الاثنين، 25 مايو 2026

مئة عام من فتنة الشعر الجاهلي (2)


 

غادر محمود شاكر مصر ليقيم في جزيرة العرب، مدينة جدة بالمملكة العربية السعودية على وجه التحديد، وهناك أسس مدرسة جدة الابتدائية وتولى إدارتها والتدريس بها.

 غياب شاكر الذي كان شاهد العيان على القضية منذ بدأت لم يسهم في إخماد نيرانها، فقد صدر بيان عن فضيلة الشيخ عبد الرحمن قراعة مفتي الديار المصرية وقد وجدته بنصه في أول كتاب: "نقض كتاب في الشعر الجاهلي" لفضيلة الشيخ الأستاذ محمد حسن الخضر ، قال فضيلة المفتي: "إن الباطل ما برح يحارب الحقيقة الإسلامية بسيوفه المفلولة وشبهاته الضئيلة، ثم يرجع خائبًا بغير جدوى. وقد عاد اليوم من جولة يدفعه إليها نفر من المتأثرين بكتب الداعين إلى معاداة دين سيد المرسلين، سقطوا على ما فيها من تضليل فالتقطوا منه ما راق لهم، وظلوا يعرضونه على أنظار قرائنا وأسماع الطلاب من أبنائنا، زاعمين أنه بضاعة جديدة هي ثمرات قرائحهم ونتائج أفكارهم، محاولين بذلك تقويض بناء قامت فضائله الشامخة على أساس متين من الحقائق الراسخة، فاستاء من عملهم هذا أهل العلم الصحيح والأدب الصريح. ومن هذه الكتب رسالة عنوانها «في الشعر الجاهلي» عُرف صاحبها بالتعصب لكل ما فيه كيد للإسلام وحط من جلاله وفضائل عظمائه وآلة. وقد احتوت هذه الرسالة على مزاعم وأباطيل يجمعها كلها وصف واحد هو الاستخفاف بالحقائق والتعصب لعقيدة خاصة افتتن مؤلف الرسالة بها.

 فانبرى له حضرة العالم المحقق والفهامة المدقق (السيد محمد الخضر حسين التونسي من علماء الجامع الأزهر بمصر وجامع الزيتونة بتونس) فحلل هذه الرسالة تحليلًا علميًّا نزيهًا، رد فيه ما انتحله إلى أهله، وعاد به إلى أصله، ودحض الأباطيل بالأدلة الواضحة، ونبه إلى مغامز الكتاب المردود عليه، ودل على المرامي التي يرمي إليها، وأبان عن موطن ضعفه ومكامن سخفه. ولعمري إنه قد خدم بهذا العمل الجليل العلم المتين والأدب الرفيع خدمة تحول بها شر الكتاب المردود عليه إلى خير. جزاه الله عن الدين والعلم والحق أفضل ما يجزي به عباده الصالحين المخلصين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين".

ثم قامت النيابة العامة باستدعاء الدكتور طه وأجرت معه تحقيقًا مطولًا تولاه رئيس نيابة مصر الأستاذ محمد بك نور.

 كنت قد سمعت كغيري عن هذا التحقيق، الذي طالما تغني به شيعة العميد، فهم يرونه تحقيقًا يدل على ليبرالية النيابة وعلى رسوخ العميد الذي لم يتراجع عن أقواله في المحضر الرسمي!

ثم كان أن وقع في يدي العدد (149) من مجلة القاهرة التي كان يرأس تحريرها الدكتور غالي شكري، وقد صدر في شهر إبريل من العام 1995 ووجدت به كنزين، الأول هو النص الأصلي الكامل لكتاب "في الشعر الجاهلي" قبل أن يعيد العميد نشره ولكن تحت عنوان "في الأدب الجاهلي" وقبل أن يحذف فقرات كانت للحق هدف كتابه الأول ورسالته!

 فانظر إلى رسوخ العميد!

 الكنز الثاني: كان نص تحقيق محمد بك نور مع العميد، وإنا لله وإنا إليه راجعون في أخلاق القوم، لقد قرأت كلمات التحقيق كلمة كلمة فلم أجد لا ليبرالية ولا تقدمية ولا حتى رجعية، هو تحقيق مهني بامتياز، سين سؤال وجيم إجابة، وقد تعجبت من ثقافة المحقق ومن الهدوء الذي فرضه على جلسة التحقيق، فلا صخب ولا ضوضاء ولا انتزاع لاعترافات بالحيلة واللف والدوران.

 لا أنسى من أسئلة التحقيق سؤال وجهه محمد بك نور إلى العميد، وكان عن كلام العميد عن تباين لغة حمير ولغة عدنان، وزعم العميد وجود مراجع تثبت ذلك التباين فلما قال له المحقق: "هل يمكن لحضرتكم أن تبينوا لنا هذه المراجع أو تقدموها لنا؟".

أجاب العميد: "أنا لا أقدم شيئًا".

تعود لقراءة التحقيق فلا تجد شيئًا من مزاعم شيعة العميد، فلا المحقق متساهل ولا العميد راسخ، وقد انتهى التحقيق بهذه الجملة الحاسمة: "القصد الجنائي غير متوفر، فلذلك تحفظ الأوراق إداريًا، محمد نور رئيس نيابة مصر، القاهرة في 30 مارس 1927".

 نعود إلى كتاب في الشعر الجاهلي ونسأل: هل كان طه حسين هو أول من تحدث عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلذا ثار الناس ضده؟

 حقائق التاريخ التي لا يختلف عليها اثنان تؤكد أن العميد جاء متأخرًا جدًا، فقد سبقه بقرون العلامة ابن سلام الجمحي الذي ولد في العام 140 من الهجرة النبوية الشريفة وتوفي في العام 231 من الهجرة.

وقد تناول في كتابه الأشهر "طبقات فحول الشعراء" قضية نسب الشعر الجاهلي، فتلقت الأمة كلامه بوصفه كلام ناقد يجتهد، وانتهى الأمر، عند حد الاجتهاد، ثم جاء مصطفى صادق الرافعي ونشر للناس كتابه "تاريخ آداب العرب" في العام 1911، أي قبل ظهور كتاب العميد بخمس عشرة سنة كاملة، وقد أفاض الرافعي في الكلام عن صحة نسب الشعر الجاهلي فلم يلمه أحد، بل مدحه كثيرون، يأتي على رأسهم الدكتور ناصر الدين الأسد الذي قال عن الباب الذي خصصه الرافعي لمناقشة قضية الشعر الجاهلي لقد: "حشد فيه من المادة ما لم يجتمع مثله من قبله ولا من بعده حتى يومنا هذا فى صعيد واحد من كتابٍ لمَّ فيه شتات الموضوع من أطرافه كلها واستقصاه استقصاءً".

 وما بين ابن سلام والرافعي كتب كثيرون عرب وعجم عن هذه القضية، فلماذا ثار الناس على العميد؟

 أغلب ظني أن الناس قد ثارت لأنهم شق عليهم أن يتهم الدكتور طه جموع علماء الأمة بالتواطؤ على الكذب، فهؤلاء العلماء الذين نقلوا إلينا الشعر الجاهلي هم الذين نقلوا إلينا القرآن والأحاديث النبوية والقدسية وسائر علوم المسلمين الأوائل وتاريخهم، فإذا كانوا قد اخترعوا ما عرفناه باسم الشعر الجاهلي فما الذي يمنعهم من اختراع غيره!

 ثم شق على الناس أن العميد قد بدأ بحثه بالشك وانهاه باليقين، ولم يقدم دليلًا يثبت به شكه ولا دليلًا يؤكد به يقينه، فهو قالها في أول كتابه صريحة واضحة: "أعلن اليك والى غيرك من القرّاء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة أو ابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس فى شيء؛ وانما هو انتحال الرواة أو اختلاق الأعراب أو صنعة النحاة أو تكلف القصّاص أو اختراع المفسرين والمحدّثين والمتكلمين".

 

لسنا أمام شك مباح، نحن أمام نسف لا يقوم على دليل.

 ثم شق على الناس الاستهانة التي تناول بها العميد قصتي الرسولين الكريمين إبراهيم الخليل وولده إسماعيل، عليهما السلام فقد قال: "للتوراة أن تحدثنا عن إبراهيم وإسماعيل. وللقرآن أن يحدثنا عنهما أيضا. ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخي".

 يا رجل أنت كنت تتكلم عن الشعر الذي هو صناعة بشرية فلماذا تركت شهوة الكلام تقودك إلى أن سقطت هذه السقطة؟

 وبعدُ كل كان الأستاذ العميد أصيلًا في شكه؟.. نجيب الأسبوع المقبل إن شاء الله.


منشور بجريدة صوت الأمة السبت 23 مايو 2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق