الأربعاء، 1 أبريل 2026

الذي لا يعرف الحروب يدعو إليها


قال القدماء: إن شاباً كان يواعد ابنة تاجر حبوب، وفي مرة من المرات، كانت المواعدة في مخزن أبيها، شعر الأب بحركة غريبة فدخل مسرعًا ليجد أمامه ما لا يليق، هرب الشاب، ولسوء حظه تعثر في جوال عدس، تبعثر العدس وتناثر على ملابسه، واصل الأب مطاردة الشاب وهو يهدده بالقتل، تجمع المارة، مستنكرين أن يقتل التاجر شابًا حاول سرقة بعض العدس، فحالوا بين الأب وبين الشاب وهنا قال الأب مقولته التاريخية: "اللي ما بيعرفش يقول عدس".

 

الذي ذكرني بقصة العدس هو موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المندفع بقوة ثور هائج إلى ساحات حرب لا يعرف أحد عن مصيرها ومسيرها شيئًا، ترامب لا يعرف ما الحروب ومع جهله بها فهو مصر عليها حتى آخر إيراني أو عربي خليجي، فهو يراهن على أن قواته مصونة محصنة، لن تفقد أكثر من عشرين فردًا ولكنها ستغنم النصر المبين.

 

لقد سلط الله صحيفة نيويورك تايمز على ترامب، فقد نشرت تقريرًا مطولًا في ديسمبر من العام 2018 قالت فيه: إن ترامب قد هرب من حرب بلاده ضد فيتنام خمس مرات، أربع مرات بحجة انخراطه في الدارسة الجامعية، أما المرة الخامسة والأخيرة فقد تمت بحيلة ترامبية عظيمة!

 

جاء في تقرير الصحيفة: أن ترامب قال إنه يعاني من "نتوءات عظمية" في كعبي قدميه، وتلك النتوءات تعفيه من الخدمة العسكرية!

 

المفاجأة التي كشفها تقرير الصحيفة هي أن الطبيب الذي شخص حالة ترامب هو "لاري برونشتاين" (متوفى)، وأن ابنتيه صرحتا للصحيفة بأن هذا التشخيص كان بمثابة "مجاملة" لوالد فريد ترامب، الذي كان يمتلك المبنى الذي يقع فيه عيادة الطبيب!

 

طبعًا ترامب شن حملة ضد الصحيفة وكذبها ولكنه لم يذهب إلى القضاء ثم شتم الذين أكدوا صدق معلومات الجريدة ولكنه لم يذهب إلى القضاء!

 

هل تعرف أخي الكريم، كيف بدأت الحرب بين أمريكا وفيتنام التي تهرب منها ترامب عندما كان شابًا؟.. لقد بدأت بكذبة مثل الكذبة التي اخترعها ترامب ليشن وهو عجوز حربًا تكاد تدمر الشرق الأوسط كله.

 

كانت فرنسا تستعمر فيتنام، ثم تحت ضربات المقاومة الفيتنامية هربت فرنسا مهزومة، ولكن فيتنام انقسمت على نفسها بين شمال شيوعي وجنوب رأسمالي، الروس والصينيون ساندوا الشمال طبعًا، وأمريكا ساندت الجنوب.

 

في الجنوب المدعوم من أمريكا كان مقاتلون يتقون لتوحيد البلاد تحت راية الشمال الشيوعي، هنا قالت أمريكا: لو سقطت فيتنام في قبضة الحكم الشيوعي فستسقط كل قارة آسيا فلا مفر من الذهاب لتدمير الشمال الفيتنامي وقمع متمردي الجنوب!

 

في أغسطس من العام 1964 قالت سفن أمريكية إنها كانت تبحر في خليج تونكين في أمان الله ثم فجأة وبدون مبرر تعرضت لهجوم شنه عليها فيتنام الشمالي!

هنا ذهب الرئيس الأمريكي جونسون إلى الكونجرس وحصل منه على تفويض بإرسال القوات اللازمة لحماية البحرية الأمريكية.

 

بدأت الحرب التي تواصلت حتى العام 1975 وبلغ عدد ضحايا فيتنام من المدنيين والعسكريين قرابة الأربعة ملايين مواطن وبلغ عدد القتلى من الجيش الأمريكي ثمانية وخمسن ألف قتيل، ثم انسحبت أمريكا ولم تحقق هدفًا من أهدافها وتوحد الشمال مع الجنوب، والآن تبلغ قيمة الصادرات الفيتنامية إلى أمريكا 193.8 مليار دولار وفقاً لتقديرات التجارة الأمريكية لعام 2025، بزيادة ضخمة بلغت 42% عن عام 2024.

 

هل تذكر الكذبة التي اندلعت بسببها الحرب بين أمريكا وفيتنام؟

 

في العام 2005 كشفت وثائق رُفعت عنها السرية خاصة من وكالة الأمن القومي أن الهجوم الذي قالت السفن الأمريكية أنها قد شُن عليها لم يحدث أبداً.

كشفت الوثائق أن بلاغات السفن كانت ناتجة عن قراءات رادار خاطئة، بسبب سوء الأحوال الجوية، ولكن جونسون الذي كان يسعى للقتال شن الحرب بناءً على معلومات هو يعلم أنها زائفة!

 

الحرب التي هرب منها ترامب عندما كان شابًا أصبحت تعرف بين الأمريكان بحرب "أشباح تونكين"، فلم يكن في الخليج سوى أشباح فيتنام وليس سفن فيتنام، وترامب العجوز يصر على مواصلة حرب سيقاتل فيها أشباح الشرق الأوسط بحثًا عن مشروع نووي هو بنفسه قال إنه قد قضى عليه ودمره تدميرًا.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 29 مارس 2026م.

 

الاثنين، 16 مارس 2026

سأصنع لك حربًا لكى تنسى!


 

شهد العام 1997 عرض الفيلم الروائى الأمريكى «هز ذيل الكلب»، كان الفيلم حلقة ذهبية من حلقات السينما الأمريكية التى تتيح بوفرتها وجودتها قدرًا لا يُستهان به من عمليات التطهير للحضارة الأمريكية التى وإن ارتكبت الموبقات فهى فى سعى دائم لتنظيف جراحها أولًا بأول، لكى لا يتخثر الدم ويسمم كامل البدن.

يبدأ الفيلم بخيط درامى عشناه مع الحضارة الأمريكية وما زلنا نعيشه، فالفيلم الذى مضى على ظهوره ما يقارب الثلاثين عاما، يحمل من الرسائل ما يجعله كأنه قد ظهر أمس أو أمس الأول.

حبكة الفيلم قائمة على التورط الجنسى (قصص الجنس لدى الأمريكان قديمة جدًا)، نحن أمام رئيس أمريكى يفصل أسبوعان فقط بينه وبين الانتخابات الرئاسية، فى تلك الأيام الحرجة والصعبة تتفجر فضيحة جنسية متعلقة بالرئيس الأمريكى، الفضيحة من الوزن الثقيل، وذلك لأن سيد البيت الأبيض تورط فى إقامة علاقة جنسية مع فتاة قاصر (أعود لتذكيرك بأن الفيلم ظهر منذ ثلاثين سنة!).

ماذا ستفعل إدارة الرئيس المهدد ليس بعدم التجديد له، بل المهدد بالمحاكمة لأنه أقام علاقة مع قاصر؟.. بعد حيرة قررت الإدارة القفز إلى الأمام وتقديم ما يجعل الشعب الأمريكى يتجاهل، بل ينسى الفضيحة الجنسية!

اتفقت الإدارة مع خبير يقدم خبراته فى كل قضية، ولكنه متفوق فى القضايا الخاصة بغسل السمعة، الخبير الذى لعب دوره الممثل الكبير روبرت دى نيرو، حكّ ذقنه ثم قال: لا بد من حرب!

القضية خطيرة جدًا وستطيح بالرئيس، لا مفر من اختلاق قضية أكبر بطريقة وداونى بالتى كانت هى الداء.

كيف سيحارب هؤلاء، ومَن الذى سيحاربونه، ثم مَن سيتحمل خسائر الحرب وكُلفتها؟

أسئلة رد عليها الخبير بجملة واحدة: وافقوا واتركوا الأمر لى!

وافقوا، وتركوا الأمر له، فجاء هو بمنتج سينمائى (لعب دوره الممثل الكبير داستين هوفمان) المنتج مفرط الثقة بنفسه، وهو دائمًا يردد أمام كل أزمة تعبير «هذا لا شىء»، يتصرف كأن الحياة ملك له وحده.

جلس الرجلان فى جولة تباحث، ووافق المنتج على نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وألبانيا!

لماذا ألبانيا وليس أى دولة أخرى؟

لأنها بعيدة ولا يعرف عنها أحد شيئًا.

طبعًا الحرب ستنشب للدفاع عن حقوق الإنسان الألبانى، ولترسيخ الديمقراطية فى ألبانيا وإلى آخر تلك القائمة الملعونة من الأكاذيب التى تستر عريها بشعارات الكذب والخداع.

شاهدت الفيلم منذ سنوات ولا أنسى ذلك المشهد الذى تظهر فيه طفلة مسكينة من ألبانيا المسكينة، الطفلة تجرى بين حقول قمح شاسعة والخوف يسكن عينيها لأنها مطاردة من آليات القمع الألبانى.

أنا المشاهد أعرف أن كل ما يجرى على الشاشة هو من اختلاق الخبير والمنتج، الموضوع كله مُختلق، فلا حرب ولا ألبانيا ولا طفلة ولا قمع ولا ديمقراطية، ورغم هذا، فقد كدت أصدق ما يجرى أنه حرب حقيقية!

لقد أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب على ألبانيا، وبدأت الغواصات وحاملات الطائرات والصواريخ والطائرات والمدافع وكل آلات التدمير والتخريب والقتل فى عملها المحموم، لقد فتحوا بوابات الجحيم على ألبانيا التى لا يعرفون أين تقع على خريطة الكرة الأرضية، كل هذا يجرى داخل استديو لا تزيد مساحته على الخمسين مترًا مربعًا، لكن التصوير المتقن وصيحات الصحفيين والمراسلين الذين ينقلون الحرب على الهواء مباشرة، استولوا على وعى الشعب وصرفوا نظره عن الفضيحة الجنسية، لقد راح الشعب يتابع بشغف بطولات جنوده الذين ينشرون الحرية فوق ربوع ألبانيا المسكينة ويغلبون وحوش الديكتاتورية.

غنى عن الذكر أن الفضيحة توارت ثم تلاشت فلم يعد أحد يذكرها، ثم أجريت الانتخابات وفاز الرئيس، وعاش الجميع فى سلام ووئام وقد نسوا تمامًا قصة البنت القاصر!

نجح الفيلم تجاريًا نجاحًا خرافيًا، وتسابق النقاد فى فك رموزه، فكان مما قالوه: إن الكلب فى الفيلم هو المجتمع الذى يجب هزه لكى ينسى أمرًا ما، ويجب أن يكون الهز عنيفًا جدًا ليناسب حجم ما يجب نسيانه ودفنه.

وأضاف نقاد الفيلم: علينا أن نلتفت للمقولة التى بدأ بها الفيلم: «لماذا يهز الكلبُ ذيله؟ لأن الكلبَ أذكى من ذيله. لو كان الذيل أذكى، لهز الذيلُ الكلبَ».

وبعدُ فعلينا الإقرار ببراعة الأمريكان فى صناعة السينما وفى صناعة الحرب، ولكن المحزن أن الحروب الحالية قد غادرت الاستديو لتذهب إلى الجغرافيا الحقيقية، حيث الناس الذين سيُقتلون وتُهدم بيوتهم، لكى ينسى المجتمع الأمريكى فضيحة ما.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأربعاء 11 فبراير 2026م.

 

 

الأربعاء، 11 مارس 2026

الغزالي والنجاة من نفق الجماعة

 



مرشد الإخوان حسن الهضيبى فصل الشيخ محمد الغزالى بعد خلافهما فكان رد الأخير: ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون

سمعتُ الأستاذ عمر عبد الكافي يحكي عن والد الشيخ محمد الغزالي فيقول: إن والد الغزالي كان بقالًا بسيطًا يمتلك بقالة متواضعة في قرية من قري محافظة البحيرة، وكان يدخر ربحه ليتمكن من السفر إلي الإسكندرية لكي يجلب البضاعة الجديدة التي تحتاجها بقالته، وفي يوم من الأيام وصلت مدخراته إلي عشرة جنيهات، وهذا مبلغ خرافي حسب أسعار ذلك الوقت، وضع الرجل العشرة جنيهات (وكانت ورقة واحدة) في حافظة نقوده وصعد القطار المتجه إلي الإسكندرية، وعند هبوطه في محطة الوصول تمكن لص خفيف اليد من سرقة حافظته منه، وعندها انهار التاجر البسيط جالسًا علي مقعد من مقاعد المحطة يشكو إلى الله ضياع كل ثروته، اللص خفيف اليد فتش الحافظة فلم يجد بها شيئًا وذلك لأن والد الشيخ الغزالي كان قد خبأ ثروته في جيب سحري من جيوبها، وظل يدعو الله أن يعيد عليه ثروته، هنا يأس اللص من أن يجد في الحافظة شيئًا ينتفع به، فقذف بها علي رصيف المحطة في ذات اللحظة التي كان فيها التاجر البسيط يدعو الله بأن يعيد إليه حافظته، فوجئ التاجر بالحافظة على بعد خطوة منه فصاح وقد ذهب عنه تحفظه مخاطبًا المولي عز وجل: "يا رب هات إيدك أبوسها".

تلك القصة على طرافتها يمكنها أن تقدم لنا تصورًا عامًا عن الوسط الذي نشأ فيه الشيخ محمد الغزالي، هذا الوسط المصري المحب للدين المكافح في الدنيا، صاحب التعبيرات التي تخرج منه عفو الخاطر فتكشف عن مدي تغلغل الرحمة الإلهية بين جوانبه.

وعلى ما سبق فليس مستبعدًا أن تكون رؤية في المنام سببًا لتسمية الشيخ باسمه المركّب الذي أصبح أشهر من نار على علم.

يقولون إن والد الشيخ سمي الشيخ "محمد الغزالي" بهذا الاسم رغبة منه بالتيمن بالإمام أبي حامد الغزالي (صاحب إحياء علوم الدين) فلقد رأى الوالد التاجر البسيط في منامه أبا حامد الغزالي الذي قال له "أنه سوف ينجب ولدا ونصحه أن يسميه على اسمه الغزالي فما كان من الأب إلا أن عمل بما رآه في منامه".

ولد الشيخ محمد الغزالي في قرية نكلا العنب، بمحافظة البحيرة في العام 1917، أتم حفظ القرآن بكتّاب القرية في العاشرة، ويقول عن نفسه: "كنت أتدرب على إجادة الحفظ بالتلاوة في غدوي ورواحي، وأختم القرآن في تتابع صلواتي، وقبل نومي، وفي وحدتي".

بعد مرحلة الكتاب وحفظ القرآن وتعلم مبادئ الحساب التحق بمعهد الإسكندرية الديني الابتدائي وظل بالمعهد حتى حصل منه على شهادة الكفاءة ثم الشهادة الثانوية الأزهرية، ثم انتقل بعد ذلك إلى القاهرة سنة 1937والتحق بكلية أصول الدين بالأزهر، وتخرّج بعد أربع سنوات، متخصصُا في الدعوة والإرشاد.

في فترة دراسته نال الشيخ إعجاب أساتذته الذين يأتي على رأسهم الشيخ الإمام محمود شلتوت والشيخ محمد أبو زهرة.

انضم الغزالي في شبابه إلى جماعة الإخوان. بدأ الغزالي الكتابة في مجلات وصحف الإخوان حتى تم تصعيده في هيكل التنظيم ليصل على عضوية مكتب الإرشاد، وبعد حل الجماعة بعد قيامها باغتيال محمود فهمي باشا النقراشي رئيس وزراء مصر، جرى اعتقال الشيخ وباقي قيادات الجماعة وأمضي معهم فترة الاعتقال كاملة في سجن الطور.

ما الذي حدث بينه وبينهم خلال فترة الاعتقال؟

ليس ثمة إجابة شافية، ربما كانت فترة الاعتقال فترة مراجعات فكرية، وربما تكشف له من أمر الجماعة ما كان خافيًا عنه، بصفة عامة سيبدأ خلاف الشيخ مع الجماعة بعد تولي حسن الهضيبي منصب المرشد العام.

وعن هذه الحادثة المهمة جدًا في تاريخه يقول الغزالي: "إنَّ الذين يحسبون أنفسهم 'جماعةَ المسلمين' يرون مخالفة الأستاذ حسن الهضيبي ضرباً من مخالفة الله ورسوله، وطريقاً مُمَهِّدة إلى النار، وبئس القرار! وقد كنتُ أسيرُ مع زميلي الأستاذ/ سيد سابق قريباً من شُعبة المَنيَل، فمرَّ بنا اثنان من أولئك الشُّبّان المفتونين، وأَبَيا إلاَّ إسماعَنا رأيهم فينا، وهو أننا من أهل جهنم'!

إنني تذكرتُ بعد أيام هذا العداء المُرَّ، والأوامرَ التي أوحتْ به، فعزَّ عليَّ أن يُلعَب بالإسلام وأبنائه بهذه الطريقة السمجة، وأن تتجدَّد سياسةُ الخوارج مرة أخري، فيُلعَن أهلُ الإيمان، ويُتْرَك أهلُ الطغيان! فمِن المُضحك أو المُبكي أن يخطب الجمعةَ عقب فَصْلِنا من المركز العام 'للإخوان' مَن يؤكد أنَّ الولاء للقيادة يُكَفِّر السيئاتِ، وأن الخروجَ عن الجماعة يمحقُ الفضائل، وأن الذين نابذوا القيادة عادوا إلى الجاهلية الأُولي، لأنهم خلعوا البَيعة".

وعن ذلك الخروج الكبير يقول الشيخ يوسف القرضاوي: "بعد أن اختلف –الغزالي- مع مرشد الإخوان الثاني حسن الهضيبي، قال الغزالي: إن ميدان العمل لله ورسوله أرحب من أن يحتكَّ فيه متنافسون، وأسمَي من أن يشتبك فيه مُتشاكسون! وقد كنتُ حريصاً على الصمت الجميل يومَ عرفتُ أنِّي سأعملُ للإسلام وحدي، بيدَ أن أحداً من خَلْق الله ـ مِن قيادات الإخوان ـ اعترضني ليقول لي: إنْ تكلَّمتَ قُتِلْتَ!

فكان هذا هو الحافز الفذ على أن أتكلَّم وأُطنِب'!

ويُعقِّب -القرضاوي- قائلاً: لقد كان للشيخ الغزالي رأيٌ في سياسة حسن الهضيبي، فنقدَ بعنفٍ هذه السياسة، وازداد عنفه حينما أعلن الهضيبي فَصْله من دعوة الإخوان، التي قضي فيها شبابه، ونَذَر لها عمره، ولم يكن يتصور أن يأتي يومٌ يُبْعَد فيه عن دارٍ كان أحدَ بُناتِها، وحَمَلَة حِجارتها.. وكان مما هاج غضبه، واستثار غريزةَ الدفاع فيه، أنَّ بعض أُولي الهَوَس من الإخوان هدَّده وتحدّاه!".

كانت مغادرة الشيخ لنفق الإخوان المعتم بشارة خير له ولنا فقد تدفق الشيخ كاتبًا وخطيبًا، ترقي في سلك الوظائف، حتى أصبح مديرًا للمساجد، ثم مديرًا للتدريب فمديرًا للدعوة والإرشاد. ثم أعير للمملكة العربية السعودية أستاذًا في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، ودرّس في كلية الشريعة بقطر، وعُيِّن وكيلاً لوزارة الأوقاف بمصر، كما تولى رئاسة المجلس العلمي لجامعة الأمير عبد القادر الجزائري الإسلامية بالجزائر لمدة خمس سنوات وكانت آخر مناصبه.

وحصد العديد من الجوائز فحصل على جائزة الملك فيصل العالمية الإسلامية 1989.

وقد ترك لنا أكثر من خمسين كتابًا من أشهرها السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث، عقيدة المسلم، فقه السيرة، كيف تفهم الإسلام، هموم داعية، سر تأخر العرب والمسلمين، دستور الوحدة الثقافية بين المسلمين، خلق المسلم، معركة المصحف، مشكلات في طريق الحياة الإسلامية، الإسلام المفتري عليه، الإسلام والمناهج الاشتراكية، الإسلام والأوضاع الاقتصادية، الإسلام والاستبداد السياسي، الإسلام والطاقات المعطلة، الاستعمار أحقاد وأطماع، في موكب الدعوة، التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، حقيقة القومية العربية، مع الله، الحق المر، قذائف الحق، كفاح دين، من هنا نعلم.

ومن العجيب أنه تعرض لموجة تكفير بعد نشر كتابه الشهير "السيرة بين أهل الفقه وأهل الحديث" لأنه في ذلك الكتاب تجرأ على مناقشة حديث من تلك التي رواها الإمام مسلم!

ويقول الكاتب الأستاذ صلاح حسن رشيد: "وممّا يُحكي، أنَّ الشيخ الغزالي كان قد ألَّفَ كتاباً، كشف فيه خطايا وجرائم الإخوان طوال تاريخهم، وما دبَّروه، ويُدبِّرونه للوصول إلى السلطة، ولو على حساب المبادئ، والإسلام نفسه، والوطن! واهتدي إلى أنَّ الجماعة أصبحت تتخذ أسلوب الماسونية العالمية طريقةً لها ومنهج حياةٍ، مع تعيين المرشد الثاني حسن الهضيبي، الذي وصفه الشيخ الغزالي بأنه كان ماسونياً! وأنه جاء إلى الجماعة، وهو ليس منها، فأصبح مرشدها، بقدرةِ قادرٍ!

هذا الكتاب عنوانه 'كفاح حياتي' لكنه لم يخرجْ إلي النور، ولم يُطبعْ بعدُ! ومن المحتمل أنْ يكون الإخوان قد وسَّطوا أُناساً من العلماء، للحيلولة دون نشره! وهو ما أُرَجِّحه، خاصةً إذا عرفنا شجاعة وجسارة الشيخ الغزالي، ودخوله في معارك فكرية، وسياسية عديدة، لم يخشَ فيها أحداً!

فليتَ هذا الكتابَ يُطبعُ الآن، لنعرف عنهم المزيد، والمزيد ممّا كشفه الشيخ محمد الغزالي، وعرفه عنهم، وعن فكرهم المعوج، من الأسرار، والمآسي، والجرائم، والقصص الدامية، فكَتَبَه إبراءً للذمَّة، وشهادةً للتاريخ".

انتهي كلام الأستاذ صلاح، وعن نفسي فقد سألت عن هذا الكتاب المجهول فريقًا من المهتمين بتاريخ الجماعة فلم ينفوا ولم يثبتوا، وليت الدولة تجد في الحصول على ذلك الكتاب إذا كان له وجود فعلًا.

وفي أخريات حياته كان يضيق بأدنى تعرض لجوهر العقيدة الإسلامية التي عاش حياته مدافعًا عنها ولذا كان يُعطي الكلمة في أي مؤتمر يحضره فور طلبه لها لكي يدلي بدلوه في تصحيح ما يقوله أحد المؤتمرين، والمشهور أن أخر مؤتمر حضره الشيخ كان بالسعودية وقال فيه أحدهم كلامًا أغضب الشيخ الذي رد منفعلًا ثم فاضت روحه بعدها مباشرة وذلك يوم 9 مارس 1996 وجرى دفنه بالبقيع بالمدينة المنورة. حيث كان قد صرح قبل موته بأمنيته أن يدفن هناك.


منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 08 مارس 2026م.

متى سينتهي عفن داعش

 


المنطقة كلها الآن على كف عفريت كما يقال فماذا لو انتهز هؤلاء فرصة من فرص الفوضى وفروا من سجونهم وهم مجرمون

كان الأديب الأستاذ مصطفى لطفي المنفلوطي يملأ الدنيا ويشغل الناس، ثم حانت ساعته في اليوم الثاني عشر من شهر يوليو من العام 1924، وهو اليوم نفسه الذي تعرض فيه زعيم الأمة سعد باشا زغلول لمحاولة اغتيال، فطمست أخبار المحاولة الفاشلة خبر موت الأستاذ الأديب، فجاءت جنازته باردة، وهو المعنى الذي قصده أمير الشعراء أحمد شوقي في القصيدة التي رثى بها المنفلوطي:

"اختَرتَ يَومَ الهَولِ يَومَ وَداعِ

وَنَعاكَ في عَصفِ الرِياحِ الناعي

هَتَفَ النُعاةُ ضُحىً فَأَوصَدَ دونَهُم

جُرحُ الرَئيسِ مَنافِذَ الأَسماعِ

مَن ماتَ في فَزَعِ القِيامَةِ لَم يَجِد

قَدَماً تُشَيِّعُ أَو حَفاوَةَ ساعي".

وللأسف فيوم هول أمتي يبدو أشد وأصعب من يوم الهول الذي قصده شوقي، الأمة لا تعيش يوم هول بل تعيش أيام أهوال، تمسي على حال وتصبح على غيره، هل يعرف أحد مصير ومستقبل إيران مثلًا؟.

في أيام الأهوال التي نعيشها ننسى هول مركزي جعلته الأهوال العاتية هولًا هامشيًا، إنه هول داعش، نعم داعش هذا التنظيم الإرهابي الذي خاض في دماء العرب والمسلمين لسنوات، والذي لم يطلق طلقة رصاص واحدة على كيان الاحتلال.

داعش الذي أطلقوه على الأمة والآن يجبرونها على دفع تكاليف إعاشته!

وقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تجمع انتخابي بفلوريدا في أغسطس من العام 2016 وقال: "إن الرئيس الأمريكي أوباما هو مؤسس داعش، وهيلاري كلينتون شريكته في التأسيس".

ولأن الاتهام خطير (هل هو خطير أم هو فاضح!) فقد هاج السياسيون الأمريكان وماجوا وشددوا الضغط على ترامب لكي يسحب اتهامه، فلجأ ترامب إلى التلاعب فقال: "لماذا لا تستوعبون روح السخرية"، ثم عاد ليوجه الاتهام الصريح مصرًا على أن أوباما هو المؤسس الفعلي للتنظيم المجرم، حتى عندما وفر له المذيع هيو هيويت فرصة للتراجع وقال له: "أنت تقصد أن أوباما قد خلق بحالة الفراغ الأمني فرصة لنشأة التنظيم!".

رد ترامب بصراحته المعتادة: "لا، لا أقصد ما تفسيرك، أنا أعني أن أوباما هو مؤسس داعش.. أنا أعني ذلك تماماً".

ما سبق يشير ولو إشارة عابرة إلى أن وراء الأكمة ما وراءها، وأن التنظيم المجرم الذي سفك دماء العرب والمسلمين، ليس عربيًا خالصًا ولا يمكن بأي وجه من الوجوه قبول ما يرفعه من شعارات توجد بها كلمة الإسلام.

كبر التنظيم الإرهابي حتى ضم إليه مجرمين من مئة دولة، لاحظ أن عدد الدول العربية هو اثنتان وعشرون دولة فقط، وعدد الدول الإسلامية هو سبع وخمسون دولة فقط.

فمن أين جاء المجرمون أعضاء التنظيم المجرم؟

بعد معارك طاحنة هُزم التنظيم في معاقله المركزية في سوريا والعراق، العمود الفقري للتنظيم المجرم أصبح في قبضة السجون السورية، لا نتحدث عن ألف أو عن ألفين، نتحدث عن عشرات الآلاف الذين ينتمون لمئة دولة!

في مخيم سوري يدعى الهول يوجد قرابة الخمسين ألف من عوائل التنظيم، ما بين نساء وأطفال وعجائز!

ولأن الأيام أيام هول، ولأن العالم كله مشغول بما قد يجري بين الأمريكان وطهران فقد قرر الذين أطلقوا التنظيم المجرم غسل إيديهم منه مرة واحدة وإلى الأبد!

الدول التي ينتمي إليه أعضاء التنظيم الإرهابي قالت: لا شأن لنا بهم!

وما أفصح رئيس وزراء استراليا الذي وقف يخطب عن مصير الدواعش الاستراليين فقال: "رسالتي إلى أولئك الذين غادروا أستراليا لدعم تنظيم إرهابي يكره قيمنا هي رسالة بسيطة وواضحة: لقد اتخذتم قراركم، والآن عليكم تحمل عواقب هذا القرار.

إن أولويتي الأولى والأخيرة هي الحفاظ على أمن الأستراليين. لن نضع حياة أي مواطن أسترالي أو أي موظف أمني في خطر من أجل إعادة أشخاص اختاروا بملء إرادتهم الانضمام إلى منظمة بربرية تسعى لتدمير طريقتنا في الحياة.

هؤلاء الأشخاص لا يمثلون أستراليا، وتصرفاتهم كانت خيانة لبلدنا وللأمن العالمي. لذا، دعوني أكون واضحاً: الحكومة الأسترالية ليس لديها أي خطط لإعادة هؤلاء الأفراد. أستراليا مكان أفضل وأكثر أماناً بدونهم، ونحن لن نعتذر عن وضع سلامة مجتمعنا فوق أي اعتبار آخر".

ما مصير كل هؤلاء ودولهم ترفض استقبالهم؟

الأكثرية ما تزال في السجون والمخيمات السورية، ولأن بضعة آلاف منهم قد فروا فقد تدخل الأمريكان ونسقوا مع العراق وسوريا لكي ينقلوا بضعة آلاف إلى العراق.

المنطقة كلها الآن على كف عفريت كما يقال، فماذا لو انتهز هؤلاء فرصة من فرص الفوضى وفروا من سجونهم، هم مجرمون، ونادرًا ما تاب مجرم، فلماذا يجب على العرب والمسلمين فقط دفع فواتير العالم كله؟

في أيام الهول التي تعيشها الأمة لم يلتفت أحد إلى عودة التنظيم للقتل والتخريب، ففي ظهر الاثنين الماضي اشتبك التنظيم المجرم مع أفراد من الجيش السوري وقتلوا خمسة منه في عملتين منفصلتين وقعتا في توقيت واحد!

هناك من يمسك بخيوط التنظيم الإرهابي ويطلقه على أمتنا البائسة التي يتكاثر عليها الأعداء ، هناك رائحة كريهة تبعث من ملف داعش، ومن حقنا أن نشك في أصل التأسيس وفي مسيره ومصيره.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 01 مارس 2026م.


الثلاثاء، 10 مارس 2026

الانشغال بالعنوان عن المضمون

 


 

أم المشاكل تسكن في عقليتنا نحن فالذين سمعوا بكتاب "نصر الله – أسطورة لم تمت" تركوا كل ما فيه وراحوا يتناقشون حول خرافة.  

انطلقت طائرات كيان الاحتلال مساء الجمعة السابع والعشرين من سبتمبر من العام 2024 حاملة ثلاثة وثمانين طنًا من المتفجرات لتلقيها على مربع سكني لبناني، كان معدًا ليكون مقر اجتماعات أمين عام حزب الله الأسبق السيد حسن نصر الله مع أكابر قيادات حزبه.

 بعد مجادلات وأقوال متناقضة وجمل مبتورة، أعلن الحزب عن استشهاد الأمين العام ومعه كبار القادة.

كان على العقلية العربية واللبنانية خاصة أن تضع نقطة في نهاية السطر ثم تبدأ في إنشاء جملة جديدة، لمراجعة ما حدث وكيف حدث وكيف سيكون سلوك الحزب ومقاومته بعد تلك الضربة القاسية.

ولكن ما شاهدناه بعد تلك الضربة يؤكد مجددًا أن هناك من لا يريد لنا أن نستفيق، بل هناك من يرسم لنا خارطة طريق لمشاعرنا ولتعاملنا مع أمورنا الخاصة جدًا بل الغارقة في الخصوصية.

هناك على مرمى حجر منا يقف كيان الاحتلال لينتهز أدني الفرص التي تتيح له الوجود في حياتنا بأي طريقة كانت وعلى أي شكل كان ذلك الوجود.

هم يعرفون حق المعرفة دور الأمين العام في مجريات الصراع منذ ظهوره على قمة الأحداث قبل ثلاثين سنة، وهم يعرفون تعلق جماهير عريضة به وبخطاباته وبمواقفه، ولذا سمحوا لضابط من ضباطهم السريين بأن يكتب وينشر مؤلفًا ضخمًا عن شخص الأمين العام!

قالت وسائل إعلامهم: "كشف دورن كدوش، مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي عن قصة بطلها ضابط رفيع في شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وهو قائد وحدة 9900، قام بتأليف كتاب حول شخصية الأمين العام لحزب الله، السيد حسن نصر الله، وموضوع اغتياله. الضابط، المعروف باسم "العميد ش"، يتولى منذ عامين قيادة وحدة الاستخبارات البصرية (الوحدة 9900)، وقد كتب الكتاب الذي يتألف من 500 صفحة جزئيًا خلال إجازة دراسية حصل عليها قبل اندلاع الحرب، ثم استكمل تأليفه خلال الأشهر الأخيرة بعد تنفيذ عملية اغتيال نصر الله، بينما لا يزال يشغل منصبه الحالي في شعبة الاستخبارات.

ويحمل الكتاب عنوان: "نصر الله – أسطورة لم تمت".

اللافت في الأمر أن هذا يُعدّ سابقة في إسرائيل، إذ يقوم ضابط يشغل موقعًا حساسًا في المؤسسة الأمنية بتأليف ونشر كتاب في خضم الحرب. وقد أثار ذلك تساؤلات حول دوافع النشر في هذا التوقيت، خاصة أن الحرب لا تزال مستمرة، ويُنظر إلى الكتاب كحدث غير معتاد في ظل الظروف الأمنية الراهنة.

يصف الكتاب نصر الله بأنه بارع في التسويق الذاتي والخطابة، حاد كالسيف وناعم كالحرير وقادر على أسر القلوب".

هل في السطور السابقة مشكلة؟

بل مشاكل.

نحن أمام تجربة غير مسبوقة يقدمها كيان الاحتلال، لقد سمح لضابط رفيع المستوى بتأليف ونشر كتاب ضخم والكيان كله تحت النار، وهذا ما لم يفعله من قبل، فلماذا هذا التوقيت تحديدًا؟

ثم ما هي نسب مصداقية الضابط الذي يعمل في مكان له حساسية خاصة، ستفرض عليه تلك الحساسية طريقة معينة في تناول الأمور.

أما أم المشاكل فهى تسكن في عقليتنا نحن، فالذين سمعوا بالكتاب فتركوا كل ما فيه وما جاء به وراحوا يتناقشون بل يتصارعون حول خرافة، ألا وهي نجاة الأمين العام!

 كيف نجا الرجل وأهله الذين هم أهله قالوا أمام كاميرات الفضائيات أنهم شاهدوا جثمانه وأنهم شاركوا في دفنه؟

لقد رأيت رجلًا يبدو عاقلًا يحكي وهو يبكي بدموع غزيرة أنه قد شاهد السيد يطوف على الناس ويقدم لهم الماء في مسجد من مساجد النجف!

ما هذا الخبل، إنه الذهول عندما تنشغل بأمسك عن يومك وتنشغل بمستقبلك عن واقعك، فتخرج من يومك صفر اليدين، لا تحقق إنجازًا أي إنجاز ولا تفعل شيئًا سوى الاستغراق في غيوبة الأمنيات.

لقد نجح الكتاب نجاحًا ساحقًا عندما جعل بعضنا ينشغل بعنوانه عن مضمونه، العنوان "أسطورة لم تمت"، هو عنوان مجازي لا يؤخذ منه بأي وجه من الوجوه أن المقصود هو بقاء الأمين العام على قيد الحياة، ولكنها عقلية المذهول الذي يعزي نفسه بأن صاحبه على قيد الحياة رغم آلاف الكيلو جرامات من المتفجرات التي نسفت مربعًا سكنينًا كاملًا.

 

منشور بجريدة صوت الأمة  الأحد الموافق 22 فبراير 2026م

 

 


الاثنين، 9 مارس 2026

ضرورة شكر النبلاء


 جوارديولا والطبيبة البريطانية إيلين كريسلز والإعلامي الأمريكي تاكر كارلسون دفعوا وسيدفعون ثمن مواقفهم الإنسانية النبيلة 

نعتاد على نعم الله، فنظن أنها سهلة وفي المتناول بل نظن أنها من حقوقنا، وذلك لأننا بفضل الله ورحمته لم نعاصر زمنًا، كانت فيه تلك النعم من المحرمات، يرفع المسلم منا الآن الأذان كما يريد ويصلي في المسجد أو البيت بل وفي الشارع كما يريد، ويظن أن الأمر كان بتلك السهولة منذ البداية الأولى، غير مدرك أن كلمة "الله أكبر" لم يكن مسموحًا بها، أما الشهادة بأن محمدًا رسول الله فكان دونها الرقاب، وحال المسيحيين في ذلك كحال المسلمين، فالمسيحي اليوم يتمتع بحقوقه الدينية كاملة، ويظن الأمر سهلًا لأنه لم يعش زمن إلقاء المسيحيين في الأخدود، لا لشيء إلا لأنهم أمنوا بالله العزيز الحميد.

الموقف من فلسطين يشبه إلى حد بعيد الموقف من الدين في الأزمنة الغابرة، أنت تؤيد الحق الفلسطيني وترفع صوتك به وتندد بمجاز كيان الاحتلال التي يرتكبها صباح مساء في قلب غزة وفي عموم فلسطين، ولكن قرينك الأوربي أو الأمريكي إن رفع صوته بتأييد الحق الفلسطيني أو بمعارضة المجازر (مجرد معارضة سليمة) جرى عقابه عقابًا أليمًا موجعًا، انظر إلى حالة الطبيبة البريطانية إيلين كريسلز التي شاركت في مظاهرة منددة بجرائم جيش الاحتلال، فورًا قام أعضاء اللوبي الصهيوني بتصوريها ثم بحثوا عنها حتى عرفوا هويتها وعملها بل ومسكنها الخاص، لقد جعلوا حياتها قطعة من الجحيم، بعثوا بالآلاف الشكاوي ضدها بتهمة معادة السامية، كثرة الشكاوى جعلت الصحافة تهتم بحالة الطبيبة التي تعمل استشارية أطفال بمستشفى لندني، فنشرت جريدة تلجراف تقريرًا عنها قالت فيه: "إن الطبيبة نشرت على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي سلسلة منشورات وُصفت بـ"المعادية للسامية"، وهي في واقع الأمر عبارات تنتقد الاحتلال وأفعاله بحق الشعب الفلسطيني. في أحد منشوراتها، وصفت كريسلز مقاتلي حماس بأنهم مقاومون مظلومون وليسوا إرهابيين".

تدخل الصحافة لم يشفع للطبيبة لأن أعضاء اللوبي لم يكفوا عن تقديم الشكاوى، فما كان من هيئة الخدمات الصحية البريطانية، إلا أن أوقفت الطبيبة عن العمل.

ماذا فعلنا نحن أهل القضية وأصحابها؟

للحق لم نفعل شيئًا، لم نقدم أي دعم أو حماية للطبيبة ولغيرها من الذين غلبوا إنسانيتهم على مصالحهم الخاصة، لقد تصدت دولة جنوب إفريقيا لجرائم المحتل ثم تركناها عارية في الميدان تواجه ضغوطًا رهيبة من الدول الراعية لجرائم المحتل، علمًا بأن مساندة أحرار الإنسانية لن تكلفنا سوى إرسال برقية شكر من كلمتين اثنتين فقط "شكرًا لإنسانيتكم".

مع نموذج الطبيبة يأتي نموذج الإعلامي الأمريكي الأشهر تاكر كارلسون الذي كان من أشد مؤيدي كيان الاحتلال، ولكن مع تتالي مجاز الاحتلال استيقظ ضميره فأصبح صاحب الصوت الأعلى ضد جرائم دولة الاحتلال، بل ذهب بعيدًا في معارضة الكيان فقال: "شعب الله المختار بدعة مُختلة لتبرير قتل الأبرياء وهي تتناقض مع جوهر الرسالة المسيحية".

ثم زار قطر ليلتقي بأطفال غزة الذين بتر الاحتلال أطرافهم، وقام بتصويرهم ليؤكد أن جيش الاحتلال يقتل ويصيب الأطفال متعمدًا، وبث تاكر فيديو المقابلة على منصته ولم يكن زمن الفيديو يتجاوز الدقائق الأربعة، ولكن شاهده أكثر من عشرين مليون مواطن أمريكي في أقل من يوم واحد فقط!

طبعًا اللوبي لم يسكت فجرى اتهام تاكر بكافة التهم من معادة السامية إلى اعتناق النازية إلى العمالة للعرب!.. ثم وصلته تهديدات بإسكات صوته حتى أنه صرح بأنه لن يسكت إلا إذا قتل!

مرة ثانية، هل قدمنا لتاكر أي دعم أو مساندة وهو يخوض حربًا دفاعًا عن قضية نحن أهلها؟

أختم مع الإنساني النبيل الرياضي الأشهر بيب جوارديولا المدير الفني لنادي مانشستر سيتي الإنجليزي، الرجل منذ بدء الطوفان لم يكف عن مساندة أطفال فلسطين وعن التنديد بمجازر الاحتلال، فقبل أيام، وفي حفل خيري أقيم قالت الصحافة التي غطت وقائع الحفل: إن جوارديولا عبّر عن قلقه العميق تجاه الأطفال المتضرّرين من النزاع في غزة، متحدثاً بلهجة مؤثرة عن الكلفة الإنسانية للنزاع، مركزاً على معاناة الأطفال العالقين في ظروف خارجة تماماً عن إرادتهم. وأشار إلى صورة لطفل يبحث بين الأنقاض عن والدته، موضحاً أن الطفل لم يكن يعلم أنها مدفونة تحت الركام، وبدلاً من توجيه خطابه إلى أطراف سياسية بعينها، صاغ جوارديولا رسالته في إطار المسؤولية الأخلاقية للمجتمع الدولي، وأكد أن الأطفال الفلسطينيين يوجّهون نداءً صامتاً إلى العالم طلباً للمساعدة، داعياً القادة إلى التحرك وعدم الاكتفاء بغضّ الطرف.

ليس من السهل أن تنحاز للحق وأن ترفع صوتك ضد الظلم، وهؤلاء الثلاثة دفعوا وسيدفعون ثمن مواقفهم الإنسانية النبيلة، وتركهم في العراء دون دعم أو مساندة أمر عجيب بل مريب، هم ساندوا حقنا فليس أقل من كلمة شكر، ولا أظنها ستكلفنا شيئًا.


منشور بجريدة صوت الأمة  الأحد الموافق 8 فبراير 2026م

 

 

الأربعاء، 28 يناير 2026

محمود عبد الدايم وجراب الحاوي


  تبدو بلدنا مثل جراب الحاوي، لا تنفد أعاجيبه، ففي الوقت الذي تشهد فيه البلاد (انفجارًا روائيًا مروعًا)، يخرج علينا القاص الأستاذ محمود عبد الدايم بمجموعته "خرائط الوحدة"، وهي المجموعة الثالثة في مسيرته القصصية التي بدأت قبل سنوات قلائل، بدأها بنشر مجموعته الأولى "خمورجي يروي التاريخ" عن دار أوراق، ثم نشر مجموعته الثانية "ن الفتة" عن دار أفاق، على ذلك فنحن أمام كاتب يرتكب في زمن الرواية فعل القص القصير عن سبق إصرار وتعمد!

تضم مجموعة عبد الدايم الثالثة سبع عشرة قصة، وتقع في تسع وسبعين صفحة من القطع الصغير، ونشرتها (مشكورة) الهيئة العامة لقصور الثقافة، وتباع النسخة بخمسة عشر جنيهًا، وتلك يد للهيئة على القراء نباركها، فقد طلبت نسخة من مجموعة هي في حجم مجموعة عبد الدايم فطلب مني ناشرها مئة وخمسين جنيهًا، بعد تخفيض (المعرفة والصداقة!).

الكاتب أي كاتب هو ليس أكثر من حزمة اختيارات، اختيار مركزي تتبعه اختيارات فرعية تؤكد الاختيار المركزي أو تتناقض معه في مفارقة من مفارقات الكُتّاب وعوالمهم العجيبة.

اختيار محمود عبد الدايم المركزي، وهو أن يعمل لدى (قصته وقصته فقط). العمل هنا بمعنى الخدمة وتقاضي الأجر، اختار هذا الخيار وهو يعلم لا شك في ذلك أنه سيخدم لدى التاريخ المؤجل، ونادرا ما حسم التاريخ مؤجلاته!

كان بمقدوره مغازلة قارئه بمشهد هنا أو غمزة هناك، وساعتها كان سيضمن رضا القارئ الباحث عن دفقة دم طازجة من تخيل مشهد بعينه!

لكنه لم يرتكب أيًا من تلك الحماقات التي تناقض اختياره، فهو مخلص حتى النزف لنصه، لا يقحم عليه جملة واحدة زائدة، ولذا ستجد قصصًا تشغل صفحة واحدة لا تزيد.

منذ القصة الأولى في المجموعة التي تحمل عنوان "كلمات متقاطعة" يقرر الكاتب الانحياز إلى واحد من خياراته الفرعية، وهو أن يكون وفيًا لعنوان مجموعته، ففي القصة تبرز الوحدة بخرائطها الموجعة بل المتوحشة، نحن أمام طفلة مولعة بأبيها، أفتح قوسًا افتراضيًا لأقول: محمود نفسه مولع بأبيه، فهو يهدي له مجموعته ثم صور الأبوة بتعددها منتشرة على طول المجموعة وعرضها.

ولع البنات بآبائهن يقلق علماء النفس، فقد تغالي البنت في التعلق بأبيها فتصنع منه صنمًا تطوف حوله ليل نهار، ثم تكبر فتبحث عن رجل كأبيها وأبدًا لن تجده فتشقى وتتعس لأنها تطلب ما لم يُخلق.

بحمد الله طفلة محمود عبد الدايم سوية، تبحث عن الدفء الطبيعي وليس عن صنم تقيمه في قلبها لتعبده ليل نهار، الأب من ناحيته سوي يعرف حقوق ابنته، تبدأ اللعبة بل تبدأ الحياة بأن تسأل الطفلة أباها: "كلمة من ثلاثة حروف" بعد افتعال التفكير يجيب الأب: "حضن". يسأل الأب هذه المرة: "كلمة من حرفين" تجيب البنت: "حب".

تتواصل اللعبة أو الحياة حتى تكبر البنت وتتزوج وتلد طفلًا، فيموت الأب. هل تسرع محمود في قتل الرجل؟

لا، يا صاحبي، لقد قتله لكي تكتمل خرائط الوحدة.

قرأتُ مرة أن المهجور يشعر كأن ماءً يغلي قد سكب على ذراعه، هذا عن المهجور الذي هجره حبيبه فكيف بمن هجره حبيبه بالموت!

الطفلة التي أصبحت أمًا نامت في حضن حبيبها المسجى وهمست في أذنه: "كلمة من ثلاثة حروف". الميت لا يتكلم فترد هي على سؤالها: "م..و..ت".

نعم إنه الموت الذي هو هجر أبدي ولا أمل في حضن جديد قبل يوم الحساب.

بعد موت الأب تبدأ بذاءة تقاسم الميراث، كيف قست قلوبنا فحولنا آية من آيات الله إلى بذاءة ودمامة وقبح؟

البنت المحبة أعلنت انسحابها من المشهد البذيء بأن طلبت الحب وتركت لهم ما يتصارع عليه الناس عادة، قالت: "ملابس أبي لي، صور أبي لي، أوراق أبي لي، رائحة أبي لي".

هل سيوقف محمود عبد الدايم اللعبة؟

هل بمقدوره إيقاف الحياة؟

سيدخل الكاتب ببراعة وعذوبة الحفيد، ابن الابنة، كانت المهجورة بالموت قد علمت طفلها لعبة الحياة فسألها: "كلمة من ثلاثة أحرف" تجيب: "أبي" يغضب ويجيب: "بل أمي"، يا صغيري لا تغضب فكل يغني أو يبكي على ليلاه.

الكاتب المولع بالأب يقدم نغمات مذهلة على اللحن الرئيس، لحن العمل لدي النص والخدمة عند القصة ثم الأجر والحساب والمكافأة من رب العباد.

يقدم محمود في قصته "شريط لاصق" أبًا جهنميًا، تشفق عليه وتلعنه في آن واحد، هل تلعنه هو أم تلعن مجتمعه، الأب كأي أب بدأ طفلًا لا حول له ولا قوة، سمع أمه تقول: "السكوت من ذهب" كان في الخامسة من عمره عندما سمع الجملة المفخخة، هناك ذهب مقابل السكوت، بريق الذهب يعمي العيون فليس كثيرًا عليه أن يمسك الألسنة، والولد وأن كان في سن البراءة، لكنه ليس بريئًا تمامًا، قلنا هناك ذهب أمام السكوت!

خدع الولد فطرته وأقنعها بأنه إذا سكت صار بارًا بأمه مطيعًا لها (أراهنك أنه كان يحلم بهسهسة الذهب وبريقه) وضع الولد شريطًا لاصقًا أغلق به فمه، ذهب إلى المدرسة فسكت تمامًا، رضى بأن يكون أبلهًا في نظر زملائه، كبر فأحب، والكلام هو المطر الذي يروي زهرة الحب، فماذا سيصنع؟

اختار صامتة مثله ترضى بصمته، كثرت الأشرطة اللاصقة لكي يضمن أمنه وأمانه ورضا أمه، ومن يعلم فقد يأتي الذهب!

عاش مع الصامتة حياة تليق بصامتين كأن الكلام لم يُخلق، مرة واحدة تمردت الصامتة، لقد رأت الصامت يحاول وضع شريط لاصق على فم طفلهما ثمرة السكوت والصمت!

أعود لفتح قوس افتراضي لأقول: سبق لمحمود كتابة قصة عن الأعمى، كيف يرى في أحلامه.

الآن كيف يتكلم الأخرس، لا تقنعني بأنه لن يتكلم، الكلام لذة الكلام شهوة الكلام هو الحياة ففي البدء كانت الكلمة.

تمرد الصامتة قادها إلى الطلاق، واصل هو سكوته وتنازل عن كل شيء وغادر مسكن الزوجية إلى غير رجعة، كانت التي وسوست إليه بذهب السكوت قد ماتت، بقي وحيدًا مشيدًا حصون وقلاع السكوت، مات وحيدًا وما دل جيرانه على موته سوى تعفن جثته!

لقد مات وهو يمسك بجهاز كاسيت كف شريطه عن الدوران.

ذهبوا به إلى مقابر الصدقة فهم لا يعرفون له جذرًا ولا فرعًا، بواب العمارة الذي كان يعبث بمحتويات شقة الساكت الأبدي، متمنيًا الحصول على شيء، وقع على رقم هاتف الطليقة، لم ترد ورد الابن معلنًا بأنه لا يريد معرفة شيء عن ابيه!

ثم ذهب الابن إلى الشقة، وجد مئات من أشرطة الكاسيت (لماذا لم يجد الأشرطة اللاصقة؟).

عكف على الاستماع إليها، كانت تحمل صوت الساكت، لقد تكلم بالطول والعرض والعمق والارتفاع، تكلم أخيرًا عن نفسه وعن أمه وعن عمله، وعن زوجته التي صارت مطلقته، وعن ابنه الذي حرم نفسه منه.

لقد خدعنا محمود عبد الدايم، فالولد الذي رضى بأن يكون أبلهًا لم يكن مطيعًا لأمه فقد تكلم وأسرف في الكلام بل سجل كلامه ليخلده.

وبعدُ فقد تحدثت في صدر كلمتي عن جراب الحاوي الذي أخرج لنا القاص محمود عبد الدايم الذي يصر على الإخلاص للقصة القصيرة في زمن سطوة الرواية وسيولتها وانفجارها، وننتظر منه الكثير والمدهش من الإخلاص.

 

 منشور بجريدة صوت الأمة الأحد الموافق 25 يناير 2026م.