كتب الأستاذ
العميد في رثاء صاحبه، الأستاذ أحمد أمين: "رحمه الله كان أمره كله مغالبة".
هذه الكلمة
هي في الحقيقة من حق الدكتور الربيعي، فأمره كله مغالبة، ثم الجد لحمة المغالبة
وسداها!
كان قد
وعدني بمفاجأة أو مكافأة، قرأ هو ما يدور بداخلي، فنظر لي نظرة الجد ثم قال:
"زعمت قراءة كتاب "دارسات عربية وإسلامية"، وهو من أكثر من ستمئة
صفحة من القطع الكبير في ستة أيام، وهذا عجيب، ولكن سنعرف الآن الحقيقة".
سألني
سؤالين، عن مادتين من مواد الكتاب، ومن الواضح أنني قد أجبت إجابات مرضية، فتبسم
ورماني بنظرة لم أفهمها إلا وأنا أقرأ الجزء الثالث من سيرته الذاتية "بعد
التسعين".
أصل النظرة
أنني قد ذكرته بأول شبابه وبزمن طلبه للعلم في معهد أسيوط الأزهري (نعرفه نحن أهل
أسيوط باسم معهد فؤاد الأول!) أيامها لم يكن يكف عن القراءة، يقرأ ما يقطع تحت
يديه، يقرأ بنهم أز بسعار كما وصف صاحبه القديم محمود شاكر نفسه!
أخيرا جاءت
المكافأة أو المفاجأة، نسخة من الطبعة الأولي من كتاب: "دراسة في مصادر
الأدب" للعلامة الراحل الكريم الدكتور الطاهر أحمد مكي.
قبل أن أفتح
فمي قال: "هي لك، لأنك تقرأ بجدية!".
قلت:
"هذه هي الطبعة الأولى".
قال:
"أعرف، طالع الكتاب متمهلًا فهو يستحق القراءة الهادئة".
الرجل لا
ينسى المغالبة التي صيغ منها ولا الجد الذي يغلف حياته ولا التعليم، هو رجل تعليم
عملي، يضرب المثل العملي، أنت تقرأ بجدية يعني تغالب ظروفك ويعني تلتزم الجد، فخذ
هذه المكافأة، درس تعليمي عملي!
صعيد اليوم
ليس هو صعيد العشر سنوات الماضية، فكيف كان صعيد الربيعي المولد في منتصف يناير من
العام 1932؟
من هنا بدأت
المغالبة، طفل يتيم حوله أخوته وأولاد عمومته، ثم في المركز أمه، سيدة جليلة لا
تحرص على شيء حرصها على أن ينبغ أولادها في التعليم، نعم يذهب الطفل محمود الربيعي
إلى الحقل ولكنه ذهاب المالك لا الأجير، يأتي لأمه باللبن الطازج ويطارد فراشات
الحقول ويحلق في السموات العلا بخياله الذي لا يحده حد، يغالب كل شهوة تصرفه عن
التعليم، يحفظ القرآن الكريم كاملًا، ثم يتغرب في طفولته، نعم المسافة بين سوهاج
حيث ولد وأسيوط حيث يتعلم في المعهد الأزهري، كانت مسافة غربة ومشقة سفر، كانت
أسيوط مثل بيت جحا، أو مثل دوامة مخيفة، ولكنه رجل الجد والمغالبة، لقد تغلب على
غربته وعرف أسيوط كأنه ولد بها وأقام علاقات صداقة مع كل الذين تعامل معهم، من
الأساتذة المشايخ الأجلاء نهاية بالبقالين وبائعي الخضروات.
نعم لم يعضه
الفقر، ولكنه عرف بساطة الحال، وتعامل مع تراجع إيرادات الأسرة بعد رحيل الأب،
ببساطة ولم يندب حظه، هو سيتعلم ويتفوق ويذهب إلى أبعد نقطة، بعد أسيوط كانت دار
العلوم القاهرية، وما أدراك ما قاهرة الخمسينيات لصعيدي صاحب خيال وصاحب قراءات
متميزة.
جاء إلى
القاهرة حاملًا أمنيات تبدو عجيبة ولكنها جادة جدًا، أمنية أن يتفوق في الدراسة
وأمنية أن يستمع إلى تلاوة الشيخ مصطفى إسماعيل مباشرة، لا عبر المذياع ولا عبر
الأسطوانات، وأمنية اللقاء بأم كلثوم!
في التعليم
حقق أمنيته وحاز على الليسانس بامتياز وصافحه الرئيس جمال عبد الناصر الذي كان
حريصًا على تكريم المتفوقين في عيد العلم، أما الشيخ مصطفى فقد كان يسعى خلفه من
مسجد الحسين إلى الأزهر، إلى الحفلات التي كان الشيخ نجمها المنفرد، يجلس الربيعي
في طرف السرادق ويسمع بل يجعل قلبه يتشرب التلاوة، فشيخه الفاتن أمام عينيه يتفنن
في تلاوته ولا يحول حائل بينه وبين الاندماج التام والكامل معه.
هل قدم
الربعي نفسه للشيخ؟
لا، لم
يفعلها قط، وهذا ملمح عجيب من ملامح شخصيته المركبة، سنعود لتفصيله في الجزء
الثالث من المقال.
حقق أمنيتين
وبقيت الثالثة بعيدة عصية، كيف يصل إلى أم كلثوم التي تملأ الدنيا وتشغل الناس؟
كان يحمل
صوتها منذ تعرف عليه في أمسيات بلدته جهينة عبر مذياع بقال القرية، ومرت السنون
حتى حصل على شهادة دار العلوم وأصبح معيدًا بالكلية، وفي يوم من أيام العام 1959
قال له صديقه عبد الحكيم بليغ: عندي تذكرة لحفل أم كلثوم الذي سيقام في جامعة
القاهرة بمناسبة بدء العمل في بناء السد العالي، ظروفي لن تمكنني من حضور الحفل،
فخذ أنت التذكرة!
ما هذه
المفاجأة العظمى، أخيرًا سيرى أم كلثوم.
ذهب الشاب
محمود الربيعي وكان عبد الناصر على رأس الحضور، رأى بعينيه أم كلثوم، فكتب بعد
اللقاء بقرابة السبعين سنة: "كانت قصيرة القامة على غير ما قدرت، وبعيدة عني
بحيث لم أستطع التمكن من رؤية تفاصيل ملامحها، فلم أدر هل كانت أكثر جمالًا من
صورها أو أقل جمالًا، ولكنها حين بدأت "ياللي كان يشجيك أنيني" نسيت كل
شيء يتعلق بشكلها، وبدت لي أقرب إلى طيف شفيف، فسبحت في عالمها، حتى أسدل الستار.
في الوصلة
الثانية، غنت قصيدة "السد" لأول مرة طبعًا، وهي من شعر عزيز أباظة.
كان حلمًا
فخاطرًا فاحتمالًا، ثم أضحى حقيقة لا خيالًا.
ساحرة،
جميلة، قوية، مؤثرة، في كل ما تغني، فصيحة، أو عامية. استغرقني الصوت ومر الوقت
كالحلم، فلم أشعر به، وحين انتهت الحفلة، كانت الساعة الثانية صباحًا، وحجزنا تحت
القبة، حتى خرجت المواكب وحين أطلق سراحنا، كان الليل يتجه نحو الصباح".
كيف سيرجع
الشاب محمود الربيعي إلى بيته الذي يقع على أطراف حي العباسية؟
ما معه من
نقود لا يكفي لركوب التاكسي، ولا مواصلات عامة، لقد قرر العودة سيرًا على قدميه،
من جامعة القاهرة التي في الجيزة إلى بيته الذي في العباسية.
يصف الربيعي
ساعات عودته فيقول: "وحين آويت إلى فراشي، اعتراني شعور بالسعادة، واستعدت
تفاصيل الليلة، فجاشت نفسي بالذكريات البعيدة والقريبة، وقلت لنفسي: يا لها من
ضريبة بسيطة تؤدي، من أجل متعة كبرى فريدة في حياتي".
نكمل
الأسبوع المقبل بإذن الله.
منشور
بجريدة صوت الأمة الأحد 11/01/2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق