الخميس، 23 مايو 2024

اللعنة على قطاراتي



 تنطلق قطاراتي بسرعة خرافية تدهشني، ثم فجأة تتعطل، وعندما تصل إلى محطتها النهائية، تكون قد سجلتْ رقمًا قياسيًا فى التأخر، تصل قطاراتي دائماً ليلاً، حيث لا يكون فى استقبالها سوى ظلال أشجار بائسة تبدو كأشباح، وأرصفة خاوية تكنسها رياح الليل الباردة.

(1)

كنتُ أمر من أمام مبنى جريدة الأهرام، لحظة أن كان هو يهبط سلمها الخارجي منحدراً إلى الشارع، كان ملاكا أبيض، يرتدى بدلة صيفية بيضاء وكان شعره قد غادر شقرته وأصبح ناصع البياض.. كان يمسك بين أصابع يمناه بفرع صغير من شجرة (ربما كانت السيسبان) الفرع الصغير لا يزال يحتفظ بنداوة خضرته، كان يهبط واثقاً مثل ملك ويصفر بفمه لحن أغنية عبد الوهاب (يا مسافر وحدك).

كان صفيره منتظماً متقناً لا نشاز فيه، اندفعتْ إليه قطاراتى، تلك فرصة لن أفلتها، هذا هو يوسف إدريس، وهذا أنا عاشقه، ليس هناك من معجبين ولا أضواء كاميرات، الموقف مجرد من كل زخرف أو ضجيج.

ليس هناك سوى كاتب يصفر لحناً، وقارئ يسيل الحب على جوانب قلبه.

شكراً لقطاراتي لقد أقلتني حتى وقفت أمامه تماماً. مددتُ يميني، فنقل الفرع الصغير من يمينه ليسراه.

ـ أهلاً يا دكتور.

ـ أهلاً يا حبيبي إزيك؟.

ثم تعطلت القطارات اللعينة، يمينه تقبض على يمنى وعيناي معلقتان بوجهه الوسيم الباسم، لكن لساني أصبح كقطاراتي معطلاً.

مرتْ قرابة نصف دقيقة على خرسي، أفلت الرجل يدي ثم ضربني ضربة خفيفة بفرعه الأخضر على رأسي، وأنطلق يكمل صفير لحنه، عابراً الشارع بخطوات ملك وسيم. هل رماني بنظرة تعنى أنى مخبول؟

أم أنا الآن أتخيل أنه نظر لي معاتباً ومندهشاً.

هل من حقي الآن فلسفة خرسي بدعوى أن دفقة حب قد أصابت لساني بالشلل؟

أم أن الأمر كله هو مزاج قطاراتى اللعينة؟

(2)

أوقفتني قطاراتى أمامها بعد تأخر دام عشر سنوات.

قالتْ عيناها:" هيت لك "

 كان المطعم النيلي حنوناً فمنحنى سكينة أشقى بالسعي خلفها.

على المنضدة التي خلف ظهرها كان الولد يعانق فتاته، كانت فتاته مستسلمة لموجة شوق جارف.

هذه أنثاي وهذا أنا، هذا نيلنا الحنون وشاينا بنعناعة الفواح، لو مددتُ يداً فلن تُرد خائبةً، تقدمي قليلاً يا أيتها القطارات اللعينة البليدة، تقدمي شبراً واحداً ليس أكثر.

شبر واحد يفصلك عن النعناع والريحان

تعطلتْ القطارات البليدة وفر عصفور كان يدندن لحنه الأبدي على شجرة بالقرب منا.

ذهب الفتى وفتاته وتركا عطراً خرافيًا خارقًا للحواس جميعها.

بعدها ستعاتبني بصوت متحرج:" ليلتنا كان قمرها غائبًا لكنى رأيته يضيئني. ليتك قلتها، لو قلت لي ليلتها أحبكِ ربما تبعتك حتى نهايات الأرض، أنت حتى لم تدفعني لأن أقولها لك "

سكتُّ لأن حبيبتي لا تعرف شيئا عن قطاراتى اللعينة.

(3)

كان نجيب محفوظ متاحًا كالماء والهواء وباقيًا كأنه النيل، لذا لم استعجل مقابلته، سأقابله متى أردتُ فالرجل متاح كالماء والهواء.

طعنه مخبولٌ فى رقبته، فقلت سينجو وسأقابله متى أردتُ، ثم تكالبتْ عليه أيام الزمن، فقلت لن تنال منه وسأقابله متى أردتُ.

قبل رحيله بثلاثة أشهر، جاءني الصديق سعيد شعيب وقال لي: «محفوظ يريدني ليستوضح شيئا عن حواري مع محمد مهدى عاكف مرشد جماعة الإخوان، لابد وأن تكون معي"

ذهبت مع سعيد إلى فندق على نيل المعادي حيث كان الأستاذ يستقبل زواره.

فى الاستقبال وبدون اتفاق قلنا للموظف: نريد الأستاذ.

هكذا بدون تحديد.

ابتسم الموظف وقال: الأستاذ محفوظ يجلس فى الطابق الثالث.

فرحتُ وسعيد بموظف يعرف أن الأستاذ هو محفوظ ولا أستاذ غيره.

صعدنا إليه فوجدنا حوله جماعة من أصدقائه وتلاميذه.

كنتُ عازماً على تقبيل يده، قبلةً أودعها كل محبتي له.

فى لحظة لعينة ظهرتْ قطاراتى ذات الحسابات العقلية الباردة، قلت فى نفسي: لو قبلتْ يده ربما يظن المتحلقون حوله أنى شخص استعراضي بغيض.

ارتبكت خطواتنا، أنا وسعيد ونحن على بعد أمتار من الشيخ الجليل، أراد سعيد أن أسبقه وأردت أن يسبقني، لاحظ الشيخ بحس أولاد البلد الذي لم يغادره أبداً ارتباك خطواتنا فصاح بصوت مجلجل: بالدور يا زبائن.

ضحكنا جميعاً وسلمنا عليه وجلسنا، راح سعيد يشرح للأستاذ خلفيات الحوار مع مرشد الجماعة، قطع موظف حديث سعيد قائلاً للأستاذ: جاءت اليوم سيدة فرنسية مع ابنتها الشابة وتركت لك هذه البطاقة.

باغت الأستاذُ الموظفَ سائلاً: المهم الست حلوة والا لأه؟.

عدنا للضحك لكن الأستاذ كان جاداً عندما سلم البطاقة لصديقه المخرج توفيق صالح: بص يا توفيق لا تستغل الموقف وتترجم على هواك، أريد منك ترجمة دقيقة، دي الست جاية من فرنسا مش من طنطا.

كان سعيد مهتماً بمعرفة حقيقة رأى الأستاذ فى جماعة الإخوان. قال الأستاذ:» ولدتُ وفدياً ووفدياً سأموت.

 بعد نهاية المقابلة التي لم أفتح فمي خلالها بكلمة، نظر لي سعيد مغتاظاً: كنتُ أنتظر تقبيلكَ ليده لكي أتشجع وأقتدى بك، لماذا لم تقبل يده؟

سكتُّ لأن صديقي لا يعرف شيئا عن قطاراتى اللعينة.

(4)

كانتْ قد أرهقتني بعنادها الذي تعاقبني به على تأخر قطاراتى اللعينة، أى مواجهة هى محفوفة بمخاطر فقداني الكامل لها. استعنتُ على عنادها وقطاراتي بالكتابة فكتبتُ:" حبيبتي

كنا معا، فجأة علتْ دندنتك، اكتشفت أن لك صوتًا جميلًا دسمًا، كان الشارع كعادته مسكوناً بضجيجه الأزلي، تلاشي الضجيج، وتصدر صوتك المشهد، كنت أتمنى أن تغني لي، لي وحدي:" بيطلع على بالي أرجع أنا وياك.. أنت حلالي أرجع أنا وياك"

أعرفك جبانة تخافين البوح.

لماذا أحاصرك وأظن أنني حلالك وأنك تودين الرجوع معي؟

أحبك وأحب الأغاني حيث تجري القصص كما نريد لها أن تجري لا كما تفرضها أقدار عجيبة لا نفهم حكمتها.

 

هل ترين أن الأغاني والقصائد قد أضاعتني صغيراً ثم حملتني الخيبة كبيراً؟

أم تراها صنعتني على عينها واختارتني لأكون كما أنا (أحبك وأحب الأغاني).

فهل أنبعث من رمادي على يديك؟

سحقا لأنفي الذي يخزّن الروائح، هل هو أنفي أم تراه قلبي؟

كنت متوحداً مع فايزة وهي تغني (قمري هو وشمسي هو) ما الذي جاء بك لحظتها؟

بل ما الذي جاء برائحة شعرك علي وجه التحديد؟

كنا في قلب الميدان، كنت كطفلة مذنبة، لم أحتمل رؤية وجهك المعتذر، اقتربت منك كثيراً فهاجمتني رائحة شعرك، ومن يومها وهي تسكنني.

هل سكنتني أم بعثرتني؟

لماذا أنا حاد هكذا ومتطرف هكذا؟

تهاجمني أشياؤنا الصغرى كلها دفعة واحدة قد تمرين أنت عليها غير ملتفة ولكنها تبقي داخلي عمراً لتنعشني وتصب على قلبي المزيد من الحسرات.

هل تعدينني بالغناء، لي وحدي؟"

(5)

رفضتْ قطاراتى حمل رسالتي إليها، وها هى قابعة فى زاوية من زوايا القلب.

 

الخميس، 9 مايو 2024

من التاريخ السري للمواجع

 


بعد فراغي من قراءة كتاب" عين شمس 1995 وهزائم أخرى " الصادر عن كتب خان، لباسل رمسيس وجدتني متأثرًا تأثرًا جعلني أحيانًا أحبس دموعي لكيلا يبتذل هطولها جلال المشهد.

لا شيء يربطني بباسل وعالمه، فأنا مسلم وهو مسيحيي، وأنا أزهري ابن مشايخ وهو علماني ابن قساوسة، وأبوه رمسيس لبيب كاتب اشتراكي لامع وأبي كان على يمين الاشتراكيين وعلى يسار الإخوان، وأمه كوالده اشتراكية وابنة لقسيس،  وأمي لم تعرف من الدنيا سوى محبة زوجها وأولادها، هو له شقيقة واحدة ، وأنا كنت تاسع تسعة، خطف الموت منهم سبعة وبقى اثنان، أنا أحدهما، هو من خريجي جامعة عين شمس التي هى معقل من معاقل اليسار المصري في الثمانينات والتسعينيات، وأنا أزهري، حيث الإخوان والجماعات الإسلامية وقلة ناصرية لا تذكر، هو مخرج سينمائي وأنا صحفي.

هو قاهري النشأة وأنا صعيدي النشأة والهوى.

كانت باحة كنيسة قاهرية هي ملعب طفولته

وكانت باحة مسجد صعيدي هى ملعب طفولتي.

هو يصغرني بسنوات لا تجعلنا أبناء لجيل واحد.

والحال كما ترى فما الذي يربطني بباسل رمسيس؟

لا شيء غير الصداقة في واقع افتراضي ملون بالصدق وملوث بالأكاذيب.

لقد رأيت باسل مرة واحدة، ففي أعقاب ثورة يناير كنت وصديق، أظنه مؤمن المحمدي نعبر شارعًا من شوارع وسط البلد، فجأة ظهر باسل وهو يعرج عرجًا خفيفًا، أشار له صديقي بحرارة ممتزجة بغير قليل من المرارة.

سألت صديقي: من هذا، وفيما مرارة صعدت إلى صفحة وجهك؟

قال: إنه باسل رمسيس.

قلت سمعت به

قال: المرارة لأن باسل كان في إسبانيا وعاد مع الثورة، وغالبًا ناله من خرطوشها شيء تركه يعرج.

وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي لمحت فيها باسل رمسيس على وجه اليقين.

للمرة الثانية: ما الذي يربطني بباسل رمسيس؟

لا شيء، وكل شيء!

كل شيء هذه شرحها الحكيم أبو تمام عندما قال:

"إن كان يجمعنا الإخاء فإننا ... نغدو ونسري في إخاء تالد

أو يفترق نسب يؤلف بيننا ... أدب أقمناه مقام الوالد".

هذا الأدب اسمه عندي " وحدة الألم الإنساني" كلانا متألم منذ بدء أمره، كانت تؤلمه سيطرة الحاجة ثريا لبنة قطبة الحزب الوطني، على حيه (مدينة نصر) وكانت ذات الحاجة تؤلمني في غدوها ورواحها عندما كنت أسكن الحي العاشر بمدينة نصر وقت أن كان ذلك الحي هو آخر الدنيا وانقطاع العمران.

وحدة الألم الإنساني هي التي ستجعلنا نتشارك مشاهدة الأفلام ذاتها، من ليلة البحث عن سيد مرزوق، إلى" آه وآه من شربات"!

أفلت مني فيلم " موسم الاحتراق"

وحدة الألم الإنساني جعلتنا نستمع إلى نفس الأغاني، من مارسيل خليفة والشيخ إمام إلى محمد عزت وعلى الحجار.

وحدة الألم الإنساني هي التي ضغطت على قلب باسل ليكتب وضغطت على قلبي لأقرأ ثم لأحبس دموعي لكيلا تبتذل اجلال المشهد.

ضربة البداية التي لعبها باسل، مكنته من إحراز هدف مبكر، لقد بدأ باسل كتابه بالحديث عن الصيادين الذين يربون الكلاب السلوقية البارعة في صيد الأرانب وغيرها من مخلوقات الله البريئة.

العلاقة بين الصيادين وكلابهم، مركبة، بل الأصح معقدة، تذهب العلاقة إلى ذروة جنونية، عندما يطلق الصياد النار على كلبه!

هؤلاء ليسوا مجرد صيادين، وهذه ليست مجرد كلاب، الأمر على حقيقته هو رسالة ماكرة من باسل، ليذكرنا بحقائق، الخوض فيها سيضع المزيد من الملح على جراح ما تزال تنزف.

من تلك العلاقة الجنونية ينطلق باسل ليسرد وقائع هزائم عشناها سويًا، لقد وحدنا الألم الإنساني، فسمعت معه ياسر عرفات وهو يخاطب صدام حسين" يا جبل ما يهزك ريح" وسمعت معه القذافي وهو يهدد أمريكا بثورة عالمية، وبكيت معه تدمير العراق.

كان باسل في قلب اللعبة عندما تهاوى الاتحاد السوفيتي، هل كانت تلك اللحظة هي فاتحة كتاب الهزائم وآية المواجع الكبرى؟

أيامها لم أكن حزينًا، كنت خائفًا من انفراد الأمريكان بصدارة المشهد العالمي، الحقيقة كنت متعجبًا من حزن اليساريين المنظمين، فسعيت إلى يساري عتيد فقال لي: كيف سيكون قلبك عندما يصلك خبر موت والدك؟

قلت: سيتفتت قلبي.

قال: هذا ما حدث لنا!

في منتصف الكتاب مشهد لباسل وأصحابه وهم يشربون ثم بوعي مرعب، يغنون، لعلي الحجار: “على قد ما حبينا وتعبنا في ليالينا... الفرحة في مشوارنا تاني هتنادينا.. طول ما القلب صافي بحر العشق وافي.. وكل عذاب الدنيا هيروق بكرة ليا... بس امتى ليالينا عالحلم ترسينا" هذه الأغنية لا علاقة لها بأغانيهم الأيدولوجية، هل كانت تلك الأغنية هي بوابة الخروج؟

سيطلق باسل التنظيم، ويغادر ليتعلم السينما، وعندما يجد نفسه قد أصبح رجلًا خمسينيًا، سيمد يديه بعزيمة حديدية ليفتح خزائن الماضي حيث تقبع الذكريات السود تجاورها لحظات البهجة التي حلقت بنا في سماء النشوة العالية، كأن باسل كتب كتابه ليقول لي أنا: لم تكن وحدك، فقد جمع بيننا الألم الإنساني.

ــــــــــــــــــــــــ

منشور بصوت الأمة / السبت 5 مايو 2024

 

 


الخميس، 14 مارس 2024

عبد العزيز البشري.. الجاحظ المصري


 

جاء على مهن الصحافة والكتابة والفن حين من الدهر لم تكن فيه سوى جالبة لسخرية المجتمع وازدرائه، فلم يكن المجتمع يقبل شهادة الصحفي ولا الممثل، وكان أولاد الأكابر عندما يؤلفون الروايات يضعون على أغلفتها أسماء مستعارة.

 في ذلك المناخ المقبض ولد الشيخ الأستاذ عبد العزيز البشري في العام 1886، وكان المنطقي أن يكون الصبي عبد العزيز كوالده فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر سليم البشري، فإن لم يكن كوالده فعلى الأقل يُضيّق الوالد على ولده لكي يلتزم بالسير بجوار الحائط لكي يصعد إلى المكانة التي يجب أن يرقى إليها.

الشيخ التقدمي

الإمام الأكبر سليم البشرى الذي ولد في العام 1832 وتوفي في العام 1916 وبرع في علم الحديث الشريف، خالف كل التوقعات وترك لابنه حرية اختيار كيف ستمضي حياته.

هذه النقطة تعد من النقاط المركزية جدًا في حياة عبد العزيز البشري الذي كان حريصًا على أن يكون خير ممثل لفكر أب حر لا يخضع لتقاليد زمانه.

 

البشري الأب لم يكن شيخًا كغيره لقد رفض مشيخة الأزهر لسنوات، وعندما قبلها تقدم باستقالته لأن أمرًا من الأمور لم يرق له، ثم بعد سنوات جاءته المشيخة مرة ثانية فقبلها على شروطه ومكث بها حتى رحل عن دنيانا، وكانت لرحيله أصداء مدوية نعرفها من رثاء شاعر النيل حافظ إبراهيم له بقوله:

"أيدري المسلمون بمن أصيبوا

 وقد واروا «سليما» في التراب؟

 هوى ركن «الحديث» فأيُّ قطبٍ

لطلاب الحقيقة والصواب؟

فما في الناطقين فم يوفي

 عزاء الدين في هذا المصاب

 قضى الشيخ المحدث وهو يملي

على طلابه فصل الخطاب".

عندما ولد البشري الابن دفع به أبوه إلى حديقة القرآن فحفظه حفظ إتقان فسلم لسانه وقلمه من رطانة العجم، ثم دفعه إلى الأزهر فتخرج فيه سنة 1911 وما بين الكُتّاب والأزهر تتلمذ البشري على يد الشيخ الأستاذ سيد المرصفي، الذي يكاد يكون مسئولًا مسئولية تامة عن تثقيف وتعليم طائفة من فحول الأدب العربي، نذكر منهم طه حسين وأحمد حسن الزيات والبشري ومحمود محمد شاكر.

بعد أن أتم تعليمه الأزهري عمل عبد العزيز البشري بوزارة الأوقاف، ثم بوزارة المعارف (التربية والتعليم حالياً)، ثم عمل في القضاء الشرعي، وأخيرًا ذهب إلى المكان الجدير به فقد تولى منصب المراقب العام لمجمع اللغة العربية وظل به إلى أن مات في العام 1943.

رجل مثل البشري الابن كان يلهو وهو طفل في زوايا مكتبة والده عالم الحديث الأشهر، ثم عندما تمكن من القراءة راح ينهل من ذخائر المكتبة حتى ارتوى، ثم تتلمذ على يد المرصفي، ثم جمعه بالعميد طه حسين حب الأدب، كيف كان سيكون مصيره؟

صحبة العميد

يقول طه حسين عن أيامه مع البشري: "كان عبد العزيز البشري يزورني في الغرفة التي كنا نعيش فيها في ربع بيت كبير يضم العديد من الغرف الصغيرة يسكن معظمها طلاب الأزهر من ربوع خان الخليلي وكنا نلتقي فيها حين نتفرق عن دروس الفقه، لنقرأ بعض كتب الأصول أو بعض كتب البلاغة، وكان عبد العزيز البشري يلهينا بدعابته وفكاهته عن جد البلاغة والأصول، وإني لأراني مع عبد العزيز وعلي عبد الرازق في هذه الغرفة نفسها بعد أن نصلي العصر نقرأ كتاب «الكامل» للمبرد، ونُحصّل بهذه القراءة اللغة والأدب، وكان عبد العزيز يجلس معنا يمرح ويمزح ويتفكه بنوادره الطريفة ليُسرّي عن أنفسنا عناء التعب والمشقة التي لاقيناها من القراءة في هذه الكتب العميقة المعنى، والبديعة الأسلوب".

في تلك السنوات وقع البشري في هوى الجاحظ أديب العربية الأكبر، ولم يكون الهوى، هوى المحبة، ولكنه كان هوى التعلم والدرس والمذاكرة والسير على النهج نفسه.

ظل البشري عاكفًا على دراسة الجاحظ حتى يكاد يكون قد حفظ مؤلفاته، فسرى أسلوب الجاحظ في وجدان البشري سريان الدم في العروق، ليواصل البشرى حضوره وانتشاره في كل مكان يكون للأدب فيه كلمة، وكان ذلك الانتشار مقصودًا لتحقيق هدفين مهمين، الأول: أن يخلع البشري جلباب أبيه، فهو لن يكون شيخًا من مشايخ الأزهر – مع عظيم تقديره لدورهم ـ والثاني: أن يعرف الجميع من هو عبد العزيز البشري قبل أن يدخل الميدان محترفًا.

 وقد أحسن الباحث الأستاذ يسري عبد الغني عندما كتب عن حركة البشري في مجتمع القاهرة: "كان رجلنا يحب التنقل ومعايشة الأصحاب من كل الطبقات والفئات، فكنت تراه مصبحًا في هذا الحي من أحياء القاهرة القديمة في الأزهر، أو قريباً منه، فإذا صليت الظهر رأيته في حي آخر من أحياء القاهرة قريباً من دار الكتب أو في قهوة من مقاهي حي باب الخلق التي كان يجلس عليها أهل الفن والأدب، أو في حي الأزبكية، فإذا صليت العشاء رأيته في حي آخر من أحياء القاهرة، تلقاه عند آل عبد الرازق في حي عابدين، وتلقاه عند غيرهم من ذوي المكانة والجاه، وقد تلقاه في قهوة من مقاهي الناصرية القريبة من حي السيدة زينب مع جماعة من الأدباء يتصدرهم حافظ إبراهيم".

في تلك الجولات المكوكية بين أحياء القاهرة، رسم البشري ملامح شخصيته، إنه الأزهري حافظ القرآن، ابن شيخ الأزهر، الفقيه في علوم العربية، المثقف الموسوعي، خفيف الظل، القادر على أن يجعلك تضحك عندما تقرأ له أو تسمعه وهو يكتب أو يتحدث بالفصحى العالية الشريفة.

قبل أن ينزل البشري ميدان الاحتراف سجل نوادر وطرائف تكشف عن عمق ثقافته وعن سرعة بديهته وعن ذكائه الفطري اللطيف الذي لم يستخدمه قط في أذى الآخرين، لقد كان يستخدم ذكاءه في رد المواقف والكلمات.

ولتوضيح منهجه ذلك نورد هنا مثالين.

قالوا: إن البشري وجماعة من الأدباء نزلوا ضيوفًا على واحد من الأعيان، وبعد الطعام خلع البشري جبته الأزهرية وذهب لغسل يديه، فقام أصحابه برسم حمار على جبته، وعندما عاد ورأى ما فعله أصحابه لم تفلت أعصابه بل نظر إليهم في برود ثم سألهم: «مَنْ منكم يا أفاضل الذي مسح وجهه في جبتي؟».. فضحك الجميع وعرفوا أن النيْل من البشري يكاد يكون مستحيلًا، وذلك لأنه رد الصاع صاعين وفي هدوء تام.

وقالوا: إن البشري كان مجتمعًا في مجلس مع الفريق إبراهيم فتحي الذي كان وزيرًا للحربية، فأراد إبراهيم باشا فتحي ممازحة البشري الذي كان أيامها من القضاة الشرعيين، فسأله: «هل جاء في الحديث الشريف، قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار؟».. فرد البشري: نعم، وجاء في القرآن الكريم «فريق في الجنة وفريق في السعير".

المرآة الكاشفة

قبل أن نتحدث عن زمن احتراف البشري للكتابة، يجدر بنا التوقف عند نقطة مهمة وهي أن الشيخ – على عظيم علمه وعمق ثقافته – لم يؤلف سوى كتابين اثنين فقط، ولن تجدهما الآن إلا بضربة حظ لدى باعة الكتب القديمة.

لقد كتب الكتابين بتكليف من وزارة المعارف «التربية والتعليم حاليًا»، الكتاب الأول هو «المفصل» وموضوعه التربية الوطنية، ثم كتاب «المنتخب» وموضوعه تاريخ الأدب المعاصر. ثم هناك ثلاثة كتب كانت في الأصل مقالات للشيخ ثم جمعها في كتب، وهي «المختار» وفيه الأبحاث الأدبية، والتراجم لبعض أدباء عصره.

والكتاب الثاني هو «قطوف»، ويقع في جزأين، ويتناول بعض الدراسات العربية الإسلامية.

أما الكتاب الثالث الذي سنتوقف عنده فهو «في المرآة». وهنا لابد أن نشكر مشروع «القراءة للجميع» الذي أعاد نشر هذا الكتاب النفيس، وهو تجميع لبعض مقالات الشيخ التي نشرها في جريدة السياسة في العامين 1926 و1927.

كان للشيخ خطة في تلك المقالات سندعه هو يتحدث عنها: «إن هذا النوع من البيان رويناه عن كتاب الغرب، وما فتئنا نقلدهم فيه تقليداً، على أن كتاب العرب من أمثال الجاحظ قد سبقوا إلى شيء من هذا التصوير البياني، إلا أنهم لم يعدوا فيه هنات المرء، والصولة عليها بألوان التندر والتطريف، أما التوسل بمظاهر خلال المرء إلى مداخل نفسه، منازع طبعه، وإجراء هذا على أسلوب علمي وثيق، فذلك ما لم نقع عليه في منادرتهم ووجوه تظرفهم".

كان هذا عن منهجه في الكتاب، منهج تحليل الشخصيات، أما عن أسلوبه فيقول عنه: «إن الرسام الكاريكاتوري، يعمد إلى الصفة البارزة في خلال المرء، فيزيد في وصفها بما يتهيأ له من فنون القول، ولا يتناول إلا أمراً يتصل بالشؤون العامة، على ألا يضيف إلى المرء ما ليس فيه، ولا يتدسس إلى مكارهه، ومستور هناته، حتى لا ينصرف الكلام إلى السخرية غير المحمودة به".

وبتلك الخطة أظهر الشيخ في مرآته صور شوقي وحافظ وسعد زغلول وإسماعيل صدقي ومحمد محمود وطائفة من أهل السياسة والأدب والشخصيات العامة.

سنقرأ الآن افتتاحيته عن زيور باشا الذي كان وقت تناول البشري له رئيسًا للوزراء، حيث يقول البشري في وصفه لزيور باشا: «أما شكله الخارجي وأوضاعه الهندسية ورسم قطاعاته ومساقطه الأفقية فذلك كله يحتاج فى وصفه وضبط مساحاته إلى فن دقيق وهندسة بارعة. والواقع أن زيور باشا رجل -إذا صح هذا التعبير- يمتاز عن سائر الناس فى كل شيء، ولست أعنى بامتيازه فى شكله المهول طولا ولا عرضه ولا بعد مداه، فإن فى الناس من هم أبدن منه وأبعد طولا وأوفر لحما، إلا أن لكل منهم هيكلا واحدا، أما صاحبنا فإذا اطلعت عليه أدركت لأول وهلة أنه مؤلف من عدة مخلوقات لا تدري كيف اتصلت ولا كيف تعلق بعضها ببعض، وإنك لترى بينها الثابت وبينها المختلج، ومنها ما يدور حول نفسه، ومنها ما يدور حول غيره، وفيها المتيبس المتحجر، وفيها المسترخي المترهل. وعلى كل حال فقد خرجت هضبة عالية مالت من شعافها إلى الأمام شعبة طويلة أطل من فوقها على الوادي رأس فيه عينان زائغتان، طلة من يرتقب السقوط إلى قرارة ذلك المهوى السحيق".

إنه يُشرّح الشخصية تشريحًا بادئًا بوصف ملامحها الجسمانية، منتهيًا بالكشف عن أعماقها، وعلى ذلك النهج الجاحظي يمضي الكتاب العصي على التلخيص أو العرض، لأنه من الكتب التي يجب أن تقرأ كلها من بدئها لمنتهاها لكي يستمتع مُطالعها بفنون من الكتابة لا يمكن لمقلد أن يقلدها، لأنها فنون أصيلة مرتبطة بشخصية كاتبها الذي يعترف بأنه نسج على منوال الجاحظ ولكنه سار لآخر الشوط مستعينًا بمعارفه العصرية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات14 أغسطس 2019

الخميس، 22 فبراير 2024

أطياف كاميليا.. رواية النرجسية الخبيثة

 


تُعد الكاتبة الروائية نورا ناجي من أكثر بنات جيلها جدية، وآية جديتها أنها تكتب عما تعرف، وتستخدم لغتها الخاصة التي تعرف شعابها جيدًا.

نشرت نورا ثلاث روايات حققت بها مكانة متميزة بين الروائيين، ثم نشرت روايتها الرابعة "أطياف كاميليا" عن دار الشروق فظهرت منها ثلاث طبعات في أقل من عام واحد، وهذا يعني مكافأة جماهير القراء لروائية جادة.

ماذا قدمت نورا لقارئها في روايتها الجديدة "أطياف كاميليا؟" لقد قدمت حياة كاميليا عاطف وعالم أسرة مصرية تعيش بمدينة طنطا (لاحظ أن المدينة هي مسقط رأس الكاتبة).

الروائية نورا ناجي ليست من هؤلاء الذين يكتبون نصوصًا تحلق في الفراغ الكوني، بزعم تحطيم القيود، نورا كتبت رواية قبضت فيها على أزمنتها وأماكنها، فهي تبدأ مع بطلتها الرحلة من النصف الأول من التسعينات ثم تتلاعب بالزمن، فتعود إلى الخلف لزمن الحرب مع الصهاينة، ثم تواكب حركة أبطالها واصلًة إلى زمن السوشيال ميديا، ذلك السفر عبر الزمان تقوم به ولا تفلت الخيوط من بين يديها أو تتعقد، أما على صعيد الأماكن فنحن نبدأ من طنطا ونطوف شوارعها ونتعرف على معالمها، ثم نصل إلى القاهرة مع التركيز على منطقة وسط العاصمة.

ولدت كاميليا عاطف لأسرة تبدو طبيعية، والدها كان من مقاتلي حرب الاستنزاف، وفي يوم فقد ساقه، فعاش بين البطولة والمهانة.

البطولة لأنه ضحى بجزء من جسده في حرب الأمة، أما المهانة فلأنه لم يكن يقاتل، لقد أصابه لغم لا يعرف أحد هل نحن الذين زرعناه أم العدو! أما أمها فكانت من الأمهات اللاتي يُهلِكن شبابهن وصحتهن وأعمارهن في المسافة التي تفصل ما بين المطبخ والصالة، ولن يعترف لها الأب بدور إلا بعد رحيلها! ولكاميليا شقيق، له اسم مُركب (محمد ناصر عاطف) درس بالقاهرة، وكان يحلم بالإقامة بها ليتفرغ للإبداع الأدبيّ، ولكن كل أحلامه تهاوت لأنه لم يقاتل لتحقيقها، كتب مسرحية واحدة وحلم بأنها ستحلق به فوق قمم الخلود، ثم عندما لم يجد خلودًا أو حتى شهرة طيبة قنع بالعودة إلى طنطا ليعمل مدرسًا، يطارده الإفلاس فيلجأ إلى الاقتراض من زميله (جمال سلطان).

كانت كاميليا مدللة من الجميع، الأب والشقيق والأم، لم يجرؤ أحد على أن يرفض لها طلبًا، وبعد موت أمها أصبحت سيدة الدار الأولى والوحيدة حتى أنها اختارت صديقتها (نادية إسماعيل) زوجًا لشقيقها.

خارج أسرتها كانت كاميليا تلعب دور ملكة النحل، الكل يشتهيها ولكن مَنْ يقوى على الطيران خلفها لمسافات تزهق الأرواح قبل بلوغ الأمل؟

حققت كاميليا فوق ما كانت تحلم به، درست بالقاهرة، تعلمت التصوير الفوتوغرافي، صورت كل الأماكن التي تحبها، صنعت دائرة علاقات متشعبة وقوية، صارت لها زاوية ثابتة في مجلة "نصف الدنيا" الشهيرة.

بالجملة نجحت في القبض على أحداث أيامها توجهها كما تشاء. والحال كما ترى، فكيف وقعت الواقعة، وغادرت كاميليا ذات صباح بيت أبيها ثم لم تعد ثانية أبدًا ولم يعثر لها أحد على أثر؟ اثنتان فقط تعرفان مصير كاميليا، أولاهما هي الروائية التي تنسج الخطوط بإحكام ودهاء، ثم تدعي أن كل شيء يجري عفو الخاطر كاتمة أسرار أبطالها.

ثانيتهما هي كاميليا الثانية أو كاميليا الصغرى. إنها ابنة محمد ناصر عاطف شقيق كاميليا.

كاميليا الصغرى تكاد تكون نسخة طبق الأصل من عمتها شكلاً وسلوكًا.

الروائية لن تفسد اللعبة وتصرح بما تعرفه عن كاميليا الكبرى، أما ابنة الشقيق فقد لجأت إلى حيلة عجيبة تبرر بها اختفاء عمتها، زعمت لنفسها بأن عمتها كانت تمشط شعرها الطويل الغزير أمام المرآة البيضاوية ثم تلاشت في المرآة.

يجدر بنا نحن القراء أن نسأل لماذا اختفت كاميليا وليس أين اختفت!

للإجابة عن السؤال لا بد من التوقف عند قدرات الروائية نورا ناجي.

إنها تروى روايتها كأنها تنسج أقنعة تضعها فوق وجوه أبطالها، فعلى القارئ أن يصبر ويعمل جادًّا على نزع الأقنعة قناعًا قناعًا حتى تظهر الوجوه على حقيقتها.

كل ظروف كاميليا حسب ظاهر النص ترشحها وبجدراة لسعادة أكيدة، ولكن باطن النص يقول بعكس ذلك.

انظر إلى الأب الذي يدللها ويلبي رغباتها، ويفاخر بها عندما يظهر اسمها في مجلة شهيرة.

الظاهر أن الأب ليس مقصرًا، فأفعاله أفعال أب محب، ولكن الروائية الماكرة ستشير بجمل قصيرة إلى ولع الأب بمغازلة الفتيات والعبث مع الناضجات، حتى إن بائعات الأسواق لم يكنّ بعيدات عن معسول كلامه، وقد عرفت زوجته ذلك عنه بل شاع أمره بين سكان الشارع، ولكن من يستطيع التصدي للبطل المتأنق الذي وإن فقد ساقه لم يفقد شغفه بالحياة؟

كاميليا عند أبيها ليست الابنة فحسب، إنها فتاة جميلة شابة يتغذى الأب بشم عبير شبابها، يكفي أن تسعى أمامه لكي يواصل تمسكه بشباب ضاع عندما ضاعت ساقه.

لو كان الأب منصفًا عادلاً محبًا لأولاده لما صب على ولده محمد ناصر شقيق كاميليا كل سخائم التقريع والتوبيخ بل والقسوة. محمد ناصر ذكر وكاميليا أنثى وتلك هي المعادلة المسكوت عنها، وهي معادلة يسري سمها تحت السطور لا بينها ولا فوقها.

الأب سمح – بعد عناء – لابنه بأن يتعلم في القاهرة، ولكنه أجبره على عدم الإقامة بها، بينما سمح لكاميليا بأن تتحرك في الحياة بأقصى حد من الحرية. يفاخر الأب بظهور اسم ابنته في مجلة، ولكنه يصف مسرحية ابنه بالكلام الفارغ! فأين الإنصاف والعدل والمحبة؟ حنان الأب وتدليله لكاميليا ليسا سوى جزء من لعبة الأقنعة، التي ستتساقط قناعًا بعد الآخر مع توالي فصول الرواية. وقد برعت الروائية عندما صبت فصولها في قالب الشهادات، فكل أبطال الرواية يتحدثون بألسنتهم ويكشفون أسرارهم وخفايا قلوبهم، وحدها بطلة الرواية، كاميليا الكبرى هي التي تتحدث عبر وسيط، من خلال اليوميات التي تركتها خلفها وعثرت عليها كاميليا الصغرى بمصادفة عجيبة، إننا نعرف البطلة من خلال ما كتبته عن نفسها وما قاله المحيطون بها عنها.

شقيقها صاحب الاسم المركب (محمد ناصر) قال: إنه كان صديقها أولاً قبل أن يكون شقيقها الكبير الحامي والمدافع، كانا يسهران معًا ويروحان معًا ويجيئان معًا، لم تكن تفرقهما إلا ساعات النوم، وكان محمد ناصر يؤمن بموهبته الأدبية ويراهن عليها إلا أنه لم يكن محاربًا فرضخ لتعليمات أبيه، محمد هذا هو الذي بيديه سيقدم شقيقته إلى عالم "وسط البلد"، حيث الذئاب، يتفنن الواحد منهم في اصطياد فريسته بأن يحدثها عن ضرورة "كتابة النص المفتوح" ويركز على المفتوح تلك، أو يحدثها عن قدسية الانتماء إلى الكون المتسع مع التخلي عن قضايا الذات، وإلى غير ذلك من تعبيرات وجمل هي كقصف المدافع، ولا يترك الواحد منهم فريسته إلا بعد أن يفكك أوصالها، ويجعلها كومة من أشلاء بالية. في تلك الليلة التي قدم فيها محمد شقيقته لمجتمع وسط البلد، تألقت كاميليا وسيطرت وهيمنت، وتوارى محمد خلف لعثمته وارتباكه، ولمح صياد صاحب تاريخ في القنص يضغط على كف شقيقته فعرف أن الهاوية تقترب. وعندما يلمح اسم الشقيقة على صفحات المجلة القاهرية يصفها بأنها تمتلك نصف موهبة! وعندما تتألق الشقيقة يسقط محمد في جب النسيان بفعل إدمانه لتدخين الحشيش لكي يهرب من نيران الغيرة التي تلتهم قلبه. هل كان الشقيق يحب شقيقته حقًا أم كان يحتمي بحضورها المشع ويستغل نظرات الإعجاب بها، سعيدًا بأنه شقيق النجمة؟ لقد سقط قناع الأخوة والأبوة، فماذا عن قناع الصحبة؟ كاميليا هي ملكة النحل المتوجة، وكل من في الخلية هم في خدمتها، من الشغالات إلى الذكور، ليست متفوقة دراسيًّا، ولكنها تحظى بإعجاب كل المدرسات والمدرسين، يكفي أن تسير في الشارع حتى تجذب كل الأبصار، من شغالات الخلية، كانت  نادية إسماعيل التي كانت كاميليا تحتقرها، وترفض صحبتها رغم علاقات الجيرة، بل قالت إن نادية قد سرقت دفترها الذي تجمع بين دفتيه صور النجوم، وقد تسببت كاميليا في جرح لنادية لم يندمل قط، شاكستها بسخافة بأن ألقت في طريقها بخطاب من شاب يطلبها لموعد غرامي، وعندما ذهبت المسكينة إلى الموعد المزعوم وجدت كاميليا تضحك منها ساخرة وكاشفة عن أنها هي التي أرسلت الخطاب.

لماذا جرحت كاميليا زميلتها هذا الجرح؟ ظاهر النص يقول: لعب عيال وطيش شباب يحدث كثيرًا. باطن النص يشير إلى دنس يسكن أعماق كاميليا ستكشف عنه الأيام. ها قد عرفنا ماضي العلاقة بين الاثنتين، فلماذا قررت كاميليا أن يتزوج شقيقها بنادية تحديدًا؟ كل ما قالته كاميليا من أسباب هو قطعة من الهراء الفاخر! الحقيقة هي أنها لا تريد منافسة لها بين جدران بيت والدها، تريد جارية تخدمها وتخدم أسرتها تحت قناع زوجة الشقيق، كانت تريد نموذجًا تمارس عليه تسلطها ونفوذها، نموذجًا تسحقه بجمالها وحضورها، ولم يكن أمامها من هو خير من نادية التي تجتمع فيها كل المواصفات القياسية للمقموع! نادية من ناحيتها تعرف المسكوت عنه وتبادل كاميليا أعمق وأشد حالات الكراهية، وسترد لها الصاع صاعين وستنتهك سرها المصون وتتسبب لها في فضيحة مدوية! الجميل أن الروائية لا تتدخل، فتصحح وتصوب كما يفعل بعضهم، إنها تقف على مسافة واحدة من كل أبطالها، وتقص قصصهم كأن لا ناقة لها ولا جمل في كل هذا الصراع الدامي الذي يدور على مسرح روايتها. هل هناك صراع ودماء؟ وأي صراع يا صديقي، لقد غزت كاميليا ربيبة طنطا قاهرة المعز، وصارت نجمة من نجمات منتدياتها الثقافية، ثم كأي حدأة حطت على غصن رسام صعيدي.

لم يكن هناك أي خداع أو تدليس، كانت تعرف أن الرسام زوج ورب أسرة، وكانت تعرف أنه لن يعدها بشيء ومع ذلك أسقطت نفسها في حبه وفي فراشه! كاميليا أسست عش غرام، حتى إنها جاءت بـ"كِليم" ليغطي أرضية صالة عش غرامها مع الرسام. لماذا أدخلت نفسها وهي الشهية المشتهاة في علاقة معقدة لا ينتظرها سوى مستقبل قاتم؟ الروائية لن تجيب، فهي من البداية لا تتدخل في مصائر أبطالها ولا في أفعالهم، ولذا عليك أنت أن تسقط بيديك قناع كاميليا لترى سيدة مصابة بأسوأ أنواع النرجسية، وتلك يسمونها "النرجسية الخبيثة" أبدأ لن تعرف عن كاميليا شيئًا حقيقيًّا حتى لو عاشرتها سنوات، فهي حسب تعبير الأبنودي "وش الملايكة وقلب الوحوش" لها ألف قناع وقناع وكلما سقط قناع ظهر غيره، لقد ألقت بنفسها في بحيرة الرسام لكي تحظى بعلاقة زعمت هي أنها استثنائية! من ناحيتها كانت زوجة شقيقها تنبش خلفها حتى عرفت بسرها، فنبهت زوجة الرسام لتكتمل أركان الفضيحة.

جن جنون الأب، فها هي فتاته المدللة تعرف الرجال، وقد عاقبها عقابًا صارمًا تلقته هي ببلادة عجيبة، لقد جاء بـ"داية" للتأكد من عذريتها، عن أي عذرية سنتحدث؟

بعد الداية جاء دور طب "ترقيع البكارة" كانت كاميليا مستسلمة استسلام الذي خسر كل شيء وحاقت به هزيمة مذلة.

هنا كان يجب أن يظهر الرسام، لكن الروائية التي منحت للجميع فرصة الكلام والظهور وضنت بهاـ دون مبرر فني ـ على الرسام والابنة الثانية لشقيقها محمد ناصر عاطف.

كان من حق الرسام تحديدًا أن يدلي بشهادته خاصة ودوره محوري في الرواية، وكنا سنتعرف من خلاله على زاوية معتمة من زوايا السيدة كاميليا. الفضيحة –عبر تمتمات زوجة الشقيق– ملأت شوارع طنطا، وكان الحل جاهزًا فهناك “جمال سلطان” صديق وزميل الشقيق الذي تجرأ على طلب يد كاميليا.

لم تتألق نورا ناجي في رسم شخصية بطل من أبطالها كتألقها في رسم شخصية جمال سلطان، مدرس، متلعثم، غني، يقرض شقيقها لا كرمًا ولكن لأنه لا يستطيع رفض ما يُطلب منه. لا علاقة تربط بين عالم جمال وعالم كاميليا، سوى أن جمال يشعر بدونية ساحقة ويريد التخلص من دونيته بأن يتزوج البنت الأجمل والأبهى والأشهر، حتى لو كانت فضيحتها قد سارت بذكرها الركبان. من ناحيتها لم تستطع كاميليا رفضه، فزوّجته لطيفها أو لشبحها أما هي نفسها فقد صارت محرمة عليه، ظن جمال أنه بتوفيره للأشياء التي تحبها كاميليا سينال الرضا، ولكن هيهات، فالمسكين لا يعرف أن النرجسي إن قدمت له أصابعك راح يطالبك بكفك وإن قدمت له كفك طلب ذراعك، ثم لا يرضى أبدًا.

كاميليا نفسها تعترف بأنها لم تقدم لزوجها شيئًا أي شيء ولم تحاول أن تعرف عنه شيئًا أي شيء، إنها لم تسأله قط هل يفضل صدر الدجاجة أم وركها! غرق كاميليا في قصة الرسام جعلها تدون يومياتها، وذلك التدوين من أعذب فصول الرواية لأنه إبحار في نفسية البطلة، لقد كشفها التدوين وجهًا وظهرًا، وعرفنا منه أن شقيقها قد غار منها وظلمها عندما وصفها بنصف الموهوبة، الحق أن كاميليا كانت صاحبة موهبة أصيلة جدًّا ويكفيها ما كتبته عن "أبو قردان" ذلك الطائر الذي لا يهتم به أحد فيعيش سعيدًا خالي البال. لم ينقطع حنين كاميليا للرسام فكانت تغادر بيت زوجها من خلف ظهره وتهبط إلى القاهرة لعلها تلتقي حبيبها، وعندما قابلت حبيبها عادت لتكتب: أين الحب؟

ألف علامة استفهام وألف علامة تعجب لن تكون كافية لإظهار الدهشة من طبيعة نفسية كاميليا، تبحث عن حب هو لم يكن موجودًا بالأساس، إلا إذا كانت تتعامل مع لقاءات الفراش بوصفها الحب الحقيقي! أخيرًا تأكد جمال، من أن غض بصره عن سلوكيات زوجته لن يجعل أمرها يستقيم، فطالبها بالعودة إلى بيت أبيها، وعندما عادت لم يرحب بها الشقيق الذي صار سيد البيت بعد موت الأب، فغادرت المغادرة الأبدية، حتى إن ابنة شقيقها قد آمنت بأن عمتها قد تلاشت في المرآة البيضاوية! نفضت نورا ناجي يديها من تراب قصة كاميليا الكبرى، وكأني بها قد وقفت متحيرة، كيف ستنهي روايتها؟

كان أمامها أحد خيارين، الأول أن تمد الخيط إلى منتهاه، وكان ذلك الخيار الأمثل، خاصة وبين يديها النسخة الثانية من كاميليا الكبرى، أعني ابنة شقيقها كاميليا الصغرى.

الخيار الآخر: أن تنهي روايتها بأن تحقق كاميليا الصغرى ما عجزت الكبرى عن تحقيقه، لجأت نورا إلى الخيار الثاني، وظني أن لجوءها كان اضطراريًّا، لأنها خافت من مد الخيط إلى منتهاه لكيلا تصير صاحبة رواية سوداوية تكشف عورات القلوب وتفضح زيف المشاعر.

بكلمة أخيرة، ننتظر المزيد من نورا ناجي الكاتبة الجادة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع ذات مصر الأربعاء 16/12/2020