الأربعاء، 20 يوليو 2022

مؤنس طه حسين.. السقوط في جب النسيان





كيف سيكون شعورك، عندما تفتح عينيك على الحياة فتجد أن والدك هو الدكتور عميد الأدب العربي طه حسين؟ ستقول: سأكون سعيدًا بدون أي شك.

أنت محق في شعورك بالسعادة، ولكن هل لديك فكرة عن مصيرك عندما يكون أبوك هو طه حسين؟

 أرجوك لا تجب الآن، ولتكن إجابتك بعد معرفتك بقصة الدكتور مؤنس طه حسين.

ولد مؤنس في الثامن من سبتمبر من العام 1922. وعند ميلاده كان أبوه رجلًا صاحب سمعة وصيت، فهو كاتب مرموق وأستاذ جامعي قدير، ينشر علمه على تلاميذه وما فاض منه ينشره على قراء الجرائد والمجلات.

في طفولة مؤنس أصبح أبوه يملأ الدنيا ويشغل الناس، فقد أصدر كتابه الصادم «في الشعر الجاهلي» وهو الكتاب الذي وإن جلب له أزمات طاحنة إلا أنه جلب له شهرة ومكانة قلما تمتع بها كاتب.


                                     المأساة

أم مؤنس هي السيدة سوزان، الفرنسية قلبًا ولغة، كان أبوه في شغل دائم على مدار ساعات الليل والنهار، فهو يؤسس لمجده في زمن كان منافسوه فيه أمثال العقاد، باختصار نقول: طه حسين لم يكن رجلًا فردًا، لقد كان في تلك السنوات مؤسسة، يديرها هو بنفسه ولنفسه، فعن أي ساعات فراغ نتحدث.

مؤنس لم تكن له سوى شقيقة واحدة هي السيدة أمينة (لاحظ عروبة طه حسين في اختيار أسماء أولاده).

فمع من سيلهو مؤنس، ومع من سيتحدث، والأهم مَنْ سيعلمه فنون الحياة؟

 ليس أمامه سوى أمه الفرنسية، فتلقى عنها الفرنسية التي هي ليست اللغة فحسب، بل معها التفكير والوجدان.

نام العميد وصحا، فرأى أن يختبر ابنه في العربية التي هو عميد أدبها. لم نعرف وظني أننا لن نعرف طبيعة الاختبار وأسئلته، ولكن سنعرف أن مؤنس تلجلج ولم يجب على شيء من أسئلة أبيه. 

وظني أن العميد قد سمع جرسًا أعجميًا ولكنة مستهجنة، وتعثرًا واضحًا في النطق، واضطرابًا في مخارج الحروف. 

لقد عرف العميد على وجه القطع واليقين أن ابنه فرنسي باسم عربي.

الآن أنا مشفق على العميد وظني أنه زفر زفرة ذهبت بنصف قلبه وهو يقول لنفسه: أنا طه حسين ابن فصاحة القرآن وبلاغته، ربيب أروقة الأزهر، عميد أدب العرب يولد لي هذا الذي يرطن فلا أعرف لكلامه رأسًا من قدمين؟


الصحوة

قرر العميد إنقاذ ما يمكن إنقاذه فجاء بمدرس عربي ينقذ عروبة ابنه، ولكن هيهات، لقد كان قلب مؤنس، قد أُشرب الفرنسية وانتهى الأمر. تحرك مؤنس في دوائر الفرنسيين المقيمين في القاهرة، ونفض العميد يديه من أمر تعليمه العربية، ثم بعد قليل وبقلب الأب وفّر لابنه أرقى تعليم فرنسي، بل أحاطه بمناخ ثقافي عظيم، فضيوف الأب من أمثال توفيق الحكيم وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل كانوا في مقام أعمام مؤنس الذين يبشون في وجهه ويمدون له يد العون متى طلب معونة على أمر من الأمور.

من ناحيته لم يكن مؤنسًا عالة على سمعة والده، لقد كان وهو في سنوات مراهقته من أولئك الفتيان الأذكياء الشجعان الذين يشعرون بحرارة المصيبة، نعم كان مؤنسًا يدرك وضعه، فهو العربي ابن عميد الأدب العربي الذي لا يعرف كيف يقرأ مقالًا لوالده.

تلك النقمة جعلها مؤنس نعمة، لقد قرر أن يكون فارسًا من فرسان الفرنسية التي رضعها من ثدي أمه. الجينات تلعب دورًا لا شك في هذا، فطه حسين هو أديب عظيم والأم مثقفة تعرف كيف تتذوق الآداب والفنون، ثم قلب مؤنس مترع بتلك الرهافة التي تتيح لصاحبها التأمل والقراءة المختلفة للحياة.

كل تلك العوامل جعلت من المراهق مؤنس شاعرًا فرنسيًا لا يشق له غبار فقد نشر ديوان شعره الأول «شاحباً كان الفجر» وهو في السادسة عشرة من عمره.

مضت السنون ثم تذكر مؤنس أيام طفولته وصباه، فنقلت عنه الكاتبة لوتس عبد الكريم ما قاله عن والده: «ابتسم مؤنس وهو يتذكر أن والده كان يسرح أحيانا ويبدو أنه قد ابتعد بفكره عن أسرته فيسألونه: أين أنت؟


 فيرد بأنه فى سورية خلال القرن الرابع الهجري يسمع أبا العلاء المعرى، أو كان فى الحجاز فى المئة الأولى للإسلام، يستنشق الهواء الذي استنشقه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتابع مسيرته فى هجرته، أو كان فى تونس مع ابن خلدون وهكذا، وفى كل حالة من هذه الحالات كان يعرفنا بأسلوبٍ بسيطٍ عن المكان والزمان والشخص الذي يقول إنه كان معه.



الازدهار

تلك لعمري لعبة مزدوجة كان العميد يلعبها، لقد أفلت منه ابنه وأصبح فرنسي اللسان، ولكنه بتلك اللعبة جعل فكره عربيًا وذكرياته إسلامية. ساعد العميد ولده على النبوغ فترك له حرية الدراسة، فدرس مؤنس الفرنسية في الجامعة المصرية وحصل على مؤهله الجامعي في العام 1939.

ثم كان لابد من السفر، الابن سينطلق إلى باريس ليحصل على الدكتوراه، ليعيد سيرة الأب، والأب تحجرت دموعه في عينيه، ولكنه ملك من ملوك البيان، فيقدم الجزء الثاني من «أيامه» الشهيرة إلى مؤنس كاتبًا: «ها أنت تهجر وطنك لتطلب العلم فى باريس وحيدًا فدعني أهدى إليك هذا الحديث عن أيام طلب الوالد العلم فى الأزهر، لعلك ترتاح إليه كلما أجهدك درسك بين الحين والحين، هناك ترى لونًا لم تعرفه من ألوان الحياة فى مصر وتذكر شخصًا طالما ارتاح إلى قربك منه، وطالما وجد فى جدك وهزلك لذة لا تعدلها لذة ومتاعًا لا يعدله متاع"

حصل مؤنس على الدكتوراه من باريس، فعن أي شيء كانت رسالته؟ 

ابن العميد هو ابن العميد، لقد جعل رسالته عن تأثير الآداب الإسلامية في الأدب الفرنسي.

لم يكتف العميد بحصول ولده على الدكتوراه فنصحه بمواصلة الدراسة، قال مؤنس للوتس عبد الكريم: «وفيما يخصني فقد اقترح أبي عليَّ ألا أكتفى بالدراسة للحصول على درجة الدكتوراه من فرنسا، بل بالدراسة للحصول على شهادة الأجريجاسيون فى اللغة والآداب الفرنسية وهى من أصعب الدراسات"


وقال غير واحد من الأدباء: «إن مؤنسًا كان أول مصري يحصل على شهادة الاجريجاسيون». وعندما عاد مؤنس إلى مصر بعد رحلته الفرنسية، عاش سنوات ازدهاره.




الثمار

نشر مؤنس في بدايات الستينيات كتابه المهم «ملامح رومانسية» وعنه يقول الكاتب عبد الحميد صبحي ناصف: «لقد صدر كتاب «ملامح رومانسية» لمؤنس عن دار المعارف المصرية بدون تاريخ محدد؛ إلا أنه في أغلب الظن قد نُشر بعد ظهور دراسته المطولة عن «الرومانسية الفرنسية والإسلام» الصادرة عن دار المعارف اللبنانية عام 1962".

وينص مؤنس صراحة في مقدمته «ملامح رومانسية»: بأنه لا يرمي بها إلى تقديم عمل أكاديمي صارم مثقل بالوثائق والمراجع. بل أرادها أشبه ما تكون بعرض محرر من القيود لأهم ما عنّ له من تصورات وتأملات حول رواد الحركة الرومانسية الفرنسية في إطار علاقتهم بالمؤثرات الإسلامية بالإضافة إلى ما تأتّى له من خطوات حول بعض الرموز الأخرى لهذه الحركة ولغيرها من التيارات الأدبية الموازية لها خلال القرن التاسع عشر.


وعلى هذا النحو تضم هذه الدراسة تسعة فصول يتناول فيها بالدرس والتحليل السمات الفارقة في الخطاب الرومانسي فى الأدب الفرنسي ويقدم مجموعة من «البورتريهات» لكل من فيكتور هوجو في ديوانه «الشرقيات» ولشاعر «الليالي» الفريدي موسيه ولجورج صاند وتمردها على المجتمع التقليدي ولجرادي نوفال 

في ما يخص تصويره لليالي رمضان في القسطنطينية"

كان من الطبيعي أن يعمل مؤنس بالجامعة فهو يجيد الفرنسية واللاتينية واليونانية القديمة، وعن سنواته في الجامعة يقول الناقد الكبير الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي في كتابه «أدباء ومفكرون": أخبرنا بعض طلابه في قسم اللغة الفرنسية بآداب القاهرة أمثال أمينة رشيد وآمال الروبي. كيف كان مؤنس يفتح لهم أبواب الثقافة الرفيعة ويعلمهم الاهتمام بالموسيقى وتاريخ الفن حتى أنه كان يخرج عروضاً مسرحية يمثل فيها طلابه وكان يحضر تلك العروض كبار المثقفين أمثال: طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل".


ثم ترجم إلى الفرنسية بالتعاون مع أخته أمينة كتابيّ والده «أُديب» و«شجرة البؤس»، ثم نشر ثلاثة دواوين ومسرحية.

في تلك السنوات كان مؤنس يعد اسمًا مرموقًا بين أساتذة الجامعة وبين الأدباء.


قرار عجيب

في النصف الأول من الستينيات ترك مؤنس الجامعة.. لا أحد يقطع برأي في هذا القرار العجيب، بعضهم يقول: لقد شعر مؤنس بالظلم لأنه لم ينل ترقية كان يرى أنه يستحقها. آخرون يقولون: كانت الدائرة الفرنسية التي يعيش مؤنس في قلبها تتقلص بفعل التمصير الذي شهدته تلك السنوات، فقرر ترك الجامعة والهجرة الأبدية إلى فرنسا.

عن نفسي لم يقنعني أي من الرأيين، هناك أمر لا نعرفه أدى إلى هجرة مؤنس الذي ذهب إلى فرنسا فلم يعمل فى جامعة من جامعاتها، وهذا أمر عجيب يضاف إلى عجائب مؤنس، لقد عمل في هيئة اليونسكو في وظيفة تلتهم وقته وتقلل من ساحات إبداعه، فهو منذ هجرته لم ينشر شيئًا بل لم يكتب شيئًا، وكأنه لم يغادر الوطن فحسب، بل غادر الإبداع كله.

في باريس سيلتقي الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي بمؤنس وسيكتب محمودي عن مؤنس كما لم يكتب أحد.

لقد كشف له مؤنس أسرار حياته، قال له: إنه يكتب يومياته بانتظام وإنه ينوي استكمال رواية كان قد بدأ كتابتها قبل سنوات. ثم كشف له عن عذابه بعد فقدانه لزوجته التي لم يحب أحدًا كما أحبها. كان مؤنس قد تزوج ليلى العلايلي وهي مثقفة مثله وتتقن الفرنسية مثله، إضافة لكونها حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي. رحلت الزوجة الحبيبة وتركت له ابنته الوحيدة التي أطلق عليها اسم أخته الشقيقة أمينة.

بعد رحيل الزوجة نشر مؤنس بعد طول انقطاع عن النشر بل عن الكتابة ذاتها ديوانه الرابع الذي جعله في رثاء زوجته وقد صدر في العام 1995 تحت عنوان «سوف ينحسر البحر".


ولكي تكتمل دائرة مفارقات حياة مؤنس، فإن ابنته الوحيدة قد تزوجت من أستاذ أكاديمي ياباني متخصص فى تدريس اللغات الشرقية، ويعمل فى إحدى جامعات باريس، وأنجبت منه ولدين!


النهاية

مرض مؤنس بمرض جعله يكاد يفقد صوته، فكان يكتب لصديقه المحمودي عوضَا عن الكلام. ولم يكن يقوم بأمره إلا ابنته التي كانت تزوره مع حفيديه، وفي اليوم السابع والعشرين من نوفمبر من العام 2004 لفظ مؤنس أنفاسه الأخيرة.

بعد موته تحدثت ابنته عن يومياته فقالت: إنها من أربعة أجزاء ومكونة من 800 صفحة من القطع الكبير. ثم قال وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني: إن وزارته قد حصلت على موافقة أمينة بنت مؤنس على شراء حقوق ترجمة المذكرات، وقد بدأ فريق من الوزارة في ترجمة الجزء الأول. ثم مرت السنوات ولم تظهر المذكرات، ليسقط الأستاذ المرموق والشاعر الكبير وابن عميد الأدب العربي في جب النسيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بموقع أصوات 16 سبتمبر 2019


الأربعاء، 6 يوليو 2022

لا تصلوا من أجل القاتل




 أحدث مقتل الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير الأنبا مقار بوادي النطرون هزة عنيفة في المجتمع المصري بمسيحييه ومسلميه.


الحادث الذي انتهى باغتيال الأنبا إبيفانيوس، ليس لنا ولا لغيرنا الخوض فيه لأنه منظور الآن أمام جهات التحقيق التي أصدرت بيانًا رسميًا جاء فيه: "تواصل نيابة استئناف الإسكندرية التحقيق في أحداث مقتل الأنبا إبيفانيوس حيث أدلى الراهب المشلوح أشعياء المقارى باعترافات تفصيلية أمام ضباط المباحث ونيابة استئناف الإسكندرية، معترفًا بمسئوليته عن قتل إبيفانيوس بالاشتراك مع الراهب فلتاؤس المقارى الذي يعالج حاليا بمستشفى مايكل أنجلو بالزمالك عقب محاولته الانتحار".

الهزة العنيفة التي أشرت إليها يمكن تسميها بالهزة الثقافية، فبعيدًا عن مجريات التحقيق الذي لم تعلن نتائجه الرسمية بعد، يجب علينا التوقف عند تفاعلات الحادثة غير المسبوقة.

ظهر واضحًا استنكار عوام المجتمع لتلك الحادثة، وهذا الاستنكار يعد من محامد الشخصية المصرية التي لم يلحق التخريب جذرها بعد، بفضل الله ثم بفضل نضالها ومقاومتها لكل عوامل التخريب التي تتكاثر عليها.

فريق ضخم من المسيحيين والمسلمين تعامل مع الحادث بفطرته المستقيمة فقال: هذا حادث اغتيال عن عمد وقصد، فلنترحم على الضحية ثم ننتظر نتائج التحقيق، ثم نوجه دعوة للكنيسة بوصفها مؤسسة مصرية عريقة ومهمة جدًا لإعادة ترتيب بيتها من داخلها، لأن الحادث أكد أن هناك خللًا ما يستوجب العلاج العاجل العادل.

في مواجهة وضوح موقف العوام كان موقف بعض النخبة مرتبكًا جدًا فقد رأينا فريقًا لا يستهان به يدعو للصلاة من أجل القاتل!

تلك الدعوة العجيبة، بل المريبة، هي ما عنيته بالهزة الثقافية، ولا أريد وصفها بالهزة "العقائدية".

 منذ متى يصلي المصريون من أجل رجل اعترف بأنه قتل عن عمد وسبق إصرار؟

أي حديث عن خصوصية الحادثة هو حديث إفك لا أكثر ولا أقل، فالدير أو المسجد أمام القانون مجرد مبنى، والقاتل مواطن وكذا القتيل، وهناك قانون عقوبات تنظر الجرائم وفق نصوصه، وعلى ذلك فالحديث عن الخصوصية هو قنبلة دخان لصرف الأنظار عن كارثة ضربت المجتمع كله.

مَنْ أين جاء دعاة الصلاة بدعوتهم المريبة؟ لقد طالعوا كغيرهم حوارًا قصيرًا جدًا أجراه الصحفي محمود العجمي مع الأنبا يؤانس أسقف أسيوط ونشره موقع اليوم السابع.

 سأله الصحفي: ما تعليقكم على واقعة مقتل الأنبا إبيفانيوس التي تشغل الرأى العام فى مصر؟ 

فقال الأنبا يؤانس: "الأحداث الجارية حاليا نصلي لها من قلوبنا، وندعو ربنا بأن يعطى الحكمة لقداسة البابا تواضروس الثاني، وأنا أقول إنها سحابة صيف ونصلي من أجل هذه المحنة، وهي محنة عابرة سوف تعبر، ويجب علينا أن نصبر شوية لحد ما كل حاجة تتضح للجميع، للأسف الناس مستعجلة علشان تعرف الحقيقة، فأنا أدعوهم للصلاة والصبر إلى أن تصدر الكنيسة بيانا، رسالتي هي الصلاة والصبر".




انتهى كلام الأنبا يؤانس فتلقفه الذين يزعمون لأنفسهم درجة من الإنسانية والرحمة تفوق تلك التي يتمتع بها مجتمعهم، فتعسفوا في تأويل كلام الرجل وفي تحميله فوق ما يحتمل، فليس في إجابته أدنى إشارة لصلاته من أجل القاتل. كلام الرجل واضح جدًا وهو يتحدث عن عموم الحالة وليس عن خصوص الواقعة.

وبعد تعسفهم في تأويل كلام الأنبا يؤانس، نبشوا الأناجيل حتى وقعوا على آية جاءت في إنجيل متى على لسان سيدنا المسيح، نصها يقول: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ".

تشبثوا بتلك الآية وفق تفسيرهم لها تشبث الغريق بطوق النجاة وراحوا يطلقون الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للصلاة العلنية من أجل القاتل.

إذا قلت إن هذا الفريق من المسيحيين والمسلمين قد "تدعشن" هل أكون مخطئًا؟

 داعش وأخواتها من فرق القتل والإرهاب التي تزعم الإسلام لا تفعل أكثر من هذا، تأتي بآية وتنتزعها من سياقها وتفسرها كما شاء لها هواها ثم تتخذها ركيزة وقاعدة فقهية تمارس تحت حمايتها أخس أنواع القتل.

هؤلاء صنعوا صنيع داعش معكوسًا، داعش تقتل وهؤلاء يرحمون. والنتيجة في الحالتين واحدة وهي ضياع حقوق المجتمع والدولة.

إن منطق هؤلاء آية من آيات الالتواء، فهم يبررون موقفهم بأنهم ضد أحكام الإعدام من حيث المبدأ. 

هل ذكر أحد سيرة الإعدام؟ 

ثم هل قال القضاء كلمته النهائية حتى يتكلم المتكلم منهم عن رفضه للإعدام؟

ثم بعد أن يسرفوا في إعلان رفضهم لإعدام لم يتحدث عنه أحد يخرقون في المجتمع خرقًا جديدًا، يقولون: باب التوبة مفتوح. 

هل قال أحد أن باب التوبة قد أغلق؟ 

ثم ما علاقة التوبة بحادث جنائي دفع رجل أعزل حياته ثمنًا له؟

التوبة من أفعال القلوب لا الجوارح والذي يقبلها أو يرمي بها في وجه فاعلها هو الله عز وجل وحده لا شريك له. 

نحن أمام حادثة قتل عمد ولسنا أمام صلاة في محراب، فكل تعاطف مع معترف بالقتل هو من تلبيس إبليس ومن صنع جماعة في قلوبهم مرض.

إضافة للفريقين السابق ذكرهما ظهر فريق ثالث يستهجن علانية قيام الصحفيين المسلمين بتغطية الحادث إخباريًا، بدعوى أن الحادث شأن مسيحيي داخلي.

هل أعلن أحد ـ ولم يصلنا الخبر ـ أن الأديرة المقامة على أرض مصر والتي بناها مصريون ويسكنها مصريون قد تم إعلانها دولة ذات سيادة وعلم؟ 

الأديرة والكنائس مثل المساجد، جميعها مؤسسات مصرية يجب أن تخضع تمام الخضوع لأحكام القانون، أما الكلام خارج هذه الرؤية المركزية فهراء لن يجلب إلا المزيد من تخريب الشخصية.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت فى موقع "أصوات أونلاين" 20 أغسطس 2018

الخميس، 30 يونيو 2022

المخزنجي.. فتوة في السبعين

                                                      



المخزنجي بلغ السبعين لكنه لم يفقد شغف الشباب ولم يهدر طاقته فيما لا يفيد كأنه ثابت لا يتحول وكاتب تربطه بالكلمات علاقة خاصة.

كنت ضيف الكاتب الراحل الأستاذ عبد الله الطوخي، رحمه الله، تعجبت لظهور علامات الحسرة على وجهه، فسألته عن سبب حسرته فقال: جاءتني فكرة ولكن صحتي لا تساعدني على كتابتها.

كنت في مطلع شبابي فلم أفهم كلامه على وجهه الصحيح، أدرك هو عدم تفهمي لحالته فأكمل كلامه قائلًا: في زمن قادم ستعرف أن الكتابة مثل "العتالة" تحتاج إلى بنيان قوي مدرب، وإلى لياقة عالية، لياقة شعورية ونفسية وجسدية، هذا لن تفهمه الآن ولكن عندما تصبح شيخًا ستعرف أن من أهم منجزات الكاتب حفاظه على صحته ولياقته، وعدم إهدار شبابه فيما لا يفيد.

ثم قرأت أن أديب سوريا الكبير، الأستاذ حنا مينا، رحمه الله، كان لا يكف عن ملء الصفحة البيضاء التي أمامه بكتابات ورسومات أو حتى بشخبطة، وعندما سألوه عن السبب، قال: يجب عليّ الحفاظ على لياقة وحساسية أصابعي.

تذكرت تلك النماذج وأنا أقرأ مجموعة "رق الحبيب" التي نشرتها دار الشروق للدكتور محمد المخزنجي.

المخزنجي بلغ السبعين، ولكنه لم يفقد شغف الشباب ولم يهدر طاقته فيما لا يفيد، كأن هذا المحزنجي ثابت لا يتحول، كاتب تربطه بالكلمات علاقة خاصة، فهو يداعبها مرة ويشاكسها مرة، وقد يغضبها مرات، ولكنه دائمًا يتقدم صفوف محبيها فتلين له الكلمات لأنها تعرف مكانتها في قلبه.




كتب المخزنجي مجموعته من منطقة إتقان المحترفين وشغف الهواة، فجاءت طازجة حارة صادقة منضبطة.

أرى أن مفتاح المجموعة، خبأه المخزنجي بين سطور قصة "شهيق عميق.. زفير مرتاح".

راوي القصة هو بطلها، والاثنان هما المخزنجي نفسه، فتوة وضاحك وراقص ومبتهج في السبعين من عمره.

غاب ابن بطل القصة عن أرض الوطن وها هو يعود، وفي صالة المطار تقف أسرته المكونة من الأب والأم والشقيق في استقباله.

الأب متمرد يسأل نفسه: كيف لوباء سخيف يدعى كورونا أن يحول بيني وبين لمس ابني وشمه وتقبيله؟

ما كل هذه الوحشية التي تفرض علينا السلام بالكوع، أين الحضن وأين المشاعر المتدفقة؟

تمرد الأب يدفعه لاختراع لعبة مشاعر تعويضية.

يصيح الأب: "1ـ شهيق عميق 2ـ كتم النفس 3ـ حضن جامد مع كتم النفس 4ـ تباعد سريع 5ـ زفير مرتاح.

كان الأب يصيح بتلك الكلمات رافعًا ذراعيه، كأنه مدرب يعطي، لاعبه المفضل تعليمات مهمة لأداء لعبة، وكأن فرحه برؤية ابنه العائد يجعله غير مكترث بما يمكن أن يقوله الناس من حوله، وقد توقف بعضهم ليرى ما يحدث.

أسرعت الأم نحو زوجها، لتوقفه عن ما يمكن أن يكون فلتة من فلتات تصرفاته المفاجئة الغريبة التي لا تليق بمقامه وسنه.

شقيق الابن العائد يمنع أمه من إيقاف الأب لأنه يقرأ خريطة أباه الداخلية جيدًا، إنه الأب نفسه الذي كان يخترع لهم الأحضان الجديدة في كل مناسبة، تحلق جمهور المنتظرين حول الأب وولده العائد، وسمع كلمات الأب المدرب ورأى كيف تم تنفيذ اللعبة التي تفرج عن الأشواق المحبوسة، بعد قليل أصبحت اللعبة كأنها الكرنفال، الكل يلعبها ويشارك فيها، لقد أصبح هناك أكثر من مدرب ضاحك ينظم خطوات الأحضان.

تلك القصة تكشف عن الأعمدة الثلاثة التي أقام عليها المخزنجي بنيان مجموعته.

العمود الأول: هو حضور صوت أم كلثوم وما يحمله من موسيقى. 

العمود الثاني: هو الاحتيال، كل أبطال قصص المجموعة هم جماعة فقدوا أثمن ما لديهم، ولكي لا يقتلهم قهر الفقد وحسرته لجأوا إلى الاحتيال، ليس احتيال اللصوص الأخساء ولكن احتيال المنذورين للحياة الحريصين على تدفق نهرها، رغم أنف آلاف الصخور الجبارة التي تعيق تيار النهر.

 العمود الثالث: هو المقاومة، كل الأبطال يقاومون بطرق استثنائية حتى أن العاديين قد يظنون أن هؤلاء الأبطال قد ذهب عقلهم، إن أبطال المجموعة أثناء احتيالهم يقاومون، وأثناء مقاومتهم يحتالون، فلا نعرف متى تبدأ المقاومة ومتى يبدأ الاحتيال.

لقد رأينا الأعمدة الثلاثة راسخة في قصة" شهيق عميق" هناك موسيقى هتاف الأب الذي احتال بعد أن فقد حرارة حضن ولده العائد من الغربة، ثم قاوم الوباء بتلك اللعبة المبهجة لكي يكتب له في النهاية النصر المبين.




ثم سنرى الأعمدة برسوخها وشموخها في القصص العشر التي تضمها المجموعة، ففي قصة "من بعد ما طال السفر" نحن أمام مغترب مصري، ترك دفء الوطن لكي يَدرس ويُدرس أمراض العقول في بلد تهوي فيه درجة الحرارة إلى عشرين درجة تحت الصفر.

البطل فقد الدفء والحب معًا، فثمة حبيبة كانت قد وعدت بأنها في يوم ستعرف طريقها إليه عابرة البحار وقافزة فوق ألف مانع، يومًا ما سيدخل غرفته فيجدها تنتظره.

هذا هو الفقد الذي سيأتي بعده الاحتيال، يغادر البطل مقر عمله ودراسته يحاول التماسك لكي لا ينزلق فوق تلال الجليد التي تحتل نهر الشارع، وهو على تلك الحال يرى نافذة غرفته مضيئة ويصله واضحًا صوت أم كلثوم يغني: "فاكر لما كنت جنبي/ والنسيم/ لاعب غصون الشجر/ والغصن مال/ ع الغصن قال / ما أحلى الوصال / للي انتظر".

وهل هناك من انتظر أكثر من مغترب يعيش فقدان الدفء والوطن والحبيبة؟

يطير، حقًا لا مجازًا بطل القصة لكي ينعم بدفء حضور الحبيبة، نحن القراء نصدقه ونظن أن الحبيبة قد حضرت حقًا وصدقًا، ألم تعد بالحضور وإن طال السفر؟

ما الذي يمنع الحياة من تقديم مكافآت استثنائية؟

غرق البطل فأغرقنا في الاحتيال، حتى ظننا أن الأوهام حقائق، نعم النافذة مضيئة، وهذا لأن البطل نسى إغلاقها، نعم صوت أم كلثوم يذيب كل هذا الجليد، وذلك لأن البطل ليلة أمس كان يبحث عن إذاعة عربية تبث غناءً يستعين به على توحش الغربة، ثم نسى إغلاق المذياع.

انهار عمود الاحتيال وبقى عمودا المقاومة وصوت أم كلثوم وموسيقاه.

قرر البطل أن يسهر الليلة أيضًا مع غناء يستدرجه من جديد إلى أحلام منام، يستعيد بها ما يحب ويفتقد، يهفو لو يسمع أم كلثوم لتطيب له هذا الوجود من جديد .. بهذه الأغنية التي يدندن منها بتكرار وجذل، بينما يمضي في طرقة الطابق، المدفأة إلى غرفته، الأكثر دفئًا: "والموجة بتجري ورا الموجة: عايزة تطولها / تضمها وتشتكي حالها/ من بعد ما طال السفر".

وبعدُ فإن إخلاص المحزنجي لفن القصة القصيرة يقدم لنا دروسًا عظيمة، فلعلنا نتعلم.

الخميس، 2 يونيو 2022

عن حسام فخر ووردته الغائبة

 


لا ينشر القاص الكبير الأستاذ حسام فخر، إلا إذا فاضت كأسه، ولم يعد بها متسع لقطرة إضافية، وظني أنه يدرك - وإن لم يصرح أو حتى يلمح - أن كتاباته مثل عصا موسى، عندما تنزل إلى ساحة التحدي ستلقف مَا يَأْفِكُونَ.

حسام ليس مشغولًا بتهليل ناقد، أو بالسعي المحموم خلف جائزة، هو مشغول دائمًا بالقبض على جملة واحدة صادقة، ومنها ينطلق ليحكي ويقص نبأ الأحياء والراحلين.

حسام مؤمن جدا بتلك النصيحة الخالدة «اكتب عما تعرف»، وهو يعرف الكثير، ولذا لا ترى عرقه وهو يحفر الصخر بأظافره بحثًا عن فكرة.

لكلٍ وجهة هو موليها، ووجهة «حسام» هي الصرامة، هو يحدد -بدقة-  زمان ومكان قصته، ويشحن هواء القصة بعبق معانيها العميقة البعيدة، ثم لا ينسى الظل والنور، ولا يغفل عن الربى والقيعان، تقرأ القصة من قصصه فتقبض - بيديك الاثنتين-  على معنى الكتابة الخالصة لوجه الفن، وتعرف الفارق بينها وبين الشعوذة التي يحتال بها بعضهم على جماهير القراء تساندهم فى شعوذتهم طائفة من النقاد الذين لا يرقبون فى قارئ إِلّا وَلَا ذِمَّة.

فى مجموعته الجديدة «بالصدفة والمواعيد» الصادرة عن دار العين، يؤكد حسام خلود بيت المتنبي" لِكُلِّ اِمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا".

 فعادات حسام لم تتبدل ولم تتحول، إنه يكتب عما يعرف، ولذا فهو يكتب عن عالمه الخاص، ولكنه بقدرة الفن الحقيقي يورط قارئه في دهاليز هذا العالم، فلا يتأفف القارئ من كاتب يكتب عن عالمه الخاص، بل يجد لذة المشاركة في الوجع الإنساني، وفى حرقة الفقد ومرارة الهجران، فنصبح كلنا حسام فخر، أو كأنه صوتنا الصارخ فى البرية.

منذ ضربة البداية، يعلن الكاتب الكبير هوية مجموعته، مستعينًا بكلمة للكاتب الأمريكي بول أوستر "القصص لا تحدث إلا لمن يعرف كيف يحكيها".

هل الأمر كما قال السيد أوستر؟

كلنا تحدث لنا القصص، وكلنا تقع القصص على قلوبنا، ولكن لسنا فى الحكاية سواء، فليت السيد أوستر قال: "الذين يعرفون كيف يحكون هم فقط الذين تحدث لهم القصص".

قصص حسام مرت علينا جميعا، فلماذا لم نكتبها؟

لأننا ببساطة لا نعرف كيف نحكى الحكاية.




حسام يعرف كيف يحكى الحكاية، ولذا يجعل من حادثة عابرة قصة تهز أعماقك وتنبهك إلى حقيقة الحياة التي هى  «الوعد والمكتوب» و«المقدر والنصيب»، أو «بالصدفة والمواعيد»، ففي قصة» عربية التين الشوكي»، مفتاح سحري نلج - بفضله - إلى أعماق المجموعة ومعناها البعيد.

فى قصة التين الشوكي، نعيش لحظات مع أسرة، من أب وأم وولدين، لا يشترون الخبز الفينو، إلا من مخبز بعينه، يقع فى ضاحية مصر الجديدة، هنا تبز موهبة حسام فى تقديم تفاصيل جد صغيرة، لكنها مؤثرة، فلا يفوته وصف رائحة الفينو الخارج توا من نيران الفرن، وكيف كان بطل القصة وشقيقه يسارعان بالتهام أكبر عدد ممكن من أصابع الفينو، وذات ليلة، لم يذهب إلى المخبز سوى بطل القصة ووالده، فرح بطل القصة لأنه سيلتهم بمفرده نصيبه ونصيب شقيقه من أرغفة الفينو، فجأة وقعت عين الأب على بائع تين شوكي يقف مع طفله ليبيعا ثمار التين للعابرين، أوقف الأب سيارته وتوجه نحو بائع التين، وعندما عاد كانت أنفاسه متهدجة وصوته مختنقا، ثم بنبرة أسى قال لولده: الليلة لن نذهب إلى المخبز.

كانت مفاجأة تعيسة للصبى، وعندما سأل أباه عن السبب، قال الأب: لقد قدمت لبائع التين كل ما معي من نقود، زكاة عن الصدفة وضربة الحظ.

كان من الوارد أن أكون أنا مكان البائع وتكون أنت مكان ولده، ولكنها الصدفة.

من باب الصدفة يمكننا الدخول إلى المجموعة ومعايشة كل قصصها، فتلك الصدفة وتلك المواعيد هى الخيط الذى يربط حبات المجموعة، ويلملم أجزاءها فتصبح كيانا واحدا وإن تعددت وجوهه.

الصدفة نفسها ستلعب دورا محوريا فى قصة "مع الضوء المشع"

كان بطل القصة - الذى هو الكاتب نفسه - مع والده والأسرة يعيشون فى الاتحاد السوفيتي، ولأن الوالد هو اللواء أحمد فخر، أسطورة سلاح المدفعية المصري، والأم هى شقيقة شاعر الشعب صلاح جاهين، فقد تعامل السوفييت مع الأسرة تعاملا متميزا.

زار الأسرة شاعر روسيا الأكبر ،يفجينى يوفتيشنكو، أنشد الشاعر - تلبية لطلب الأب - شيئا من شعره، وكان بطل القصة يعامل الضيف الكبير معاملة رسمية، إلا أن الشاعر طلب منه أن يناديه بـ«دياديا يفجينى»، أي  عمى يفجينى.

ثم مرت السنون، ومات الأب والأم، وتفرقت الأسرة، ومات شاعر السوفييت فى مستشفى أمريكي!

وعرف البطل بموت الشاعر من جريدة أمريكية، فتذكر ما كان بينه وبين الشاعر، فقرر إرسال ورد، تعبيرا عن مواساته، ولكنه اصطدم بتقليد روسي راسخ، يقضى بأن يكون عدد الأزهار المقدمة فى المناسبات السعيدة فرديا وعدد أزهار الحزن زوجيا.

قال البطل: «اخترت أن أبعث بأربع وردات حمراء قضيت وقتا طويلا ومُضنيا أملى على عاملة تلقّى الطلبات رسالة مطولة تكتب على البطاقة المرفقة دياديا يفجيني، إليك فى رحلتك الأخيرة أربع وردات.

 واحدة لذكرى لقائنا الوحيد.

 وواحدة لتربيتك الحنون على كتفي.

 وواحدة للنور الساطع المٌشع منم وجهك الوسيم.

 والأخيرة للشعر الجميل الذى كان يمكنك أن تكتب".

وللحق فقد خان «حسام» منهجه فى تلك القصة، فقد كان يجب عليه كسر التقليد الروسي بأن يرسل خمس أزهار، ولتكون الخامسة هدية زكاة عن الصدفة والمواعيد التي جمعته بشاعر كبير، كما فعلها أبوه من قبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة / السبت 28 مايو 2022

الثلاثاء، 24 مايو 2022

الموسيقى بين الرافعي ووديان الملاح

 

كتبَ مصطفى صادق الرافعي:

"اسلمي يا مصـرُ إنـنـي الـفِـدا         ذي يــدي إن مــدَّتِ الــدنـيـا يـدا

أبـــدًا لـــن تــسـتــكـيـنــي أبـــدًا         إنــنـي أرجـــو مــع الـــيــوم غـــدا

ومعي قلبـي وعزمـي للجـهاد        ولـقـلـبي أنـتِ بـعـدَ الـدين ديــن

لـــكِ يـــــا مـصـــرُ الــســــلامـــة        وســــــــلامًــــــــا يـــــــــــا بــــــــلاد

إنْ رمـــى الـــدهـــرُ ســـهـــامَــه        أتَّـــــقــــيـــــــهـــــــــا بـــــــفـــــــؤادي"

ولحَنَ الموسيقار صفر علي، ليصلنا نحن الناشئة النشيد المصفى الذي أولعنا بترديده ونحن نسبغ على أنفسنا هيئة الأبطال الذين ستتلقى قلوبهم السهام حماية لأمهم العظمى الجليلة.

تلك كانت بداية معرفتي بأديب وشاعر وناقد العربية الكبير الرافعي، وقد أحببته من يوم معرفتي، ثم قرأت أمهات كتبه وعرفت قصاصات من سيرته، فما زادتني معرفتي بكتبه وأشعاره إلا حبًا مع حب نشأ منذ الطفولة الباكرة.

ومع تلك المحبة لم أكن أنظر إليه نظرتي إلى أصحاب المعجزات، ولم أكن أشفق عليه، بل كنت أحيانًا أضيق ببعض تصرفاته، لأنه كان يرمي بقلبه في ميادين هو ليس من أهلها، ثم قرأت رواية النبيذة لأديبة العراق الأستاذة إنعام كجه جي في عامي الماضي، وكان قد مر على رحيل صادق الرافعي أربعة وثمانون عامًا، فإذ بالرواية العجيبة تبعث الرافعي في قلبي من جديد وتجبرني على العطف عليه والبكاء من أجله ورفعه إلى مقام ومكانة أهل الإعجاز والمعجزات.

رواية الأستاذة إنعام ليست عن شيء سوى الموسيقى، وحياة الرافعي لم تكن سوى قطعة مؤلمة من موسيقى صامتة.

قرأت الرواية وأنا أتألم لمصير بطلتها وديان الملاح، فعدت إلى قراءة كتاب " حياة الرافعي " لتلميذه وصاحبه وكاتب سيرته الأستاذ محمد سعيد العريان، فعرفت أي رجل كان مصطفى صادق الرافعي.

قال العريان: "في السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية، وهي كل ما نال من الشهادات الدراسية، أصابه مرض مُشفٍ أثبتَه في فراشه أشهرًا، وأحسبه كان التيفويد فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثرًا كان حبسةً في صوته ووقرًا في أذنيه من بعدُ. وأحس الرافعي آثار هذا الداء تُوقر أذنيه، فأهمه ذلك همًّا كبيرًا، ومضى يلتمس العلاج لنفسه في كل مستشفى وعند كل طبيب، ولكن العلة كانت في أعصابه فما أجدى العلاج عليه شيئًا، وأخذت الأصوات تتضاءل في مسمعيه عامًا بعد عام كأنها صادرة من مكان بعيد، أو كأنَّ متحدثًا يتحدَّث وهو منطلق يعدو.. فإنَّ صوته ليتضاءل شيئًا بعد شيء، حتى فقدت إحدى أذنيه السمع ثم تبعتها الأخرى، فما أتمَّ الثلاثين حتى صار أصمَّ لا يسمع شيئًا مما حواليه، وانقطع عن دنيا الناس".

لا حول ولا قوة إلا بالله، هل الشعر شيء غير الموسيقى؟ هل شاعر لا يسمع الموسيقى؟ كيف يضبط شاعر موسيقى شعره وهو أصم لا يسمع قصف المدافع؟

كانت وديان الملاح بطلة النبيذة عازفة كمان بارعة، كانت تحنو على الكمان كما تحنو أم على وحيدها، كانت قادرة على التقاط أدق النغمات.

كانت وديان مثل الرافعي كريمة بيت من بيوتات حاضرة الدنيا بغداد، وكان أهلها كرماء يحبونها ويحبون ما تفعل، وكان الرافعي ابن وحفيد لعلماء أجلاء يتولون أرفع مناصب القضاء في مصر، وكانوا يحبونه ويريدونه متفرغًا للعلم، ولكنه القهر يا صاحبي سيدمر حياة الاثنين، الرافعي ووديان.

تخلف الطب في زمن الرافعي (مات في العام 1937) كان هو القهر الذي أفقد الشاعر سمعه.

قهر وديان كان قهرًا معاصرًا، أجبرها ابن طاغية القوم على حضور حفلة من حفلاته، يضيق ابن الطاغية الملقب بالأستاذ بوديان، فينتقم منها شر انتقام، يأتي بسماعات ويجبرها على وضعها على أذنيها، يعلو صوت الموسيقى فجأة ويخفت فجأة ثم يعود ليعلو، يظل ابن الطاغية يصب عذاب الموسيقى في أذني وديان حتى ينفجر مركز السمع، فتصبح صماء.

موسيقية صماء، كيف يكون هذا؟

تقول الأستاذة إنعام على لسان وديان: "كاملة. بحواسي الخمس. هكذا ولدتني أمي. أبصر وأسمع وألمس وأتذوق وأشم، لكن الأستاذ أحب أن يسلبني إحداها. هكذا، بقرار منه، أو برعونة، فقدت سمعي. أصبحت على حافة الصمم. أستعين بلوزتين إلكترونيتين أدسهما في كل أذن، تكبران لي صوت التلفزيون ورنين الجرس وأحاديث من حولي. أسمع أبواق السيارات ويفوتني حفيف الشجر ونقيق الضفادع وهسهسة النار وهمسة أشتاق إليها. أري الموج يتكسر على جرف النهر ولا تصلني طبطبة الموجة على الموجة. ترفرف أجنحة الحمام، خرساء، فوق رأسي. وغطاء إبريق الشاي يطفو فوق فورة الماء بسكون. لا نحاس يقرقع. لا منبه يوقظني. صار على أن أسمع العالم بعيني، بالأنامل. أتذوق الأحاديث وأنا ألملمها بأهدابي عن شفاه المتكلمين".

حظ الرافعي كان أسوأ من حظ وديان، يقول الأستاذ العريان: “وامتدَّ الداء إلى صدره فعقد عقدة في حبال الصوت كادت تذهب بقدرته على الكلام، ولكن القدر أشفق عليه أن يفقد السمع والكلام في وقت معًا، فوقف الداء عند ذلك، ولكن ظلت في حلقه حبسة تجعل في صوته رنينًا أشبه بصراخ الطفل، فيه عذوبة الضحكة المحبوسة استحيت أن تكون قهقهة ".

حظ وديان كان أحسن قليلًا من حظ الرافعي فقد تمكنت من الفرار من جحيم الأستاذ إلى باريس، نعم لم يعد لها سمعها الذي سلبه الأستاذ ونعم لم تعد لها موسيقاها ولكن على الأقل تمكنت من أن تتنفس بعيدًا عن تلوث كوني صنعه الأستاذ بقمعه وجبروته وتسلطه.

كان حقًا عليّ أن أشفق على الرافعي وأنزله منزلته بين أصحاب الإعجاز والإنجاز، أصم لا يسمع قصف المدافع يكتب للوطن وعن الوطن خير الشعر ويكتب عن الحسناوات خير الغزل، أصم لا تحتفظ ذاكرة أذنيه سوى بتكبيرات العيد، ولذا كان يتمني لو عاد له سمعه فيسمعها ثانية حية حارة تعيده إلى براءة طفولته.

وبعدً فسأظل أشكر الأستاذة إنعام التي عرفتني بروايتها الفاتنة بوجه الإعجاز والإنجاز في حياة أديب العربية الكبير مصطفى صادق الرافعي.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة/ السبت / 21 مايو 2020

الجمعة، 20 مايو 2022

بطانة النجوم وأكاذيبهم


لأمر لا يعلمه إلا علام الغيوب، يبتلي النجوم أنفسهم ببطانة، تفسد ما بينهم وبين الناس، بل أحيانًا تفسد تلك البطانة ما بين النجم وبين ذاته وخاصة أهله، وهذا معروف مشهور نشاهده بعين اليقين لا بعين الظن والتخمين.

في كتابها" إبراهيم ناجى.. زيارة حميمة تأخرت كثيرًا "توقفت مؤلفته وحفيدة الشاعر الكبير إبراهيم ناجي الدكتورة سامية محرز طويلًا عند واحد من بطانة ناجي، وهو الشاعر الشهير صالح جودت.

الأستاذ صالح جودت "12 ديسمبر 1912 - 22 يونيو 1976" لم يكن ينقصه شيء لينصف أستاذه وصاحبه إبراهيم ناجي.

كان صالح صحفيًا وكاتبًا وشاعرًا، وغنت له أم كلثوم فحاز المجد من أطرافه، ولكن الدودة في أصل الشجرة، كما قال الراحل الكريم صلاح عبد الصبور. ولكي تكون على بينة من أمر الأستاذ صالح جودة، فسأضع بين يديك ما سبق لي كتابته عنه مستندًا إلى كتاب "الأرشيف السري للثقافة المصرية" للدكتور غالي شكري.

كتبتُ: "كان النشاط الفني للفنانة مديحة يسرى، قد تقلّص، فرأت أن تؤسس شركة للتسجيلات الفنية تحت اسم «شركة الموارد الثقافية والفنية»، شركاؤها كانوا من الكويت، ولذا فإن المقر الرئيسي للشركة كان فى الكويت. ذات يوم هاتفها رجل من جهاز أمنى مصري طالبًا منها الاتصال بالشاعر الأستاذ صالح جودت. هنا انتبه: صالح جودت ليس عابرًا فى كلام عابر، إنه شاعر غنت قصائده أم كلثوم، وتغنى هو بكل الحكام من فاروق إلى السادات!

أحسنت ثورة يوليو لجودت، فكان صحفيًّا لامعًا ورئيس تحرير وشاعرًا بالعامية والفصحى، هل سمعت أغنية وردة العذبة «روحي وروحك حبايب من قبل دا العالم والله»، إنها من تأليفه ومن ألحان فريد الأطرش، اختصارًا لم تؤذِ يوليو جودت أدنى أذى، ولكن ما فى القلب يظل فى القلب وقلب جودت كان ممتلئًا حتى حافته بكراهية يوليو، فما إن مات عبد الناصر حتى اندفع جودت يهجو كل فعلٍ يوليوىّ حتى لو كان فى عظمة بناء السد العالي، جودت كان يخمّر لفتنة أهلية عندما كتب معادلته الشهيرة التى تقول: "الماركسيون ملحدون، والمصريون متدينون، إذن الماركسيون ليسوا مصريين".

نعود إلى سياقنا فنرى أن مديحة يسرى قد اتصلت بصالح جودت كما أمرها رجل الأمن، فرد عليها جودت قائلًا: «لقد ألّفت كتابًا عن الرئيس الراحل، وبيقولوا ممكن تنشريه وتسجّليه كمان بصوتي، ماتفكريش فى الفلوس من ناحيتي".

كانت الدهشة ستشق مديحة إلى نصفَين، صالح جودت عدو يوليو ومفجرها كتب كتابًا فى مدح عبد الناصر، بل سيسجله بصوته على أشرطة كاسيت!

جودت الحريص على حقوقه المادية لا يهتم بالفلوس!      

الذي اتصل بمديحة كان بطبيعة الحال قد رتّب الأمر مع جودت، وجاء له بحقوقه، اثنا عشر ألف جنيه مصري. "انتبه نحن فى مطلع السبعينيات عندما كان الدينار الكويتي بجنيهَين".

فى نوفمبر 1970، ظهرت نسخة الكتاب الجودتى ومعها شريطا كاسيت سجل عليهما صالح جودت كتابه المادح فى حياة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر البطل المغوار القائد الضرورة و.........

وكما تم التأليف والتسجيل بسرعة، جرى إخفاء جثث النسخ والأشرطة".

انتهى ما كتبت ونعود للدكتور سامية محرز التي نبشت تاريخ جدها، لكي تتعرف هي على نفسها وعلى جذورها الضاربة في عمق التربة المصرية والعربية.

كتاب الدكتورة سامية أخطر وأهم وأعمق وأثرى من أن يكون كتاب تعديد لمناقب ناجي، إنه كتاب يبحث عن جذور ناجي، متى جرى غرسها وكيف شبت حتى أصبحت الحديقة الغناء التي نعرقها باسم إبراهيم ناجي.

ولأن الدكتورة سامية كانت تبحث عن الحقائق في بهاء اكتمالها لا عن أنصافها ولا أرباعها، فقد قرأت ما كتبه الأستاذ صالح جودت عن أستاذه الذي هو جدها.

بجملة واحدة منصفة فإن معظم ما لحق ناجي من شائعات وأكاذيب يعد صالح جودت هو المصدر الأول له.

نستمع للدكتورة سامية تقول للأهرام: "مع تطور المادة التى صارت بين يدي وجدت أشياء تجعلني أتشكك، مثل رواية الملهمة الأولى التى يؤكد جودت أنه يعرفها بشكل شخصي وأنها عنايات محمود الطوير، فى حين أن الصدفة جعلتني التقى حسين عمر حفيد علية الطوير الملهمة الحقيقية لناجى، ليحكي لي بشكل قاطع كذب رواية جودت ويوصلني بأميرة ابنة علية التى تكشف لي القصة وتؤكد أن اسم صالح جودت لم يتردد يوما فى بيتهم".

هل كف الأستاذ صالح يده عن تراث وميراث ناجي بعد تلك الواقعة؟

الحقيقة تقول: لا.

تواصل الدكتورة سامية:" الله أعلم صالح جودت فعل هذا لماذا، لكن التركيبة كلها غريبة جدا، فمثلا يستهل جودت كتابه عن ناجى بمقدمة لعباس العقاد الذي كان قد هاجم ناجى فى حياته مع طه حسين ويتهمه فيها افتراء بسرقة أبيات من شعره ثم ينتقص من مكانته الأدبية واصفا إياه بشاعر الرقة العاطفية ومصنفا ديوانه الشعرى بديوان الشاعر الظريف ثم يضفي بعض الشكوك على شعر ناجى مؤكدا أن بعض القصائد التى نُسبت إليه هي فى الواقع قصائد لصالح جودت نفسه".

هذا بعض ما فعله صالح جودت بأستاذه بعد رحيله بسنوات، ولولا بحث الدكتورة سامية لظل كتاب صالح جودت هو المصدر المعتمد لكل باحث في حياة ناجي وشعره.

فمتى يتخلص النجوم من سموم بطانتهم؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة السبت 26 فبراير 2022م

الخميس، 17 فبراير 2022

كيف أنقذ مرسي جميل عزيز خيري شلبي من الانتحار؟




مع روائي مثل الراحل الأستاذ خيري شلبي، ستقف احترامًا لجبروت الموهبة، فلو لم تكن موهبة شلبي تمثل تسعة أعشاره ما كان له أن يصعد إلى قمة تربع عليها، فهو ـ بعد محفوظ ـ الأغزر إنتاجًا، بجملة مؤلفات وترجمات تجاوزت الستين كتابًا، ثم هو الأكثر تنوعًا واختلافًا عن كل أبناء جيله، فقد ضرب بسهم في كل فن من فنون الكتابة، وحققت سهامه جميعًا أهدافها.

لم أكن من الصفوة المختارة التي يفضي إليها العم خيري بأسراره، لكن شاء حسن حظي أن أكون شاهدًا على ساعة من ساعات بوحه.

ذات ليلة قال لنا العم خيري: أنا ابن الصور البراقة والمجد الغابر، ولدت لعائلة عريقة كانت ذات صيت وأملاك، وكانت محبة للفن، وكانت عائلتي تقدر التاريخ وتحترمه، فلقد وضعت صور أكابرها على حوائط «المندرة» التي كانت مخصصة لاجتماعات العائلة المهمة، ولاستقبال ضيوفها.

يضيف خيري: «عندما كنت طفلًا تعلقت بتلك الصور، إنها لأجدادي وأعمامي، فلان بك وعلان باشا، هذا صاحب أملاك وذاك صاحب سلطة، كانت وجوههم منيرة بطريقة ما، وكنت أخرج نفسي من حالة التأمل تلك بمشقة، أعود لواقعي، لقد ماتوا وذهبت معهم أمجادهم، الواقع كان قاسيًا بطريقة جهنمية، فقدت ولدت لأبوين، عيالهما كثر ومواردهما ضئيلة.. ذقت كل أنواع المعاناة، ولكن في وقت مبكر من حياتي عرفت أنني سأكون كاتبًا يخلد حياة الذين أغفل التاريخ ذكرهم".

أوفى العم خيري بوعده الذي قطعه على نفسه وأصبح كاتبًا، وقبل ربع قرن من عامنا هذا خرج على الناس بواحدة من قنابله. لقد نشر كتابه «مرسى جميل عزيز.. موسيقار الكلمات». الكتاب صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، وقد نفدت طبعته الأولى، ولكن لم تُعد الهيئة ولا غيرها من دور النشر طباعته. قسّم الأستاذ خيري كتابه إلى خمسة أقسام رئيسية هي: مرسي شاعر الحب والأمل، مختارات من شعر مرسي، لمحة عن مشوار حياته، مشواره الفني، نماذج من أغانيه.




هل كان مرسي جميل عزيز يستحق كتابًا بقلم خيري شلبي؟

الإجابة هي نعم، قاطعة حاسمة.

ولد الأستاذ مرسي رحمه الله في التاسع من يونيو من العام 1921 بمركز الزقازيق بمحافظة الشرقية، كان والده الحاج جميل عزيز مرسي ثريًا من كبار التجار، وبفضل ثروته تلك تمكنّ مرسي الابن من التفرغ لفنه. حصل مرسي على شهادة البكالوريا (الثانوية العامة) من مدرسة الزقازيق، ثم التحق بكلية الحقوق (ولا أعرف هل واصل دراسة الحقوق أم لا). وتوفي في التاسع من فبراير من العام 1980، وخلال رحلته التي لم تستغرق سوى تسع وخمسين سنة صنع مجده الشعري.

البداية مع السنباطي 

بدأ مرسي التأليف وهو ابن ثماني عشرة سنة، فقد قدم للإذاعة في العام 1939 أغنية «الفراشة» التي لحنها الموسيقار الكبير رياض السنباطي (هل نلتفت لدلالة قيام موسيقار شهير جدًا بتلحين أغنية لشاب لم يكن أحد قد سمع باسمه؟). لكن جاءته الشهرة عندما غنى له عبد العزيز محمود إحدى فرائده، وهي أغنية «يا مزوق يا ورد في عود".

لا يوجد صوت غنائي لم يكن له نصيب من إبداع مرسي، بداية من سيدة الشرق أم كلثوم ونهاية بعفاف راضي، إضافة لعبد الوهاب وعبد الحليم ومحمد قنديل والسيدة فيروز وغيرهم من فحول المطربين. مكانة مرسي الشعرية جعلت الأستاذ يحيي حقي، رحمه الله، يكتب عنه دراسة وافية وينشرها في كتابة «خطوات في النقد".



في مطلع الخمسينيات، هاجمت نوبة من الظروف القاسية العم خيري شلبي الذي كان في ذلك الوقت في ريعان شبابه، فرأى أن يتخلص من حياته. لم يكن قرار الشاب خيري عشوائيًا، لقد تسلطت عليه متاعب حياته الشخصية وقراءاته المبعثرة في الفن والفلسفة، ليصنعا مزيجًا دفعه للعزوف عن الحياة.

صوت فيروز 

جاءت اللحظة الحاسمة، أحضر الشاب المقبل على كارثة زجاجة ممتلئة بصبغة اليود، واختفى في غرفة مهجورة من غرف بيت أبيه الريفي، أغلق دونه كل الأبواب، وسد كل منفذ للغرفة، كي لا يسارع أحد بإنقاذه متى صرخ من وطأة الألم. تجرع الشاب الزجاجة كاملة، سرت صبغة اليود في أحشائه فراحت تتقطع ألمًا، لم يصرخ الشاب وفاءً لعهد قطعه على نفسه، وهو في غيبوبة الألم جاءه الإنقاذ من مرسي جميل عزيز الذي كان يسمع باسمه، ولا تربطه به رابطة خاصة.

في اللحظة التي رفرف فيها طائر الموت بجناحيه فوق قلب الشاب، شاء الله أن يعلو صوت راديو الجيران. كانت فيروز تصدح بقصيدة مرسي جميل غزيز التي لحنها الرحبانية "سوف أحيا"

يقول العم خيري: كان صوت فيروز يزفه صوت الكورس البديع، القوي قوة الإصرار والأمل والرغبة في الحياة.

كانت الأغنية تقول:

لمَ لا أحيا وظل الورد يحيا فى الشفاه

ونشيد البلبل الشادي حياة لهواه

لمَ لا أحيا وفى قلبي وفى عيني الحياة

سوف أحيا سوف أحيا




يصف العم خيري مشاعره في تلك اللحظة الفارقة فيقول: «لا أستطيع وصف مشاعري لحظتها، أشرقت الدنيا في عينيّ فجأة، فشعرت بأن صوت فيروز هو الضوء المشتعل الذي أضاء كل الظلمات، وبأن كلماته المشرقة تؤنبني بشدة على ما فعلت، وتهزأ بإصراري على هذا الموقف الفج. وكان يخيل لي كأن الأكف تنهال على صدغي، لطمًا، وأنني حاول عبثًا دفعها عني. ثم بدأ كأن الكلمات تضمد جراحي بلحن غاية في العذوبة، ينفض المشاعر نفضًا، يصفيها من غبار اليأس وظلمات الأوهام والأفكار الخاطئة، ويزرع فيها المقاومة والرغبة في الحياة.

ليس سراً يا رفيقي أنّ أيامي قليلة

ليس سراً إنما الأيام بسمات طويلة

إن أردتَ السر فاسأل عنه أزهار الخميلة

عمرها يومٌ وتحيا اليومَ حتى منتهاه

سوف أحيا سوف أحيا

حينئذ –يضيف العم شلبي ـ «وعلى صوت البلبل الشادي، صرخت في طلب النجاة والإنقاذ، تيمنًا بزهرة الخميلة التي تعرف أن عمرها في الحياة يوم، لكنها تحيا اليوم حتى منتهاه. نعم، سوف أحيا، هكذا قلتها، ولا أزال أقولها كلما رن في مسمعي نشيد هذا البلبل الشادي على صوت فيروز الحبيب".

من حسن حظ الأدب العربي أن القصة قد انتهت بمواصلة العم خيري للحياة، وبإصراره على المقاومة، لكي يمتعنا نحن قراء العربية بروائعه. ثم مرت السنون وأصبح الرجلان صديقين، الشاب الذي كاد ينتحر، والشاعر المنقذ.

 يقينًا قص خيري قصته على الشاعر، لكن من سوء حظ الأدب العربي أن العم خيري لم يسجل لنا رد فعل مرسي على تلك القصة النادرة. فلو كان فعلها وأكمل بوحه، لظفر الأدب العربي بصفحات مضيئة، كنا سنرى فيها مجدا حازه شاعر أنقذت كلماته أديبا شابا، سيصبح بعد قليل أحد أعمدة الرواية العربية المعاصرة.

رحم الله الرجلين الكريمين، وألهم الناشرين إعادة طبع هذا السفر النادر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات 18 مارس 2019