واحدة!

لا تسل عن الحرب الكورية (1950–1953).

ولا عن حرب فيتنام (1955–1975).

ولا عن حرب عاصفة الصحراء (1990–1991).

ولا عن حرب أفغانستان (2001–2021).

ولا عن حرب العراق (2003–2011).

كل تلك الحروب كانت "عمليات عسكرية!".

فإذا كانت تلك المعارك التي دمرت البلاد والعباد هي مجرد عمليات عسكرية فكيف ستكون الحروب؟.

حتى الحرب الحالية التي شنها الأمريكان على إيران ليست حربًا وفق الحالة الأمريكية، إنها يا صاحبي

"الغضب الملحمي" أو "نزاع مسلح محدود" أو "دفاع شرعي عن النفس ضد تهديد مباشر".

هذا التلاعب التشريعي يأتي على هوى رئيس بمواصفات ترامب، فهو لا يريد الذهاب إلى الكونجرس، لأنه

من المحتمل ولو بنسبة واحد بالمئة أن يرفض الكونجرس إعلان الحرب، ثم هو لا يريد أن تفتح الأمم

المتحدة فمها بكلمة اعتراض مجرد اعتراض، وذلك لأن الأمم المتحدة ترفض شن الحرب إلا بعد استيفاء

شروط هي غائبة بالكلية في الحالة الأمريكية الإيرانية، وعلى ذلك فليقم ترامب بتدمير إيران وإشعال

منطقة الشرق الأوسط كلها تحت زعم أن إيران تمثل تهديدًا مباشرًا ووجوديًا لأمريكا، وهو الزعم الذي نفاه

صديق ترامب القديم جو كينت مدير المركز الوطني الأمريكى لمكافحة الإرهاب، الذي تقدم باستقالة

مكتوبة من منصبه وقال في كتاب استقالته: "إن إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً، وإن إسرائيل وجماعات ضغط

أمريكية يجرون  البلاد لحرب لا تخدم مصالحها".

لا الكونجرس ولا غيره يستطيع إيقاف هذه الحرب الملعونة، لسبب بسيط وهو أنها لم تندلع بعد، فترامب

يتعامل مع كل هذا الدمار الذي لحق بالشرق الأوسط كله بوصفه نقاش خشن، نعم هذه هي حقيقة رؤيته، لأن

الرجل الذي هدد متفاخرا بقدرته على محو حضارة كلمة في ليلة واحدة وبضربة واحدة، لن يهتم ولو

للحظة بحياة ملايين البشر الذي تهدد حربه المجنونة الملعونة حياتهم.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 19 أبريل 2026م.


الأحد، 19 أبريل 2026

مأساة ملتهبة ورد بارد


 

هناك عشرة آلاف فلسطيني ينتظره حبل المشنقة.. ونتانياهو وبن غفير لن يسمعا لأحد وهما محترفان في تربية الغضب  

في مساء الاثنين، 30 مارس 2026 كان إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي لكيان الاحتلال يحتفل مع عصابة حزبه "عظمة يهودية" بإقرار قانون يتيح لكيان الاحتلال إعدام من شاء من الأسرى الفلسطينيين.

من عمق المشهد تقدمت النائبة ليمور سون هار ميلخ، العضوة بارزة بحزب بن غفير وهي التي حاربت من خلف الستار لكي يظهر القانون إلى النور، كانت تبتسم بل تكاد ترقص وهي تبكي فرحاً وتحتفل داخل الكنيست مع بن غفير، وظهرت في صور تحمل حبل مشنقة وزي إدارة السجون، كانت تفتخر بأنها من أكثر أعضاء الكنيست تطرفاً؛ فهي تدعو لطرِد الفلسطينيين وإعادة استيطان غزة، وترى أنه لا وجود لأبرياء في قطاع غزة، فكل أهل القطاع من الإرهابيين الذين يجب قتلهم!

مشهد يوم الاثنين 30 مارس 2026 كان مشهد إسدال الستار على مسرحية دموية بدأت فصولها قبل سنوات!

البداية كانت في أواخر العام 2022.

كان بنيامين نتانياهو يبحث عن حليف قوي يضمن له تشكيل الوزارة، هنا تقدم بن غفير وقال لنتانياهو: سأكون حليفك بشرط، أن تمرر قانونًا يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين!

ظل الأمر محل بحث حتى تم إقرار القانون، أين كان العالم أثناء إعداد القانون؟

الكل يبكي على ليلاه أو يغني لها، ثم الأمر من وجهة نظر العالم ليس مهمًا، هؤلاء فلسطينيون يرفضون الموت في هدوء فلماذا لا يموتون وينتهي أمر هذا الصداع الذي يسببونه لملوك العالم!

لم يتوقف أحد لتحرير مسألة الأسرى، هل هم أسرى حقًا، وهل تنطبق عليهم قوانين الأسر العالمية؟

الواقع يقول إن سجون الاحتلال مكتظة بآلاف الفلسطينيين الأبرياء، فكثرة من الذين يلقي الاحتلال عليهم القبض لم يشاركوا قط في مظاهرة فضلًا على أن يكونوا من المسلحين الذي يريدون تحريره بلادهم بالرصاص، هناك أطفال ونساء وعجائز يتم الإغارة على بيوتهم ثم الدفع بهم إلى قاع الزنازين، وبعضهم يتم اغتصابه وبعضهم يتم قتله وصاحب الحظ الحسن منهم هو الذي يغادر سجنه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا بفضل عملية تبادل تقوم بها المقاومة.

مساء الاثنين الأسود الذي تم فيه التصويت في الكنيست لصالح القانون بأغلبية لافتة كان ملتهبًا، بكل مشاعر الغضب والقهر وقلة الحيلة، ولكن جاءت ردود الأفعال المحلية والقومية والإقليمية والدولية على هذا القانون المجرم باردة كأنها قطعًا من الثلج!

إنها نفس بيانات التنديد والشجب والاستنكار، هل خاف الكيان يومًا من تلك البيانات، هل تراجع يومًا خشية إغضاب هذا الطرف أو ذاك؟

الكيان عينه فقط على الولايات المتحدة الأمريكية، فهو لا يهتم بأحد إلا بها ولا يشغله موقف سوى موقفها، وكان موقف أمريكا كالعهد به مؤيدًا لأي خطوة يخطوها الكيان، فقد قالت خارجيتها: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة بالأفراد المدانين بالإرهاب، نحن على ثقة بأن أي إجراء مماثل سينفَّذ في ظل محاكمة عادلة".

أين هو العدل في كيان قائم على القتل والإبادة ومستند لأساطير ما أنزل الله بها من سلطان؟

هناك عشرة آلاف فلسطيني ينتظره حبل المشنقة، ونتانياهو وبن غفير لن يسمعا لأحد وهما محترفان في تربية الغضب الذي يتحول إلى عمليات طعن ودهس وخطف.

لا رهان على صوت الضمير أو العقل، فلا ضمير لدى هؤلاء ولا عقل لهم سوى ذلك العقل الغارق في أوهام السيطرة على الشرق الأوسط.

تلك الأوهام التي جعلتهم يختارون الثلاثين من مارس تحديدًا وهو يوم الأرض لدى الفلسطينيين ليكون يوم إعلان قتلهم بيد قانون مجرم لا يحترم ولو ذرة من حقوق الإنسان.

لو أن دولة واحدة أو منظمة هددت كيان الاحتلال بإجراءات عقابية عملية ما جرؤ الكيان على تمرير القانون، أما بيانات الشجب والاستنكار فالكيان يتعامل معها بوصفها قطع الثلج التي وضعها بن غفير وهو يتبادل كؤوس الشمبانيا مع عصابته في قلب الكنيست احتفالًا بإقرار القانون!

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 12 أبريل 2026م.  

الأربعاء، 1 أبريل 2026

الذي لا يعرف الحروب يدعو إليها


قال القدماء: إن شاباً كان يواعد ابنة تاجر حبوب، وفي مرة من المرات، كانت المواعدة في مخزن أبيها، شعر الأب بحركة غريبة فدخل مسرعًا ليجد أمامه ما لا يليق، هرب الشاب، ولسوء حظه تعثر في جوال عدس، تبعثر العدس وتناثر على ملابسه، واصل الأب مطاردة الشاب وهو يهدده بالقتل، تجمع المارة، مستنكرين أن يقتل التاجر شابًا حاول سرقة بعض العدس، فحالوا بين الأب وبين الشاب وهنا قال الأب مقولته التاريخية: "اللي ما بيعرفش يقول عدس".

 

الذي ذكرني بقصة العدس هو موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المندفع بقوة ثور هائج إلى ساحات حرب لا يعرف أحد عن مصيرها ومسيرها شيئًا، ترامب لا يعرف ما الحروب ومع جهله بها فهو مصر عليها حتى آخر إيراني أو عربي خليجي، فهو يراهن على أن قواته مصونة محصنة، لن تفقد أكثر من عشرين فردًا ولكنها ستغنم النصر المبين.

 

لقد سلط الله صحيفة نيويورك تايمز على ترامب، فقد نشرت تقريرًا مطولًا في ديسمبر من العام 2018 قالت فيه: إن ترامب قد هرب من حرب بلاده ضد فيتنام خمس مرات، أربع مرات بحجة انخراطه في الدارسة الجامعية، أما المرة الخامسة والأخيرة فقد تمت بحيلة ترامبية عظيمة!

 

جاء في تقرير الصحيفة: أن ترامب قال إنه يعاني من "نتوءات عظمية" في كعبي قدميه، وتلك النتوءات تعفيه من الخدمة العسكرية!

 

المفاجأة التي كشفها تقرير الصحيفة هي أن الطبيب الذي شخص حالة ترامب هو "لاري برونشتاين" (متوفى)، وأن ابنتيه صرحتا للصحيفة بأن هذا التشخيص كان بمثابة "مجاملة" لوالد فريد ترامب، الذي كان يمتلك المبنى الذي يقع فيه عيادة الطبيب!

 

طبعًا ترامب شن حملة ضد الصحيفة وكذبها ولكنه لم يذهب إلى القضاء ثم شتم الذين أكدوا صدق معلومات الجريدة ولكنه لم يذهب إلى القضاء!

 

هل تعرف أخي الكريم، كيف بدأت الحرب بين أمريكا وفيتنام التي تهرب منها ترامب عندما كان شابًا؟.. لقد بدأت بكذبة مثل الكذبة التي اخترعها ترامب ليشن وهو عجوز حربًا تكاد تدمر الشرق الأوسط كله.

 

كانت فرنسا تستعمر فيتنام، ثم تحت ضربات المقاومة الفيتنامية هربت فرنسا مهزومة، ولكن فيتنام انقسمت على نفسها بين شمال شيوعي وجنوب رأسمالي، الروس والصينيون ساندوا الشمال طبعًا، وأمريكا ساندت الجنوب.

 

في الجنوب المدعوم من أمريكا كان مقاتلون يتقون لتوحيد البلاد تحت راية الشمال الشيوعي، هنا قالت أمريكا: لو سقطت فيتنام في قبضة الحكم الشيوعي فستسقط كل قارة آسيا فلا مفر من الذهاب لتدمير الشمال الفيتنامي وقمع متمردي الجنوب!

 

في أغسطس من العام 1964 قالت سفن أمريكية إنها كانت تبحر في خليج تونكين في أمان الله ثم فجأة وبدون مبرر تعرضت لهجوم شنه عليها فيتنام الشمالي!

هنا ذهب الرئيس الأمريكي جونسون إلى الكونجرس وحصل منه على تفويض بإرسال القوات اللازمة لحماية البحرية الأمريكية.

 

بدأت الحرب التي تواصلت حتى العام 1975 وبلغ عدد ضحايا فيتنام من المدنيين والعسكريين قرابة الأربعة ملايين مواطن وبلغ عدد القتلى من الجيش الأمريكي ثمانية وخمسن ألف قتيل، ثم انسحبت أمريكا ولم تحقق هدفًا من أهدافها وتوحد الشمال مع الجنوب، والآن تبلغ قيمة الصادرات الفيتنامية إلى أمريكا 193.8 مليار دولار وفقاً لتقديرات التجارة الأمريكية لعام 2025، بزيادة ضخمة بلغت 42% عن عام 2024.

 

هل تذكر الكذبة التي اندلعت بسببها الحرب بين أمريكا وفيتنام؟

 

في العام 2005 كشفت وثائق رُفعت عنها السرية خاصة من وكالة الأمن القومي أن الهجوم الذي قالت السفن الأمريكية أنها قد شُن عليها لم يحدث أبداً.

كشفت الوثائق أن بلاغات السفن كانت ناتجة عن قراءات رادار خاطئة، بسبب سوء الأحوال الجوية، ولكن جونسون الذي كان يسعى للقتال شن الحرب بناءً على معلومات هو يعلم أنها زائفة!

 

الحرب التي هرب منها ترامب عندما كان شابًا أصبحت تعرف بين الأمريكان بحرب "أشباح تونكين"، فلم يكن في الخليج سوى أشباح فيتنام وليس سفن فيتنام، وترامب العجوز يصر على مواصلة حرب سيقاتل فيها أشباح الشرق الأوسط بحثًا عن مشروع نووي هو بنفسه قال إنه قد قضى عليه ودمره تدميرًا.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 29 مارس 2026م.

 

الاثنين، 16 مارس 2026

سأصنع لك حربًا لكى تنسى!


 

شهد العام 1997 عرض الفيلم الروائى الأمريكى «هز ذيل الكلب»، كان الفيلم حلقة ذهبية من حلقات السينما الأمريكية التى تتيح بوفرتها وجودتها قدرًا لا يُستهان به من عمليات التطهير للحضارة الأمريكية التى وإن ارتكبت الموبقات فهى فى سعى دائم لتنظيف جراحها أولًا بأول، لكى لا يتخثر الدم ويسمم كامل البدن.

يبدأ الفيلم بخيط درامى عشناه مع الحضارة الأمريكية وما زلنا نعيشه، فالفيلم الذى مضى على ظهوره ما يقارب الثلاثين عاما، يحمل من الرسائل ما يجعله كأنه قد ظهر أمس أو أمس الأول.

حبكة الفيلم قائمة على التورط الجنسى (قصص الجنس لدى الأمريكان قديمة جدًا)، نحن أمام رئيس أمريكى يفصل أسبوعان فقط بينه وبين الانتخابات الرئاسية، فى تلك الأيام الحرجة والصعبة تتفجر فضيحة جنسية متعلقة بالرئيس الأمريكى، الفضيحة من الوزن الثقيل، وذلك لأن سيد البيت الأبيض تورط فى إقامة علاقة جنسية مع فتاة قاصر (أعود لتذكيرك بأن الفيلم ظهر منذ ثلاثين سنة!).

ماذا ستفعل إدارة الرئيس المهدد ليس بعدم التجديد له، بل المهدد بالمحاكمة لأنه أقام علاقة مع قاصر؟.. بعد حيرة قررت الإدارة القفز إلى الأمام وتقديم ما يجعل الشعب الأمريكى يتجاهل، بل ينسى الفضيحة الجنسية!

اتفقت الإدارة مع خبير يقدم خبراته فى كل قضية، ولكنه متفوق فى القضايا الخاصة بغسل السمعة، الخبير الذى لعب دوره الممثل الكبير روبرت دى نيرو، حكّ ذقنه ثم قال: لا بد من حرب!

القضية خطيرة جدًا وستطيح بالرئيس، لا مفر من اختلاق قضية أكبر بطريقة وداونى بالتى كانت هى الداء.

كيف سيحارب هؤلاء، ومَن الذى سيحاربونه، ثم مَن سيتحمل خسائر الحرب وكُلفتها؟

أسئلة رد عليها الخبير بجملة واحدة: وافقوا واتركوا الأمر لى!

وافقوا، وتركوا الأمر له، فجاء هو بمنتج سينمائى (لعب دوره الممثل الكبير داستين هوفمان) المنتج مفرط الثقة بنفسه، وهو دائمًا يردد أمام كل أزمة تعبير «هذا لا شىء»، يتصرف كأن الحياة ملك له وحده.

جلس الرجلان فى جولة تباحث، ووافق المنتج على نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وألبانيا!

لماذا ألبانيا وليس أى دولة أخرى؟

لأنها بعيدة ولا يعرف عنها أحد شيئًا.

طبعًا الحرب ستنشب للدفاع عن حقوق الإنسان الألبانى، ولترسيخ الديمقراطية فى ألبانيا وإلى آخر تلك القائمة الملعونة من الأكاذيب التى تستر عريها بشعارات الكذب والخداع.

شاهدت الفيلم منذ سنوات ولا أنسى ذلك المشهد الذى تظهر فيه طفلة مسكينة من ألبانيا المسكينة، الطفلة تجرى بين حقول قمح شاسعة والخوف يسكن عينيها لأنها مطاردة من آليات القمع الألبانى.

أنا المشاهد أعرف أن كل ما يجرى على الشاشة هو من اختلاق الخبير والمنتج، الموضوع كله مُختلق، فلا حرب ولا ألبانيا ولا طفلة ولا قمع ولا ديمقراطية، ورغم هذا، فقد كدت أصدق ما يجرى أنه حرب حقيقية!

لقد أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب على ألبانيا، وبدأت الغواصات وحاملات الطائرات والصواريخ والطائرات والمدافع وكل آلات التدمير والتخريب والقتل فى عملها المحموم، لقد فتحوا بوابات الجحيم على ألبانيا التى لا يعرفون أين تقع على خريطة الكرة الأرضية، كل هذا يجرى داخل استديو لا تزيد مساحته على الخمسين مترًا مربعًا، لكن التصوير المتقن وصيحات الصحفيين والمراسلين الذين ينقلون الحرب على الهواء مباشرة، استولوا على وعى الشعب وصرفوا نظره عن الفضيحة الجنسية، لقد راح الشعب يتابع بشغف بطولات جنوده الذين ينشرون الحرية فوق ربوع ألبانيا المسكينة ويغلبون وحوش الديكتاتورية.

غنى عن الذكر أن الفضيحة توارت ثم تلاشت فلم يعد أحد يذكرها، ثم أجريت الانتخابات وفاز الرئيس، وعاش الجميع فى سلام ووئام وقد نسوا تمامًا قصة البنت القاصر!

نجح الفيلم تجاريًا نجاحًا خرافيًا، وتسابق النقاد فى فك رموزه، فكان مما قالوه: إن الكلب فى الفيلم هو المجتمع الذى يجب هزه لكى ينسى أمرًا ما، ويجب أن يكون الهز عنيفًا جدًا ليناسب حجم ما يجب نسيانه ودفنه.

وأضاف نقاد الفيلم: علينا أن نلتفت للمقولة التى بدأ بها الفيلم: «لماذا يهز الكلبُ ذيله؟ لأن الكلبَ أذكى من ذيله. لو كان الذيل أذكى، لهز الذيلُ الكلبَ».

وبعدُ فعلينا الإقرار ببراعة الأمريكان فى صناعة السينما وفى صناعة الحرب، ولكن المحزن أن الحروب الحالية قد غادرت الاستديو لتذهب إلى الجغرافيا الحقيقية، حيث الناس الذين سيُقتلون وتُهدم بيوتهم، لكى ينسى المجتمع الأمريكى فضيحة ما.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأربعاء 11 فبراير 2026م.

 

 

الأربعاء، 11 مارس 2026

الغزالي والنجاة من نفق الجماعة

 



مرشد الإخوان حسن الهضيبى فصل الشيخ محمد الغزالى بعد خلافهما فكان رد الأخير: ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون

سمعتُ الأستاذ عمر عبد الكافي يحكي عن والد الشيخ محمد الغزالي فيقول: إن والد الغزالي كان بقالًا بسيطًا يمتلك بقالة متواضعة في قرية من قري محافظة البحيرة، وكان يدخر ربحه ليتمكن من السفر إلي الإسكندرية لكي يجلب البضاعة الجديدة التي تحتاجها بقالته، وفي يوم من الأيام وصلت مدخراته إلي عشرة جنيهات، وهذا مبلغ خرافي حسب أسعار ذلك الوقت، وضع الرجل العشرة جنيهات (وكانت ورقة واحدة) في حافظة نقوده وصعد القطار المتجه إلي الإسكندرية، وعند هبوطه في محطة الوصول تمكن لص خفيف اليد من سرقة حافظته منه، وعندها انهار التاجر البسيط جالسًا علي مقعد من مقاعد المحطة يشكو إلى الله ضياع كل ثروته، اللص خفيف اليد فتش الحافظة فلم يجد بها شيئًا وذلك لأن والد الشيخ الغزالي كان قد خبأ ثروته في جيب سحري من جيوبها، وظل يدعو الله أن يعيد عليه ثروته، هنا يأس اللص من أن يجد في الحافظة شيئًا ينتفع به، فقذف بها علي رصيف المحطة في ذات اللحظة التي كان فيها التاجر البسيط يدعو الله بأن يعيد إليه حافظته، فوجئ التاجر بالحافظة على بعد خطوة منه فصاح وقد ذهب عنه تحفظه مخاطبًا المولي عز وجل: "يا رب هات إيدك أبوسها".

تلك القصة على طرافتها يمكنها أن تقدم لنا تصورًا عامًا عن الوسط الذي نشأ فيه الشيخ محمد الغزالي، هذا الوسط المصري المحب للدين المكافح في الدنيا، صاحب التعبيرات التي تخرج منه عفو الخاطر فتكشف عن مدي تغلغل الرحمة الإلهية بين جوانبه.

وعلى ما سبق فليس مستبعدًا أن تكون رؤية في المنام سببًا لتسمية الشيخ باسمه المركّب الذي أصبح أشهر من نار على علم.

يقولون إن والد الشيخ سمي الشيخ "محمد الغزالي" بهذا الاسم رغبة منه بالتيمن بالإمام أبي حامد الغزالي (صاحب إحياء علوم الدين) فلقد رأى الوالد التاجر البسيط في منامه أبا حامد الغزالي الذي قال له "أنه سوف ينجب ولدا ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه".

ولد الشيخ محمد الغزالي في قرية نكلا العنب، بمحافظة البحيرة في العام 1917، أتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ويقول عن نفسه: "كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي".

بعد مرحلة الكتاب وحفظ القرآن وتعلم مبادئ الحساب التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة 1937والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وتخرّج بعد أربع سنوات، متخصصُا في الدعوة والإرشاد.

في فترة دراسته نال الشيخ إعجاب أساتذته الذين يأتي على رأسهم الشيخ الإمام محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة.

انضم الغزالي في شبابه إلى جماعة الإخوان. بدأ الغزالي الكتابة في مجلات وصحف الإخوان حتى تم تصعيده في هيكل التنظيم ليصل على عضوية مكتب الإرشاد، وبعد حل الجماعة بعد قيامها باغتيال محمود فهمي باشا النقراشي رئيس وزراء مصر، جرى اعتقال الشيخ وباقي قيادات الجماعة وأمضي معهم فترة الاعتقال كاملة في سجن الطور.

ما الذي حدث بينه وبينهم خلال فترة الاعتقال؟

ليس ثمة إجابة شافية، ربما كانت فترة الاعتقال فترة مراجعات فكرية، وربما تكشف له من أمر الجماعة ما كان خافيًا عنه، بصفة عامة سيبدأ خلاف الشيخ مع الجماعة بعد تولي حسن الهضيبي منصب المرشد العام.

وعن هذه الحادثة المهمة جدًا في تاريخه يقول الغزالي: "إنَّ الذين يحسبون أنفسهم 'جماعةَ المسلمين' يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضرباً من مخالفة الله ورسوله، وطريقاً مُمَهِّدة إلى النار، وبئس القرار! وقد كنتُ أسيرُ مع زميلي الأستاذ/ سيد سابق قريباً من شُعبة المَنيَل، فمرَّ بنا اثنان من أولئك الشُّبّان المفتونين، وأَبَيا إلاَّ إسماعَنا رأيهم فينا، وهو أننا من أهل جهنم'!

إنني تذكرتُ بعد أيام هذا العداء المُرَّ، والأوامرَ التي أوحتْ به، فعزَّ عليَّ أن يُلعَب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدَّد سياسةُ الخوارج مرة أخري، فيُلعَن أهلُ الإيمان، ويُتْرَك أهلُ الطغيان! فمِن المُضحك أو المُبكي أن يخطب الجمعةَ عقب فَصْلِنا من المركز العام 'للإخوان' مَن يؤكد أنَّ الولاء للقيادة يُكَفِّر السيئاتِ، وأن الخروجَ عن الجماعة يمحقُ الفضائل، وأن الذين نابذوا القيادة عادوا إلى الجاهلية الأُولي، لأنهم خلعوا البَيعة".

وعن ذلك الخروج الكبير يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "بعد أن اختلف –الغزالي- مع مرشد الإخوان الثاني حسن الهضيبي، قال الغزالي: إن ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون، وأسمَي من أن يشتبك فيه مُتشاكسون! وقد كنتُ حريصاً على الصمت الجميل يومَ عرفتُ أنِّي سأعملُ للإسلام وحدي، بيدَ أن أحداً من خَلْق الله ـ مِن قيادات الإخوان ـ اعترضني ليقول لي: إنْ تكلَّمتَ قُتِلْتَ!

فكان هذا هو الحافز الفذ على أن أتكلَّم وأُطنِب'!

ويُعقِّب -القرضاوي- قائلاً: لقد كان للشيخ الغزالي رأيٌ في سياسة حسن الهضيبي، فنقدَ بعنفٍ هذه السياسة، وازداد عنفه حينما أعلن الهضيبي فَصْله من دعوة الإخوان، التي قضي فيها شبابه، ونَذَر لها عمره، ولم يكن يتصور أن يأتي يومٌ يُبْعَد فيه عن دارٍ كان أحدَ بُناتِها، وحَمَلَة حِجارتها.. وكان مما هاج غضبه، واستثار غريزةَ الدفاع فيه، أنَّ بعض أُولي الهَوَس من الإخوان هدَّده وتحدّاه!".

كانت مغادرة الشيخ لنفق الإخوان المعتم بشارة خير له ولنا فقد تدفق الشيخ كاتبًا وخطيبًا، ترقي في سلك الوظائف، حتى أصبح مديرًا للمساجد، ثم مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد. ثم أعير للمملكة العربية السعودية أستاذًا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ودرّس في كلية الشريعة بقطر، وعُيِّن وكيلاً لوزارة الأوقاف بمصر، كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات وكانت آخر مناصبه.

وحصد العديد من الجوائز فحصل على جائزة الملك فيصل العالمية الإسلامية 1989.

وقد ترك لنا أكثر من خمسين كتابًا من أشهرها السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، عقيدة المسلم، فقه السيرة، كيف تفهم الإسلام، هموم داعية، سر تأخر العرب والمسلمين، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، خلق المسلم، معركة المصحف، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، الإسلام المفتري عليه، الإسلام والمناهج الاشتراكية، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، الإسلام والاستبداد السياسي، الإسلام والطاقات المعطلة، الاستعمار أحقاد وأطماع، في موكب الدعوة، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، حقيقة القومية العربية، مع الله، الحق المر، قذائف الحق، كفاح دين، من هنا نعلم.

ومن العجيب أنه تعرض لموجة تكفير بعد نشر كتابه الشهير "السيرة بين أهل الفقه وأهل الحديث" لأنه في ذلك الكتاب تجرأ على مناقشة حديث من تلك التي رواها الإمام مسلم!

ويقول الكاتب الأستاذ صلاح حسن رشيد: "وممّا يُحكي، أنَّ الشيخ الغزالي كان قد ألَّفَ كتاباً، كشف فيه خطايا وجرائم الإخوان طوال تاريخهم، وما دبَّروه، ويُدبِّرونه للوصول إلى السلطة، ولو على حساب المبادئ، والإسلام نفسه، والوطن! واهتدي إلى أنَّ الجماعة أصبحت تتخذ أسلوب الماسونية العالمية طريقةً لها ومنهج حياةٍ، مع تعيين المرشد الثاني حسن الهضيبي، الذي وصفه الشيخ الغزالي بأنه كان ماسونياً! وأنه جاء إلى الجماعة، وهو ليس منها، فأصبح مرشدها، بقدرةِ قادرٍ!

هذا الكتاب عنوانه 'كفاح حياتي' لكنه لم يخرجْ إلي النور، ولم يُطبعْ بعدُ! ومن المحتمل أنْ يكون الإخوان قد وسَّطوا أُناساً من العلماء، للحيلولة دون نشره! وهو ما أُرَجِّحه، خاصةً إذا عرفنا شجاعة وجسارة الشيخ الغزالي، ودخوله في معارك فكرية، وسياسية عديدة، لم يخشَ فيها أحداً!

فليتَ هذا الكتابَ يُطبعُ الآن، لنعرف عنهم المزيد، والمزيد ممّا كشفه الشيخ محمد الغزالي، وعرفه عنهم، وعن فكرهم المعوج، من الأسرار، والمآسي، والجرائم، والقصص الدامية، فكَتَبَه إبراءً للذمَّة، وشهادةً للتاريخ".

انتهي كلام الأستاذ صلاح، وعن نفسي فقد سألت عن هذا الكتاب المجهول فريقًا من المهتمين بتاريخ الجماعة فلم ينفوا ولم يثبتوا، وليت الدولة تجد في الحصول على ذلك الكتاب إذا كان له وجود فعلًا.

وفي أخريات حياته كان يضيق بأدنى تعرض لجوهر العقيدة الإسلامية التي عاش حياته مدافعًا عنها ولذا كان يُعطي الكلمة في أي مؤتمر يحضره فور طلبه لها لكي يدلي بدلوه في تصحيح ما يقوله أحد المؤتمرين، والمشهور أن أخر مؤتمر حضره الشيخ كان بالسعودية وقال فيه أحدهم كلامًا أغضب الشيخ الذي رد منفعلًا ثم فاضت روحه بعدها مباشرة وذلك يوم 9 مارس 1996 وجرى دفنه بالبقيع بالمدينة المنورة. حيث كان قد صرح قبل موته بأمنيته أن يدفن هناك.


منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 08 مارس 2026م.