الخميس، 13 يوليو 2023

إذا رقصتِ فلا تندمي

 


ذهبت سيدة، طائعة مختارة، بل فرحة سعيدة مسرورة إلى حفل زفاف إحدى صديقاتها، إلى هنا، الأمر عادي تمامًا ولا غبار عليه، فجأة قررت السيدة طائعة مختارة، بل فرحة سعيدة مسرورة أن يستجيب جسدها لطبلة لعوب، يمكنها أن تجعل معالي وزير الغابة الفيل الرصين، تهتز أعطافه طربًا ونشوة.

رقصت السيدة كما شاءت، لم يجبرها أحد، ولم تحصل على أجر، لقد رقصت لوجه الرقص، كانت ترقص في حفل، والحفل أي حفل كما نعلم تتكدس على مقاعده مئات الموبايلات، والموبايلات كما نعلم بها كاميرات، وبعض الكاميرات، كما نعلم، ذات جودة عالية جدًا، تقترب من جودة كاميرات السينما والتلفزيون، ولأن الموبايلات، كما لا يخفى على أحد من الجمادات، التي لا تستطيع التصرف من تلقاء نفسها، فحبكة القصة دائمًا هي في صاحب الموبايل.

قلتُ إن السيدة رقصت طائعة مختارة، رقصت في مكان لا يمكن تسميته بالمكان الخاص المغلق، نعم قاعة الحفل ليست على المشاع مثل الشارع، ولكنها ليست خاصة مثل صالة بيتها أو غرفة طعامها أو استقبالها، ولن أقول غرفة نومها.

هذا حفل زفاف، يدعى إليه البار والفاجر والأقرع والمشعر، يدعى إليه الذي يغض البصر ويراعي المحارم، ويدعى إليه الذي يتلصص ويتجسس وقد يتحرش.

رقصت السيدة واستل أحدهم موبايله، وصوبه نحو جسد يتراقص ويتماوج، ظل المصور يصور، حتى انهت السيدة رقصتها.

ألم تعرف السيدة أنها الآن تحت قبضة كاميرا عالية الجودة؟

هل فوجئت بالمصور فتركته وضميره؟

السيدة كانت ترقص طائعة مختارة وخضعت لغواية التصوير طائعة مختارة.

هل أذنب المصور؟

نعم هو مذنب.

لأنه على أقل تقدير لا يرحب بتصوير واحدة من أهل بيته.

هل أذنب عندما رفع فيديو السيدة على اليوتيوب؟

نعم أذنب.

ولكن كما قال المثل الشعبي الحكيم:" إلهي يقطع اللي يجيب سيرة الناس، قال: إلهي يقطع اللي يخلي الناس تجيب في سيرته".

وهناك مثل يقول:" يا رب دخلنا بيت الظالمين وطلعنا سالمين.. قال له: ما أنت واقف بره!".

ويرحم الله الشيخ الإمام ابن القيم الذي قال: «ولا يزال العبدُ يعاني الطَّاعة، ويألفها ويحبُّها ويؤثرها، حتَّى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تؤزُّه إليها أزًّا، وتحرِّضه عليها، وتزعجه من فراشه ومجلسه إليها، ولا يزال يألف المعاصي، ويحبُّها ويؤثِرها، حتَّى يرسل الله عليه الشَّياطين فتؤزُّه إليها أزًّا".

بعد شيوع الفيديو، وما كان له إلا أن يشيع، بكت السيدة وعضت أصابعها من الندم وقالت من بين دموعها:" سيطلقني زوجي!"

تعاطف معها من تعاطف وطالبوا رافع الفيديو بحذفه، ولكن لا حياة لمن تنادي، فالفيديو منتشر ومتوغل ولم يحذفه أحد وظني أنه لن يحذف.

ثم دخلت على الخط إحدى كبريات المتعاطفات فقالت: إنها ستسجن رافع الفيديو؟

كيف هذا بربك؟

إذا كنت لا تعرفين مصور الفيديو ورافعه فكيف ستسجنين أحدًا حتى لو كان هذا الأحد نملة تسعى خلف حبة قمح أو سكر؟

السيدة الراقصة ظهرت فجأة ونفت أنها سيدة ونفت أنها متزوجة وقالت: أنا آنسة وطالبة في الجامعة!

هذه الواقعة المكررة حد الملل لا علاج لها إلا لدى المجتمع.

كيف يرى المجتمع الرقص؟

هذا هو السؤال المركزي، عندما يجيب عليه المجتمع إجابة تلقائية هو مقتنع بها وليست مفروضة عليه، ساعتها سنحلل كل تلك المشكلات.

قبل أن يجيب المجتمع فسيستجيب جسد سيدة ما لطبلة ما ثم سيصورها أحدهم ثم ستبكي السيدة ندمًا، ثم سيذهب كل هذا إلى جب النسيان إلى أن نصحو على واقعة جديدة قد يكون فيها خراب بيوت كانت عامرة قبل أن تستجيب السيدة لطبلة لعوب.

القصة قديمة وقد تعرض لها الراحل الكريم الدكتور عبد الوهاب المسيري في مقال نشره بالأهرام قبل قرابة عشرين سنة، وكان المقال عن الفيديو كليب وأغنية من أغنيات روبي

قال المسيري في مقاله:" الرقص البلدي يهدف للإثارة الجنسية بشكل واضح وصريح، ولكننا كنا لا نراه إلا في الأفلام وفى الأفراح والليالي الملاح، فهو جزء من عالم "العوالم"، أي أننا كنا نعرفه بوصفه جزءًا من عالم مستقل عن عالمنا، قد نتمتع به وقد نرفضه، ولكن في كلتا الحالتين هو ليس جزءًا من عالمنا (حاولت سعاد حسنى في "خللي بالك من زوزو" أن توسع من الإمكانيات التعبيرية للرقص البلدي، إذ قدمت مرثية عالم أمها الراقصة التقليدية من خلال رقصة حزينة في حين كان شفيق جلال يغنى أغنية "لا تبكى يا عين على اللي فات ولا اللي قلبه حجر"). وفى تصوري أن هذه كانت المحاولة الأولى والأخيرة لفصل الرقص البلدي عن الإثارة الجنسية. وما تفعله الفيديو كليبات هو عكس ذلك تماما، وتحاول إنجازه من خلال عشرات الراقصات (الروسيات والمصريات والهنديات...إلخ) المتحركات! ولكن الأهم من كل هذا هو ما أسميه عملية تطبيع الرقص والإثارة؛ فالرقص يقدم في الفيديو كليب على أنه جزء من صميم حياتنا العادية اليومية".

ويضيف المسيري:" ولكن نلاحظ أن الرقص البلدي هنا ليس رقص المحترفات وإنما يشبه الرقص الذي ترقصه بنات الناس الطيبين في الاجتماعات العائلية، وبذا يتم هدم الحواجز بين حياتنا اليومية والرقص البلدي، ويتم تطبيعه تماما".

وبعدُ فمن الواضح ان المجتمع لم يطبع علاقاته بالرقص البلدي حتى الساعة حتى لو قامت به بنات الناس الطيبين في الاجتماعات العائلية!

وعلى ذلك فالرقص مسئولية كل راقصة، فليس للراقصة أن ترقص ليلًا ثم تندم نهارًا.


الأربعاء، 28 يونيو 2023

السيدة هاجر المصرية.. صانعة بهجة العيد

 


يأتي عيد الأضحى المبارك فنتذكر الرسولين الكريمين، سيدنا إبراهيم الخليل وولده سيدنا إسماعيل الذبيح، عليهما وعلى ابنهما رسولنا الكريم الصلاة والسلام، لكن معظمنا يغفل عن دور السيدة المصرية الكريمة أم العرب السيدة هاجر، فقصتها مع سيدنا إبراهيم الخليل ومع ولدها سيدنا إسماعيل هي التي خلدها مولانا عز وجل وجعلها عيدًا للمؤمنين به وحده لا شريك له.

تروى لنا كتب التاريخ بدايات قصة الفتاة المصرية هاجر مع خليل الرحمن فتقول: إن الخليل عليه السلام كان متزوجًا من ابنة عمه السيدة سارة وكان يقيم معها في أرض فلسطين، ثم زارا مصر التي كان يحكمها في ذلك الوقت حاكم باطش، صعق عندما رأى جمال السيدة سارة، فأراد الوصول فمد يده نحوها فصدته السيدة العفيفة وهي تدعو ربها قائلة: "اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبنبيك، واحصنت فرجي إلا على زوجي، فاكفني هذا الفاجر".

يكمل المؤرخون القصة فيقولون: بعد أن دعت الله تعالى بهذا الدعاء تجمدت يد الحاكم، ولم يعد يستطيع الحراك، فأصابه خوف وذعر شديدان، وقال لها "ماذا فعلت بي، اطلقيني ولن أمسك بسوء".

ثم أمر جنوده بحاميتها إلى أن تعود إلى بيتها محملة بالهدايا، وكان على رأس هداياه الفتاة هاجر.

أصبحت هاجر جارية لدى السيدة سارة التي لم تكن تنجب، وكان زوجها خليل الرحمن يتوق إلى ولد، ففكرت السيدة سارة في أن تهب جاريتها لزوجها فلعلها تحقق له أمله في الإنجاب.

تزوج الخليل من هاجر لتصبح سيدة بيته، وحملت بإسماعيل وولدته فقرت به عين ابيه الخليل، ثم أمر مولانا عز وجل رسوله الخليل بأن يهاجر إلى مكة مع السيدة هاجر وولده سيدنا إسماعيل.

ما أقسى هذا الاختبار وما أصعب هذا الابتلاء، كيف كانت مكة في ذاك الزمان البعيد؟

كانت مكة المكرمة كما وصفها سيدنا إبراهيم عندما دعا ربه قائلًا: "رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ ۗ وَمَا يخفى عَلَى اللَّهِ مِن شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ".

عندما قرر الخليل العودة إلى فلسطين صاحت السيدة هاجر: كيف تتركنا في هذا الوادي وحدنا؟ الله امرك بهذا؟

فرد عليها الخليل: نعم

فقالت: إذا لا يضيعنا.

إذا وصفنا السيدة هاجر بسيدة الرضا والتسليم والاطمئنان فلن نقع في فخاخ المبالغة، لأنها حقًا وصدقًا كانت كذلك، والأمر عندها كان أمر إيمان برب آمنت به، وبزوج علمت أنه مرسل من قبل الله فقبلت بكل ما يقول وما يفعل.

إنها بتعبيرنا المعاصر سيدة بيت وربة أسرة تعرف كيف تؤسس أسرة وتقيم حضارة منها ومن طفلها ولا ثالث إلى إيمانها بأن الرحمن الرحيم لن يضيع تلك الأسرة التي امتثلت لأمره.

هل كانت تعلم المصرية ربيبة القصر الحاكم المقام على ضفاف نهر خالد دافق، إنها مرشحة لدور إنساني سيخلدها في ضمير البشرية حتى قيام الساعة؟

نحن الآن أمام سيدة كانت منعمة تعيش في قصر ملكي، ثم فجأة أصبحت تعيش مع طفلها في واد غريب عنها وليس به من مقومات الحياة شيء، فلا ماء ولا زرع ولا شيء سوى الرمال والصخور والجبال ثم الرمال والصخور والجبال.

ولكي تكتمل الدائرة فقد نفد طعامها وشرابها.

ماذا ستفعل سيدة شابة كانت مرفهة تعيش في قصر ملكي لا تشغل نفسها بمأكل ولا مشرب؟

لقد حانت ساعة الحقيقة فهل ستثبت لاختبار جديد، أم تخسر كل شيء؟

تعالوا نتخيلها وهي عليها السلام تضم طفلها لصدرها وتناجي ربها أن يعجل بتفريج كربها وكرب وليدها.

ولأنها عليها السلام زوج نبي مرسل فهي تدرك قيمة العمل ومعنى السعي، ووجوب بذل الجهد ثم سترسل السماء غيثها، المهم أن نعمل أولًا ولا نقع في بئر اليأس والقنوط والسخط، الله لن يضيع أجر العاملين وهو أرحم من أن يترك امرأة وحيدة في كل هذه الصحراء بدون طعام ولا ماء.

بدأت السيدة الجليلة رحلة البحث عن الماء أو عن أحد يدلها على الماء فراحت تصعد جبل الصفا مرة وجبل المروة مرة ثانية، السعي الآن وبعد كل ما تقدمه بلاد الرحمين الشريفين من خدمات يعد عملًا شاقًا، فكيف كان الأمر قبل آلاف السنين؟

تواصل سعيها بين الجبلين العظيمين سبع مرات، ليخلد رب العالمين سعيها ويصبح شعيرة من شعائر الحج، وسيظل سعيها خالدًا إلى قيام الساعة، فأي مكافأة هذه؟

نعود إلى المؤرخين فنجدهم يقولون: عندما بلغ التعب منها كل مبلغ، أرسل الله رسوله جبريل فضرب بعقبه الارض ففجر منه نبعا، وعادت الأم لتجد عند ولدها نبعا من الماء، بقدرة من الله تعالى كرامة لها ولطفلها، فجعلت تزم التراب حوله كي يتجمع، ولذلك سمي زمزم.

روى الإمام أحمد أن رسولنا الكريم قد قال: "رحم الله هاجر أم اسماعيل لو تركتها لكانت ماء معينا".

أخيرًا جاء الماء، ومتى وجد الماء وجدت الحياة، لأن القانون الإلهي جعل من الماء كل شيء حي.

في تاريخ الإمام الطبري ما ملخصه: أن قبيلة جرهم كانت تعيش بواد قريب من مكة، قال ولزمت الطير الوادي حين رأت الماء فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي قالوا ما لزمته إلا وفيه ماء، فجاءوا إلى هاجر فقالوا لو شئت كنا معك وآنسناك والماء ماؤك، قالت نعم فكانوا معها حتى شب إسماعيل.

مكة المكرمة أصبحت عامرة، بها ماء وبها ناس، وبها سيدة زمزم وولدها الذي أصبح فتًا يشار إليه بالبنان.

كل تضحيات السيدة هاجر كانت من أجل ولدها إسماعيل، وكل ما كان يتوق إليه الخليل هو أن ينعم الله عليه بولد، فكان إسماعيل، ولكن الاختبار ما يزال قائمًا.

هؤلاء القوم يريد الله أن يطهرهم تطهيرًا ليكون الواحد منهم أمة بأكملها، يصهر معادنهم الشريفة فتصبح أنقى وأطهر لا يلحقها من غبار البشرية شيء، ذلك الاصطفاء لا يتم إلا بتجربة مؤلمة.

وقد جاء زمن التجربة فتعالوا نقرأ من الكلم الطيب ما ملخصه: بدأ العمران يبسط أجنحته على المكان. كانت هذه هي المحنة الاولى.. أما المحنة الثانية فهي الذبح.

كبر إسماعيل.. وتعلق به قلب إبراهيم.. وابتلى الله تعالى إبراهيم بلاء عظيما بسبب هذا الحب. فقد رأى إبراهيم عليه السلام في المنام أنه يذبح ابنه الوحيد إسماعيل. وإبراهيم يعلم أن رؤيا الأنبياء وحي. انظر كيف يختبر الله عباده. تأمل أي نوع من أنواع الاختبار. نحن أمام نبي قلبه أرحم قلب في الأرض. اتسع قلبه لحب الله وحب من خلق. جاءه ابن على كبر.. وقد طعن هو في السن ولا أمل هناك في أن ينجب. ثم ها هو ذا يستسلم للنوم فيرى في المنام أنه يذبح ابنه وبكره ووحيده الذي ليس له غيره. أي نوع من الصراع نشب في نفسه. يخطئ من يظن أن صراعا لم ينشأ قط. لا يكون بلاء مبينا هذا الموقف الذي يخلو من الصراع. نشب الصراع في نفس إبراهيم.. صراع أثارته عاطفة الأبوة الحانية. لكن إبراهيم لم يسأل عن السبب وراء ذبح ابنه. فليس إبراهيم من يسأل ربه عن أوامره. فكر إبراهيم في ولده.. ماذا يقول عنه إذا أرقده على الأرض ليذبحه.. الأفضل أن يقول لولده ليكون ذلك أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قهرا ويذبحه قهرا. هذا أفضل.. انتهى الأمر وذهب إلى ولده "قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى"، انظر إلى تلطفه في إبلاغ ولده، وترك الأمر لينظر فيه الابن بالطاعة.. إن الأمر مقضي في نظر إبراهيم لأنه وحي من ربه.. فماذا يرى الابن الكريم في ذلك؟ أجاب إسماعيل: هذا أمر يا أبي فبادر بتنفيذه (يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) تأمل رد الابن.. إنسان يعرف أنه سيذبح فيمتثل للأمر الإلهي ويقدم المشيئة ويطمئن والده أنه سيجده من الصابرين هو الصبر على أي حال وعلى كل حال.. وربما استعذب الابن أن يموت ذبحا بأمر من الله.. ها هو ذا إبراهيم يكتشف أن ابنه ينافسه في حب الله. لا نعرف أي مشاعر جاشت في نفس إبراهيم بعد استسلام ابنه الصابر. ينقلنا الحق نقلة خاطفة فإذا إسماعيل راقد على الأرض، وجهه في الأرض رحمة به كيلا يرى نفسه وهو يذبح. وإذا إبراهيم يرفع يده بالسكين.. وإذا أمر الله مطاع. (فَلَمَّا أَسْلَمَا) استخدم القرآن هذا التعبير. هذا هو الإسلام الحقيقي.. تعطي كل شيء، فلا يتبقى منك شيء. عندئذ فقط.. وفي اللحظة التي كان السكين فيها يتهيأ لإمضاء أمره.. نادى الله إبراهيم.. انتهى اختباره، وفدى الله إسماعيل بذبح عظيم.

هنا نتوقف قليلًا للنقل عن فضيلة الشيخ الأستاذ علي جمعة المفتي السابق للديار المصرية، يقول فضيلته: "إنه يرجح أن زواج سيدنا إبراهيم - عليه السلام- من السيدة هاجر كان في مصر أكثر من رواية كونه بعد الرحيل؛ لأنه لا يوجد مساحة زمنية بين الإهداء والحمل؛ فالمتتبع للأحداث يجد أن أمر الزواج تم بسرعة فائقة.

وفي القرآن يقول- تعالى-: «وبشرناه بغلام حليم»، والتوراة تقول إن الذبيح هو إسحاق: " أذبح لك وحيدي إسحاق"، وإسحاق لم يكن وحيدًا فكان له أخ أكبر منه هو إسماعيل، فالسياق يقول أن هناك: " وحيدي، وإسحاق"؛ فوحيدي فيها إشكال، لافتًا إلى أن الذبيح الأول: سيدنا إسماعيل، والذبيح الثاني: سيدنا عبد الله - أبو النبي صلى الله عليه وسلم- بشكل عام، ورواية " أنا ابن الذبيحين ضعيفة".

وأنه بتتبع واستقراء ما يزيد على نحو 40 آية نجد أن الذبيح هو سيدنا اسماعيل- عليه السلام- ابن السيدة هاجر، مع رواية عجيبة مرفوضة، مضمونها: "أن سيدنا إسماعيل كبر مع سيدنا إسحاق، وضرب إسماعيل اسحاق ذات مرة؛ فحزنت السيدة هاجر، وكأنه بيت عادى، ومن ثم حدثت الهجرة "؛ فهذا مرفوض تمامًا، والذي حدث أن الله أوحي إلى سيدنا إبراهيم أن يأخذ السيدة هاجر وسيدنا إسماعيل لتعمير البيت الحرام والسيدة سارة بقيت مع ابنها اسماعيل لتعمير بيت المقدس.

وأشار الدكتور على جمعة إلى أن النسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم- كان من السيدة هاجر أم سيدنا اسماعيل، أبو العرب وجد النبي - صلى الله عليه وسلم-، والصهر مع مارية القبطية عندما أسلمت وتزوجت النبي - عليه الصلاة والسلام- واصبحت أم ولد، ولحقت بأمهات المسلمين.

والسيدة هاجر - رضى الله عنها- أم العرب، بنت الملوك، أخذت أسيرة من بيت أبيها بمصر في أحد حروب أقاليم مصر قبل توحيد القطرين، وكانت هبة عظيمة من الملك لسيدنا .

أحسنت التوكل على الله عندما تركها سيدنا إبراهيم- عليه السلام- مع ابنها في الصحراء بلا زاد ولا ماء؛ فسعت وبحثت وفجر الله لها ينبوعًا من ماء هو خالد إلى يوم القيامة، وأصبح سعيها ركن من أركان الحج في الإسلام؛ فهذه هاجر أم العرب مثلًا وقدوة وفخرًا".

الفداء العظيم الذي وقع للخليل وابنه سيكون سنة خالدة، ومكافأة إلهية لأسرة صابرة محتسبة تقوم لأمر الله ولا تسخط لأقدار صعبة مؤلمة، من تلك اللحظة الحاسمة بدأت بهجة العيد فهل ترى كيف يصنع الله آياته ويحكمها، لحظة ذبح أكيد تصبح بهجة عيد قادم سيتواصل إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

ثم تحصل السيدة هاجر على مكافآت إضافية عندما يشارك ابنها أباه في بناء بيت الله.

جاء في تاريخ الطبري عن ابن عباس قال: جاء يعنى ابراهيم فوجد اسماعيل يصلح نبلا له من وراء زمزم فقال ابراهيم يا إسماعيل إن ربك قد أمرني أن أبنى له بيتا فقال له اسماعيل فأطع ربك فيما امرك فقال ابراهيم قد أمرك أن تعينني عليه قال إذا أفعل قال فقام معه فجعل إبراهيم يبنيه وإسماعيل يناوله الحجارة ويقولان (ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم)، فلما ارتفع البنيان وضعف الشيخ عن رفع الحجارة قام على حجر وهو مقام إبراهيم فجعل يناوله ويقولان تقبل منا إنك أنت السميع العليم فلما فرغ إبراهيم من بناء البيت الذى أمره الله عز وجل ببنائه أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج فقال له (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق) فقال إبراهيم يا رب وما يبلغ صوتي قال أذن وعلى البلاغ فنادى إبراهيم يا أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق قال فسمعه ما بين السماء والارض أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الارض يلبون.

ثم صعدت روح أم العرب وجدتهم الكبرى إلى بارئها فقام ابنها سيدنا إسماعيل بدفنها بجوار البيت الحرام.

وبعدُ فيجب علينا مع كل عيد أن نتذكر السيدة هاجر عليها السلام ولها الرضوان، فهي فخر بنات جنسها وسيدة من سيدات العالمين، ويكفيها شرفًا وتكريمًا أن مولانا الرحمن الرحيم الوهاب قد تكرم عليها فجعل من أفعال يومها شعائر مقدسة نحرص عليها بل نسعى خلف تحقيقها باذلين كل غال ونفيس.

مع كل عيد تذكر أن أميرة مصرية مرت من هنا، عليها السلام.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة صوت الأمة 5 يوليو 2022م.

 


السبت، 24 يونيو 2023

نم يا حبيبي..



اعلم رحمك الله أن جلطة قد ضربت شرياني ليلة السبت على الأحد العاشر من رمضان 1444 هجرية، الأول من أبريل 2023 ميلادية.

أنا في القاهرة وأنت في أسيوط، أنا مجلوط وأنت تصارع سرطان متوحش لا يرحم.

في طريقي إلى مستشفى العجوزة، تمنيت سماع صوتك، كنت ستسعل ثم تضحك ثم تشتم الولد طري العود الذي لا يبحث إلا عن التدليل.

أعرف أني الولد الذي تعنيه، ولكنك لم تعرف أنني تحملت منفردًا خبر إصابتك بالمتوحش القاتل.

غادرت غرفة العمليات فجر الأحد، قال الطبيب بحسم: لا تدخين، لا عصبية، لا حزن.

سألت الطبيب: هل تعرف الحاج مندي؟

رد: لا.

قلت: هو شقيقي الذي علمني كيف أشم رائحة الأرض الشراقى بعد أن يهطل عليها المطر، وعلمني كيف أنظر للقمر، وكيف أقدّر بهجة وشقاوة صوت إيناس جوهر وهي تصيح مبتهجة: تسااااااللللللى.

ثم علمني القراءة والكتابة، هو الآن في صراع مع متوحش قاتل.

قال الطبيب: قصتك ثقيلة، ولكن، الحزن والقلق أصبحا من أعداء قلبك، اترك الأمر كله لله، لأن الأمور كلها بيد الله، عندما تعود إلى بيتك، عليك بالراحة التامة، ستعود إلينا بعد شهر من الآن، فأنت بحاجة لمزيد من الدعامات.

عدت إلى بيتي يوم الثلاثاء: جاءني صوتك من أعماق ذاكرتي: ثُلث التسعة ثلاثة.

كنا تسعة أشقاء، مات ستة وبقيت أنا وأنت والحاجة سامية.

تسعل ثم تضحك وتضيف: لا أخاف موتي ولكني أخاف وقع موتي عليك.

صباح الخميس الخامس عشر من رمضان العاشر من أبريل جاءني صوت ابنك باكيًا: أخوك في ذمة الله.

لماذا لم يقل ابنك: أبي في ذمة الله؟

هل أراد تذكيري بأن سبعة من التسعة قد ذهبوا؟

كيف سيواجه اثنان، كل هذا الوجع.

قال الطبيب: لا حزن ولا سفر.

عدت إلى أسيوط لأرى وجهك للمرة الأخيرة، الحمد لله رأيتك هادئًا مطمئنًا.

لم أذكر لك شيئًا عن الشرايين التي خربتها الحسرات والهزائم والسجائر.

همست بالقرب من أذنك: متى سيكون اللقاء؟

هذا نهار رمضان وأنت لا ترتل القرآن، هذا مغرب رمضان وأنت لا تجمعنا على الإفطار، هذا قيام رمضان وأنت لا تؤم المصلين، هذا مسجدك ولكنك غائب، هذا منبرك ولكنك صامت.

أين أنت يا رجل؟

يا رجل أنا صغيرك وقد دمرت الأحزان شراييني لماذا لم ترفق بي؟

طعنني المعزون وهم يقولون لي: أنت الآن كبير العائلة.

أي عائلة وأي كبير، لقد ذهبت العائلة وذهب الكبار، وما أنا إلا وحيد يتيم معطوب القلب.

كنت أصرخ في وجوه أولادك وأولاد أخوك لكي يكفوا عن البكاء، فإن سكتوا قلت لهم: هيا ابكوا أخي، إنه أخي أنا، إنه أخي الأخير، المصيبة مصيبتي أنا، ابكوا معي مصيبتي.

مضت أيام العزاء، نظرت إلى بيتك فرأيته أكبر مما هو عليه، هل أصبح كبيرًا أم صار فارغًا؟

يوم السابع عشر من مايو عدت لغرفة العمليات مجددًا.

رأى الطبيب شيئًا فسألني من بين أسنانه: هل عدت للتدخين.

ـ لا.

ـ هل تركت العلاج؟

ـ لا.

يا أخي حالتك أسوأ من المرة الأولى، أنت فعلت شيئًا ما، وهذا الشيء ضار مضر.

هل سأحكي لكل طبيب قصتي معك؟

هذا لا يليق، هذا سيبتذل كل الوجع فيصبح تافهًا.

هل تعرف أنني من يوم رحيلك لم أكتب شيئًا، كأني نسيت الكتابة، أصبحت أشقى من أجل كتابة مقال أسبوعي، لا يقول شيئًا لا عني ولا عنك.

الأيام ثقيلة والليالي طوال وصوتك غائب.

جاءت لك حفيدة، نظرت لصورتها وبكيت، هي لن تعرف عنك شيئًا، ستحمل اسمك وترى صورك، أما أنت فلن تعرفها، لن تغني لها كما غنيت لشقيقاتها، لن ترتل في أذنها سورة الملك، هذه الحفيدة لن تعرف فداحة خسارتها.

سأتركك الآن تواصل نوم الهادئ المطمئن.

نم يا حبيبي حتى نلتقي.



الخميس، 26 يناير 2023

بيرم التونسي.. لم يكسره عدو ولم يحمه حبيب (1ـ 3)



لو كانت قيمة الكتب بأحجامها لكان دليل الهيئة العامة للتليفونات هو أعظمها، ولكن الحمد لله الذي جعل قيمة الكتب بفائدتها ومتعتها.

أقول هذا وبين يدي كتاب، من مئة وأربع وأربعين صفحة من القطع الصغير، لكنه من تلك الكتب التي تؤرخ بها لنفسك فتقول: كنت قبل قراءته أعتقد شيئًا ثم صرت بعد قراءته أعتقد شيئًا مختلفًا.

 الكتاب هو "المذكرات" لمؤلفه الشاعر الفذ الأستاذ بيرم التونسي، رحمه الله.

تقرأ هذا الكتاب فتجد نفسك في حالة استغفار من ذنوب الكسل والإهمال والخضوع والخنوع والقنوط واليأس.

 تجد قلبك يضخ دماءً صافية لم تلوثها الحسرة على ما فات، دماءً زكية تفوح بروائح الأمل والمقاومة.

بيرم التونسي، هو ذلك الرجل الذي لم يكسره عدو، ولكن لم يحمه حبيب. 

لا أعرف شاعرًا تحالفت عليه النكبات، كما فعلت مع بيرم.

 الرجل الذي عاش ثمانية وستين سنة، لم يعرف في عمره حالة الاستقرار والهدوء أكثر من عشر سنوات، أما ما بقي من عمره فقد ضاع بين المنافي والمطاردات والجوع القاسي الفتاك.

قطاع الثقافة بدار أخبار اليوم المصرية الذي أصدر الكتاب، أحسن عندما جعله على قسمين، القسم الأول: يضم حكايات المنافي التي قصمت ظهر عمر بيرم، وقد كتبها الشاعر على هيئة مقالات ونشرها في الصحف التونسية التي كان يصدرها قبل سبعين عامًا. أما الجزء الثاني: فهو يضم مذكرات بيرم التي كتبها قبل مغادرته للدنيا بأيام قلائل.


بيرم الذي هو شهير وواضح مثل شمس الظهيرة، هو أيضًا خفي وغامض كأنه لغز. فكلنا يعرف بيرم، بمعنى أننا نسمع باسمه ونحفظ بعض أشعاره ونعلم بعضًا من حياته، لكن هل هذا يكفي مع شاعر بقامته؟

لقد رأيت وأنا أعد هذا المقال خلطًا سخيفًا وتلاعبًا فاجرًا بحياة الشاعر، بل بأشعاره، وكأنه لم يُنفق عمره دفاعًا عن هذا الوطن وعن ناسه الفقراء البسطاء، فهل هذا جزاء المحب المقاوم؟

ماذا تقول مذكرات بيرم؟



الجد المغامر

تونسي لا نعرف عنه إلا أن اسمه مصطفى، غادر تونس لحج البيت، وفي طريق عودته إلى بلاده مر بالإسكندرية المصرية، فطاب له المقام بها، فأقام وتزوج، بل وأسس مصنعًا لنسج الحرير بأنوال بدائية في حي الميدان بالإسكندرية، وولدت له زوجته ابنين، محمد ومحمود.

هذا ما كتبه بيرم عن جده مصطفى، فهل كان جده مغامرًا أم كان هاربًا؟ 

أنا أقول الآن: إنه إن لم يكن قد هرب من تونس، فقد ضاق بها.

وقد قرأت خارج المذكرات عن ذلك ما نصه: "أن السلطان التركي كان قد أهدى إلى جدّ والد بيرم جارية فولدت له ولدًا إلا أن الرجل مات قبل أن يثبت نسب هذا الطفل له، ولما كبر الطفل (الذي هو مصطفى جد بيرم المباشر) رفضت أسرة أبيه الاعتراف به ومنعته من إرثه فهاجر إلى مصر وتزوج وأنجب ثلاثة أولاد، كان من بينهم والد بيرم".

هل كان الجد مصطفى يعرف شيئًا، عن صناعة الحرير؟

 لم يكن يعرف شيئًا، هو أسس المصنع وتركه للورثة.

نال الشقيقان محمد ومحمود نصيبهما الشرعي من المصنع، ثم قست الأيام على محمود فباع نصيبه لأخيه محمد الذي هو والد بيرم، ثم عندما مات الأب ورثه بيرم، ولكن أولاد عمه محمود أجبروه بطريقة ما على أن يترك لهم نصيبه، وهكذا خرج بيرم صفر اليدين من تركة كانت مبشرة باستقرار مادي لم يعرفه الشاعر على مدار سنوات عمره.

محمد مصطفى والد بيرم كان متزوجًا من اثنتين، الأولى تقيم في حي الأزاريطة، والثانية وهي أم بيرم كانت تقيم في حي الأنفوشي، ولد بيرم بحي الأنفوشي، لكن والده كان يقيم ساعة تلقيه الخبر في حي الأزاريطة فسجل ابنه في الأزاريطة، وهذا سبب شيوع معلومة أن بيرم من الأزاريطة.


الأب الفنان

ولد بيرم في حي الأنفوشي بالإسكندرية في الثالث والعشرين من مارس من العام 1893 فعاش طفولة فنية، يرجع الفضل فيها إلى والده، فقد كان فنانًا بالفطرة. كان محمد مصطفى يستأجر شعراء الربابة الذين يُنشدونه، قصص السيرة الهلالية وغيرها من السير الشعبية، كل هذا والأب يقوم بعمله ويسمع بأذنيه، بينما بيرم يسمع بكل كيانه وليس بأذنيه فقط، من تلك الساعات عرف بيرم الفن.

التعليم في زمن طفولة بيرم لم يكن متاحًا إلا في الكُتّاب، وتعليم الكتاتيب لم يكن أكثر من معرفة مبادئ القراءة والكتابة وحفظ بعض سور القرآن الكريم، ثم النابغ يلتحق بالأزهر الشريف أو المدارس العامة إن استطاع إليها سبيلًا، (أكتب هذا وأنا أنظر في عيون عبيد الاحتلال الذين يتباكون على عظمة أيام الاحتلال!).

عندما وصل بيرم إلى الثانية عشرة من عمره مات أبوه، فلم يواصل التعليم في الكتّاب ولم يذهب لأي مدرسة كانت.

بعد موت الأب تزوجت أم بيرم، لكنها ماتت بعد زواجها بفترة قصيرة وهي في ريعان شبابها. كان بيرم أيامها ابن سبع عشرة سنة، فعرف مذاق اليتم الكامل.

لجأ بيرم للعيش في بيت أخته لأبيه وكانت تكبره بسنوات كثيرة، لكنها لم تكن تحبه، فقد كانت تُحصي عليه حركاته وسكناته وكانت تضيق بأي خدمة تؤديها إليه. وفي تلك السنوات خسر بيرم نصيبه من مصنع أبيه، فتأمل أي حياة عاشها شاعرنا؟




فنون البقالة

في سنوات ضياعه لم يكف بيرم عن القراءة، لقد صادق طلابًا من الأزهر، فراح يستعير كتبهم ويطالعها حرفًا حرفًا، ثم بدأ رحلة شراء الكتب حتى وقع بين يديه كتاب عن عروض الشعر، فجن به، لأنه الكتاب الذي سيغير مجرى حياته. لقد عرف بيرم بحور الشعر وأوزانه فتدفق شعره حتى خاف منه أمير الشعراء أحمد بك شوقي على الفصحى، والأمير في هذه ظالم لبيرم، فبيرم ابن شرعي للفصحى وإن كتب بلهجة مصر.

أسس بيرم محلًا للبقالة، وتزوج من ابنة عطار يجاوره، وكان العطار رحيمًا به ويتولى ضبط أموره المادية.

من خارج المذكرات أنقل: "ماتت زوجة بيرم وقد تركت له ولدين (محمد ونعيمة) فلم يستطع أن يعتني بهما فتزوج بعد وفاة زوجته بـ 17 يومًا".

كان بيرم يبيع لزبائنه بعين ويقرأ بالثانية، فكبرت ثقافته ولكن بقالته كسدت، فقد قام أحدهم بافتتاح مقهى أمام بقالة بيرم، وكان رواد المقهى يغازلون النساء اللاتي يترددن على بقالة شاعرنا، فكفت النساء عن الحضور، فبارت سلع بيرم.

من البقالة ذهب بيرم لمهنة لا يعرف عنها شيئًا، لقد حاول أن يكون صيادًا، فشارك صيادًا محترفًا في قارب، وخرج معه للصيد، وكانت ليلة خروجه مظلمة بحرها هائج، تكاد أمواجه تحطم القارب، وبيرم لا يعرف السباحة، فترك المهنة من أول ليلة.

في تلك السنوات كان سم الاحتلال قد تمكن من جسد الوطن، فكانت الضرائب القاسية تجلد ظهر الشعب، وكان محصلو الضرائب يستعينون بالمجلس البلدي الذي كان كل موظفيه من الأجانب في فرض الضرائب على أي بناء، بل على أي نشاط يقوم به مواطن مصري.

وقد طالب المجلس بيرم بضرائب مبالغ فيها، بل حجز على بيته، وهنا تدفقت شاعرية بيرم بقصيدته الشهيرة "المجلس البلدي" والتي يقول فيها:

قد أوقع القلبَ في الأشجانِ والكمدِ

هوى حبيبٍ يُسمّى المجلس البلدي

ما شرّد النومَ عن جفني سوى

طيف الخيال، خيال المجلس البلدي

كأنّ أمي أبلّ الله تربتها

أوصت فقالت: أخوك المجلس البلدي

يا بائع الفجل بالمليم واحدةً

كم للعيال؟ وكم للمجلس البلدي؟

وبمناسبة هذه القصيدة، ليس صحيحا القول إنها أول شعر قاله بيرم، فقد كان قبلها يراسل الصحف بقصائده، فتنشرها تحت أسماء مستعارة، لكيلا تقدم للشاعر أي مقابل مادي عن قصائده. 

لكن مع هذه القصيدة على وجه التحديد (المجلس البلدي)، خافت الصحيفة من تحمل مسئولية نشرها منفردة، فنسبتها لصاحبها، فذاعت بين الناس، حتى أن بيرم نشرها في كتيب باع في أسابيع مئة ألف نسخة، وكانت النسخة الواحدة تباع بخمسة ملاليم.

وما أن هدأت أحوال الشاعر المالية حتى جاءت ثورة 1919، ليبدأ بيرم دورة جديدة من حياته العجيبة، وهذا ما سنعرفه في الاسبوع المقبل بإذن الله.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات 8 يوليو 2019

الخميس، 19 يناير 2023

محمود حسن إسماعيل.. الشاعر المحاصر (3-3)



سقط شاعرنا محمود حسن إسماعيل في زوايا النسيان منذ أن مات في العام 197، إلى أن عاد بقوة إلى الحياة بعد أن كتب أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي قصيدتين عنه. الاثنان من حيث العمر كانا بمثابة ولدين للوالد الكريم إسماعيل.

فقد وُلد أمل دنقل في العام 1940 يعني تفصله ثلاثون سنة كاملة عن ميلاد إسماعيل، أما الأبنودي قد ولد في العام 1938، أي أن بينه وبين إسماعيل المولود في العام 1910 ثماني وعشرين سنة.

فمتى بدأت معرفة الاثنين بوالدهما الكريم؟

تحكي الأستاذة عبلة الرويني عن زوجها الراحل أمل دنقل في كتابها العلامة "الجنوبي" إن "أمل" عشق إسماعيل منذ عرف القراءة والكتابة، وكان يجمع صوره التي تنشرها الجرائد ويحتفظ بها، وعندما جاء إلى القاهرة من الصعيد كان أول شيء حرص عليه، هو زيارة منطقة الجزيرة لمشاهدة الأرض والنخيل الذي كتب عنه إسماعيل في قصائده. 

كان أمل يجاهر بمحبته لإسماعيل في وجه زمن كان شعر أدونيس هو المسيطر عليه، أمل المتمرد صاحب القافية الحادة والموسيقى العربية الواضحة كان مشغولًا ببناء أسطورته هو القائمة على مصارحة قارئه بمكونات الشاعر الثقافية، وقد كان إسماعيل جزءًا لا يتجزأ من ثقافة أمل دنقل.

تحكي الرويني: رأت الدولة الاحتفال بمرور أربع سنوات على رحيل إسماعيل ودعت دنقل لإنشاد قصيدة في ذلك الحفل.

 جاء يوم الحفل ولم يكن دنقل قد كتب شيئاً، فغادر بيت الزوجية إلى مكان لم تعرفه الرويني، وعندما عاد كانت قصيدته الفذة "إلى محمود حسن إسماعيل في ذكراه" تنام في جيب قميصه.

في تلك القصيدة يقدم دنقل درساً ليس في الوفاء لوالده الشعري فحسب ولكن في الوفاء لثقافة دنقل.

 كان دنقل عربياً، وكان يفاخر بنسبه الممتد إلى البيت الأموي عامة وإلى بني مروان خاصة، وكان يقول غير متلعثم ولا متردد: "إن بطلي القومي هو خالد بن الوليد وصلاح الدين الأيوبي وليس أحمس، وبطلي الروحي هو الحسين بن علي وليس غيره".

وهذا ليس معناه العداوة للمكون الفرعوني في الثقافة المصرية ولكنها ذائقة دنقل واختياره ووعيه الشديد بضروريات اللحظة، فلا عرب بدون مصر ولا مصر بدون العرب.




ضربة البداية في القصيدة غاية في التوفيق، لقد هدَّف دنقل من أول بيت

واحد من جنودك يا سيدي

قطعوا يوم مؤتة مني اليدين

فاحتضنت لواءك بالمرفقين

واحتسبت لوجهك مستشهدي

إنه يذكر غزوة مؤتة التي وقعت في زمن دولة الرسول، ثم يذكر فارسها الشهيد جعفر الطيار ابن أبي طالب الذي حمل راية المسلمين بمرفقيه بعد أن قطع العدو يديه الاثنتين وظل يقاتل إلى أن نال الشهادة، فأي وفاء يحمله الشاعر لثقافته وأصل منبته؟

وينتقل دنقل من معنى إلى آخر حتى يصل إلى إسماعيل فيبكيه قائلًا:

وألف بيت وبيت

واحتوتك الكويت

فعرفت بموتك أين غدي

ذهب أمل إلى الاحتفال وأنشد قصيدته فصفق له الجميع، ولكن، وكما تقول الرويني: "أخذ فاروق جويدة الذي كان مسئولًا عن القسم الثقافي بالأهرام القصيدة من أمل لكي ينشرها، ولكن الأهرام رفضت نشرها للمحاذير الرقابية". 

ثم أذاع فاروق شوشة قصائد الحفل في برنامجه الشهير أمسية ثقافية ولكن التليفزيون حذف من قصيدة أمل هذا الجزء:

للخفافيش أسماؤها

التي تتسمى بها، فلمن تتسمى إذا انتسب النور

والنور لا ينتمي الآن للشمس

فالشمس هالاتها تحلق فوق العقالات

هل طلع البدر من يثرب أم من الأحمدي؟

وبانت سعاد

تراها تبين من البردة النبوية

أم من قلنسوة الكاهنين الخرز

 قالت رقابة التليفزيون إن هذا الجزء من القصيدة ضد توجهات الدولة العامة.

لكن ورغم محاصرة قصيدة دنقل فإنها سرت بين الناس سريان النار في الهشيم، ولا أعرف قارئاً للشعر إلا ويعرف هذه القصيدة وينشد بعض أبياتها، ولا تكاد تمر مناسبة عربية إلا وحضرت تلك القصيدة مع شقيقتها "لا تصالح".



هذا ما كان من أمر دنقل مع والده الشعري، فكيف كان حال الأبنودي؟

كنت قد ذهبت لزيارة الخال في مرض موته، وحدثني عن علاقته ودنقل بمحمود حسن إسماعيل، ونشرت ما قاله لي في جريدة التحرير، وعندما بدأت جمع مادة مقالي هذا أردت العودة إلى ما نشرته ولكني وجدت الخال قد كتب بيمينه مقالًا مطولًا نشره بالأهرام قبل سنوات يتضمن معلومات أكبر وأهم من تلك التي ذكرها لي.

عن بداية معرفته بعالم إسماعيل يقول الأبنودي: "كنا نمشي على ضفة النيل وضفتي ترعة (الشنهورية) في ليالي مدينة قنا القمرية، نطلق العقيرة منشدين أشعاره، وخاصة قصائد ديوانه الصغير الرقيق (أين المفر؟).

 كان صوت أمل دنقل بحشرجته الموحية يطغى على صوتي، فأصمت فهُما في النهاية (لبعض)، فهذا شاعر فصحى، وشاعرنا المهول (محمود حسن إسماعيل) الذي كنا ننشد أشعاره شاعر فصحى أيضا، وأنا ضيف عليهما.. كانت هذه الفكرة بالذات تعطى (أمل) شرعيته في الصياح الذي طالما أعتقد أنه شدو فأصمت".

ثم جاء الأبنودي إلى القاهرة فسعى لمعرفة شاعره بطريقة شخصية، فوجد التحذير والتوبيخ من جماعة من الذين لا يعرفون لإسماعيل قدره، يقول الأبنودي: "حين قدمت إلى القاهرة مغرما به، نهرنى الأصدقاء ولطخوا لي الصورة وكأنه كان يجب أن ألغى ميراث الرجل وتجديده الشعرى، وعظمة أن يكتب ديوانا للكوخ في بلادنا في زمن كان شعراؤه يكتبون عن القصر".

ثم بدأ الأبنودي في كتابة الأغاني فتعرف على إسماعيل الذي كان رئيسًا للجنة اختيار الأغاني الإذاعية، ثم حدث اللقاء التاريخي بين الرجلين، يقول الأبنودي: "يوم تحويل مجرى النيل بعد ازاحة السد الترابي، كنت في أسوان أستكمل تجربتي مع السد وحراجي القط، عرفت أنه سوف يلقى قصيدة ليلا أمام عبد الناصر سألت حتى عرفت أنه يقيم بغرفة بسفينة راسية على شاطئ أسوان".

 ويضيف الأبنودي: اكتريت قاربا وتحت السفينة رحت أهتف باسمه حتى أطل علىّ بجلباب أبيض مندهشا: (مين؟)، قلت: (أنا فلان، انزل)، قال: (كيف أنزل يا مجنون؟).

قلت بوقاحة: (انزل شوف النهر الذي كتبت عنه دون أن تعرفه).. انطلق بنا القارب في نيل أسوان الخرافي، في طريق العودة عاتبني: (كيف لم يعرف النهر؟).. قلت: (إن نيل "النخيلة وأبنودي" الذي كتب عنه ليس له سحر نهر أسوان العالمي، على الرغم من أن تحفته "النهر الخالد" تظل تناطح كل ما كتب عن النيل في الفصحى، ولكن له الفضل في أنه أول من عبر عن الضفاف والكوخ وأكثر الشعراء إحساسا بالنهر ومعرفة به).

ظلت محبة الأبنودي لوالده الشعري مقيمة، حتى رحل الوالد الكريم، ولا شك عندي أن الخال قد حاول كتابة قصيده عن والده وأستاذه وصاحبه، ولكن الشعر ليس على هوى الشاعر فللقصيدة ميعادها الخاص.



تفاحة آدم

بعد رحيل الوالد وفي اليوم السابع من شهر يوليو من العام 1994 كتب الأبنودي قصيدته عن محمود حسن إسماعيل متأخرًا بسبع عشرة سنة كاملة.

في مقال الأبنودي لفتة خطيرة عن كيفية ولادة القصيدة، حيث يقول: "قصيدتي (تفاحة آدم) عن محمود حسن إسماعيل كتبتها وزوجتي في المستشفى انتظارا لمولد ابنتنا نور (8/7/1994)، كانت في غرفة العمليات، وأنا قابض على قصيدتي خوفا من فرار اللحظة، غضبت الممرضات من ذلك الذي يكتب متجاهلا زوجته مع د. محمد فياض في غرفة العمليات، وربما كان الصديق جمال الغيطانى شاهدا على المشهد، حين مر بالمستشفى ليلتقط القصيدة وكان يعلم أن زوجتي بغرفة العمليات".

الأبنودي العربي العارف بحضارة الإسلام بدأ قصيدته باستعادة ذكرى الأب الأول آدم عليه الصلاة والسلام، ليشير إلى أن إسماعيل هو آدم الشعر، الشاعر الأول:

آدم.. نزل للدنيا صيف أو شتا؟

من جنة زاهية مزهزهة مُلْفِتة

لدنيا صامتة.. مُصمتة.. مُنصتة

آدم.. نزل للدنيا عاري البدن

صرخ في وش الحياة

صرخة طويلة.. رفيعة.. متلتة

التلت كان احتجاج..

والتلْت كان خوف من ولوج الزمن

وتالت الأتلات كإنَّه.. آه

وبعد صحبته لأبى البشر تخلص بعبقرية فريدة من قصص بدء الخلق ووصل إلى آدم الشعر، إسماعيل الخالد فقال:

حيثِ النخيل بيميل بقوس الضهر

ـ وكإنه راكع في صلاة العصر ـ

والنيل..

شق أغمَقّ طمي ودم

كان الغُنا بالضد

والذكريات بتشد..

صعدت "أغان الكوخ"

من صمتك المشروخ

والريح بتعوى فى الفضا المقصوص

والنهر فايت من هنا مخصوص

وإنت.. شارد فى السَّموم والبرد

الريح بتعوى وماشي مش مهتم

ـ وسط المديح والذم ـ

إلا بتحقيق لانفصال بالوجد

حافي القدم.. زاهد

عربيد عنيد بيوحد الواحد

عصرت خمرك من ظلال الشجر

ومن نسيم السحَر

ومن شبوب الأرض نحو القمر

فى نشيدك الصاعد

مداح وعاشق صبّ أدمن صبر

عاشق ظلال الليل وصوت النهر

والنهر كان له صوت

قبل الزمن ما يموت

قبل الأسامى ما تكتسي ألوان

قبل الأسامى ما تترسم بالنيون

وتهج م الإعلان

ويواصل الأبنودي قصيدته عن محمود حسن إسماعيل قائلا:

يا عاصر الخمر تحت النهر والضفة

للشعر دَابِحْ ورايح حامل القربان

فى عِزّم الدنيا ليل والموجودات خايفة

والعشق مغلول ومحروم حتى م الحرمان

كان الطريق واعر

ياعمنا الشاعر

دخلتها حافى بلا متاع

وتركتها واضح بلا قناع

الرحلة فى النار لا تتأجر ولا تتباع

قصيدة الأبنودي كانت أسعد حظًا من قصيدة دنقل، فقد تمكن من نشرها مرات ومرات وأنشدها في محافل عديدة، لتصبح مع قصيدة دنقل اليد الحانية الرقيقة التي مسحت الغبار عن ذكرى شاعر فحل.

رحم الله محمود حسن إسماعيل والخال ودنقل وحفظ مصرنا العظيمة.. فهي ولود ودود.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات 24 يونيو 2019

الخميس، 29 ديسمبر 2022

محمود حسن إسماعيل الشاعر المحاصر (2ـ 3)



في الجزء الأول من هذا المقال تعرفنا على طفولة وبواكير شباب شاعرنا الكبير محمود حسن إسماعيل وفي هذه الحلقة نقدم المزيد الكاشف عن جوانب عبقرية الرجل.

في النصف الأول من الخمسينيات، تربع إسماعيل على عرش الشعر العربي في مصر، وتعلم على يديه كل الذين أصبحوا الآن أساتذة. 

من بين هؤلاء الشاعر الراحل محمد عفيفي مطر الذي لم يكن يترك فرصة للإشادة بإسماعيل إلا وفعل، حتى أنه تجرأ مرة ووصف مكانة إسماعيل بالمكانة المقدسة.

 أما الرائد الكبير صلاح عبد الصبور فقال صراحة: "أما فتنتي فكانت بمحمود حسن إسماعيل".

 في حين ذهب أحمد عبد المعطي حجازي إلى ما هو أعمق من الفتنة، فقال عن شاعرنا: "لقد فتنت بشعر محمود حسن إسماعيل منذ أخذت أقرأه في آخر الأربعينيات وأول الخمسينيات، فأدمنت قراءته حتى شكل خياله خيالي، وطبعت لغته لغتي، وبدت قصائدي الأولى وكأنها تنويعات على شعره، وأنا بذلك معتز مغتبط، أتحين فرصة تتيح لي أن ألقاه لأعبر له عن إعجابي وانتمائي لعالمه".

بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ونازك الملائكة وفاروق شوشة وغيرهم من أكابر الشعراء تحدثوا أكثر من مرة عن تأثير محمود حسن إسماعيل على الساحة الشعرية العربية.

إذن فمكانة الرجل محفوظة ومكانه لا يستباح، وقد أحسن ثوار يوليو 1952 عندما أسندوا إليه مهمة مراجعة نصوص كلمات الأغاني، وكان يساعده في ذلك الشاعر الشهير أحمد رامي والشاعر الشاب وقتئذ فاروق شوشة. إلا أن المغالبة التي هي قدر إسماعيل سبقته إلى مبنى الإذاعة.

كان إسماعيل مدققًا وصاحب ذائقة متفردة، ولأنه كان حريصًا كل الحرص على استقامة المعنى وسمو الأغنية، فقد كان يرفض أكثرية ما يعرض عليه، وهنا تحركت نوازع "لقمة العيش" عند مؤلفي الأغاني فشنوا عليه حملة شعواء قادها أحد فرسان الأغنية العربية المعاصرة، وأعني الأستاذ مرسي جميل عزيز الذي كتب مقالًا شديد الحدة ضد إسماعيل ونشرته مجلة "صباح الخير" عام 1956 تحت عنوان لافت جدًا هو "مطلوب بوليس النجدة لإنقاذ الأغاني من هذا الرجل".

قال مرسي في مقاله: "هناك جنايةٌ فعلا.. هناك السيد محمود حسن إسماعيل وبطانته في لجنة النصوص مهمتها تقطيع أوصال الفن الغنائي وحرق أعصاب المؤلفين المساكين، وقتل ثقتهم بأنفسهم.. لجنة تحيي وتميت، وتعدل وتبدل في الأغاني كما يطيب لها الهوى، وتصدر أحكامًا كأحكام الآلهة لا رجعة فيها ولا تفاهم، النجدة، النجدة، أنقذوا الفن الغنائي من مكارثية محمود حسن إسماعيل ولجانه، أما أنا فأقولها صريحة: إنني أكره هذا الرجل.. أكرهه لأني أحب فن الغناء".

لم تتوقف المعركة بمقال مرسي جميل عزيز  بل زاد لهيبها، فقد نشر كثيرون بيانًا جاء فيه: "نحن إزاء هذا الحق الذى كفله لنا القانون وإزاء التعديل والتحوير بل التشويه الذى يتكرر من الأستاذ محمود حسن إسماعيل، والذى يقع كل يوم على أغانينا لا يسعنا بعد اليوم إلا أن نضم صوتنا إلى صوت زميلنا الأستاذ مرسى جميل عزيز"ز

وكان من بين الموقعين الشعراء فتحي قورة وإمام الصفطاوى، وكمال منصور، وصلاح عبد الصبور الذي كان يكتب الأغاني في ذلك الوقت.


وفي ظني أن محمود حسن إسماعيل لم يكن يتجنى على فرسان الأغنية، القصة أن سقف ذائقته كان عاليًا جدًا، فقد كانت المسطرة في زمنه هي أشعار إبراهيم ناجي وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم، ورامي وأبو الوفا ومطران وجبران وأبو ماضي وغيرهم من فحول الشعراء الذين كانوا يبدعون قصائدهم لتثري الغناء العربي.

الأمر إذن لم يكن أمر صلابة أو (عناد) صعيدي أمام هجوم شرس، بل كان أمر ذائقة تحرص على التجويد والإتقان. وبتلك الذائقة نجا إسماعيل من نيران تلك المعركة، وظل يواصل تقديم منجزه الشعري الذي أحصاه الباحث الكبير الدكتور محمد السيد الدغيم فوجده أربعة عشر ديوانًا (نشر بعضها بعد رحيله):

الديوان الأول: أغاني الكوخ 1935

الديوان الثاني: هكذا أغني 1937

الديوان الثالث: المـــلك 1946

الديوان الرابع: أين المفر 1947

الديوان الخامس: نار وأصفاد 1959

الديوان السادس: قاب قوسين 1964

الديوان السابع: لابــــــــد 1966

الديوان الثامن: التائهون 1967

الديوان التاسع: صلاة ورفض 197

الديوان العاشر: هدير البرزخ 1972

الديوان الحادي عشر: نهر الحقيقة 1972

الديوان الثاني عشر: موسيقى من السر 1978

الديوان الثالث عشر: صوت من الله 1980

الديوان الرابع عشر: رياح المغيب نشرته دار سعاد الصباح لأول مرة عام 1993.



غربة ورحيل

ولأننا في مصر، التي أحيانًا ما تتجاهل أولادها البررة بناة حضارتها وصناع قواها الناعمة، فقد وصل إسماعيل إلى سن المعاش، وما أدراك بما يفعله المعاش مع رجل شريف طاهر اليد والجيب والثوب.

كان سن المعاش بالنسبة لإسماعيل يعني الانقطاع عن الدوام الحكومي، والبحث عن فرصة عمل خارج الديار. ليجد نفسه فجأة في الكويت الشقيقة التي أحسنت التعامل معه، فالكويت تعرف من هو محمود حسن إسماعيل، لكن رغم أي تكريم فالخروج من خضرة الحقول التي تربى عليها إسماعيل إلى صفرة الرمال، هو أقسى شيء على نفس شاعر مثله.

كانت الكويت كأنها المنفى الاختياري، لقد نبغ التلاميذ وأصبح عودهم صلبًا، لم يعد أحد يحتاج إلى توجيهات الأستاذ المعلم، ثم أصبحت الإذاعة مرتعًا لزمن الانفتاح الاقتصادي الذي كان شعاره أغنيات الريس بيرة وأحمد عدوية وكتكوت الأمير، ثم جاء طوفان أشرطة الكاسيت التي أصبحت دولة داخل الدولة.

والحال كما نرى فقد تراجع دور إسماعيل وخفت ذكره وشملته الغربة حتى قال القدر كلمته في الخامس والعشرين من أبريل من العام 1977.

عاد جثمانه ليدفن في بلاده كما أوصى، ثم وهذا عجيب، لقد مات إسماعيل حقًا، مات بالفعل، مات كأنه لم يكن الشاعر الفحل، ولكن كما تقسو مصر حينًا فإنها الأم الخالدة المحبة دائمًا، لقد وهبت لإسماعيل عبد الرحمن الأبنودي وأمل دنقل، وهما من أبر أولاده به، فنفخا في سيرته الحياة، فهب من قبره كأنه لم يغب ولو لساعة.. أما كيف كان ذلك، فموعدنا الأسبوع المقبل بإذن الله.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات 17 يونيو 2019