الثلاثاء، 11 أغسطس 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام (4) والأخيرة


 

في آخر خطاب عثرنا عليه، يكتب أبي الحاج عبد الرحيم لابنه بهجات: "ماذا عليك لو تكتب جواب بالفلاحي وتسلم فيه على أعمامك عبد الوهاب وكامل وسامي وأحمد محمد وكل من اشترك معك في مناقشة في قهوة عمك مصطفى، مثل أعمامك عبد الحفيظ على وعبد البديع أحمد ومصطفى وعلى محمد، وحبذا لو قلت سلامي إلى عمي عبد التواب الزهري الراجل الجاد وضروري من سلامك الخاص على عبد الحكيم سلامه لأنه الأكثر إيماناً بالمنظمة.

أنا مهتم بأشجارك التي غرستها وتعبت فيها فهي عزيزة على، وضروري من السلام على الأسطى حمدان لأنه تفضل مشكوراً بري أشجارك".

هنا لي أنا وقفة للتعليق، فقد غرس أعضاء منظمة الشباب بقيادة أبي الحاج بهجات أشجارًا معمرة في شوارع التمساحية، خاصة حول وابور المياه العذبة الذي أقامته ثورة يوليو في أول الستينيات بالقرية وكذا حول الوحدة الصحية، كان وابور المياه يخدم ثلاث قرى، التمساحية وبوق والمنشاة الصغرى، وكانت الوحدة الصحية تقدم خدماتها المجانية للقرى ذاتها!

كيف كان يشرب أهالي التمساحية قبل وابور الثورة؟

من الآبار وكانت قليلة جدًا أو من الطلمبات وكانت نادرة أو من الترع، نعم من الترع!

أما عن الرعاية الصحية فلم تكن تعتمد سوى على الوصفات الشعبية أو مجهود فلان وفلان من الحلاقين، أصحاب المال فقط، وكانوا أقلية لا تذكر هم الذين كان باستطاعتهم الذهاب إلى الأطباء هذا كان حال معظم القرى المصرية قبل ثورة يوليو، ثم يأتي من يتحدث عن أن ثورة يوليو قد حرمت جموع المصريين من خدمات الحلاق الإيطالي والجرسون الفرنسي والسائق اليوناني الذين كانوا يعملون في خدمة الشعب المصري!

مضت السنون وجرى اقتلاع معظم الأشجار، وبقيت شجرة زنزلخت وحيدة كنا نعرفها باسم شجرة الحاج بهجات بجوار وابور المياه، ثم جرت في النهر المياه التي نعرفها، وسافر الحاج بهجات إلى اليمن الشقيق معارًا للتدريس في مدارسها، وكان ذلك في أول الثمانينات، وجرى اقتلاع الشجرة الوحيدة المتبقية من مشروع كامل، وعندما عرف بالخبر الأليم بعث لي برسالة وكنت طالبًا في الثانوية، بقي في ذاكرتي منها قوله الغاضب: "كيف لم تقاتل من أجل شجرتي!".

يضيف الوالد خطابه: "أحوال المنظمة عال: وستبقى وتكبر وتعظم وسيذهب (الذين في قلوبهم مرض) إلى الجحيم".

هذه الفقرة توقفت أمامها بوعي رجل في الستين، حتى منظمة الشباب التي كانت الظهير السياسي والشعبي لرجل بحجم عبد الناصر كانت تواجهها العوائق والعراقيل، من هؤلاء الذين وصفهم الوالد بالذين في قلوبهم مرض، هل هم بقايا الأقطاع أم الذين يحبون الاستعمار لوجه الشيطان أم دراويش أسرة محمد علي أم تراه كان يقصد الذين قال عنهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين: "الذين لا يعملون ويؤذي نفوسهم أن يعمل الناس".

يختم الوالد خطابه كاتبًا: "بعد سفرك مباشرة ضيق (فلان) الخناق على الأعضاء من حتى كاد أغلبهم يكفر لولا بقية من أمل (أفتكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، يا أخي إن منظمة الشباب لو كانت بالإلزام كما في بعض الأعمال لملها الناس ولفر منها الشباب، لكن حياتها في الاقتناع وشعارها كقول الله تعالى "لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي". صدق الله وكتبه ورسله.

في ختام رسالته وضع الوالد بفطرته الإنسانية ولا أقول السياسية الملح على الجرح، إنه يرى بعين البصيرة المضيئة آفة المجتمع العربي لا المصري، وهى أن يستبد فرد أو جماعة بمشروع عظيم، أن يظن أحدهم أنه بمفرده يستطيع فعل كل شيء وإنجاز أي شيء، في تلك اللحظة البائسة التعسة يبدأ انهيار المشروع بانصراف الجموع عنه، كان الوالد يرى أن فكرة منظمة الشباب تتجاوز الإطار السياسي، إنها فكرة الالتفاف حول أهداف الثورة الكبرى والدفاع عنها والتبشير بها والهبوط بها من سماء النظرية إلى أرض الواقع، لكن (فلان) الذي كان يضيق الخناق على الناس لن يعرف جرمه إلا بعد انفضاض الناس عن الفكرة وتركها وحيدة تتلاعب بها رياح المصالح والأهواء.

رحم الله أبي وجيله من الذين أخلصوا لحلمهم الجمعي، وعرفوا أن النجاة الفردية هي ضرب من الأوهام فلا نجاة لفرد في قارب يغرق.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الثلاثاء،11 أغسطس 2026م.

الأحد، 2 أغسطس 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام ( 3 )

 


كنت أحيانًا أتسأل عن دور ثورة يوليو في حياة أبي وجيله، وكانت وساوس الشيطان تتلاعب بي، أحدهم قال لي مرة: "عبد الناصر سحّر لهذا الشعب!".

ولأني ـ بفضل الله ـ من الكافرين بالسحر والسحرة وكل ألاعيب الشعوذة، فلم أرد على محدثي ورتلت في سري: "عسى ربي أن يهدني سواء السبيل".

وقد فتحت لي الخطابات بابًا من أبواب اليقين، حقًا كان لا مفر من ثورة يوليو، وجاءت الثورة لتنقذ أمة عظيمة من اليأس قبل أن تنقذها من الجوع والمرض والحفاء.

في الخطابات لا أجد أدنى شكوى من صعوبة الحالة المادية، أو من الخوف من المستقبل، بل أجد حماسًا وأملًا، يجعل أبي يتخير ألفاظ خطابه إلى ابنه فيقول له في الخطاب الثاني، وهو للأسف غير مؤرخ: "لكم كان بودي أن ينوب قدمي عن قلمي وبناني عن بياني، ولكن هي مشاغل الحياة وعوائق الزمن.. أضرع إلى الله أن تصلك كلماتي هذه وأنت متوج بالصحة والرفاهية.. كل ما يقلقني في الحياة أن يصلك خطابي وأنت متأهب لأداء فريضة الجمعة: صل يا بني واشكر الله على نعمائه على ما أولاك به من رعاية وحدب

 

ولدي العزيز: كن رجلاً عاقلاً متزناً صريحاً شجاعاً في كل أمورك.. وصيتي: عش مع الواقع دائماً وأبداً، ولاتكن من الذين يعيشون في الأوهام والخيالات".

 

ما زلنا في مطلع الستينيات، وأبي يعول قبيلة من أولاده الذين يتلقون تعليمهم النظامي، ومع ذلك يكتب لولده في خطاب مؤرخ بـ 24 نوفمبر من العام 1961: "إن شاء الله تجدني ملبيًا لجميع طلباتك ورغباتك أما عن الرحلة وغيرها فأنت حر في كل تصرفاتك وأني وأشهد الله، قد أوكلت أمرك لضميرك الحي وشعورك الحساس فثق بنفسك وكن معتدًا برأيك، أما عن مسألة الفلوس والعيش فهذه أمور تافهة إن شاء الله لا تستدعي تفكيرك فيها بمشيئة الله سأصل عندك.. أنا والزميل عبد البديع يوم الاثنين القادم وسأنفذ جميع طلباتك، سير إلى الأمام وكن مستقيماً وصل لله واشكر نعمائه".

سر هذا الاطمئنان، هو في قرارات الثورة التي دعمت أبي الموظف بالابتدائية الذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون راتبه قد تجاوز سقف العشرة جنيهات شهريًا، لقد قامت الثورة بخفض الرسوم ثم خفض الإيجارات ثم فتحت المجال العام أمام طبقة كاملة لكي تنهض وتعمل، قرارات الثورة جعلت طالبًا في مدرسة المعلمين يقدم على القيام برحلة إلى قاهرة المعز قادمًا من أسيوط، تلك لعمري كانت مغامرة، ثم الأب يبارك الرحلة ويدعمها ويدعو ولده إلى عدم الانشغال بأمور الفلوس!

مضت السنون ونحن الآن في الرابع من مارس من العام 1967، وفي ذلك العام وقبيل أشهر من كارثة يونيو كان أبي الحاج بهجات في الثانية والعشرين من عمره، وكان منخرطًا بهمة في الشأن العام وعضوًا بارزا في منظمة الشباب الاشتراكي، وكانت الظهير الشبابي بل الشعبي لعبد الناصر (التمساحية البعيدة جدًا كانت في قلب هذا الحراك!).

الوالد من أسيوط يكتب لولده الذي سافر ليحضر اجتماعًا للمنظمة عقد في مدينة حلوان جنوب القاهرة في العاشر من مارس من العام 1967: "لماذا تأخرت على بالمراسلة للآن، رجائي رسالة تحتوي على الآتي:

رحلتك مفصلة من قيام التاكسي بك حتى وصولك إلى المعسكر وكل ما صادفته ومعاملة سائق التاكسي معكم.

وكلامي وليست نصيحتي أو وصيتي، ألا تقبل على عملك أقبال المنوط به بل أقدم عليه برضاً وحب وإيمان وتفان وإخلاص وأظنك من الفاعلين لأنه حلمنا الذي كنا نعيشه من أجيال.

سأعرض عليك الآن منظرًا سريعًا في ثوان من فصل من فصول مسرحية الحياة الطويلة..

هذا المنظر لا أحكيه لك وأقول يا ولدي في غابر الأيام كان وكان و....... كلا، فقد لا تصدق ولكنك ابن الثورة بل سأجعلك تحكيه لنفسك لأنك بطله 

الزمان السبت الموافق 4 مارس 1967م درجوا اسمك في البلد ضمن خمسين شخصًا يمثلون القرية.

كلامي انتهى وإليك نصيحتي ووصيتي:

أولاً: الصلاة ثم الصلاة فهي الدرع والوقاية والصبر والنشاط والحب والطاعة والأدب والالتزام وصدق المنفلوطي (إن لم تكن الصلاة أفضل العبادات لكانت أحسن العبادات).

ثانياً: التسامح والبساطة وعدم التكلف حتى في الكلام ومطمئن عليك في هذه الناحية

ثالثاً: التعرف على الآخرين كل الآخرين داخل المعسكر وخارجه ما وسعك ذلك.

وصيتي انتهت.

من الواضح أن أعمال معسكر منظمة الشباب الاشتراكي قد تواصلت حتى وصلنا إلى الثاني من مايو من العام 1967 وفيه يكتب الوالد لولده: "هل سمعت أضواء المدينة البارحة وما أدخله عليها جلال معوض من التجديد حين آمن بإنسانيته ورسالته هو وكل من اشترك معه.

قلتَ في خطابك الأخير إن عدد الدارسين بالمعهد 251 دارساً فهل تعرفت على الكثير منهم.

صل من أجلك وأجلنا ومن أجل الإنسانية إن كنت مؤمنًا بإنسانيتك وزر أولياء الله لأن دعواتك ستكون مجابة بإذن الله وخاصة إذا دعوت لنا وحبذا لو تيسرت لك زيارة آل بيت الرسول صل الله عليه وسلم والصالحين وفضيلة مولانا السيد محمد أبو العيون.

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله..

منشور بجريدة صوت الأمة الجمعة، 31 يوليو 2026.


الاثنين، 27 يوليو 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام (2)


 

ولد الحاج عبد الرحيم عبد الجابر بقرية التمساحية بمركز القوصية بمحافظة أسيوط في العام 1919، فكان وجيله من ثمار الثورة المصرية اليانعة، وأيامها (والكلام لعبيد الاحتلال ودراويش أسرة محمد علي) كان التعليم عملية شاقة جدًا على كل جميع المستويات، الاقتصادي منها والاجتماعي، التعليم أيامها كان مقصورًا على الكتاتيب، وسعيد الحظ وصاحب الثروة هو الذي سيغادر إلى القاهرة حيث جنة الأزهر الشريف، أما عن وجود المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في القرى فهذا أمور فوق الخيال.

تعليم الكتاتيب كان مقصورًا على حفظ القرآن الكريم ثم معرفة مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم يترك التلميذ لشأنه.

لا يخجل عبيد الاحتلال ودراويش أسرة محمد علي، فيشنون حروبهم على ثورة يوليو التي جعلت التعليم كالماء والهواء حقًا.. 

من الواضح أن الحاج عبد الرحيم قد سمع باسم عباس محمود العقاد، وكيف بعزم من حديد وبهمة الملوك تعلم العلم الذي تعلمه وتسلح بالثقافة التي تسلح بها، حاز كل تلك المكانة ولم يحصل من شهادات التعليم الرسمي سوى على شهادة الابتدائية، وهذا كان حال أديب العربية الأعظم مصطفى صادق الرافعي، بعد الابتدائية التي لا أعرف كيف حصل عليها أبي انطلق يقرأ كل ما يصل إليه فترك لنا مكتبة ذاخرة بأمهات الكتاب في شتى المجالات!

أما ابنه أكبر أولاده الحاج بهجات فقد ولد في العام 1945، وعندما جاءت ثورة يوليو فتحت له ولجيله أبواب التعليم الإلزامي المنضبط، فحصل على الابتدائية ثم الإعدادية ثم التحق بمدرسة المعلمين، وهنا لنا وقفة مع تلك المدرسة العظيمة. أنقل عن صفحة تاريخ التعليم المصري: "إن لمصر تاريخ طويل في إعداد المعلم وكانت هناك معاهد أكاديمية تقوم بهذا الدور، ففي عام 1872 أنشأت دار العلوم كأول معهد علمي لإعداد معلمي اللغة العربية، إذا أن المقررات التربوية لم تدرج ضمن خطة الدراسة بها إلا ابتداء من عام1886م، وفي عام 1888م أنشأت مدرسة المعلمين المركزية".

أما عن أبرز خريجي المدرسة العظيمة فإليك هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر: |الأديب إبراهيم عبد القادر المازني، والأديب محمد فريد أبو حديد، والمؤرخ محمد شفيق غربال، والشاعر عبد الرحمن شكري والمفكر زكي نجيب محمود!".

كانت مدرسة المعلمين تفتح أبوابها للتلاميذ الحاصلين على الإعدادية بشرطين، الأول أن يكون التلميذ متفوقًا، والثاني أن يكون راغبًا حقًا في أن يصبح معلمًا.

ثم بعد هذا التاريخ العريق للمدرسة تم إغلاقها بقرار عجيب في مطلع الثمانينات، ومن يوم إغلاقها لم ير التعليم خيرًا.

مدرسة الحاج بهجات كانت في ديروط بشمال أسيوط، وبين ديروط والتمساحية، مسافة لا تزيد عن ثلاثين كيلو مترًا، ومع قرب المسافة فإن خطابات الوالد لولده لم تكن تنقطع!

الخطاب الأول، وهو للأسف ليس مؤرخًا، يزف فيه الوالد لولده خبرًا سعيدًا فيقول: "أذيع أمس أن السيد كمال الدين حسين قرر تخفيض نصف الرسوم على الإعدادي والثانوي والجامعات، ودفع النصف الباقي على قسطين".

ورود اسم الوزير كمال الدين حسين يقطع بأن زمن الخطاب في أول الستينيات، ويلاحظ أن الحاج عبد الرحيم في خطاب عائلي يستخدم لغة التوقير مع معالي الوزير فيصفه بالسيد، ثم الموضوع مهم جدًا من وجهة نظره، الرسوم ستخفض، فكم كانت الرسوم التي فرح أبي بتخفيضها؟

بحثت فوجدت ما يلي: "المرحلة الإعدادية: كانت الرسوم المقررة قرابة 150 قرشاً (جنيهاً ونصف) سنوياً، فجرى تخفيضها لتصبح 75 قرشاً فقط".

لاحظ أن هذا النصف سيدفع على قسطين، يعني القسط أقل من خمسة وثلاثين قرشًا، آه نسيت إخبار قارئ اليوم أن كل مئة قرش تساوي جنيهًا واحدًا!

المرحلة الثانوية: كانت رسوم الخدمات والأنشطة تبلغ 3 جنيهات سنوياً، فخُفضت بموجب هذا القرار إلى 150 قرشاً (جنيهاً ونصف).

التعليم الجامعي: كانت الرسوم والاشتراكات الإضافية لخدمات الكليات والمعامل وتأمين الأدوات تتراوح بين 4 جنيهات إلى 6 جنيهات (حسب الكلية نظرية أم عملية)، وخُفِّضت بموجب القرار لتصبح بين جنيه ونصف إلى 3 جنيهات كحد أقصى.

قد تبدو فرحة أبي عجيبة لأن الأمر كله هو أمر قروش وجنيهات معدودة، ولكن عليك أن تعود إلى قبل ستين عامًا من عامنا هذا، فترى أن متوسط الرواتب الشهرية للموظفين كان يتراوح بين 10 إلى 15 جنيهاً فقط.

كان أبي قد أصبح موظفًا حكوميًا بعد أن أنشأت ثورة يوليو الجمعيات الزراعية المخصصة لخدمة الفلاح، فكان هو وعمي الحاج حسين عراقي (والد الكاتب والبرلماني الأستاذ عماد الدين حسين) أول موظفين قامت على أكتافهما الجمعية الزراعية بالتمساحية.

بالعودة إلى قرار الحكومة بتخفيض الرسوم الدراسية فقد فسر لي ولوع أبي بالدولة المصرية، فقد كان يجدد مبايعته لها مع كل خطاب شديد الخصوصية، لم يكن يعلم أن أحدًا غيره وغير ولده البكري سيطلع عليه!

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 26 يوليو 2026م.

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

خطابات عائلية عن الشأن العام (1)

 خطابات عائلية عن الشأن العام (1)

تقع قريتي" التمساحية" غرب مركز "القوصية" الواقع في شمال محافظة أسيوط، ومع كل التطور الذي طرأ على المواصلات والاتصالات تبدو التمساحية بعيدة جدًا عن القلب المصري، أعني العظيمة القاهرة، أقول هذا في صيف العام 2026، فكيف كان البعد والابتعاد قبل ستين عامًا من عامنا هذا؟

كنت في قريتي لحضور حفل زفاف إحدى بنات أبي الحاج بهجات عبد الرحيم، مضى الحفل لطيفًا جميلًا، ولكن قلبي كان هناك، مع ذكرى الذين رحلوا مبكرًا، أين أمي (جدة العروس) وأين أشقائي (أعمامها)؟

لاحظت كبرى بنات العائلة شرودي فسكتت عنه احترامًا لحالة أنا مشهور بها، ثم أرادت بطيبة قلبها مكافأتي فدفعت لي بحزمة أوراق قائلة: "هذه مراسلات سرية بين أبويك هي لك، لعل قلبك يهدأ ويرضى".

دفعني الفضول لإلقاء نظرة على الخطابات، هالني ما وقعت عيناي عليه، أب صعيدي في العشرين من عمره يكتب لابنه المراهق عن سياسات عدم الانحياز، وعن منظمة الشباب وعن مركز إعداد القادة وعن حفلات أضواء المدينة وعن صوت جلال معوض!

هنا لا بد من كلمة عن الرجل وابنه، تفسر الحالة وتشرح المقال.

في مارس من العام 1967 رحل أبي الذي أنا من صلبه، الحاج عبد الرحيم عبد الجابر، كنت دون الثالثة من عمري، رحل تاركًا سبعة أبناء كنت أصغرهم، وتاركًا والدته ووالده وزوجه التي هي أمي، نهض بكل هذا الجمع فرد واحد، وهو شقيقي الأكبر الحاج بهجات عبد الرحيم، كان أيامها شابًا في مقتبل عشرينه، فكيف تحمل كل هذا العبء؟

من أبي؟ إنه الحاج بهجات، فالرجل الذي أنا من صلبه رحل قبل أن أعي من دنياي شيئًا.

في أول السبعينات ستقع الواقعة، شقيقي عزت على الجبهة يحارب العدو وأنا في التمساحية أحارب قصة نسبي!

الآن سأنقل ما كتبته قبل سنوات بعيدة عن تلك الواقعة: "كان الشقيقان الحاج مندي والحاج بهجات يعيدان ترتيب المكتبة، هما كانا يبحثان عن شيء محدد، فجأة صاح مندي: لقد وجدت اللوحة.

إنها صورة رجل أسمر لطيف السمرة يبدو وسيمًا وأنيقًا ومبتسمًا، يرتدى جلبابًا صوفيًا أسود ويعتم بعمامة بيضاء كبيرة. تبادلوا الإمساك باللوحة، لم أكن معنيًا بها لأنها ليست ملونة، ارتاحت اللوحة بين يدىّ أمي التي نظرت لها طويلا ثم قبلتها، تقبيل أمي لهذه اللوحة جعلني أسألها: "صورة مين دي؟".

ارتبكت قليلًا ثم تضاحكت وأعطت اللوحة لبهجات ثم قالت مبتسمة وهي تضم رأسي لصدرها: "دي صورة راجل كان ضيف عندنا وبعدين راح لأهله".

كنت مؤمنًا بأن شقيقي الحاج بهجات هو أبي الذي أنجبني ولذا رحت انتسب إليه، فإن سألني سائل: "ابن من أنت؟"، فإنني أجيبه بتلقائية: "ابن الحاج بهجات عبد الرحيم".

عيال الشارع تعاملوا معي بوصفي أبلهًا يظن أن شقيقه هو والده، بادلتهم السخرية من جهلهم لأنه يظنون أن أبى هو شقيقي.

عشت هكذا عمرًا طويلًا حتى جاءت ظهيرة يوم قائظ أرسلتني فيه أمي إلى البقالة لشراء عسل، كانت قد أعطتني النقود وكوبًا زجاجيًا كبيرًا (أذكر أن لونه كان أزرق). أثناء عودتي إلى البيت، انشقت الأرض عن ولد كبير، ربما كان بيني وبينه عشر سنوات، كان الولد كأنه الشيطان، أمسكني من كتفي وهزني هزًا شديدًا وسألني بصوت كله قسوة: "أنت يا واد.. واد مين أنت؟".

بخوف أجبته بما أعرفه عن نسبى: "واد الحاج بهجات عبد الرحيم".

رفعني عن الأرض كأنني ريشة وألصق ظهري بحائط وصرخ فى وجهي: "أنت بهيم، بهجات دا أخوك، أبوك مات، أبوك مات، عارف يعنى إيه مات؟ يعنى مات".

تركني أسقط على وجهي وغادرني وأنا أعوى: "أبويا مات، أبويا مات".

قذفت الكوب الزجاجي فتحطم واختلط العسل بتراب الشارع، وعدت إلى البيت وانا أصرخ من بين دموعي: "أبويا مات يعنى بهجات مات".

اجتمعت علىّ أمي وجدتي وأختي سامية وحاولن تهدئتي ولكن محاولتهن فشلت.

فجأة دخل أخي عزت عائدا من الجبهة وعلى كتفه مدفع رشاش.

لم يجد الاستقبال اللائق بعودته، لانشغال السيدات بي، بكلمة عرف الأمر من أمي، رفعني ووضعني فوق كتفيه، وهم بالخروج، تعلقت السيدات الثلاث بساقيه لكيلا يخرج، ولكنه كان من القوة بحيث طرحهن جميعا.

فى الشارع سألني بهدوء: "عارف الواد؟".

أجبته: "أعرف شكله". قال سنبحث عنه حتى نجده وساعتها ستحصل على حقك منه.

بعد بحث لم يستغرق كثيرا أشرت إلى الولد الذي كان يجلس مع أقاربه على مقهى صغير. أنزلني عزت من فوق كتفيه، وألقى سلاما فاترا على الجالسين، ردوا مندهشين من فتور سلامه، تناول مدفعه الرشاش وباعد بين ساقيه ثم قال: "أبنكم عاير أخويا بموت أبوه، ودا ما يصحش، وزى ما ابنكم خلى أخويا يبكي، أخويا هيبكيه قدامكم، والله العظيم اللى هيتحرك منكم لأكون مفرغ فيه الستة وتلاتين طلقه".

أكبر أعمام الولد كان حكيماً، أدرك أن عزت مصاب بجنون الغضب وسينفذ ما هدد به، قام الرجل ومسح على شعري وقبل جبيني وأعطاني سوطًا مصنوعًا من ليف النخل يستخدم في زجر البقر والجاموس، ثم قال: "الحق حبيب الرحمن، وزى ما بكاك بكيه، السوط فى يدك أهو وشرّح بيه ضهره".

على كثرة ما تشاجرت لم أضرب أحدًا مثلما ضربت هذا الولد، لقد كان يصرخ من ضربات السوط التي انهلتُ بها على جسده، مع بكائه كففت عن ضربه، رفعني عزت ووضعني على كتفيه وعاد بى إلى البيت.

استدعاني شقيقي الحاج بهجات إلى غرفته، كان يجلس إلى مكتبه، على عينيه نظارة طبية أنيقة وبين يديه كتابًا ليس ملونًا، سألته عن الكتاب فابتسم قائلا: "دي رواية قصة مدينتين لراجل خواجة اسمه تشارلز ديكنز".

قام وجلب لى مقعدًا وأجلسني أمامه ثم أغلق الكتاب بعد أن وضع ريشة بين صفحاته، مسح نظارته ثم تبسم فى وجهي وقال: "أمك قالت لى على اللى حصل مع الواد البغل، شوف يا عمى الأستاذ، الواد بغل ولكن ما غلطش، أبوك هو أبويا، إحنا الاتنين أخوات، أبوك مات فعلا، بص كلنا هنموت، فاهمنى إزاى، أخوك عزت مجنون، أصله النهار كله يحارب، كان ممكن يقتل علشان خاطرك، يرضيك أخوك يتسجن؟.. عايزك تبقى كويس وماتضايقش من أي حد يقولك أبوك مات، بص لو عايزنى أكون أبوك فأنا من اللحظة دي هكون أبوك ولأخر يوم فى عمري، لما تكبر وتتجوز تقول لعيالك الراجل أبو نضارة دا هو أبويا، بكرة هاخدك أسيوط معايا وهشتريلك كرة وصور لعبد الناصر واللى تشاور عليه هشتريهولك".

من يومها أصبح الحاج بهجات أبا لى، وجداً لأولادي لم أشعر بعدها باليتم إلا فى صباح السابع من أكتوبر من العام 2015، رحل أبي الحاج بهجات فعرفت كيف هو اليتم، وعرفت أي أنس كنت أتمتع به وأي وحشة ستخيم على أيامي ما بقيت على ظهر الحياة.

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد، 19 يوليو 2026م.


الاثنين، 6 يوليو 2026

المقاومة كلمة سر رواية "دماء على خرائط الشرق"


يغلب على ظنى أن إقدام الروائية نوارة نجم على كتابة روايتها "دماء على خرائط الشرق" جاء للتخلص من كوابيس الحاضر ومن مخاوف المستقبل،

نوارة قالت: إن الرواية تعتمل بداخلها على مدى ثلاث عشرة سنة، وأنا أقول: "لولا ضغط الحاضر والمستقبل ما كانت الكاتبة ستعود إلى الماضى، الذى قد نراه بعيدًا بينما هو حاضر بثقله فى قلب أيامنا هذه!".

"رواية نوارة صادرة عن دار الشروق بغلاف متميز للفنان عمرو الكفراوى وفى عدد من الصفحات وصل إلى ثمانمائة وإحدى وستين صفحة. "

- نوارة نجم لم تستجب لشيطان التجريب... ولم تكتب عن المطلق المستحيل

من مناقب نوارة الروائية أنها لم تستجب أدنى استجابة لشيطان التجريب فتكتب فى الفراغ عن المطلق المستحيل، هى حددت بصرامة تاريخ روايتها وأبطالها بل أزياء الأبطال ومأكلهم ومشربهم، بل وتروم ركبتى أحد أبطالها، وذلك الرذاذ الذى يتطاير من فم أحدهم، تلك الصرامة مكنتها من تحديد الهدف ومن ثم التصويب عليه بسهم نارى، فدون تحديد الهدف كان السهم سيطيش ولا نحصل سوى على صفحات لوث سواد الحبر بياضها!

فى أولى الصفحات وسوس شيطان الخوف لنوارة، وللأسف سمعت له، فوضعت إشارة إلى أن الرواية مستلهمة من التاريخ، ما عليك يا سيدتى بأن تكون الرواية من التاريخ أو الجغرافيا، هناك قارئ سيقرأ والحكم الحقيقى بيده هو فقط، وهناك ذائقة ستقرر التصنيف.

ثم وضعت قائمة بأسماء شخصيات الرواية، لقد خافت من أن يؤدى التشابك والتشعب إلى شرود القارئ وتشتت ذهنه، وفى هذه هى لم تحسن الظن بنا نحن أحفاد السير الملحمية، أجدادنا القدامى كتبوا ألف ليلة وجاء جد قريب أعنى شيخ الروائيين نجيب محفوظ، فكتب «بين القصرين» فى ألف صفحة، ولم نتشتت ونحن نقرأ تلك الملاحم.

الروائى المتقن هو بطبعه من أهل المكر والحيل.. يصنع جسورًا لطيفة تكاد لا تُرى يعبر عليها أبطاله

الروائى المتقن هو بطبعه من أهل المكر والحيل، يصنع جسورًا لطيفة تكاد لا تُرى يعبر عليها أبطاله، وتربط بين عوالمهم، فى خفاء سرعان ما ينجلى فإذا محمد كأنه المسيح!

جسر نوارة كان استدعاء التاريخ، وهى تعلم علم اليقين أن استدعاء التاريخ ليس من الأعمال المجانية الآمنة، بل هو عمل مغامر بل قل مقامر تحفه كلاليب تتخطف السائر الغافل، فأقل لفتة قد تؤدى إلى الانزلاق نحو هاوية لا قرار لها.

الرواية طرحت أسئلة كبرى موجعة ولم تتهرب من الإجابة عنها

تاريخ نوارة يطرح الأسئلة الكبرى الموجعة:


لماذا كل هذا الدم؟

لماذا تعثرنا وتخبطنا بعد أن كنا نمضى قدمًا إلى الأمام لتحقيق شروط ثقافتنا التى هى الإسلام ولا شىء غيره؟

هل يمكن كسر هذا الأغلال الجهنمية الذى تطوق أعناقنا؟

يرحم الله المفكر المسلم العربى الجزائرى مالك بن نبى، لطالما تحدث وكتب عن «القابلية للاستعمار» من تلك النقطة الملعونة بدأت نوارة، نحن حقًا قبلنا بالاستعمار، انظر إلى ضربة البداية التى نفذتها نوارة، عائلة عراقية تتبع، تسود جيرانها بثروتها وبحسن علاقاتها مع الجميع، ولكن كما قال صلاح عبدالصبور: "الدودة فى أصل الشجرة" فرب العائلة ميرزا حسن القماش، قبل بالاستعمار التركى، ألا لا يحدثنى أحد عن فتح تركى لبلاد العرب والمسلمين، لقد كان احتلالًا بغيضًا دفع أجدانا ثمنه، وظنى أننا نواصل دفع الثمن!

الأب المهيب يتصاغر أمام الحاكم أو المحتل التركى، يقدم له أنفس الهدايا لكى يتكرم جناب المحتل ويشرفه بأن يحضر حفل زفاف ابنه محمد صفى على ابنة عمه.

بجبروت مضحك يحشد الأب الهمام ذكوره الثلاثة: محمد الزكى ومحمد العلى ومحمد صفى، ليمثلوا معه بين يدى الحاكم التركى، قدموا هداياهم النفسية ثم لم يحصلوا من واجب شيئًا، ولو حتى على كأس ماء!

الذى يقول به العقل إن الحاكم ولو كان محتلًا هو مسئول عن أمن رعيته، فماذا فعل التركى ساعة أن جد الجدد وسطعت شمس الحقيقة؟

لقد ترك المتشددين يذبحون زوار مرقد الإمام الحسين، لماذا لم يدافع الحاكم عن رعيته؟

سنعرف الإجابة التى ستتكر مرات كثيرة على صفحات الرواية "لا أحد يدافع عن شىء لا يملكه" المحتل يعرف باليقين أنه محتل وليس مالكًا، هو له المغنم كله وعلينا نحن المغرم كله!

لقد بدأ شتات محمد صفى من تلك اللحظة الملعونة، لقد قتل اثنين من المهاجمين ربما ثأرًا لوالده ولأحد شقيقيه وربما رغبة فى النجاة وربما استجابة إلى معمار الرواية القائم على رصد الشتات.

فى الرواية كما فى الحياة أرض الله واسعة ولكن أرض المنافى ضيقة خانقة

فى لحظة فاجرة أساسها القبول بالاستعمار تبدل كل شىء مرة واحدة وإلى الأبد، محمد صفى لن يعود إلى بيت أبيه، فلم يعد هناك أب ولن يعود إلى حبيبته سيفر من العراق إلى أرض الله الواسعة، ولكن ما أضيق أرض المنفى.

حيثما ولى محمد صفى وجهه وجد الاستعمار، سيفر إلى الهند، تخيل معى عراقى يهرب إلى الهند، فيجد فى وجهه الشركة الشرقية، وهى كما أنقل بياناتها عن ويكيبيديا: هى شركة مساهمة إنجليزية أُسست عام 1600، تحولت من مشروع تجارى صغير إلى قوة استعمارية سيطرت على أجزاء واسعة من شبه القارة الهندية، وامتلكت الشركة جيشها الخاص وفُرضت سيادتها وإدارتها بدعم من الحكومة البريطانية.

هذه بيانات باردة لا تقدم شيئًا من حرارة المأساة ولا مرارة الفاجعة، نحن فى الحقيقة أمام وحش كونى معطر يتناول طعامه بالشوكة والسكين ويتحدث هامسًا لكنه يقتل الشرق كل الشرق بدم بارد وبعزم حديدى لا يكل ولا يمل.

صفى الهارب من المتشددين سيقع فى قبضة أب الكنيسة البريطانية التى هى أصلًا واقعة بين أنياب الشركة الشرقية، محمد المسلم سينام ويصحو ليجد نفسه قد أصبح يحمل اسم "زافير سافيو" ثم سيجد نفسه زوجًا لمايا الهندية التى ستحمل اسم "ماريا" ثم ستلد له «توماس» الذى هو راج الرضى، وفرانسيسكو الذى هو «أرجون تقى» وأخير أمير!

أسماء عجيبة ولكنها ترضى الكنيسة والهنود والشيعة!

أزعم أن نوارة قد جلست إلى نفسها تسألها: «ما العمل مع كل هذا العذاب وكل هذه الدماء».

الانهيار ولطم الخدود وشق الجيوب لن يقدم ولن يؤخر، لقد أبدت نوارة رباطة جأش تحسد عليها، بداخلها إيمان بحتمية وقوع سوالف أقضية الله على عباده وعبيده ثم هى تعرف أن «الدودة فى أصل الشجرة» وللحق هما فى الرواية دودتان، دودة قبول الاستعمار ودودة التعصب المذهبى والطائفى، هاتان الدودتان هما أصل بلاء كل هذا الشرق والطعنة النجلاء التى أصابت قلبه فنزف دمه وصار إلى ما صار إليه، من بؤس وتعاسة وشقاء.

تقدم نوارة فى روايتها عوالم أربع عائلات، عائلة محمد صفى العراقى الشيعى وعائلة حسين المدنى (نسبة للمدينة المنورة) المسلم السنى، وعائلة حسين أبو ركبة المصرى الصعيدى الجذور، وعائلة حماد الحجازى الذى يمتلك قرية صعيدية بمن عليها!

لقد وقع الفأس فى الرأس وعرفت نوارة بعد مائة صفحة من بداية روايتها أنها قد ورطت نفسها (فى زمن الريلز) فى كتابة رواية أجيال تستغرق أحداثها زمنًا يقترب من القرن وتجرى على مساحة تبلغ ملايين الكيلو مترات وتستهلك حياة عشرات الأبطال، هنا الأمر بحاجة إلى حشد كل القوى، خاصة الخفية منها، لتسمع الكاتبة أصوات أبطالها وتتعرف على وقع خطواتهم وتسجل حاضرهم كما عاشوه لا كما تمنت هى لهم، وتلك لعمرى مهمة شاقة تحتاج إلى رهافة أنامل عازف بيانو وحكمة أصابع جراح وقوة سواعد جزار، كان لا بد من وصل وقطع وجراحة وبتر، ولكن يجب أن يتم كل ذلك ونحن لا نرى عرق الكاتبة ولا نسمع لهاث أنفاسها، ثم هى لا تنسى أمر الدودتين، القبول بالاستعمار والتعصب المذهبى والطائفى، لقد تسلطت الدودتان على حياة محمد صفى، والآن جاء دور حسين المدنى لينال نصيبه من البؤس والتعاسة والشقاء.

حسين المدنى ليس ابن قلب الجزيرة العربية فحسب، هو موصول بالسادة الأكابر، آل البيت الشريف، يتعامل مع الحسن والحسين والإمام علىّ بوصفهم أجداده ومع زينب رئيسة الديوان بوصفها عمته الكبرى والعظمى، أما المسجد النبوى فهو إرثه القلبى والروحى الذى لا يتنازل عن مثقال ذرة منه، ما العمل وقد علا نجم التشدد؟

التشدد يحاصر الآن مدينة الرسول، لماذا؟

لأن نسخة الإسلام التى عليها أهل المدينة لا تعجبه، أحفاد الأنصار والمهاجرين هم فى نظره أهل بدعه، والبدعة ضلالة، وأى ضلالة ليس لها إلا السيف!

حسين فنان، يصنع الأثاث كما يحب هو، وله صوت جميل، ثم هذا رجل جده صاح فى الجموع يومًا «هيهات منا الذلة» ولذا بادر بحراسة المدينة ليصد عنها سيوف وبنادق المتشددين، عملت دودة قبول الاستعمار عملها وسلم الترك المدينة لسيوف التشدد، لماذا سيدافع التركى عن مدينة هو لا يملكها؟

الطائفية لا علاج لها إلا الصدام معها ثم الدنيا لمن غلب، وقد غلب التشدد، وتورط هو فى قتل بعضهم، وعرفوا هم وجهه فخصصوا رجلين منهم ليثأرا منه.

ابن الجزيرة العربية حيث لا شىء سوى ذكريات الأوس والخزرج وقريش والكثير من الرمل وبعض النخيل وجد نفسه هاربًا إلى مصر، حيث وفرة كل شىء من نيل وشجر ونساء وزحام وحرفيين وطواغيت، نزل حسين أرض مصر فى زمن ثورة المصريين على الحاكم التركى خورشيد باشا، ما الذى جعله ينخرط فى أعمال الثورة؟

إنها جينات الجد «هيهات منا الذلة» ثار مع الثائرين ورأى جثث الثوار تملأ طرقات مصر المحروسة ورأى رقاب شيوخ الأزهر وطلابه، وهى تطير، وربطت الثورة بينه وبين عربجى يدعى حسين الشعرانى برابطة الدم والحلم المستحيل.

المصريون الذين قدموا الدم ليتخلصوا من خورشيد باشا، هم أنفسهم الذين نصبوا أعجميًا يدعى محمد على حاكمًا للبلاد ليواصل مسلسل ذبحهم، هل جن المصريون؟ أى خبل ضرب إدراكهم، لماذا لم يحكموا هم بلادهم؟

مرة ثانية ولن تكون الأخيرة، إنها دودة القبول بالاستعمار.

أرض الله واسعة ولكن أرض المنافى ضيقة خانقة، رجلا التشدد يواصلان مطاردة حسين، يظهران فى قلب زحام مصر المحروسة، ينبتان من تحت أحجار الأزقة ويهبطان مطرًا مسمومًا من سماء التعصب والطائفية، هما يجاهدان فى سبيل الله بقتل حسين، وما ذنب حسين إلا أنه كان يحتفل بذكرى ميلاد جده، فإنا لله وإنا إليه راجعون، لقد أهلكت دودة التعصب والطائفية كل هذا الشرق الذى كان عظيمًا لا يعد إلا بالخير.

حسين الشعرانى (نسبة لحى باب الشعرية القاهرى) هو أصلًا من قرية البرشا من قرى مركز ملوى بمحافظة المنيا بصعيد مصر، يرسم خطة النجاة لحسين المدنى من مطارديه، ابن الجزيرة العربية هو الآن فى قارب نيلى يتجه إلى المنيا، نبت رجلا التشدد من بين ألواح القارب البائس، ابن الجزيرة لا يعرف ما النيل ولا ما السباحة ولكنه يقفز فى النيل ويتخبط حتى ينقذه قسيس ظنه يريد الانتحار لا النجاة من القتل.

بعد عذاب يصل إلى بيت محمد أبوركبة والد صديقه حسين الشعرانى، يتعجب أبوركبة من جنون ولده فهو لا يستطيع حماية نفسه حتى يوفر الحماية لابن الجزيرة العربية!

فى البرشا كما فى كل مصر، كل شىء بيد الترك والمماليك، أما أهل البلاد فهو فى أحسن الأحوال أجراء وفى معظمها خدم لا حول لهم ولا قوة!

يصحو حسين فيجد مطارديه أمامه، لقد وصلوا إلى قلب الصعيد، يضطر المسكين إلى الإفصاح عن نسبه الشريف، يتأكد شيخ التكية من صحة النسب، فيصبح حسين هو السيد ابن السادة، فى صفحات عذبة تسرد نوارة قصة حب حسين لفاطمة شقيقة حسن الشعرانى، إنها صبية مصرية ذات حضور أنثوى مزلزل، كل ما فى فاطمة جميل مليح، من العينين إلى صوتها المغنى الثرى، إنها تغنى مع حسين على شاطئ النيل فيولد حسين من جديد، يتزوجها ويحضر شقيقها الثائر الزفاف ويبشر المصريين بأنه قد أصبح من مساعدى السيد عمر مكرم الثورى القوى وبأن الخير قادم على يدى محمد على باشا!

يعود حسين بامرأته شقيقة صاحبه إلى مصر المحروسة، ويلمع نجمه بوصفه فنان صناعة الأثاث والتحف لا مجرد نجار فقير، تتصل أسبابه عبر مملوك بمحمد على فيصطفيه، ويهب له قصرًا وتدخل زوجته على حريم الباشا مغنية ومتحدثة تأخذ بالقلوب، لكن دودة القبول بالاستعمار تعمل عملها، يرتكب الباشا مجازره، التى صنعت أنهارًا من الدماء، وفى إحداها ينقلب على الذين نصبوه فيقتل حسين الشعرانى!

لم يحزن المدنى على أحد حزنه على الشعرانى، لقد غامر بأن دفنه ثم ادعى أن جثمانه قد طار ودخل القبر من تلقاء نفسه، وشاعت الكلمة فأصبح الشعرانى من أولياء الله الصالحين الذين يحج إليهم طالبو الحاجات، عقد حسين العزم على أن يثأر لدم صاحبه من الباشا شخصيًا، جمع فريق اغتيالات ونهب لمخازن الباشا، ولكى يتم عمله عقد صفقة مع المملوك: عليك السلاح وعلىّ تخليصك من الباشا.

هل يثق أحد بصفقة مع مملوك؟

لكى يأمن حسين طلب الزواج من قمرية شقيقة المملوك، للحق هى رهينة وليست زوجة، تزوجها فرفضت أن يلمسها، إنها ربيبة قصور تشمخ ببياض بشرتها، حسين الذى كانت تغازله الفتيات والذى غنت له فاطمة صرخ فى وجهها بسره الدفين: بل أنا سيدك، أنا حفيد الرسول!

تقرأ تعقد حياة قمرية التى ستعود لتعيش مع فلاحى البرشا بل تتزوج من الشيخ حماد الحجازى، لأن زوجها حسين حفيد صاحب الصرخة قد فر إلى عكا، بعد أن تقرأ ستسأل نفسك: مع كل خرائط الدماء هذه كيف لم نندثر؟

ليس فى السؤال مبالغة هذه ثمنمائة وإحدى وستون صفحة من الدم ومن الطغيان ومن البوس المصفى، فكيف لم ينقرض هذا الشرق؟

فى يوم ما سيطلق الشرق طلقته الأخيرة ويحقق نصره الحاسم

مفتاح الإجابة أو كلمة السر سربتها نوارة برشاقة ومهارة عبر الجسور التى أقامتها لردم الفجوات التاريخية، جسور نوارة اللطيفة التى تخاصم الزعيق والضجيج والصراخ والمباشرة الفجة تمثلت أولًا فى جسرين، النساء والمقاومة، نساء الرواية كأنهن زينب بنت على، شقيقة الحسين والحسين التى وقعت على قلبها كل الفواجع وعاشت كل النكبات ثم نهضت من تحت الأنقاض والرماد لتحفظ الذكرى وتجدد العهد وترعى الحياة، ثم المقاومة، شرقنا كله ولا تفرق بين عرب وفرس وهنود، هو أستاذ من أساتذة المقاومة الإنسانية، نحن نقاوم الدودتين الكونيتين، القبول بالاستعمار والتعصب المذهبى والطائفى، نقاوم وننتصر لكننا لا نبنى على انتصارنا، فنتقهقر لتعود الدودتان لقهرنا، فى يوم عساه يكون قريبًا، سنطلق الطلقة الأخيرة الحاسمة، سنقاوم وننتصر ونبنى فننجو من الاندثار والانقراض.

شكرًا لنوارة نجم.. وننتظر جديدها الذى وعدت به.

منشور بجريدة الشروق يوم الجمعة 3 يوليه 2026.

الأحد، 21 يونيو 2026

التاريخ شيء والسينما شيء آخر


 

لم يخترع الإسلام العرب، لأن الإسلام دينًا وليس عرقًا أو جنسية، كان العرب قبل الإسلام أمة من الأمم، يتمركزون في حدود شبه الجزيرة العربية، ولكنهم عاشوا بوصفهم قبائل، متحاربة في معظم الأحيان، وكانت كل قبيلة كأنها دولة فهي تفرض سيطرتها الكاملة على الأرض التي تعيش فوقها، وتصادر ثرواتها لصالح القبيلة فقط وليس هناك معنى للتحالف أو حتى حقوق الجوار إلا من باب الشهامة والنخوة والكرم.

وكان تاريخ تلك الدول التي هي في حقيقتها قبائل تاريخ شفهي يعتمد على الذاكرة، أما التدوين والتسجيل والتوثيق والنقد، فأمور كانت فوق إمكانيات العقلية العربية وقتئذ، طبعًا الذاكرة لا يسلم أحد من خيانتها، والاعتماد عليها ومن ثم على حفظ الوقائع أمر لا تحمد عقباه، ثم هناك تضارب المصالح بل تناقضها، فكل قبيلة لن تسجل سوى مفاخرها وانتصاراتها ولن تعترف بفضيلة لقبيلة منافسة!

ثم جاء الإسلام، فآلف بين قلوب العرب فأصبح المتحاربون بنعمة الله إخوانا، وانطلق العرب شرقًا وغربًا في حركة فتوحات كاسحة لم يعرف لها التاريخ البشري مثيلًا من قبل، ففي قرابة مئة عام فقط، توارت القبيلة بل تكاد تكون انتهت وحلت الدولة المركزية محلها، وأصبحت الجزيرة العربية القاعدة المركزية لإمبراطورية عربية إسلامية لا تغيب عنها الشمس، هنا بدأ التفكير في تدوين التاريخ لا روايته شفهيًا، فقد أصبح المسلمون أممًا عظيمة مختلفة الألسن، صهرت نفسها في بوتقة الإسلام بمعناه العام.

عباقرة القرن الأول والثاني الهجري قرروا البدء في تدوين تاريخ الأمة، التي كانت قبل قليل قبائل متفرقة متناحرة.

السطر الأول من المحاولة يشهد لهؤلاء بالعبقرية، لقد قرروا البدء من تسجيل أدق تفاصيل حياة الرجل الذي بفضله أصبحوا إمبراطورية وليسوا سكان خيام، أعني تدوين حياة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، لقد سجلوا كل ما يتعلق بحياته، ولأن الأمر خطير بل خطير جدًا فقد تفتقت أذهانهم اللامعة عن طريقة في الكتابة غير مسبوقة، لقد سبقوا العالمين في التدوين عبر الإسناد، وما فعلوه في تدوين الأحاديث النبوية الشريفة والأحاديث القدسية أصبح منهجهم في كتابة التاريخ.

وهذا الحرص على تتبع الرواة وتتبع أحوالهم من حيث العدالة ومتانة الحفظ والثقة، لم يكن أمرًا شائعًا لدي أي أمة من الأمم المتحضرة التي عرفت التدوين قبل أمة العرب بقرون.

لن تجد حادثة قل شأنها أم عظم تروى هكذا بدون رواة وبدون إسناد ثم ينظرون في المتن وهل يصح أم لا.

هذه المدرسة في كتابة التاريخ هي مدرسة إسلامية الأبوين والجدين وليست مستوردة بحال من الأحوال، وكنت من الذين يظنون أن رسوخ وعراقة تلك المدرسة أصبح من الأمور المفروغ منها ولكن تأتي الأيام بالعجائب، فقد ترك أحفاد العباقرة منهج مدرستهم الأم الراسخة وذهبوا إلى سبيل الهوى والمصلحة الشخصية الضيقة، والآن هم يتحاربون على صفحات وحسابات وسائل التواصل الاجتماعي حول ما يعرف باسم الحروب الصليبية!

بداية نحن ضحايا تلك المجاز الأوربية لم نطلق عليها يومًا هذه التسمية، فهى عند مؤرخينا الذين عاصروها معروفة باسم "حروب الفرنجة أو الافرنج"، وليس هناك أدنى إشارة إلى الصليب وغيرهم من علامات المسيحية، ثم تلك المجاز وهي مجاز إبادة واحتلال استيطاني لم تكن تهدد المسلمين فحسب، إذ كان الأوربي يقتل الجميع مسلمين ومسيحيين ويهودًا، القتل لم يكن على الهوية الدينية بل كان على هوية الإقامة، فكل بلاد الشام مستباحة ولا فرق بين مسلم شامي ومسيحي ويهودي، المهم أنه من المقيمين بالشام.

أحفاد العباقرة يعتمدون في روايتهم لحروب الفرنجة على مشاهد سينمائية، وأنا لا أعرف ما هي علاقة السينما بالتاريخ، السينما سينما والتاريخ تاريخ ولكل ضوابط ومنهج.

والحمد لله وجدت الكاتب الدكتور أشرف قطب يعود إلى مدرسة أجداده في كلمة طيبة جدًا شارك بها في النقاش الدائر.

قال الدكتور قطب: "لقد كانت الحملات الصليبية بالنسبة لأهل الشام ومصر قرنين كاملين من الحصار والمجازر والدمار والمقاومة المستمرة.

بدأ كل شيء سنة 1095م عندما أطلق البابا أوربان الثاني دعوته الشهيرة في مجمع كليرمون، ووعد المشاركين بغفران الذنوب، وفتح أبواب الجنة أمام من يحمل السلاح ويتجه شرقًا.

لكن أول من تحرك لم يكونوا الفرسان أصلًا، كانت البداية مع ما عرف بـ"حملة العامة" أو "حملة الناسك"، بقيادة الراهب بطرس الناسك.

آلاف من الفلاحين والمشردين والمغامرين اندفعوا نحو الشرق دون تنظيم أو تدريب، وفي طريقهم ارتكبوا مذابح بحق اليهود في المدن الأوروبية، ونهبوا القرى التي مروا بها، وعندما وصلوا إلى الأناضول اصطدموا بقوات السلاجقة فتمت إبادتهم تقريبًا.

ثم جاءت الحملة الصليبية الأولى، وهنا بدأ الكابوس الحقيقي، اجتاحت الجيوش الصليبية بلاد الشام مدينة بعد مدينة. سقطت الرها ثم أنطاكية، ثم وصلوا إلى القدس سنة 1099م.

وما حدث هناك كان من أبشع المجازر في تاريخ العصور الوسطى.

دخل الصليبيون المدينة وقتلوا المسلمين واليهود بلا تمييز. تذكر المصادر المعاصرة أن الشوارع امتلأت بالجثث، وأن الدماء غمرت أجزاء من المدينة، قُتل رجال ونساء وأطفال وشيوخ، ولم يشفع لأحد وجوده في منزل أو مسجد أو حتى كنيس، هكذا تأسست مملكة القدس الصليبية فوق بحر من الدماء".

أعرف أن معارك الأمريكان الدائرة الآن فوق أرض أمتنا هي التي فجرت النقاش حول حروب الفرنجة، وغضبنا من المعارك الحالية ورفضنا لها لا يعني ترك منهج أمتنا في كتابة التاريخ، فليس صحيحًا بحال من الأحوال أن المسلمين استلموا لهذه المجاز وليس صحيحًا أنهم أثناء تحريرهم لبيت المقدس قد أبادوا اليهود.

"اعدلوا هو أقرب للتقوى".

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 21 يونيه 2026م.