صباح الأحد السابع من ديسمبر من العام 1941 شنت اليابان
هجومها الشهير على البوارج الأمريكية في بيرل هاربر، ولأن الأمريكان يحسبون قطهم
جملًا فقد صاحوا: لقد دمر اليابانيون أسطولنا.
سيثبت التاريخ أن اليابان قد أغرقت أربع بوارج من ثمانية،
أما النواة الصلبة للأسطول فلم تمس بسوء، ولكنهم الأمريكان يا صاحبي.
مساء الاثنين الثامن ديسمبر من العام 1941 توجه الرئيس
الأمريكي فرانكلين روزفلت إلى مقر الكونجرس وألقى خطابه الذي سيصبح تاريخًا، لأن
ما بعده كان مفارقًا لما قبله، في مستهل خطابه قال روزفلت: "هذا اليوم سيبقى
في ذاكرة العار".
روزفلت لم يكن ترامب، وأمريكا لم تكن قد أصبحت الإمبراطورية
التي لا تغرب عنها الشمس، والعالم كله لم يكن قبل خمس وثمانين سنة هو العالم الذي
نعرفه الآن، أيامها كان لا مفر من مراعاة بعض التقاليد، ولذا فقد طلب روزفلت إعلان
حالة الحرب.
فورًا اجتمع مجلس النواب ومجلس الشيوخ للتصويت على قرار
الحرب، صوت مجلس الشيوخ بالإجماع اثنان وثمانون صوتًا مقابل صفر!
أما مجلس النواب فقد صوت بأغلبية ساحقة ثلاثمئة وثمانية
وثمانون صوتًا مقابل صوت واحد، هذا الصوت الواحد الرافض للحرب كان صوت النائبة
"جانيت رانكين" التي كانت ترفض الحروب من حيث المبدأ، فقد كانت تعارض
إعلان الحرب أثناء الحرب العالمية الأولى.
بعد التصويت أعلن روزفلت الحرب في نفس اليوم، وبدأ طحن
الأمريكان لعظام اليابان وصولًا إلى النهاية الأبشع عندما قصف الأمريكان مدينتي
هيروشيما وناجازاكي اليابانيتين بالقنابل النووية!
صدق أو لا تصدق، من يومها أي من خمس وثمانين سنة لم تعلن
أمريكا حالة حرب واحدة!
لا تسل عن الحرب الكورية
(1950–1953).
ولا عن حرب فيتنام
(1955–1975).
ولا عن حرب عاصفة الصحراء
(1990–1991).
ولا عن حرب أفغانستان
(2001–2021).
ولا عن حرب العراق
(2003–2011).
كل تلك الحروب كانت "عمليات عسكرية!".
فإذا كانت تلك المعارك التي دمرت البلاد والعباد هي مجرد
عمليات عسكرية فكيف ستكون الحروب؟.
حتى الحرب الحالية التي شنها الأمريكان على إيران ليست حربًا وفق الحالة الأمريكية، إنها يا صاحبي
"الغضب الملحمي" أو "نزاع
مسلح محدود" أو "دفاع شرعي عن النفس ضد تهديد مباشر".
هذا التلاعب التشريعي يأتي على هوى رئيس بمواصفات ترامب، فهو لا يريد الذهاب إلى الكونجرس، لأنه
من المحتمل ولو بنسبة واحد بالمئة أن يرفض الكونجرس إعلان الحرب، ثم هو لا يريد أن تفتح الأمم
المتحدة فمها بكلمة اعتراض مجرد اعتراض، وذلك لأن الأمم المتحدة ترفض شن الحرب إلا بعد استيفاء
شروط هي غائبة بالكلية في الحالة الأمريكية الإيرانية، وعلى ذلك فليقم ترامب بتدمير إيران وإشعال
منطقة الشرق الأوسط كلها تحت زعم أن إيران تمثل تهديدًا مباشرًا ووجوديًا لأمريكا، وهو الزعم الذي نفاه
صديق ترامب القديم جو كينت مدير المركز الوطني الأمريكى لمكافحة الإرهاب، الذي تقدم باستقالة
مكتوبة من منصبه وقال في كتاب استقالته: "إن إيران لا تشكل تهديداً وشيكاً، وإن إسرائيل وجماعات ضغط
أمريكية
يجرون البلاد لحرب لا تخدم مصالحها".
لا الكونجرس ولا غيره يستطيع إيقاف هذه الحرب الملعونة، لسبب بسيط وهو أنها لم تندلع بعد، فترامب
يتعامل مع كل هذا الدمار الذي لحق بالشرق الأوسط كله بوصفه نقاش خشن، نعم هذه هي حقيقة رؤيته، لأن
الرجل الذي هدد متفاخرا بقدرته على محو حضارة كلمة في ليلة واحدة وبضربة واحدة، لن يهتم ولو
للحظة بحياة
ملايين البشر الذي تهدد حربه المجنونة الملعونة حياتهم.
منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 19 أبريل 2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق