الخميس، 4 مارس 2021

هل أنتخبك لتقلتني؟

 

يفصل بيننا وبين الخامس من مارس، موعد اجتماع الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين المصرية، أقل من  أسبوع فإذا حضر نصف أعضاء الجمعية (قرابة الخمسة آلاف عضو) جرت انتخابات النقابة في اليوم ذاته.

الانتخاب حق دستوري أصيل لا يمكن لأحد التلاعب به أو تجاهله، ولكن صيانة النفس البشرية هي أيضًا من الحقوق الأساسية التي يعد العدوان عليها جناية كبرى.

بلدنا كغيرها من البلاد يحاصرها وباء كورونا، وهو الوباء الذي يسجل إصابات ووفيات في دولة عظمى مثل أمريكا بمعدلات يشيب لها الولدان، يتحدثون الآن عن قرابة النصف مليون أمريكي حصدهم الوباء، إضافة إلى مئات الملايين من المصابين، ومعروف لكل ذي عقل أن الزحام هو البيئة المثلى التي ينشط فيها كورونا، ومع كل تلك البديهيات نرى نقابتنا العريقة تسارع إلى الدعوة لانعقاد الجمعية العمومية في الخامس من مارس!

فكيف يكون ذلك يا خلق الله؟

نقابتنا أعني سيادة النقيب والأساتذة أعضاء مجلس النقابة يعرفون الأمر وتعقيداته ولذا خافوا من أنياب المبتزين والمزايدين ولجأوا إلى طلب الفتوى من مجلس الدولة، حول الوضع القانوني لإجراء الانتخابات في ظل كورونا، مجلس الدولة من ناحيته قال:"إن ما يتعلق بالظروف الصحية المصاحبة لعقد الجمعية العمومية للنقابة، ليس من المسائل القانونية التي تختص الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع بإبداء الرأي فيها، وإنما تعد من المسائل الفنية التي تستقل بتقديرها الجهات المعنية بالشئون الصحية كوزارة الصحة".

نفذت نقابتنا توصية مجلس الدولة وذهبت إلى جهة الاختصاص وهي هنا وزارة الصحة التي أرسلت فريقًا طبيًا لفحص مبنى النقابة الذي يشترط قانونها عقد الجمعية العمومية بداخله، وبعد الفحص قال الأستاذ خالد ميري، وكيل نقابة الصحفيين، ورئيس اللجنة المشرفة على انتخابات التجديد النصف بالنقابة:" تلقت النقابة تلقت ردًا من إدارة الطب الوقائي بوزارة الصحة يحذر من إجراء الانتخابات في هذا التوقيت بسبب تفشي جائحة فيروس كورونا، واتخاذ الدولة إجراءات احترازية مشددة من ضمنها حظر التجمعات الكبيرة في أماكن محدودة خوفًا من انتشار الفيروس".

بعد هذا الكلام الواضح الصريح كان من المفترض أن نقول:" قطعت جهيزة قول كل خطيب".

ولكن الخوف من الابتزاز والمزايدة والانشغال ببوستات الفيس بوك وبتغريدات تويتر جعل النقابة تمضي في إجراءات عقد الجمعية العمومية وفتح باب الترشيح على مقعد النقيب وعلى مقاعد التجديد النصفي لمجلس النقابة.

السؤال الآن ليس سؤالًا سياسيًا، إنه سؤال أخلاقي في المقام الأول بل والأخير.

أهل الذكر قالوا: لن نستطيع تأمين النقابة طبيًا لا في يوم عقد الجمعية العمومية ولا في يوم الانتخابات، وقد قالوا ذلك بأفصح لفظ، فما معنى تجاهل كلامهم وتحذيرهم؟

ليس لدي بيان قاطع بعدد أعضاء الجمعية العمومية ولكن بالترجيح فهو لن يقل عن عشرة آلاف عضو، يجب حضور نصفهم أي خمسة آلاف صحفي في أول انعقاد للجمعية العمومية، فكم من هؤلاء سيصاب؟

ثم كم من المصابين سنبكي على قبره بعد صراع مع مرض سخيف لم يعرف له العالم رأسًا من قدمين حتى اللحظة؟

مَنْ يدفع هذه الفاتورة؟ وفي رقبة مَنْ سيكون يتم الأبناء وترمل الزوجات؟

كرونا خطير ومميت وقاتل، ولا يعرف الهزل ويضرب أرباب القصور وساكني الأكواخ، فكيف سينجو آلاف الصحفيين يوم عقد الجمعية العمومية ويوم إجراء الانتخابات؟

ألا لا يتحدثن أحد عن الكمامة والمطهر، فقد رأينا بعيوننا زحام يوم فتح باب الترشيح وكيف تخلى الجميع عن أبسط وأقل الإجراءات الاحترازية.

ليس من المنطق ولا من الأخلاق في شيء أن أذهب لدعم هذا الزميل أو ذاك ثم أعودـ إن عدت ـ مصابًا وناقلًا العدوى لأهلي، ثم ليس هناك معنى لعقد الانتخابات الآن الآن وليس غدًا، فالآن الوباء في غاية النشاط، وتأجيل الانتخابات وعقدها في فصل الصيف حيث تقل معدلات الإصابات لن يهتز له عرش الرحمن ولن تختل معه موازين القوى في الشرق الأوسط، الكرة في ملعب الصحفيين قبل أن تكون في ملعب النقيب وأعضاء مجلس النقابة، ففي ظل عدم إمكانية تدخل الدولة وفرضها لتأجيل الانتخابات يجب علينا جميعًا أن نراعي أحوالنا بأنفسنا، فليس منا واحد محصن ضد الإصابة، وليس منا واحد لم يتجرع مرارة الحزن على صديق أو قريب ضربه هذا الوباء القاتل.

أناشد الجميع الالتزام بخطة عدل وحكمة، فإن كانت الانتخابات تمثل دعمًا لمهنتنا فإن إصابتنا ستخصم هذا الدعم، وستزيد الطين بلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة 27 فبراير 2021

الثلاثاء، 19 يناير 2021

نعمة العدالة معصوبة العينين

 

وقف الرجل الفقير المغمور أمام النيابة العامة ليقص تفاصيل العدوان الذي وقع عليه وعلى زوجته.

قال الرجل: أنا متزوج من عدة شهور وأعمل في تجميع الكرتون والمخلفات، وأعتمد في عملي على التروسيكل الذي أنقل به بضاعتي، ويعد كل رأس مالي، وذات يوم فوجئت باختفاء التروسيكل، بحثت عنه في مكل مكان، ولكن لم أجده، وأرشدني أحدهم إلى المقابر فقد يكون لص قد سرق التروسيكل وذهب به إلى هناك، كنت عاقدًا العزم على الذهاب إلى المقابر بمفردي لكن زوجتي أصرت على أن تكون بصحبتي، لأن المكان مهجور وهى تخشى أن يلحقني شر، ذهبت معي زوجتي التي تعد عروسًا إلى المقابر، وأثناء بحثنا عن رأس مالنا تقدم منها أربعة رجال وهو يشهرون في وجهينا الأسلحة البيضاء، حاولت التخلص منهم ولكن لم أستطع مواصلة مقاومتهم، أفهمتهم أن التي معي هي زوجتي على سنة الله ورسوله، ولكنهم لم يستمعوا لكلامي ولا لصرخات زوجتي، قاموا بربطي في شجرة وقام أحدهم تحت تهديد السلاح باغتصاب زوجتي أمامي.

انتهى كلام الرجل الفقير المغمور، ولكن بحمد الله وفضله لم تلتفت أجهزة الأمن ولا منظومة العدالة إلى حالته الاجتماعية، لقد أهتم الأمن بالقصة التي هزت الرأي العام من فرط بشاعتها وألقى القبض على الجناة الذين قدموا اعترافات تفصيلية بما اقترفوا من جريمة منكرة، وعندما أصبح الأمر كله بين يدي القضاء أصدرت محكمة جنايات الإسماعيلية الدائرة الثانية، برئاسة المستشار محمد نصر الدين بركات وعضوية المستشارين محى الدين إسماعيل، ومحمد الصواف ومحمود مجدى وأمانة سر محمد عبدالستار ومحمد العجوز، حكما بالإعدام شنقا على المتهم الرئيسي ( ع )، وقضت بالسجن لمدة 10 سنوات على كل من (ع ب) و( ا.م) و ( م . ل)، وذلك لأنهم ساعدوا المتهم الأول في تقييد حركة الزوج، إضافة إلى مساعدتهم له في عملية الاغتصاب بترهيب الزوجة.

لقد صدر الحكم الذي قوبل باستحسان الذين تابعوا القضية وشغلتهم تفاصيلها الدامية، ولكن هناك الذين يريدون خلط الأوراق ووضعها جميعًا في سلة واحدة.

لقد فوجئت (شخصيًا) بجماعة من المثقفين الذين يملؤون الأرض صرخًا رفضًا لعمليات التنمر (وهم محقون في رفضهم)، يملؤون فضاء السوشيال ميديا صراخًا رفضًا لحكم الإعدام في القضية التي عرضنا تفاصيلها!

بأي مكيال يكيل هؤلاء؟

يرفضون التنمر والتحرش ولو بنظرة عين جشعة ثم يجادلون في إعدام مغتصب أقر بفعلته، وربما كان يباهي بها ويفاخر قبل وقوعه في قبضة الأمن، فبأي منطق يحكمون؟

العجيب أن بعض المعترضين أقام الدنيا ولم يقعدها لأن سخيفًا قال كلمة سخيفة مرفوضة في حق طفلة أمها ممثلة شهيرة!

والأعجب أن بعضهم قد تذكر الإسلام وقال إن الشريعة تحض على العفو!

كل علامات التعجب لا تكفي من إظهار الدهشة من كلام كهذا، نعم الشريعة تحض على العفو ولكن هذا الحكم متجزأ من سياقه العام الذي يقول: لولي الدم أن يعفو أو يقبل بالدية أو يطلب بالقصاص، وهذا هو الترتيب وهذه هي الخيارات.

الجريمة التي نحن بصددها ليست جريمة قتل جسدي وإن كانت جريمة قتل معنوي، والشريعة تتيح للقاضي أن يعزر الجناة تعزيرًا يصل إلى الإعدام، وذلك بعد أن يمعن النظر في تفاصيل القضية، وقد فعل القضاة ما أمرتهم به الشريعة وقر في وجدانهم أن الجناة يستحقون الأحكام الصادرة في حقهم، لأن الجناة قاموا بعدوان على المجتمع كله قبل أن يعتدوا على زوجة تحت تهديد السلاح.

أشرت متعمدًا في أول السطور إلى أن الزوج رجل فقير مغمور لا يعرف عنه أحد شيئًا ولا يتمتع بثروة ولا سلطة ولا نفوذ ولا شهرة، فهل يجوز لي أن أقول إن المعترض على الحكم الشجاع السديد قد نظر إلى وضع الرجل الاجتماعي فلو كان من أهل النفوذ لتغير كلامه؟

نحمد الله على نعمة العدالة معصوبة العينين التي لا ترى شخوص المتخاصمين وترى قضاياهم فقط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة 16 يناير 2021

الأربعاء، 30 ديسمبر 2020

أختي المواطنة .. لا تدخلي بيت المتحرش

 جاء في الذكر الحكيم آيتان تفضحان الذي يخدع ذاته ويتبع هواه تحت أي ستار وزعم، تقول الآية الأولى:" كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ".

مَنْ المخطئ في هذه الآية؟

ـ الشيطان.

ـ يا رجل كن منصفًا، ليس هناك آدمي لا يعرف أن الشيطان هو عدوه الأزلي الأبدي، فلماذا يسمع الآدمي للشيطان وينفذ مخططاته ثم يشكو؟

الخطأ مشترك بين شيطان عدو وآدمي يتبع هواه، ولذا جاء العقاب رادعًا للاثنين، لأن التحايل إن جاز على أحد فلا يجوز في حق الخالق وهذا هو نص الآية:" فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ".

أرى أنه يصلح الاستشهاد بالآيتين في سياق كارثة اجتماعية بدأت تضربنا بقوة، أعني بها كارثة " العلاقات غير المنضبطة".

على هوامش الكارثة وأحيانًا في متنها تنبت عدة مغالطات عجيبة جدًا.

ولكي يكون الكلام في سياق منسجم نبدأ من بداية الشريط.

التحرش أو العلاقات غير المنضبطة ليس عيبًا مصريًا مقصورًا على بلادنا، هو مرض اجتماعي منتشر في كل زمان ومكان، ومعدلاته في مصر ـ رغم كل الضجيج ـ تعد قياسًا على عدد الشعب، متدنية.

الأكذوبة الأولى التي تنبت من قلب هذه الحوادث، هي أكذوبة، ضرورة التخلي عن التعليمات التربوية بزعم أنها كلام قديم أكل عليه الدهر وشرب!

لقد ولدنا جميعًا في مجتمع لم يكن يعرف مصطلح " أعيش علاقة معقدة" ما الذي يدفع الإنسان لأن يرضى بعلاقة معقدة؟

ثم ما هي تلك العلاقة المعقدة؟

ولدنا جميعًا على تعليمات تقول: لا تذهب إلى بيت لا تعرف ساكنيه جيدًا، لا تصعد لسيارة لا تعرف قائدها جيدًا، بل لا تقف في عرض الطريق متحدثًا ومتبسطًا مع أحد لا تعرفه جيدًا، معرفة الفيس بوك وتويتر هي بالأساس معرفة افتراضية، يتجمل فيها الجميع ويكذب فيها الكثيرون.

أليست تلك هي التعليمات التي تربينا عليها؟

ألم تحمنا تلك التعليمات في فترات مهمة من طفولتنا ومراهقتنا وأول شبابنا؟

الآن يفتري بعضهم الكذب على تلك التعليمات ثم عندما يسقط يجلس على قارعة الطريق يبكي ويستجدي التعاطف.

لست ـ بطبيعة الحال ـ مع لوم الضحية، فلوم الضحية هو خسة نعوذ بالله منها، ولكن التعاطف والدعم" عمّال على بطال" شيء مريب ولا أقول عجيب.

هل الضحية هي حقًا ضحية؟

هذا سؤال مسكوت عنه، لماذا لا نتحدث عن كل حالة وفق ظروفها، حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الأسود.

التي تذهب بقدميها طاعة مختارة إلى بيت رجل لم تختبر أخلاقه، ثم يقع من الرجل تجاهها فعل مشين، ثم تصبر هي سنة وسنتين ولا تبادر بمقاطعته فورًا، بل تواصل التعاطي معه على أي مستوى كان، ثم بعد كل ذلك: تصرخ فلان تحرش بي!

هل هذه ضحية؟

هل نعود لقصة الشيطان مع أبناء آدم؟

هل نعود للبكاء على تعليمات تربوية يركلها بعضهم بقسوة بزعم أنها من تراث التخلف والزمن القديم؟

القصة يا خلق الله واضحة وضوح شمس الظهيرة، فلماذا يفعل أحدنا فعل هذا الذي قال:" اللهم أدخلنا بيت الظالمين وأخرجنا سالمين"

فرد عليه عاقل:" وإيه اللي يجبرك تدخل بيت الظالم وأنت واقف برة؟"

إن الكذب بدون قدمين وليس أسوأ من الكذب على النفس، فليصارح كل منا نفسه لكي يصالح ذاته، أما المراوغة والتدليس والعش والخداع فكل أولئك لن يكونوا جزءًا من الحل بل سيكونون جزءًا مهمًا من المشكلة، فلنبدأ بالعودة إلى التعليمات وعدم التعالي عليها (فلا يقع سوى الشاطر أو مدعي الشطارة) ثم فلتبادر التي تتعرض لأي عنف بفضح المعتدي، وكشف سوء أخلاقه لكيلا يخدع غيرها، لأن السكوت والصبر لسنوات ثم الانفجار بعد طمس الأدلة لن يقدم ولن يؤخر، وسيضع الحق وتتكرر الكارثة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة / السبت 26 ديسمبر 2020

الخميس، 10 ديسمبر 2020

هل أتاك حديث العفاريت؟

 


قبل سنوات بعيدة ظهر الفنان العربي الكبير محمد عبده على الناس بأغنيته الشهيرة "الأماكن"، كانت الأغنية رغم حزن لحنها وكلماتها تُغنى من المحيط إلى الخليج في كل المناسبات، حتى لو كانت المناسبة مناسبة زفاف!

وكان عبده على شهرته الفائقة نادر الظهور في اللقاءات التلفزيونية، وذات مساء صرح الإعلامي الكبير محمود سعد بأن عبده سيكون ضيفه في حلقة خاصة، للحديث عن مجمل أعماله عامة وعن أغنية الأماكن بصفة خاصة.

أنتظر محبو عبده الحلقة على أحر من الجمر، وعند بثها تحلق المحبون حولها، للحق كان محمد عبده متألقًا وهو يسرد ذكريات طفولته القاسية وأول شبابه، وتذكر كيف أنه كان يعيش مع السيدة والدته في بيت من غرفة واحدة لا وجود فيها للكهرباء أو للمياه النقية، ليلتها كسب محمد عبده محبين جددًا، ثم فجأة وبدون أي مناسبة قال:" رأيت العفريت يقفز أمامي و....".

قاطعه محمود سعد لكي يغير مجرى الحديث، ولكن الرجل أصر على سرد قصته مع العفاريت!

كان الإحراج باديًا على وجه الإعلامي الكبير وهو يحاول لملمة الموضوع وستر القصة التي يورط فيها الفنان نفسه لوجه العفاريت!

فشل سعد في إسكات عبده الذي حكي كثيرًا عن العفريت الذي كان يظهر في ظلام الصحراء!

أظن أن تلك الحلقة من البرنامج الخاص، كانت تدشينًا قاسيًا لظاهرة العفاريت في الإعلام العربي، بعدها أصبح المتحدث عن العفاريت لا يعاني من أدنى درجات الحرج أو غياب المصداقية عن كلامه فيروح الواحد منهم يفسر حياته بل وحياتنا بتفسير، إما تدخل العفاريت وإما عيون الحساد!

أذكر أن فنانة شابة كانت تعد بالكثير في مجال التمثيل، أساءت اختيار أدوراها فبدأ نجمها يرتعش تلك الرعشة التي تنذر بظلام قادم، أيامها قالت النجمة الشابة: إن فلانة النجمة الكبيرة قد سلطت عليها عفريتًا يجعل دورتها الشهرية متى بدأت لا تتوقف إلا بعد تدخل طبي!

كانت الشابة تبث هذا التفسير في كل مكان تذهب إليه، فوسوس لها بعض أولاد الحلال، بأن تحرر محضرًا ضد النجمة الكبيرة، وكادت الشابة تفعل لولا تدخل منتج كبير محترم، كشف للشابة عن الأسباب الحقيقة لتراجع مستواها وحذرها من هذا الكلام الذي يشبه الفضيحة، لم تذهب النجمة الشابة إلى قسم البوليس ولكن ظلت تدور في فلك ذلك التفسير المضلل حتى كادت تتوارى عن الأنظار!

هذا العبث تواصل وتوغل وسيطر وهيمن على عقول وقلوب كثيرين، وأنت وأنا نعرف ذلك الرجل الذي لا يتورع عن حشر العفاريت في كل جملة يقولها، فإن ربح فلأنه جاء بمن يبطل سحر العفاريت، وإن خسر فإن خصمه قد جاء بمن فعّل سحر العفاريت بحيث لم يتمكن من إبطالها!

وقبل أيام ظهرت نجمة شابة محبوبة ولطيفة لتحكي عن العفاريت التي كانت تقيم معها في مسكنها، فهي أي العفاريت تفتح خزينة الملابس وتشعل التلفزيون، والحمد لله أنها لم تنسب للعفاريت تقشير البطاطس وغسل أطباق الطعام.

كانت النجمة تحكي وبيسر وسهولة ويقين، وكان النجم الذي يستضيفها يصغي بأدب جم، وكأن كلامها حقيقة لا تقبل الشك ولا المراجعة.

كل ما سبق يؤكد أن السكوت عن مواجهة هذا الكلام خطير جدًا، لأن السكوت يعني الرضا والقبول أو على الأقل ترك الباب مفتوحًا لمحاولة التصديق، إن شيوع هذا التفسير سيؤدي إلى ضرب قيم عظمى في مقتل، مثل قيمة العمل والجد والنشاط والسعي المخلص لبناء مجتمع يعرف التعقل في تناول أمور حياته.

قبل عام وقف النائب طارق متولي، نائب السويس وعضو لجنة الصناعة بالبرلمان تحت قبة البرلمان وقال كلامًا في غاية الخطورة ولكن لم يلتفت إليه أحد، قال النائب: إن المركز القومي للبحوث قد أشار في دراسة من دراساته إلى أن عدد الذين يقمون بأعمال ما يسمى السحر والشعوذة يتجاوز الخمسمائة ألف نصاب، وأن المصريين ينفقون سنويًا فوق الخمسة وعشرين مليار جنيه على هذه الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وختم النائب كلامه بقوله: إن القانون المصري لا يجرم أعمال السحر والشعوذة إلا بضمها لجرائم النصب والاحتيال، وأن أقسى عقوبة توقع على المشعوذ النصاب هي حبسه لثلاث سنوات فقط.

أعلم علم اليقين أن هذه الأمراض موجودة في أي تجمع بشري، ولكن الحديث يجب ان يكون عن النسبة والتناسب وعن حال المجتمعات، فهناك مترفون لا يشغلهم كثيرًا إهدار كل هذه المليارات على صناعة الخرافة، ولكن نحن بلد يحتاج لكل جنيه لكي يبدأ في النهوض، فكيف نسمح لصناعة الخرافة بالسيادة وباستنزاف الموارد المالية الشحيحة أصلًا؟

السبت، 14 نوفمبر 2020

من دروس نصر أكتوبر العظيم


لن نقدر يوم العبور العظيم حق قدره إلا إذا نظرنا إلى ما كان قبله.

في الخامس من يونيو من العام 1967 تلقينا ضربة موجعة قاسية جدًا، ومن فرط قسوتها ظن الذين في قلوبهم مرض أن الدولة المصرية، قيادة وشعبًا وجيشًا لن ترفع رأسها مرة ثانية وستعيش تلعق جراحها وتبكي حظها حتى يفنيها عار الهزيمة.

لكن المصري الحقيقي عض على شفتيه كما تفعل الجِمَال، ولم يسقط في الانهيار وغيبوبة النسيان، ظل قابضًا على جمر الحقيقة القاسية وأمضى ست سنوات كاملة في تأدية أقسى وأصعب التدريبات، ولم تكن التدريبات عسكرية فقط، بل شملت مختلف وجوه الحياة، لقد عاش المصري السنوات الفاصلة بين قسوة الهزيمة المباغتة وبين تألق النصر المبين وهو يتدرب على أن يعيش حياة حرب بكافة تفاصيلها.

أين كان الشعب في هذه الملحمة؟

الشعب لم يقل لجيشه ما قاله بنو إسرائيل لنبيهم، موسى كليم الله:" فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ".

شعبنا العظيم قال لجيشه ما قاله أصحاب سيدنا محمد له:" اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون".

لقد تقدم شعبنا الصفوف وحمى جيشه وقيادته ولم يبخل بشيء حتى لو كان في أشد الاحتياج إليه، ويكفيه أنه قدم أولاده فلذات أكباده الذين هم الضباط والجنود ليكونوا وقودًا لمعركة استرداد الكرامة وتطهير الأرض من دنس الاحتلال.

وقد وقعت قبل أيام على سطور مضيئة كتبها الكاتب الأستاذ سعد الأزهري، وقد نشرها تحت عنوان" شاهد شاف كل حاجة"

يعني أن سطوره هى شهادة شاهد عيان، رأى بعينيه وسمع بأذنيه وعاش الموقف بكامل تكوينه ووجدانه.

نقرأ معًا سطور الأستاذ الأزهري لكي نعرف قدر شعبنا الذي ساند جيشه العظيم وكيف لم يخذله الجيش الذي قدم بطولات نادرة ستظل خالدة في سجلات التضحية والشجاعة.

قال الأستاذ الأزهري: “أثناء حرب أكتوبر 1973، دخل قطار بضاعة بعرباته الكثيرة إلى منطقة الانتظار، بمحطة قطارات شبين القناطر.

 محطة قطارات شبين القناطر محطة رئيسية، على خط الشرق القديم بين القاهرة والمنصورة نهاية خط كوبري الليمون الشهير. وكان من المعتاد أن تمر قطارات البضاعة المحملة بالمواد المحجرية وهي من محاجر أبو زعبل القريبة، وتقف قليلا قبل أن يُفتح لها الطريق. ويحيط بالمحطة ميدان رئيسي وهو ميدان واسع وحيوي وهو أيضا سوق البلد الرئيسي والمشهور بتجارة الفاكهة والخضار و " الشنايش " التي تبيع بالجملة والباعة الجائلين الذين يعج بهم الميدان ويفترشون الأرض والأرصفة بكل أنواع الخضار والفاكهة.

 توقف القطار قليلا قبل السماح له باستئناف رحلته وفتح الخط له . وانتبه الناس الي الحركة الغريبة حول القطار وكثرة عدد جنود الحراسة.

ولاحظوا أيضا أن هناك عربات مغطاة بجريد النخل وفروع الأشجار، والأغطية الخضراء الثقيلة.

 وبدأ الفضول يدفع الناس إلي التساؤل: ما الذي يستدعي حراسة قطار محمل بمواد محجرية بهذا الشكل؟

 وعرفوا أن القطار محمل بالعتاد العسكري والمؤن والأغذية، متوجها إلى جبهة القتال.

 وماهي إلا لحظات حتى حدثت حركة هياج شديدة بين الناس وكأن مس من الكهرباء سري فيهم، واصطفوا كأسراب النمل النشط ــ وبدون قرار أو أوامر من أحد ــ وفي دقائق معدودة تم دفع وتحميل كل ما في السوق إلي داخل القطار، الباعة الجائلون قبل التجار، ولم يبق شيء في الميدان إلا الصمت وهم يتابعون تحرك القطار، ما بقى إلا شعب يحارب معركته".

انتهت سطور الأستاذ الأزهري التي تنطق بعظمة هذا الشعب الذي عندما يريد فإنه يتوكل على الله وحده ثم يمضي لتحقيق ما يريده لا يمنعه مانع، حتى لو كان ذلك المانع هو اقتحام قناة السويس وتحطيم خط بارليف، أحد أقوى الخطوط الدفاعية التي عرفتها البشرية.

لم يصدق شعبنا يومًا أكذوبة أن خط بارليف سيمنعهم من تحقيق النصر وتطهير الأرض، في الموقف الذي ذكرناه تبرع الشعب بدون أمر من أحد بقوت يومه، وصنع ذلك بتلقائية الذي لا يريد جزاءً أو شكورًا، لقد صنعه يريد وجه الكرامة والعزة وقد قاتل جيشنا العظيم وعاد مرفوع الرأس ليقدم نصره الخالد هدية لشعبه المقاوم البطل.

الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

صرحة مالك بن نبي التي تاهت في وديان لبنان

 

ما وقع من بعض اللبنانيين في الأسبوعين الماضيين عندما نادوا بعودة الاحتلال الفرنسي لبلادهم لمدة عشر سنوات، يجب ألا يمر مرور الكرام، ويجب الخوف من تلك الدعوة، فمع كونها من مستصغر الشرر، لكن علينا ألا ننسى أن مستصغر الشرر تنطلق منه أعظم الحرائق التي لا تبقي ولا تذر.

لبنان الذي يبدو ككرة صوف تشابكت خيوطها ومن ثمّ تعقدت، يجب علينا احتضانه الآن وفورًا بدون الدخول في حسابات سياسية هي من أصلها معقدة والداخل فيها مفقود والخارج إن خرج مولود.

وبداية الاحتضان أن نعرف ماذا حدث؟.

الذي حدث في لبنان ويحدث في غيره من الدول والأمم حذر منه ونبه عليه قبل قرون مؤسس علم الاجتماع الشيخ الإمام عبد الرحمن بن خلدون.

قال ابن خلدون: "المغلوب مولعٌ أبدا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيِّه ونِحلته وسائر أحواله وعوائده".

هذا التشخيص حادث ونشاهده بعيوننا تمام المشاهدة، فلماذا يقلد المغلوب المهزوم الغالب المنتصر؟.

يجيب ابن خلدون: "والسبب في ذلك أنَّ النفس أبدا تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت إليه، إمَّا لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه أو لما تغالط به من أنَّ انقيادها ليس لغلب طبيعي إنما هو لكمال الغالب". 

نعم نحن نشعر تجاه الغالب بأنه غلبنا ليس لعيوب فينا وليس لكسلنا وقلة عملنا، بل غلبنا لأنه هو كامل ولد منتصرًا، فهل هناك خداع للنفس وكذب على الذات أقبح من هذا؟

ثم نحن نقلد الغالب في توافه الأمور، نلبس مثله، نتكلم مثله نغني مثله نرقص مثله، وأبدًا لم نعمل كما يعمل ولم ننتج كما ينتج ولم نخترع كما يخترع، ولأن الأمر كما ترى يقودونا التقليد إلى الهاوية التي نقبع في قعرها.

بعد ابن خلدون بقرون جاء المفكر الجزائري العلامّة مالك بن نبي وكتب كتابه " شروط النهضة " وفي ذلك الكتاب.

تحدث الأستاذ مالك عن " القابلية للاستعمار " وهذه واحده من فكره اللامعة التي تعود جذورها لابن خلدون، وقد أحسن الكاتب الدكتور محمد عبدالرحمن عريف عندما شرح فكرة الأستاذ مالك فقال: " (المعامل الاستعماري) هو المصطلح الذي جاء به مالك بن نبي، يتدخل المستعمر من أجل خلق نموذج من الحياة والفكر والحركة، وبعد أن تتم السيطرة المعنوية والمادية يصبح الفرد الواقع تحت الاستعمار قابلًا بالحدود التي يرسمها له الاستعمار ويفكر داخلها، ولا يخرج عليها ويرسم شخصيته طبقاً لحدودها، بل ويدافع حتى لا تزول تلك الحدود التي أقنعه بها المستعمر، وحينها نكون هنا أمام فرد يعاني من "القابلية للاستعمار".

إن تحذير ابن نبي من الوقوع في فخ القابلية للاستعمار مضى عليه قرابة السبعين عامًا، وتشريح ابن خلدون للحالة كلها جرى قبل قرون، وعلى ذلك فلا حجة لأحد في الاستهانة بما تم في بيروت، هناك وجع وغضب ومرارة متراكمة تكاد تسد الحلوق والقلوب، ولكن دائمًا وأبدًا سيظل الحل لبنانيًا، ودائمًا وأبدًا سيظل الحل وطنيًا تطرحه حبات تراب البلد، غير ذلك من حلول هو خداع للنفس وكذب على الذات، لأن التسمك بقش الأكاذيب والأوهام لن يزيد  الطين إلا بلة، القابلون للاستعمار المرحبون به هم ويا للعجب أحفاد الذين حاربوا الاستعمار، وقدموا الشهداء على مذبح الوطن، لكن هول الصدمة وقتامة اللحظة يفقدان البعض صوابهم فيتخبطون كأن الشيطان يعتلي أكتافهم.

إن أمر السيادة غير قابل حتى للاستفتاء الشعبي، فالذي سيوافق اليوم على نزع سيادة بلاده هو ظالم لجيل قاوم ومات شهيدًا وظالم لجيل قادم لن يرضيه لحظة أن يجد بلاده تحت حكم أجنبي

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة 

الاثنين، 18 مايو 2020

الإسلام قيّد الزواج ولم يتركه للأهواء



 والله لو أن هذا الدين، أعني الإسلام رسالة، سيدنا محمد، قد دهن نفسه بعسل النحل أو بما هو أطيب منه لظلت قلوب بعضهم تشمئز منه، وتصطاد كلمة من هنا وثانية من هناك لكي تشنع على هذا الدين القيم.
الأسبوع الماضي قام مسلم من المسلمين، مسلم واحد، بالزواج على زوجته، وألتقط لزوجتيه صورة ونشرها على موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك، فقامت قيامة الذين يرون القذى في عين الإسلام ولا يرون الخشبة التي في أعينهم وفي أعين حلفائهم.
قالوا: إن هذا الدين يهين المرأة عندما يسمح للرجل بأن يتزوج عليها.
يا رجل! ومَنْ يسترد للمرأة كرامتها عندما يخونها زوجها؟.. هل الزنى واتخاذ العشيقات كرامة وشرف ومروءة والجمع بين زوجتين يثير الغثيان ويقلب المعدة؟.
لقد جاءت رسالة خاتم الرسل لتحرر الإنسان من الأوهام وتعلو بكرامة البشر، فإذا كنت تريد الإنصاف فانظر إلى حال الجزرة العربية قبل الإسلام وبعده في تلك النقطة تحديدًا .
إذا نظرت بإنصاف إلى أمر الزواج عند العرب قبل الإسلام ستجده على أنواع، إليك أشهرها.
1ـ نكاح البعولة: وهو أن يخطب الرجل امرأة فيصدقها ثم ينكحها، وهذا النوع هو الذي أقره الإسلام لأنه قائم على الإيجاب والقبول وعلى الخطبة والمهر.
2ـ الاستبضاع: وهو أن يسلم الرجل زوجته إلى رجل آخر يكون ثريًا أو قويًا أو فارسًا، وتمكث الزوجة عنده، يعاشرها حتى تحمل منه، ثم تعود بحملها إلى زوجها الأول لكي تلد له ولدًا قويًا!، وهذا النوع من الزواج الذي ليس به ما يزن قشرة بصلة من الكرامة لم يكن مقصورًا على عرب الجزيرة، فقد كان شائعًا في حضارات أخرى.
3ـ المُخادِنَة: والمخادنة مذكورة في القرآن: "ولا متخذات أخدان". كانت المرأة تصادق عشيقاً ، وكان للعشيق حق الزوج، وكان للعشيقة حق الزوجة! هذا مع وجود زوج رسمي!.. وأظن أن هذا اللون من العلاقات شائع معروف حتى يوم الناس هذا، وإن كان يتسمى باسم معاصر فيقال:" فلانة صاحبة فلان وفلان يصاحب فلانة".
4ـ البدل: وهو المعروف بتبادل الزوجات لفترة لجلب المتعة ولكسر الملل!.. ونحن نرى جهود رجال شرطة الآداب في مكافحة هذا النوع من العلاقة، وقديمًا رووا عن أبي هريرة قوله: "إن البدل في الجاهلية، أن يقول الرجل للرجل: انزل لي عن امرأتك، وأنزل لك عن امرأتي".
 5ـ المضامدة: وهو أن تجمع المرأة بين أكثر من زوج، وكانت بعض النساء يفعلن ذلك في أوقات القحط فتأكل عند الأول والثاني والثالث وهكذا، وقد أحسن الشاعر أبو ذؤيب الهذلي عندما قال: "تريدين كيما تضمديني وخالداً/ وهل يجتمع السيفان ويحكِ في غمدٍ؟".
6ـ الرهط: وهو أن تبيح المرأة نفسها لجماعة من الرجال فإذا حملت، تختار هى بنفسها والد جنينها!.. ولا يستطيع الذي وقع اختيارها عليه أن يرد كلمتها!.
7ـ ذوات الرايات: هن المعروفات الآن بالبغايا، لكن هذا النوع لم يكن له طقوس الزواج ، فهو أجر مقابل عمل!.
تلك كانت أشهر ألوان وأنواع الزواج، فجاء الإسلام وأهدرها جميعًا اللهم إلا الزواج الذي نعرفه الآن، ثم خطا الإسلام خطوة جبارة في تحديد مرات الزواج، فقبل الإسلام كان للرجل أن يتزوج بأي عدد شاء، فقد أسلم غيلان بن سلمة الثقفي وفي عصمته عشر نسوة، فقال له النبي "اختر منهن أربعًا"، وقال وهب الأسدي: أسلمت وعندي ثمان نسوة، فذكرت ذلك للنبي فقال النبي "اختر منهن أربعاً".
وعن نوفل بن معاوية، قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فسألت النبي فقال: "فارق واحدة، وأمسك أربعًا".
ثم هل بيد أحد دليل يحصر به زوجات أنبياء بني إسرائيل ورسلهم، عليهم جميعًا السلام؟.. هل يعرف أحد عدد زوجات نبي الله داوود؟.. هل يعرف أحد عدد زوجات نبي الله سليمان بن داوود؟.. نحن نعرف يقينًا أن خليل الرحمن كان يجمع بين السيدتين سارة وهاجر، وهذا على اليقين والله أعلم هل كان له زوجات غيرهما أم لا .
الإسلام فقط، أعني شريعة سيدنا محمد، هى فقط التي قالت بأربع زوجات للرجل، ثم الأمر ليس متروكًا للمزاج والأهواء فرسولنا الكريم قال: "إن الله لا يحب كل ذواق من الرجال ولا كل ذواقة من النساء".
والذي يريد الإنصاف عليه أن يقرأ ويبحث في شروط الجمع، وهى شروط شديدة جدًا يكاد لا يطيقها إلا الرجل من بين كل عشرة آلاف رجل .
وبعدُ فقد قرأت لواحد من الذين يثيرون الشبهات حول سيرته صلى الله عليه وسلم فقد قال: نبيكم "والحق أنه قال الراجل بتاعكم!" رفض أن يتزوج علي بن أبي طالب على فاطمة بنت محمد من ابنة أبي جهل، وهذا الكلام نصفه صدق ونصف كذب، الصدق أن الرسول رفض فعلًا أما الكذب فهو في سبب رفض الرسول، لقد قال رسولنا الكريم: "وإني لستُ أُحرم حلالاً، ولا أُحلُ حراماً، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله بمكان واحداً أبداً".
هل ترضاها أنت لنفسك حتى ترضاها للرسول؟.. لقد رفض الرسول لأن الزوجة الجديدة هى ابنة أبي جهل الذي عاش ومات على حرب الله ورسوله.
وبعدُ هل نعالج مشكلاتنا الاجتماعية بعيدًا عن التشنيع على الإسلام أم لن نحل مشكلاتنا إلا بوضع الدين دائمًا وأبدًا في قفص الاتهام؟.
ـــــــــــــــــــ
صوت الأمة / السبت 16 مايو 2020



الخميس، 7 مايو 2020

رامز رحلات


هل تذكر البنت ميرفت؟.
 لم تكن أجمل بنات الدفعة لكنها كانت قادرة على إشعال النار فى جبل ثلج، نعم هى ميرفت التى كانت ترقص فى أتوبيس الرحلات.
هل تذكر الولد مينا؟.
 مينا الذى لم يكن يذهب إلى الكنيسة إلا فى عيد القيامة، لكنه كان قادرًا على إقناع «أبونا» بمنحه تمويلا سخيا لأى نشاط يريده.
هل تذكر الولد أشرف؟.
 لم يكن صاحب وسامة ملفتة، لكنه كان يستطيع مواجهة الجموع بغناء أغنيات، تبدأ من سى عبده الحامولى، وتنتهى بسى عمرو دياب.
إنهم رفاق رحلات الجامعة، كانوا نجومها الزاهرة، ورحلة ليس بها ميرفت ومينا وأشرف لا يعول عليها.
لهؤلاء ينتمى رامز جلال، ومن معاطف هؤلاء خرج.
 شاب منبت، لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، نبت فى الفراغ وإلى الفراغ سيمضى، لديه قدرات ميرفت ومينا وأشرف على مواجهة الجموع بما يريده هو، وهو لا يريد سوى لمعان ضوء اللحظة، ما قبل اللحظة عنده عدم وما بعدها عنده عدم، إنه ابن ساعته، بل ابن ثانيته، ثم فليذهب ما عدا لحظته إلى أى جحيم يشاء.
رامى الذى كميرفت ومينا وأشرف، كان من المفترض أن يكون ممثلُا كوميديًا، ولكن الكوميديا يا صاحبى فلسفة طويلة عريضة عميقة تحتاج لأن يكون صاحبها من أصحاب البصيرة المضيئة، تلك البصيرة التى تخترق القش وتذهب إلى اللب، بضحكة أو بكلمة أو حتى بإيماءة.
لم يقدم رامز الكوميديا التى قدمها الريحانى وإسماعيل يس وشكوكو وصبحى ودريد لحام وعادل إمام وسعيد صالح.
هل جرب التراجيديا؟.
التراجيديا أيضًا فلسفة، لا يستطيع السباحة فى بحورها إلا أمثال أحمد زكى وزكى رستم وصلاح منصور ومحمود مرسى.
ما علاقة رامى بهؤلاء أو أولئك؟.
لا شىء سوى أنه مثلهم يقف أمام جهاز يدعى الكاميرا، والكاميرا مأمورة بعين المصور، وتوجيهات المخرج ومال المنتج، صورى يا كاميرا فلانًا فتصور فلانًا، اجعليه يطير فى الهواء، فتجعله يطير حتى يعانق السحاب، الكاميرا عبد المأمور لا تستطيع إلا تنفيذ أمر صدر إليها، ليس للكاميرا حق الاحتجاج أو التظاهر أو الإضراب السلمى عن العمل.
ومع الكاميرا هناك مكسبات اللون والطعم والرائحة، هناك خلق من البلاستيك الأعمى الأصم، والشائع أننا شعب تهضم معدته الزلط، فكيف لا تهضم كائنًا حيًا كان يدعى رامز جلال، فأصبح يدعى وعن حق رامز رحلات؟.
الفنانون الذين يعانون عبء الفن يشغلهم سؤال التاريخ، إنه سؤال جارح ينغص عليهم معيشتهم، ترى الواحد من هؤلاء مرهقًا متعبًا، ويظل على تلك الحالة من الإرهاق والتعب، ولا يعرف الراحة إلا عندما يطمئن إلى أنه أحرز فى مرمى التاريخ هدفًا مسجلًا باسمه، فإذا رحل، كما سنرحل جميعًا بقى هدفه ليقول: من هنا مر فلان.
رامز ليس مشغولًا لا بالتاريخ ولا بالجغرافيا ولا حتى بكتاب الدين، الرجل ممثل أو هكذا يقول، ويجب أن يعمل وقد جرب الأفلام والمسرحيات والمسلسلات فلم ينجح ولو فى خدش ذاكرة المشاهد، فما بالك بالحفر عليها، ثم جاء الحل الأسطورى الذى يضمن له المال الوفير والوجود الحى لشهر كامل، فراح يصنع برامج المقالب المتفق عليها وسابقة التجهيز التى لا دهشة بها ولا ابتكار ولا خفة ظل ولا أى شىء غير اللاشىء الكبير، غير السراب الكونى الذى يملأ الأفق «يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا».
صدقنى لن تجد عند نجم الرحلات شيئًا غير ومضة اللحظة، ثم سيسقط فى جب النسيان، مثله مثل صاحبته ميرفت التى ترهلت وأصبحت من ذوات وزن الفيل ولم يعد يشغلها شىء إلا البحث عن أسهل طرق صنع المحشى.
قد يهولون عليك بأنه النجم الأكثر مشاهدة، يا رجل عيب عليك أن تسلم رأسك لهؤلاء الهاتفين لكل دافع، أى جهة محايدة نزيهة أكدت أنه الأكثر مشاهدة؟.
لن تجد جهة أو مؤسسة أو حتى مركزا بحثيا صغيرا يتبنى هذه المقولة الباطلة، ثم يا أخى فلنفرض أنه الأعلى مشاهدة، إن أصغر واحد من الحواة يستطيع سحر عيون الناس، ولكن بعد قليل سينفض عنه الجميع ساخرين.
إنك إن أخذت نجم الرحلة على محمل الجد تعبت ولكى تعرف الراحة فلا تشاهده، وبهذه المقاطعة سيرتاح كل العرب من حمل كل الصابون.
ـــــــــــــــــــــ
صوت الأمة / السبت 2 مايو 2020