الاثنين، 16 مارس 2026

سأصنع لك حربًا لكى تنسى!


 

شهد العام 1997 عرض الفيلم الروائى الأمريكى «هز ذيل الكلب»، كان الفيلم حلقة ذهبية من حلقات السينما الأمريكية التى تتيح بوفرتها وجودتها قدرًا لا يُستهان به من عمليات التطهير للحضارة الأمريكية التى وإن ارتكبت الموبقات فهى فى سعى دائم لتنظيف جراحها أولًا بأول، لكى لا يتخثر الدم ويسمم كامل البدن.

يبدأ الفيلم بخيط درامى عشناه مع الحضارة الأمريكية وما زلنا نعيشه، فالفيلم الذى مضى على ظهوره ما يقارب الثلاثين عاما، يحمل من الرسائل ما يجعله كأنه قد ظهر أمس أو أمس الأول.

حبكة الفيلم قائمة على التورط الجنسى (قصص الجنس لدى الأمريكان قديمة جدًا)، نحن أمام رئيس أمريكى يفصل أسبوعان فقط بينه وبين الانتخابات الرئاسية، فى تلك الأيام الحرجة والصعبة تتفجر فضيحة جنسية متعلقة بالرئيس الأمريكى، الفضيحة من الوزن الثقيل، وذلك لأن سيد البيت الأبيض تورط فى إقامة علاقة جنسية مع فتاة قاصر (أعود لتذكيرك بأن الفيلم ظهر منذ ثلاثين سنة!).

ماذا ستفعل إدارة الرئيس المهدد ليس بعدم التجديد له، بل المهدد بالمحاكمة لأنه أقام علاقة مع قاصر؟.. بعد حيرة قررت الإدارة القفز إلى الأمام وتقديم ما يجعل الشعب الأمريكى يتجاهل، بل ينسى الفضيحة الجنسية!

اتفقت الإدارة مع خبير يقدم خبراته فى كل قضية، ولكنه متفوق فى القضايا الخاصة بغسل السمعة، الخبير الذى لعب دوره الممثل الكبير روبرت دى نيرو، حكّ ذقنه ثم قال: لا بد من حرب!

القضية خطيرة جدًا وستطيح بالرئيس، لا مفر من اختلاق قضية أكبر بطريقة وداونى بالتى كانت هى الداء.

كيف سيحارب هؤلاء، ومَن الذى سيحاربونه، ثم مَن سيتحمل خسائر الحرب وكُلفتها؟

أسئلة رد عليها الخبير بجملة واحدة: وافقوا واتركوا الأمر لى!

وافقوا، وتركوا الأمر له، فجاء هو بمنتج سينمائى (لعب دوره الممثل الكبير داستين هوفمان) المنتج مفرط الثقة بنفسه، وهو دائمًا يردد أمام كل أزمة تعبير «هذا لا شىء»، يتصرف كأن الحياة ملك له وحده.

جلس الرجلان فى جولة تباحث، ووافق المنتج على نشوب حرب بين الولايات المتحدة الأمريكية وألبانيا!

لماذا ألبانيا وليس أى دولة أخرى؟

لأنها بعيدة ولا يعرف عنها أحد شيئًا.

طبعًا الحرب ستنشب للدفاع عن حقوق الإنسان الألبانى، ولترسيخ الديمقراطية فى ألبانيا وإلى آخر تلك القائمة الملعونة من الأكاذيب التى تستر عريها بشعارات الكذب والخداع.

شاهدت الفيلم منذ سنوات ولا أنسى ذلك المشهد الذى تظهر فيه طفلة مسكينة من ألبانيا المسكينة، الطفلة تجرى بين حقول قمح شاسعة والخوف يسكن عينيها لأنها مطاردة من آليات القمع الألبانى.

أنا المشاهد أعرف أن كل ما يجرى على الشاشة هو من اختلاق الخبير والمنتج، الموضوع كله مُختلق، فلا حرب ولا ألبانيا ولا طفلة ولا قمع ولا ديمقراطية، ورغم هذا، فقد كدت أصدق ما يجرى أنه حرب حقيقية!

لقد أعلنت الإدارة الأمريكية الحرب على ألبانيا، وبدأت الغواصات وحاملات الطائرات والصواريخ والطائرات والمدافع وكل آلات التدمير والتخريب والقتل فى عملها المحموم، لقد فتحوا بوابات الجحيم على ألبانيا التى لا يعرفون أين تقع على خريطة الكرة الأرضية، كل هذا يجرى داخل استديو لا تزيد مساحته على الخمسين مترًا مربعًا، لكن التصوير المتقن وصيحات الصحفيين والمراسلين الذين ينقلون الحرب على الهواء مباشرة، استولوا على وعى الشعب وصرفوا نظره عن الفضيحة الجنسية، لقد راح الشعب يتابع بشغف بطولات جنوده الذين ينشرون الحرية فوق ربوع ألبانيا المسكينة ويغلبون وحوش الديكتاتورية.

غنى عن الذكر أن الفضيحة توارت ثم تلاشت فلم يعد أحد يذكرها، ثم أجريت الانتخابات وفاز الرئيس، وعاش الجميع فى سلام ووئام وقد نسوا تمامًا قصة البنت القاصر!

نجح الفيلم تجاريًا نجاحًا خرافيًا، وتسابق النقاد فى فك رموزه، فكان مما قالوه: إن الكلب فى الفيلم هو المجتمع الذى يجب هزه لكى ينسى أمرًا ما، ويجب أن يكون الهز عنيفًا جدًا ليناسب حجم ما يجب نسيانه ودفنه.

وأضاف نقاد الفيلم: علينا أن نلتفت للمقولة التى بدأ بها الفيلم: «لماذا يهز الكلبُ ذيله؟ لأن الكلبَ أذكى من ذيله. لو كان الذيل أذكى، لهز الذيلُ الكلبَ».

وبعدُ فعلينا الإقرار ببراعة الأمريكان فى صناعة السينما وفى صناعة الحرب، ولكن المحزن أن الحروب الحالية قد غادرت الاستديو لتذهب إلى الجغرافيا الحقيقية، حيث الناس الذين سيُقتلون وتُهدم بيوتهم، لكى ينسى المجتمع الأمريكى فضيحة ما.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأربعاء 11 فبراير 2026م.

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق