الخميس، 16 نوفمبر 2017

المتنبي في مرآة المحمدي




العارف بلهجات العرب الحالية سيقطع أن لهجة عرب مصر هى أقرب اللهجات إلى الجذر الفصيح، وذلك الاقتراب أغرى كثيرين لأهداف شتى أن يتزعموا الدعوة لأن تحل العامية المصرية فى عقول ووجدان المصريين محل الفصحى.

وكان أخطر ما كشف عنه الشاعر الأستاذ طارق هاشم وجود إنجيل تمت ترجمته إلى العامية المصرية.

قال هاشم فى كشفه الذى نشره بمجلة "الحضارة" قبل عام: فى النصف الثانى من عشرينيات القرن الماضى صدر عن مطبعة النيل المسيحية، الكائنة فى 37 شارع المناخ فى مصر كتاب يستحق الوقوف أمامه وتأمل القضية الخطيرة التى طرحها، ألا وهى إمكانية تحويل أحد الكتب المقدسة من اللغة العربية إلى اللهجة المصرية أو "العامية المصرية" وهذا ما حدث مع كتاب "الخبر الطيب بتاع يسوع المسيح".

وأضاف هاشم فى تقديمه للكتاب: وأود أن أشير إلى أن الكتاب قد صدر فى نفس العام الذى صدر فيه كتاب "فى الشعر الجاهلى" أى فى العام 1926، إلا أنه لم يكن محل اهتمام أى من الباحثين، وربما أشارت إليه الصحافة دون تناوله بالدراسة الوافية، كما لم يدلنا أحد على من كان وراء النشر أو إصدار هذا الكتاب أو الدعوة إليه، فالكتاب الذى طبع فى مطبعة النيل المسيحية لم يشر إلى اسم معين قام بإعداد هذه الترجمة أو الإشارة إلى صاحبها.

يتصدر الغلاف فى الأعلى جملة "الخبر الطيب بتاع يسوع المسيح" وبعدها بمسافة ليست قصيرة كتب "الإنجيل باللغة المصرية"، وقبل هذه الجملة كتبت ببنط أقل بنسبة كبيرة "القسم الخامس"، وهو ما يعنى أن هناك أقساما أربعة سبقت هذا الجزء، بعدها تأتى جملة "أعمال الرسل" تفصلها عن السابقة مسافة ظاهرة وذلك فى بنط أكبر  وأوضح، ثم يقل البنط ثانية لتظهر  جملة "الطبعة الأولانية" ودون تحتها التاريخ "1926"، وفى أسفل الصفحة كتبت عبارة "انطبع فى مطبعة النيل المسيحية بشارع المناخ 37 بمصر"، لتبدأ حكاية الإنجيل باللغة المصرية الذى لم يُذكر اسم صاحبه على الغلاف، تُرى مَن كان صاحب هذه الفكرة؟

يواصل هاشم: بالرجوع إلى تلك الفترة، يتبين لنا أن الذى كان وراء هذه الفكرة أو المحاولة مهندس مدنى إنجليزى يهتم بأعمال الرى، هو السير "ويليام ويلكوكس" والذى كان من رعاة الكتابة باللهجة العامية أو المصرية.

مقدمة طارق هاشم رغم جودتها إلا أنها لم تتوقف عند صاحب المشروع "ويليام ويلكوكس" ذلك المحتل الغاصب الذى كان لا يمقت شيئًا مقته للعربية، وسواء أكان هو صاحب المشروع أم غيره، فقد جاءت الترجمة آية من آيات الركاكة، واقرأ معى: "بطرس ويوحنا كانوا طالعين ويا بعض للهيكل وقت الصلاة الساعة تلاتة، وكان فيه راجل شايلينه مولود أعرج، كانوا يحطوه كل يوم عند باب الهيكل اللى اسمه الجميل علشان يطلب حسنة من اللى يدخلوا الهيكل، دا لما شاف بطرس ويوحنا رايحين يدخلوا الهيكل طلب منهم حسنة، وبص له بطرس ويوحنا قوى وقالوا له بص لنا وبص فيهم وهو منتظر إنه ياخد منهم حاجة، وقال له بطرس أنا ما عنديش لا فضة ولا دهب ولكن اللى عندى اديه لك. باسم يسوع المسيح الناصرى امشى، ومسكه بإيده اليمين وقومه وحالا اتشدت رجليه وكعابه، ونط ووقف وابتدا يمشى ودخل وياهم الهيكل وهو يمشى وينط وسبح الله، وشافوه كل الناس وهو ماشى ويسبح الله"  .

ولكن بعيدًا عن نيات المحتلين، ظل حلم الاستعانة بالعامية لتقريب الفصحى إلى ذهن المصرى المعاصر يراود بعضًا من أخلص مدرسى الفصحى ودارسيها بل ومحبيها، ومن هؤلاء الأستاذ الدكتور محمد النويهى رحمه الله صاحب كتاب "الشعر الجاهلى منهج فى دراسته وتقويمه" الذى قام من خلاله بشرح الشعر القديم بالعامية المصرية فهو عندما يفسر قول الأعشى: "تمشى الهوينا كما يمشى الوجى الوحل" يقول: "نحن محتاجون إلى تذكر شخشخة ورجرجة تحية كاريوكا لكى نفهم هذا الكلام."

وعندما يتعرض لقول الأعشى: "صدت هريرة عنا ما تكلمنا / جهلًا بأم خليد حبل من تصل".
يقول: لا بد من استحضار التعابير الشعبية التالية: "ما حناش قد المقام؟ عبرونا يا خلايق! الله الله! البنت مش معبرانا يا جدعان و."....

وقد أحسن الأستاذ الدكتور محمود الربيعى عندما تصدى لتلك المحاولة فى كتابة "من أوراقى النقدية" فكشف تهافتها وأظهر ركاكتها.

والآن نحن أمام محاولة جديدة يحمل أمانتها صديقنا الشاعر الكاتب الأستاذ مؤمن المحمدى.
المحمدى صاحب جماهيرية كاسحة على موقع التواصل الاجتماعى "فيس بوك"، وقد رأى مشكورًا استغلال جماهيريته فى طرح شاعره المفضل، شاعر العربية الأكبر والأعظم، أبو الطيب المتنبى على عموم الجماهير.

المحمدى دارس العربية يحبها ويتذوقها، ثم هو يكتبها عندما يريد كأعذب ما تكون الكتابة، ثم هو عارف بالمتنبى، يكاد يحفظ ديوانه لا يتفلت منه شىء، فليس عن عجز عن الفصحى لجأ المحمدى للعامية وليس عن استهتار بالمتنبى بدأ شرح ديوانه بالدارجة، ولكنه ذلك الحلم البعيد المنال فى الهبوط بالنخبة إلى حيث تراب الشارع.

إن كان مشروع "ويلكوكس" عنصريًا ركيكًا، وإن كان مشروع النويهى استعراضيًا لا يقوم سوى على سرد ذكريات صاحبه الخاصة، بل الخاصة جدًا، فإن مشروع المحمدى لا يمكن وصفه سوى بالمثير، يشرح المحمدى بيت المتنبى: "يَتَرَشَّفْنَ مِنْ فَمِى رَشَفَاتٍ / هُنَّ فِيهِ أَحْلَى مِنَ التَّوْحِيدِ" فيقول: بدأنا التجديف أهو، البيت دا فيه تجاوزين، اللى بيتضايق ما يقراش.
يترشفن = يشربن، بس مش بالظبط يشرب، عارف إنت شفطة الشاى، سسسب، أهى دى رشفة.
هو بـ يقول: النسوان دى بـ ياخدوا شفطة من بقى، لا شفطات، يعنى لا مؤاخذة، زى الفرنش كيسس، أو البوسة المشبك.

الشطر التانى، هن "عايدة على البوسات دى، الشفطات دى، فهن فى فمى، البوسات دى فى بقى أحلى من التوحيد، أحلى من كلمة لا إله إلا الله، حاجة مقدسة يعنى، طبعا البيت دا من الحاجات اللى عملت مشاكل لـ المتنبى، واعتبروها تجاوزا وتجديفا، وناس ردت وناس ردت ع الرد، ودا هاجم ودا دافع، ودا وقف جون، بس فـ الآخر، هو دا المعنى إن البوسات دى حاجة حلوة أوى أوى يعنى".

انتهى تفسير المحمدى لبيت المتنبى، وهو للإنصاف قد شرّح البيت أوفى تشريح، حتى إنه أشار لما فيه من جرأة على المعنى المقدس، وبعضهم لكى يرفع الحرج عن المتنبى قال إن "التوحيد" الوارد فى البيت هو نوع من التمر العراقى، ولكن جرأة المتنبى فى غير موضوع من شعره تشير إلى خطأ تأويلهم.

هل سيمضى المحمدى فى التفسير حتى يفرغ من الديوان الضخم المُرِهِق؟
هل ستربح الفصحى شيئًا؟
هل سيغادر المتنبى جدران المكتبات اللامعة الباردة إلى حيث تراب الشوارع؟
الإجابة ستحملها الأيام القادمة، أما عنى فتكفينى متعة النظر إلى المتنبى فى مرآة المحمدى، وكأنى بالمتنبى يصيح: "الموت ليس من عاداتى" .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" 11 نوفمبر 2017

الخميس، 9 نوفمبر 2017

الدكتور محمود الربيعي نائب رئيس مجمع اللغة العربية: خوف المصريين من إذابة حدوده جعلهم يسقطون نظام الإخوان


*   خطأ التوريث قضى على حكم مبارك
*  أطالب بإلغاء الامتحانات ولو أصبح التعليم أسوأ سأقذف بنفسي في النيل
*  هل دور وزارة التعليم ووزيرها هو حراسة أسئلة الثانوية العامة؟
*  الإعلان يدمر الإعلام وإغلاق الصحف الورقية كارثة
*  الله عز وجل تعهد بالحفاظ على " الذكر " ولكنه لم يتعهد بالحفاظ على اللغة العربية 





ظهر الثلاثين من يونيو 2013 كان تكويني العام يلزمني بالمشاركة في المظاهرات المنادية بإنهاء حكم المرشد، في تلك الظهيرة الحارقة وتحت عين الشمس، رأيت الكاتب والناقد الكبير الدكتور محمود الربيعي يقف فوق رصيف شارع البطل أحمد عبد العزيز هادئًا وقورًا كما يليق بأستاذ جامعي عريق.
كنتُ مندهشًا لوجوده بين تلك الحشود الغاضبة، بعينه الخبيرة قرأ دهشتي فابتسم وقال: "للحديث وللشرح وقت آخر".

تركته حيث يقف لأواصل التظاهر، ولكن لم تتوقف أسئلتي عن رجل في الثمانيين، عمل بالجامعة المصرية حتى وصل إلى منصب وكيل كلية دار العلوم، ثم عمل بالجامعة الأمريكية بالقاهرة أستاذًا للأدب العربي، ودرّس في جامعات شتى، وكتب آلاف الصفحات ما بين دراسات وكتب، وأخرج للناس كتابين فريدين في فن السيرة الذاتية "في الخمسين عرفت طريقي" و"بعد الخمسين".
 
ما الذي جاء برجل له مثل هذا التكوين إلى هذه المظاهرة ؟
مساء السبت الماضي جلست بين يديه في صحن منزله لأسمع منه الإجابة على أسئلة شغلتني مع الشرح والتفسير فقال: "لم تدهشني قط  سرعة سقوط دولة الإخوان، وذلك لأن الجماعة لم تقرأ المصريين جيدًا، أنا أؤكد لك أن المصريين متدينون، بمعني أن الدين بمعناه العام هو جزء لا يتجزأ من تكوين المصري الثقافي والاجتماعي بل والسياسي، هذا المصري الذي يحترم الدين هو نفسه الذي ينفر بل ويتصدي للدولة الدينية، والكلام عن الدولة الدينية مبحث خطير ومتشعب، ولكنه في الظرف الإخواني واضح،  فقد تأكد المصريون من أن الجماعة  ستذيب حدود دولتهم، هذا ما وصل للمصريين من الحديث عن الدولة الدينية، المصري لديه مشكلة مع حدوده، إنه يريدها كما ورثها، بدون زيادة أو نقصان، وفي سبيل الحفاظ عليها يقاتل لآخر قطرة من دمه.

قلت: أين إذن عالمية الرسالة وأممية الإسلام؟
 
رد الدكتور الربيعي مبتسمًا: وما علاقة هذه بتلك؟ إن كنت تتحدث عن دولة الخلافة فقد كانت دولة ككل الدول، سيطرت بقوتها على بقاع من الأرض وقالت: هذه دولتي تُحكم بقانوني، دائمًا كانت هناك دولة محددة الحدود واضحة الهوية أما الإذابة تحت زعم عالمية الرسالة فلم ولن تحدث، ولن أحدثك عن شروط الدولة المعاصرة وتكوينها، فكل ما لدي ينفي معتقد الإذابة التي تتبناه الجماعة تحت شعار إقامة دولة الخلافة.

قلت: إذا كانت الدولة الدينية هي التي أسقطتْ نظام الجماعة فما الذي أسقط نظام مبارك؟
 
لمعت عينا الدكتور الربيعي قبل أن يجيب:"يوم جمعة الشهداء 28 يناير كنت في الإسكندرية، ومن شرفة المكان الذي كنت فيه، رأيت جماعات من الشباب يتسلقون برشاقة وثقة تلك الأعمدة التي تعلوها صور جمال مبارك، كانوا يمزقون الصور وكأنهم لا يصنعون شيئًا خطيرًا، اللافت أن الصور كان عليها شعار يقول: "خير خلف لخير سلف"، إذن قصة التوريث هي التي أسقطت مبارك، لحظتها تأكدت أن الأمر قد انتهى، وما سيحدث هو مجرد تفاصيل لن تقدم ولن تؤخر، المصريون في عمومهم ارتضوا النظام الجمهوري، ثم صحوا من نومهم على إجراءات توريث، ولم يكلف مسئول نفسه بأن يستمع لرأي الشعب، فكان ما كان.
 
سألته: عندما تطل على المشهد من على بعد ست سنوات، هل ترى لنا مكاسب؟
 
بحماس رد:نعم هناك أرباح، هي جد قليلة، ولكن يمكننا البناء عليها، المكسب الذي أسعدني كان في سقوط "النفوذ الزائف" بعد الثورة لاحظت من موقعي الجامعي أن طلابي يناقشونني بجدية غير مترددين، وغير خائفين، هذا النقاش المهذب الجاد الباحث عن الحقوق والواجبات، إنجاز ثوري هائل، لابد من استثماره، أن تعرف ما عليك وتؤديه وأن تعرف ما لك وتحرص على التمسك به ومن ثمّ الحصول عليه كاملًا غير منقوص.

قلت: نحن سيدي الدكتور نؤدي ما علينا وزيادة ثم لا نحصل على شيء.

بنبرة غضب رد الدكتور الربيعي: هذا ليس صحيحًا، ولكي يصلك المعنى الذي أقصده سأضرب لك مثلًا بسيطًا، هب أنك تدينني بمئة جنيه، وأنا لا أردها لك، هل ستشكو إلى القاضي أم ستكتف يديّ وتخرج حافظتي وتقتنص ما لك؟
إن شيوع الحصول على الحقوق الآن وبأي طريقة خطير جدًا، إنه أمر يهددنا جميعًا وسنقع أسرى له، الطريق إلى الحق لابد وأن يكون هو أيضًا حقًا، غير ذلك سيؤدي إلى ما لا تحمد عقباه.

قلت: يعني هناك أمل في النهوض؟
 
أجاب: طبعًا ولكن لا أمل هكذا في المطلق، فلن يجعلنني أحد متفائلًا رغم أنفي، ولكن أكون متفائلًا تحت قصف الأمنيات والأحلام الوردية، هناك منظومة للأمل الذي يؤدي إلى النهضة، تلك المنظومة ليست أكثر من كلمتين هما "التعليم الجاد"، بغير التعليم الجاد لن يكون هناك أمل في شيء.

سألته: هل ترى أن تعليمنا ليس جادًا؟
 
رد بغضب: هل تعبث معي الآن؟ عن أي تعليم تتحدث؟ لم يعد لدينا تعليم، أقولها وأنا أتعلم منذ الخامسة من عمري، ما هو دور وزير التعليم؟
لقد أصبح دوره الوحيد هو حراسة أسئلة الثانوية العامة؟
لقد أصبح رجل شرطة وليس وزيرًا للتعليم، ثم في كل عام يجرى تسريب الأسئلة، أين دور المدرسة غارسة القيم؟
 أين دور المدرس حامي العقل؟
ما هذه الدروس الخصوصية؟
ما هذا الكلام عن المجاميع وعن كليات للقمة وأخرى للقاع؟
أين هذا من العلم؟ أين هذا من التعليم؟
يا أخي أنا أنادي بإلغاء الامتحانات التي يذلون بها أعناق الطلاب وأهاليهم، ثم راقبوا أنتم حال التعليم في السنة التي ستمر بدون امتحانات، فإن وجدتم أن حاله قد أصبحت أسوأ مما هو عليه الآن فأنا سأقذف بنفسي في النيل، يا أخي هناك فرق بين "حامل الشهادة" وبين "المتعلم" ليس أكثر من حاملي الشهادات ولكن المتعلمون حقًا قلة لا تكفي لإدارة شئون الوطن.

قلت: إذن غاب دور المدرسة والمدرس، ودور البيت غائب منذ زمن، يبقي دور الإعلام، كيف تراه؟
 
أجاب: هذا جرح جديد، بل جرح مقزز، هناك مَنْ دمّر الإعلام لصالح الإعلان، هل تعرف أن إذاعة القرآن الكريم تبث إعلانات؟
هل تعرف أن إذاعة البرنامج العام بدأت تنافس الإذاعات التجارية؟
ما هذا الذي يحدث؟ ولصالح مَنْ؟
يقولون: لابد من المال وإلا توقفت الفضائيات والجرائد والإذاعات المسموعة؟
سأقول إن فلانًا قد عجز عن أن يظل بيته مفتوحًا، هل نقترح عليه أن يؤجر غرفة الاستقبال لتاجر مخدرات يجعلها مخزنًا لبضاعته؟
هذه كتلك، بل الإعلام أخطر وأهم، إن تأجير الهواء لمن يدفع كارثة، ندفع ثمنها وسنواصل الدفع ما لم يتوقف هذا المسلك، منذ أن فتحت زعم نقص الأموال بدأ ترويج فكرة الاستغناء عن الصحافة الورقية، كيف نهدر تجربة صحفية مضى عليها أكثر من مئتي سنة؟ أي عقل يستسيغ هذا الكلام؟
يقولون: صحف بريطانيا يجرى إغلاقها؟
مالك أنتَ وبريطانيا؟ لماذا يجري اقتطاع الأمر من سياقه العام ومن لحظته التاريخية؟
يتحدثون الآن عن الهيئة الوطنية للإعلام، منْ اختار أعضائها؟ وما هي معايير اختياره؟ ثم لا جدوى من أي هيئة تتجاهلني أنا رجل الشارع، أنا المواطن لابد وأن تكون لي كلمة مسموعة، لأني المستهلك الأول، فيجب وضعي في الحسابات النهائية لأي هيئة ولأي مشروع.

 



قلت: إذا كان لرجل الشارع رأي فأين المجمع اللغوي الذي حضرتك نائب رئيسه من الشارع؟
 
رد هادئًا:  ما هذا الخلط؟ نحن نقوم بعملنا الذي هو الحرص على سلامة اللغة، وتعريب المصطلحات وإخراج المعاجم، والدعوة إلى مؤتمر عام مرة في السنة، ولا يلبي الدعوة سوى قلة، عملنا فني في المقام الأول يقوم به متخصصون، كون الشارع لا يصله ما نقوم به، فهذه ليست مشكلتنا.

كأن الدكتور الربيعي قد رأى في وجهي علامات الحسرة على دائرة لا  تكتمل وعلى لغة تكاد تضيع فواصل تدفقه قائلًا: بخصوص اللغة فهناك أخطاء وقعنا فيها، بعضنا نفض يديه من الأمر كله تحت مظلة قوله تعالى: "إنّا نحن نزلنا الذكر وإنّا  له لحافظون".
ذلك البعض الذي أقصده يؤمن أن الله عز وجل قد تعهد بحفظ العربية، هؤلاء يقعون في الأوهام، لدينا في المجمع باحث سعودي اسمه أحمد الزبيدي قال: "الله تعهد بحفظ الذكر ولم يتعهد بحفظ العربية"، إن لم نحافظ على لغتنا فستظل موجودة في المصاحف وفي بطون كتب العلماء، ستصبح مثل الإغريقية واللاتينية لا يعرفها إلا الموسوعي الحريص على معرفة اللغات النادرة.
الخطأ الثاني: هو تجاهلنا لكون اللغة كائن حي، يضعف ويقوى، يتقدم ويتأخر، يتطور بمضي الزمان، فإن ظننت أنك قادر على المحافظة على لغة امرئ القيس مثلًا فأنت واهم، لأنك  تغفل فعل التطور.
الخطأ الثالث: وهو مرتبط بالخطأ الثاني، وأعنى به "حراسة اللغة" يا أخي الأمر أشد تعقيدًا من حراسة القاعدة  التي تقول: "إن الفاعل مرفوع"، اللغة أوسع من هذا، إنها كائن حي يجري في نهر لا يحده حد، ثم أي لغة نريد؟ هناك لغة بمعنى القواعد وهناك لغة بمعنى المستويات، هل قرأت كتاب "مستويات العربية المعاصرة في مصر"  للدكتور السعيد محمد بدوي؟
لم تقرأ، سأعطيك نسختي وهي أثمن عندي من أي شيء، صورّها ثم أعد لي نسختي، هذا الكتاب يحل ما نظنه معضلات، أنا وأنت نتحدث الآن بأحد مستويات اللغة، ويفهم أحدنا صاحبه، وهناك مستويات أعلى، ومستويات أقل، أنا وأنت لسنا المتنبي، كما أننا لسنا هؤلاء الذين يتعاملون مع الرقم سبعة بوصفه حرف الحاء، عندما نختار المستوى في ظل الحفاظ على القواعد الرئيسية ستنمو اللغة.
الخطأ الرابع: هو الخوف من انقراض اللغة، هل سينقرض المصريون؟
هل سينقرض العرب؟ نعم هناك غزو من كتابات الفيس بوك ومن أصحاب التعليم الأجنبي، ولكن كم يمثّل هؤلاء من العدد الكلي للمصريين؟

قلت: على ذكر الدكتور بدوي، أراك متحمسًا له.
 
أجاب: نعم، هناك رجلان قاداني لما أنا عليه الآن، الدكتور بدوي وشقيقي محمد، الدكتور بدوي أزهري ودرعمي مثلي، لكنه كان دائمًا يسبقني بخطوات، إنه رجل العمل الجماعي وأنا رجل العمل الفردي، إنه يسافر كثيرًا ويجتذب إليه الناس أينما حل، يعرف كيف يؤسس لمشروع وكيف يديره، ثم لا تسمع له صوتًا، بعض ما للدكتور بدوي عليّ جعلني أكتب عنه كتابًا به بعض الذكريات والمختارات من شعره.

سألته: وماذا عن شقيقك محمد ؟
 
أعترف أني ضقت بسؤالي وندمت عليه، فقد اختنق صوت الدكتور الربيعي ولمعت عيناه بالدموع وهو يتحدث عن شقيقه الذي لا يكبره إلا بسنوات قليلة ، ومع ذلك يتحدث عنه ويكتب عنه كتابًا بوصفه الأستاذ والمعلم والأب المرشد.
قال الدكتور الربيعي: أخذني أخي إلى المدرسة، وأوقفني في الصف، وقال لي: أنت تلميذ نظيف مهذب، ستؤدي ما عليك من واجبات، ثم لا تسمح لأحد بأن يجبرك على شيء أو أن يتطاول عليك أدنى تطاول.
وصية أخي تلك حددت لي معالم طريقي، كان شقيقي يربح شهريًا خمسة عشر جنيهًا، يرسل لي ثمانية منها، لكي لا أشعر بعوز أو حرمان، أنظر لأخي بوصفه أحد صناع الحضارة، يرحمه الله أعطى كل شيء ولم يأخذ منها إلا القليل.

غيّرت مجرى الحديث لأهرب من دموع الشيخ الكبير فسألته: هل حصلت أنت على حقك؟ 
 
أجاب بتلقائية: نعم وزيادة، أنا الآن في الخامسة والثمانين، أتمتع بالحياة، الثمانون متعة، ادع ربك أن تبلغها في صحة، ويوم كتب عني الشاعر عبد المنعم رمضان تحت عنوان "بطل في الظل" قلت له: أنا لست بطلًا، أنا رجل يمضي على منهاجه ، ولم أعش في الظل قط، أنا مشتبك مع تفاصيل الحياة أتعلم وأعلم، وأكتب الكتب وأحضر الندوات مستمعًا أو متحدثًا، أنا أنفر من الضجيج والزحام التافه فقط، لست انعزاليا، أنشد العمل الجاد المتواصل والهدوء.

غادرت الدكتور الربيعي فأنشدت من شعر الفاجومي:
"مصر يا أمه يا بهية / يام طرحة وجلابية /  الزمن شاب وإنتي شابه / هو رايحة وأنتي جاية". 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" الأحد 23 إبريل 2017
 

الاثنين، 30 أكتوبر 2017

إمبراطورية النّصابين





يعرف المصريون الفروق الدقيقة بين "الفشر" و"الكذب" و"النّصب".
يتسامحون مع "الفشر" بل تراهم يحتفون بالفشار ويجالسونه ويمازحونه بل يشاكسونه لكي يسترسل في فشره، لكي يروا عنه  وقائع "فشره" بوصفها من الطرائف التي تضحكهم، وما شخصية "أبو العربي" التي اخترعها المصريون عنا ببعيد.

ولكن موقفهم المتسامح مع "الفشار" يتحول إلى رفض مؤلم وجارح مع الكذاب، فالمصريون ـ حتى وإن لم يظهورا ذلك ـ يحتقرون في قرارة أنفسهم الكذب والكذابين، ويستهينون بالكذاب ولا يعدونه عندما يعدون الرجال، لأن الكذاب عندهم فاقد للأهلية، ولا أحد يأخذه على محمل الجد، كما يخشى المصريون الكذاب لأنه يتعمد تشويه الحقائق وقلّب صورتها، في محاولة متعمدة منه لجلب الأذى لمن يوقعه حظه العاثر بين مخالبه، أما النّصاب فذلك بمفرده كوم قائم بذاته.

النّصاب لا يتمتع بخفة ظل الفشار ولا يتمتع بخياله الواسع الذي يمكنه من صنع بطولات خارقة لن يصدقها أحد ولكنها قادرة على إضحاك الجميع، ثم النّصاب ليس مخترع أكاذيب ليهرب من موقف محرج، إنه ذلك الذي يعتمد الكذب أسلوب حياة ومنهج معيشة، ثم هو يصعد إلى حيث القمم العالية ولو على جثث أقرب الأقارب، وفي زماننا يصعد النّصاب ولو بتوريط وطنه في معارك لا ناقة  للوطن فيها ولا جمل.

وقد صحت مصر ذات يوم في التسعينيات على استفحال ظاهرة نّصاب زعم ككل نّصاب مزاعم لا تسندها قشة من الحقيقة، النّصاب الذي أعنيه قال إنه سكرتير للبابا شنودة شخصيا، قال جملته ومضى ليجمع أرباحها.

جملة النصاب أزعجت الكنيسة لأن سكرتير البابا لابد وأن يكون شخصية كنّسية وليس من حق العلمانيين أن يتقلدوا هذا المنصب الحساس، ولكن النصاب واصل نصبه باسم البابا والكنيسة، فراح يحضر الحفلات التي يشاء، حتى لو كانت رسمية، بل بدأ هو يقيم الحفلات والمآدب على شرف منصبه المزعوم، حتى أن جرائد تلك الفترة لم تكن تخلو من متابعة نشاطه اليومي فهو اليوم يحتفي بفلانة الممثلة التي حازت جائزة وغدًا يحتفل بعيد ميلاد علانة، وفي اليوم الثالث ستراه مع محافظ المحافظة المهمة وفي اليوم الرابع سيظهر مع كابتن فريق كرة القدم الشهير وهكذا، إنه نصاب مدني في المناسبات المدنية وما أكثرها، وهو نصاب ديني عندما تأتي مناسبة دينية تخص المسلمين أو المسيحيين، ولم تستطع الكنيسة منعه لأنه كان شديد الحرص على أن يقدم نفسه بوصفه رجل أعمال، وذلك بعد أن صنع أساس شهرته بالنصب والاحتيال، ثم هو ما يزال يسعى بين الناس بوصفه الرجل المهم الصديق الصدوق لعلية القوم، ولم يمسه سوء ولم يدفع قط ثمن نصبه.

ثم مع تطور تقنيات النصب رأينا الكثيرين الذين يختصرون الطريق فيقدمون أنفسهم بوصفهم من أكابر "الأجهزة السيادية" يعني نصاب من جهة أمنية، وكان أحدثهم نصاب تجاوز بقدرة مرعبة كل الخطوط الحمراء وقدم نفسه بوصفه مستشارا أمنيًا برئاسة الجمهورية، وتحت تلك اللافتة الخطيرة راح يحضر المناسبات والأفراح والليالي الملاح، حتى ساقه نصبه إلى خطوة غير محسوبة كانت بها نهايته، فقد  سارع بحضور جنازة عمر عبد الرحمن، الأب الروحى للجماعة الإسلامية، مرتديًا أفخم ما لديهم من ملابس، مستقلًا سيارة يزينها علم البلاد، جالسًا في سرادق العزاء واضعا ساق على ساق بوصفه رجل الأمن الخطير ومندوب السيد رئيس، هنا تيقظت له أجهزة الأمن فتم القبض عليه بعد نفي الرئاسة وجود مندوب عنها يحمل تلك الصفات، ليكتشف الأمن أن الرجل مسجل خطر في قضايا نصب واحتيال.

مثل تلك القضية تكررت كثيرًا وفي كل مرة يزعم النّصاب أنه من جهة أمنية سيادية، وفي كل مرة يكون زعمه سببًا في وقوعه بين أيدي رجال الأمن وفي كل مرة لا يتعظ نصاب بمصير سابقه، فكأنه النصاب فأر تغريه قطعة الجبن ذاتها فيدخل بقدمه إلى مصيدة هلاكه، ويبدو أن الانتساب لجهة أمنية مهمة يمثل إغراء لا يقاوم لدى النصابين، فهناك أحدهم الذي استولى على  100 ألف جنيه هى تحويشة عمر مواطنة مسكينة زاعما لها أنه من الجهاز الأمني الخطير القادر على تعيين وحيدها في وظيفة مرموقة، ثم كسابقه سقط في يد الأمن الذي أكد أن ذلك النصاب مدان في عشر قضايا نصب واحتيال وكان هاربًا من تنفيذ الأحكام.

أما أعجب نصاب فكان "ف . ع"  الهارب من تنفيذ أحكام في 23 قضية تبديد ونصب وشيكات، الذي قاده شيطانه لكي يستغل دعوة الرئيس السيسي للتبرع لصندوق تحيا مصر، فصنع من نفسه مندوبا لتلقي التبرعات، ثم عندما لم يجد الإقبال المرجو، صنع من نفسه مالكًا لأراضي الدولة وراح يبيعها للراغبين القادرين، فحصد أكثر من خمسين مليون جنيه، وبعدها سقط كالعادة في يد الأمن لتتم مصادرة الأموال الحرام وجره إلى السجن لتنفيذ الأحكام السابقة.

أما أعجب الحالات فهى لذلك الذي ظهر أخيرًا في اجتماع دولي حاشد هاتفا: "تسقط قطر .. تحيا فرنسا"
ذلك الرجل تجاوز الخطوط كلها حتى اضطر الخارجية المصرية لأن تصدر بيان تنفي فيه أدنى علاقة تربط الرجل بها.

"ص.ح" حالة مستعصية فهو مصري يحمل الجنسية الهولندية.. عمل في بداية حياته في مطعم في هولندا وتزوج صاحبة المطعم - مغربية الجنسية - وبفضل تلك الزيجة حصل على  الجنسية الهولندية فكان الطلاق مكأفاة الزواج، ثم قفز قفزة كبيرة  واستولى على المطعم، ثم رأى تغيير محل إقامته فصنع لنفسه وجودا مريبا في مدينة انفرس البلجيكية، وبفضل الإقامة المريبة حصل على منحة إعانة المتعطلين عن العمل التي تقررها الحكومة البلجكية وقدرها ألفي يورو شهريًا، يعني قرابة الأربعين ألف جنيه مصري، الذي يدهش في الأمر أن الرجل مقيم بمصر الآن ويحصل على أموال البلجيك!

 ولأن الزمن زمن مواقع التواصل الاجتماعي فقد صنع الرجل لنفسه حسابا على الفيس بوك  وسمى نفسه المستشار،  مدعيا عمله في الاتحاد الأوروبي كمستشار سياسي واقتصادي، ولحبّك الكذبة، أمطر فضاء الفيس بوك بصوره أمام البرلمان الأوروبي، وأثناء رحلة صعوده لم يترك شخصية ذات حيثية إلا والتقط صورة معها من رئيس الإخوان محمد مرسي ونهاية بنقيب الصحفيين السابق ضياء رشوان، فكل مشهور عنده هو مخلب قط يصطاد به ضحاياه الجدد، حتى وصل إلى أن تستضيفه قنوات فضائية لها شأنها متحدثًا في كل شيء وأي شيء بوصفه الخبير العارف بكل شيء!
 
حتى كتابة تلك السطور لم يقع الرجل ربما لأن حرصه يحفظ له أمنه، فهو يوحي للآخرين بأنه مسئول بالخارجية المصرية، لكنه لا يورط نفسه في التصريح بذلك، فعندما فعل فعلته الأخيرة لم يدخل إلى قاعة التصويت بل كان يقف وسط الصحفيين والقنوات الأجنبية التي تتابع الانتخابات من مقر اليونسكو خارج القاعة، مما قد يوحي بأنه يحمل صفة إعلامية وليس دبلوماسية.  
وعندما هاج الجميع ضده نشر تدوينة على حسابه بالفيس بوك قال فيها: إنه مواطن مصري غيور على بلاده ويدافع عنها!
 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" السبت 21 أكتوبر 2017


الاثنين، 23 أكتوبر 2017

لماذا يحتقر يوسف زيدان تاريخه ؟




يعد الدكتور يوسف زيدان من الظواهر العجيبة التي لا أجد لها تفسيرًا يطمئن إليه ضميري، الرجل لا يعاني أدنى معاناة على أي صعيد كان، فهو شهير غاية الشهرة، ثري بكل تأكيد، كتبه تظهر دائمًا في قوائم الأعلى مبيعًا، معظم إنتاجه جرى ترجمته لأكثر من لغة كبرى، لم يسجن قط، ولم يمنع قط، ولم يُطارد قط، بل لم تضيق عليه سلطة في أي عهد، ولو أجرينا استطلاعًا دقيقًا لظهر لنا أن عدد قراء يوسف زيدان يفوق عدد قراء عشرة أدباء من أصحاب الأسماء اللامعة.

إذًا أين المشكلة ؟

الحقيقة المشكلة لدى زيدان نفسه، الرجل يشعر شعورًا ليس مريحًا تجاه ذاته، فهو لا يتمتع بشهرته ولا بصيته ولا يشعر بخطورة نفوذه وتأثيره على قرائه، فكل كثير في عينيه قليل، وكل ناعم بين يديه خشن جارح، وكل بعيد لامع براق، وكل قريب معتم منطفيء، فيروح يخترع المعارك اختراعًا، ولا تهدأ ثائرة نفسه إلا إذا قذف أهله بالطوب فرد أهله الصاع صاعًا وليس صاعين فتسيل الدماء فيجلس زيدان هادىء النفس قرير العين، فأخيرا سالت دماء، وهو لا يشغل باله بأن أول دم يسيل هو دم الحقيقة ذاتها.

دم الحقيقة الذي سال هو دم معنى مصر، فما مصر؟ 

مصر ليست سوى المصريين، وتاريخ مصر هو تاريخ المصريين وأبطال مصر هم المصريون، وخونة مصر هم من المصريين، زيدان ومعه جماعة لا يستهان بهم يُحّقرون من شأن تلك الحقيقة التي تقوم مقام البديهيات، فمصر عندهم منفصلة تمام الانفصال عن المصريين.

على زيدان وجماعته أن يدركوا أنهم عندما يهيلون التراب على تاريخ مصر فهم يهيلون التراب على ذواتهم، وعندما يحتقرون أبطال مصر فهم يحتقرون أهلهم، على هؤلاء أن يراجعوا أنفسهم ويتخلصوا أولا من مشاكلهم هم مع أنفسهم هم ثم بعدها نبدأ معهم من أول السطر.

الدكتور زيدان ظهر الأسبوع الماضي مع الإعلامي عمرو أديب وقال بيقين يحسد عليه كلامًا يمس حياة المناضل الزعيم أحمد عرابي. 

كلام زيدان اليقيني يمكننا تقسيمه إلى قسمين.
الأول قوله إن عرابي لم يقل في مواجهة الخديوي توفيق الجملة الذائعة: "لقد خلقنا الله أحرارًا".
الحقيقة يمكن تفهم نفي زيدان للجملة الشائعة لأنها لم ترد سوى في مذكرات عرابي، أما المتاح من المصادر والمراجع التاريخية فلم تذكر الجملة بنصها المعروف وإن كانت قد ذكرت ما هو قريب منها بل أشد في التحدي وأدق في المعنى.

القسم الثاني من كلام زيدان هو نفيه اليقيني لوقفة عرابي ذاتها.
وهذا النفي لا يقوم إلا على احتقار زيدان لتاريخه الذي هو تاريخ مصر، الرجل يستكثر على المصريين مجرد وقفه أمام حاكم غاشم جهول مثل توفيق.
كان على زيدان إن كان يريد الإنصاف والتحري لا "جر شكل" المصريين وإظهار احتقار تاريخهم أن يقول لمشاهده أن هناك روايات لها قيمتها واعتبارها تؤكد أن عرابي قد واجه الخديوي. 

قبل تقديمي المختصر أرجو ألا يكون مخلًا للروايات أرجو من القاريء الكريم أن يلتفت أولا إلى أن الروايات هى لشهود عيان، وثانيًا هى لكارهين لعرابي أو على الأقل غير مرحبين به، وثالثًا تضم الروايات رواية لإنجليزي محتل يجرى حب الاحتلال في عروقه مجرى الدم.

الرواية الأولى كتبها سليم النقاش وظهرت لأول مرة في العام 1884، ثم تكرمت الهيئة العامة للكتاب بإعادة طبعها قبل سنوات قلائل، وما تزال الرواية تملأ الأسواق.
رواية سليم ظهرت تحت عنوان "مصر للمصريين" وجاء فيها: "كانت ساحة عابدين غاصة بجماهير المتفرجين من أجانب ووطنيين ونوافذ البيوت المجاورة للسراي وأسطحتها ملأى بالنساء المتفرجات. فأشرف الخديوي على الجيش من السلاملك وأمر بإحضار عرابي فحضر راكبًا على جواده سالًا سيفه ومن حوله ضباط السواري للمحافظة عليه فأمره بإغماد سيفه والنزول إلى الأرض وإبعاد الضباط عنه ففعل. ثم سأله الخديوي: وما هي أسباب حضورك بالجيش إلى هنا؟
فرد عرابي: لإسقاط الوزارة وتشكيل مجلس النواب وزيادة عدد الجيش والتصديق على قانون العسكرية الجديد وعزل شيخ الإسلام.

أرجو أن يسامحنى القاريء في ما قمت به من اختصار لأن المساحة لا تتسع لذكر كل التفاصيل المهمة جدًا والمثيرة للغاية.

الرواية الثانية صاحبها هو أحمد شفيق باشا وعنوانها "مذكراتي في نصف قرن" وهى تملأ الأسواق الآن، وأرجو الانتباه إلى أن أحمد شفيق باشا كان يعمل بالديوان الخديوي وقت أحداث الثورة العرابية، وكان منتميا للخديوي وقت الثورة. جاء في رواية شفيق: "رأينا الجيش قادمًا من جهة شارع عابدين، وتقدم عرابي راكبًا جواده شاهرًا سيفه وخلفه بعض الضباط فنزل الخديو إليهم من قصره غير مكترث لما قد يتعرض إليه من الأخطار، وكان معه السير أوكلاند كولفن المراقب والمستر كوكسن قنصل إنجلترا في الإسكندرية النائب عن معتمد انجلترا، ولم يتبعه سوى اثنين من عساكر الحرس الخصوصي أحدهما حسن صادق وكان ضخم الجسم فلما رأى عرابي شاهرًا سيفه، صاح به: اغمد سيفك وانزل عن جوادك، فامتثل. ثم خاطبه الخديوي بقوله: ما هي أسباب حضورك بالجيش إلى هنا، فرد عرابي قائلًا: جئنا يا مولاي لنعرض على سموك طلبات الجيش والأمة، فقال الخديوى: وما هي؟ فقال: هي إسقاط الوزارة المستبدة وتشكيل مجلس نواب وتنفيذ القوانين العسكرية التي أمرتم بها".

أما الرواية الثالثة فمذكورة بتفاصيل أشد إثارة في كتاب "الكافي تاريخ مصر القديم والحديث" لصاحبه ميخائيل شاروبيم، وهذا الكتاب كسابقيه موجود في الأسواق وليس نادرًا، وقد جاء فيه: "التفت كولفن إلى الخديوي وقال إذا تقدم نحوك أحمد عرابي فأمره أن يرد سيفه إلى غمده ويتبعك، فإذا فعل تقدم أنت إلى رأس كل فريق من الجند ومُره بالانصراف، فقدم الخديوي بقلب ثابت وشهامة كبرى وسار نحو أحمد عرابي وعبد العال باشا وأشار لهما بالسلام فسلما بالاحترام والتجلة والوقار، فقال لهم مالكم نبذتم طاعتي وعصيتم أمري.
فأجاب عرابي إني وإخواني وجميع ضباط الجيش وأفراد العسكر خاضعون لك يا مولاي وكلنا لا نبرح من هذا الموقف حتى تنجز لنا ما طلبناه. 

الرواية الرابعة صاحبها هو اللورد كرومر شخصيًا، وقد ظهرت روايته تحت عنوان "مصر الحديثة" وفي ذلك الكتاب ينقل كرومر المحتل ما رواه السير أوكلاند كولفن الذي كان من أبطال المشهد.
جاء في الرواية: "وصل عرابي بك على ظهر حصانه، طلب منه الخديوي النزول، فترجل عرابي عن حصانه، و تقدم نحو الخديوي ماشيًا على قدميه، مع حرس كبير شاهرين حراب بنادقهم، وحيوا الخديوي،  قلت للخديوي: الدور عليك الآن، رد عليّ قائلًا: "نحن الآن بين أربع نيران"، قلت: تشجع، واستشار الخديوي ضابطًا وطنيًا كان يقف على يساره، وكرر عليّ السؤال: ماذا أفعل الآن؟ نحن بين أربع نيران، سوف نُقتل، ثم طلب من عرابي بك بعد ذلك أن يغمد سيفه. وأطاع عرابي الأمر، ثم سأل الخديوي عرابي بعد ذلك عن ذلك الذي يحدث، ورد عليه عرابي بك محددًا ثلاث نقاط، وأضاف أن الجيش جاء إلى ميدان عابدين نيابة عن شعب مصر لفرض هذه النقاط الثلاث، وأنه لن يتراجع إلى ثكناته إلا إذا أجيبت هذه المطالب الثلاث. تحول الخديوي إلى ناحيتي وقال: أنت تسمع ما يقول، ورددت عليه ليس من اللائق أن يناقش الخديوي مسائل من هذا القبيل مع العقداء، واقترحت عليه الدخول إلى قصر عابدين، وأن يتركني أتحدث مع العقداء، تصرف الخديوي مثلما قلت". 

ختامًا هل لزيدان أن يكذب كل تلك الروايات ويواصل احتقار تاريخه ؟

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" السبت 21 أكتوبر 2017

الاثنين، 16 أكتوبر 2017

يا عايقة يا أم المناديل .. يا عايقة شعرك طويل


                                 


( 1 )

سألتُ صديقة من الكاتبات: "كيف ترين الصعايدة؟".
تنهدتْ بأسى صادق قبل أن تجيب: "رجال غربة".
صدقتْ والله صديقتي، نعم كأن الغربة هي قدر الصعيدي، يتغرب حتى لو كان في وطنه، في زمن مضى كان الصعيدي الأسيوطي يحلف بغربته إن أقام أيامًا في  محافظة المنيا رغم أنها تجاور بلده.
كلنا نعرف ملحمة الأبنودي عن السد العالي "جوابات الأسطى حراجي" حراجي من قرية بقنا، ثم عندما سافر إلى أسوان التي لا تبعد كثيرًا عن بلدته بكى غربته دمًا لا دموعًا.
ملمح الغربة هذا أو التغريب القسرى بفعل السعي خلف رزق العيال ، كان العيد الكبير هو الفرصة الوحيدة المتاحة لكسره.

( 2 )

قبل أربعين عامًا من عامنا هذا ـ وهو الزمن الذي سأنطلق منه ـ لم نكن نحن الصعايدة نعرف شيئًا عن مباهج عيد المدن، كانت لنا مسراتنا الخاصة، هي فقيرة نعم، وارتجالية بل وعشوائية، ولكنها تبقي مسراتنا الخصوصية التي تمنحنا تميزًا ما أو اختلافًا ما عن الآخرين.
أولى المسرات كانت انتظار العائدين على محطة القطار في الليلة التي تسبق ليلة الوقفة، لابد وأن يعود الغريب قبل الوقفة ليصوم معنا صيام عرفة، الذين يعودون صباح العيد أو بعده هؤلاء انخلعوا منا فنحن لا ننتظرهم وعندما نقابلهم نصافحهم في برود، لأننا نعلم أنهم عادوا مجبرين اتقاءً للقيل والقال، نحن نحب العائد  الذي يسوقه الشوق.
 يعود المتغرب أبًا كان أو عمًا أو خالًا أو شقيقًا أو صديقًا، فتدق طبول العيد في قلوبنا.
كنت أرى النسوة المتشحات بالسواد دائمًا، وكأنهن في جنازة الدهر نفسه، يتخلين عن خجلهن الفطري ويخلعن عنهن وقارهن الأبدي الأزلي وتمسك الواحدة منهن برأس العائد وتأخذه في صدرها وتوسعه تقبيلًا، ثم تشمه، ثم تعود وتتأمله كأنها تراه لأول مرة، ثم تتمتم: "الحمد لله رجع كامل".
الآن أظن أن المرأة الحاضنة كانت تبحث عن نقصان ما يُصاب به قلب المغترب، ثم تحمد الله لأنها وجدت قلب رجلها كاملًا مكتملًا.

 ( 3 )

فرحتنا بالعائد المكتمل تنسينا النوم، ثم كيف سننام قبل السحور؟
 غدًا يوم صيام مقدس لدينا كصيام رمضان، بل بعضهم يحرص على صيام عرفة أشد من حرصه على صيام رمضان.
ضحى عرفة نبدأ حملة تنظيف الشوارع، هي ترابية نعم ولكن لأبد وأن تقابل العيد بنظافتها، ثم نرشها بالماء النظيف، ونسرف في رشها، الكلام الذي يحاصر أيامنا هذه عن الفقر المائي وسد النهضة الأثيوبي وإلى آخر هذا الهراء، لم نكن نسمع به ولم يكن في مقدورنا تخيله، نحن نتعامل مع النيل بوصفه جدنا الصعيدي القديم الكريم المعطاء، نحن نتفضل على سكان المدن والبحاروة بما يفيض من خيرات جدنا، النيل نيلنا نحن أولًا، ونحن أحفاده المهذبين، نحترمه ونخشى غضبته ونهاب هيئته، بل نشعر بالحرج عندما لا نلقبه بالبحر، لقد عرفنا إنه نهر من مدارس الحكومة، ونحن لا نصدق الحكومة ولا مدارسها.
بعد الانتهاء من تنظيف الشوارع ورشها نصلي الظهر في مساجدنا البسيطة، كنا نتسابق للتقرب من سيدنا الشيخ إمام المسجد فقد يختارنا للمهمة السحرية التي تضمن لنا الحسنات المخلوطة بفرحة غامضة كأنها اللذة التي نسمع بها ولكن لا نعرف ما هي على وجه التحقيق.
سيدنا الشيخ يعرف كيف يتلاعب بمشاعرنا ويعرف أن حرصنا على الصلاة ليس بدافع التقوى في المقام الأول، يطيل سيدنا الصلاة وكذا ختامها ثم ينظر إلينا مبتسمًا: "يا اللا خدوها".
المشار إليها هي حُصُر المسجد، لم نكن نعرف السجاد ولا الموكيت ولا الحُصر البلاستيكية، كانت حُصُر مساجدنا من سيقان البردي أو من نبات الحلفا، دائمًا ما كانت مبتلة بماء الوضوء المتساقط من الجباة الساجدة، لحُصُر المساجد رائحة خاصة لا تشبهها رائحة، رائحة تجمع بين إتقان  يد الفنان الذي نسجها وبين ماء الوضوء وبين ذرات تراب تتخلل نسيجها وبين رائحة بخور قديم سكنها ثم لم يغادرها.
نجمع الحُصُر وننطلق إلى الترعة، لا تحدثني عن البلهارسيا، وصدقني لو قلت لك إن مياه ترعنا كانت أنظف وأنقى من الماء الذي نشربه الآن من الصنابير المزودة بالفلاتر.
نغسل حُصُر المسجد قربى لله عز وجل ونسبح ونرش الماء على بعضنا البعض قربى لأجسادنا التى لم تكن قد عرفت شيئًا عن مباهج المصايف.
لو كان طقس غسل الحُصُر يجري صيفًا، فسنظل في الماء حتى تجف الحصر، لكن لو كان الزمن شتاءً فسنبادر بالخروج من الماء فور انتهاء الغسيل، وسنظل نرتجف من البرد إلى أن يقوم ولد فلتان منا بإخراج علبة كبريت، وجود علبة كبريت مع أحدنا علامة تشير إلى أنه مدخن أو لص يسرق كبريت البيت ليوهمنا بأنه قد أصبح رجلًا لا يخشى من تهمة التدخين.
يلوح الفلتان بعلبة كبريته فنفهم الإشارة، نسارع بجمع الحطب، وعندما ننتهي من الجمع يكون أحدنا بكل يسر وسهولة قد اصطاد قرموطًا أو اثنين، لتبدأ حفلة شواء ارتجالية في الخلاء، صاحبكم الذي هو أنا لن يأكل ثانية سمكًا له طيب مذاق سمك الحصر، فهكذا كنا نسميه.
عندما نعود بالحصر النظيفة اللامعة يكون الرجال قد نظفوا المسجد وجعلوه لامعًا، نفرش المسجد بالحصر النظيفة فتلفنا رائحة النظافة، نعم للنظافة رائحة، وكنا نسميها نفحة عرفة.

( 4 )

نحن في يقظة من ليلة أمس ويجب أن ننام ولو قليلًا ولكن هل ننام ونترك الاستماع للراديو الذي ينقل على الهواء مباشرة شعيرة الوقوف بعرفات ؟.
نتحلق حول  الراديو، لم نكن قد عرفنا التليفزيون، نظل نسمع ونكبّر خلف المذيع لكي نحظى بثواب التكبير، في خلفية قلب كل واحد منا لحظة ستأتي عندما يقول المذيع: "أيها السادة، يسعد اتحاد الإذاعات العربية أن يكون معنا أخونا المذيع المصري الأستاذ ".
لا نسمع باقي الجملة، نصرخ في فرح مجنون: مصر، مصر، تحيا مصر.
مع المذيع المصري نترك التكبير والتسبيح ونصفق عقب كل جملة يقولها ونعاود الصراخ: مصر، تحيا مصر.
نعم نحن نحب مصر، ذلك الحب المتوحش المجنون، إنها مصر الكبيرة البعيدة، مصر التي وراء خيالنا وفوقه، مصر الحلوة المضاءة بالكهرباء، ثم مصر هذه قريبتنا قرابة الدم، كأنها العمة أو الخالة، من أجلها يستشهد أجمل شباب بلدنا، ويوم دفنهم لا نحزن ولا نرتدي السواد، بل نقول: عيالنا رجالة وخدوا بتارنا.
في الرابعة عصرًا ينتهي البث المشترك بين دول اتحاد الإذاعات العربية، نقسم جميعًا بأن مذيعنا كان الأجمل والأفصح.
لو سألت أحدنا: ماذا قال المذيع؟. فلن يرد بجملة مفهومة، الموضوع وما فيه أننا نؤمن أن مصر هي أعظم وأجمل شيء في الكون، وعلى ذلك يكون المذيع المصري هو أعظم وأجمل مذيع في الكون.
هل ننام لو قليلًا الآن والساعة تقترب من الخامسة من عصر يوم عرفة؟
هل يعقل أن ننام ولا نشارك في زفة العايقة؟


  

( 5 )

أيامها كان المضحون قلة، وقد شكت الناس لشيخ المسجد فقال لهم: الأضحية على الأغنياء فقط، وأنتم لو سبحتم الله ألف مرة فكأنكم ضحيتم.
كانت الناس تسبح الله يوم عرفة وتكبره وتحمده آلاف المرات فتطمئن قلوبهم لعدم تقصيرهم في العبادة.
العايقة هي البقرة التي يأتي بها الجزار من بلد بعيدة، يغسل جلدها حتى يلمع، ثم يأتي بالمناديل المشغولة بالترتر والخرز ويزينها بها ثم يقف بها في قلب شارع من الشوارع ويصيح صيحة واحدة: يا عيال.
تصلنا الصيحة فنأتيه من كل فج عميق، يرى الجزار حشودنا فيبتسم في رضا ويصيح: يا عايقة.
نرد على صياحه: يا أم المنديل.
يلين صوته ويسيل نعومة ويشير إلى بقرته: يا عايقة.
فنرد: شعرك طويل.
نظل نزف العايقة من شارع إلى شارع ومن درب إلى درب حتى لا يبقى بيت بالبلد لم يشاهد العايقة ويدعو بأن يكون لحمها حلالًا طيبًا.
نعود من فرح زفاف العايقة مع أذان المغرب، نفطر مع أسرنا، وتؤنبنا أمهاتنا على اتساخ ملابسنا من جراء الجري في تراب الشوارع خلف العايقة، لا نلتفت لتأنيب أمهاتنا لأننا نعرف أن ثمة ملابس نظيفة سنصلي بها العيد.
لابد وأن نصلي العيد بملابس نظيفة، لم نكن نشترط أن تكون جديدة، لم نكن نرهق آباءنا بمسألة شراء الملابس، وكنا إذا عرفنا أن فلانًا منا قد أرهق أباه، نسلقه بألسنة حداد، ونشنع عليه بأنه: "عيل طري وناقص يندغ / يمضغ لبان".
نقترب من أربعين ساعة بلا نوم، إذًا سننام قليلًا لنحلم بفيلم عبد الحليم الذي شاهدناه مئة مرة ولكن لا نمل من مشاهدته.
نصحو قرب الفجر فنغتسل، ثم نطير إلى المساجد لكي نلحق أصوات التكبير، عدم المشاركة في التكبيرات عار، وقد أفتى بعضنا بأن عدم التكبير يبطل صوم يوم أمس كما يبطل ثواب غسل الحصر وتنظيف الشوارع.
نكبر ونشعر  بأننا أصبحنا رجالًا وننتظر على أحر من الجمر الصلاة على النبي: " اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وعلى أصحاب سيدنا محمد وعلى أنصار سيدنا مع وعلى أزواج سيدنا محمد وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم تسليمًا كثيرًا".
لم نكن نعرف ما الجهاد ولا الجماعة الإسلامية، ولم نكن نعرف ما الإخوان، ولم نكن قد سمعنا بلفظ سلفيين، لم يكن أحد يعكر علينا يومنا ويقول: "لا تسيدوا النبي".
سيدنا محمد كان عندنا مثل سيدنا بحر النيل، أنهما شأن صعيدي خاص،  ليس من حق الأغراب الخوض فيه.
نغادر المسجد فنجد البنات يملأن الشوارع وقد كشفن عن شعورهن السوداء الطويلة اللامعة، وهذا حدث جلل، نعاكسهن بأن نقارن بين شعورهن: "فلانة شعرها أجمل من شعر فلانة" تضحك البنات من قلوبهن ويتسابقن في إظهار جمال شعورهن، وتمضي المعاكسة في لطف دون أن تخدش أي معنى نحترمه ونقدره بفطرتنا.

( 6 )

الآن حانت ساعة الحقيقة، إنها ساعة العيدية، نعرف مقدمًا مَنْ من أقربنا سيهبنا كم.
مفاجآت العيدية كانت تأتي دائمًا من النساء، هل تعرف خالتك فلانة؟
 نعم هذه القريبة من بعيد فهي خالة أم زوجة عمك، هذه المرأة تستطيع في يسر وسهولة منحك ربع جنيه بأكمله، هي فقيرة نعم، ولكن  لحظة العيدية ترفرف فوق رأسها أجنة ملائكة الجود والكرم.
هل تعرف أنت هؤلاء الرجال الصعايدة الذين يلبدون لبعضهم في الدرة، هؤلاء الذين تقف الصقور على شواربهم ، هؤلاء جميعًا كان يقصدهم أمل دنقل عندما قال: "ربما أحمس ربّته امرأة" أنا أحذف ربما المتشككة هذه، أحمس ربّته امرأة صعيدية وهابّة معطاءة منّاحة ودود ولود تعلمك الرجولة على أصولها، وتقف حامية لظهرك في أيام قسوة الحياة، تلمك في حضنها بل في قلبها ولا تبعثرك، تشبعها نظرة رضا وتطير من الفرح لو حصلت على لمسة حانية.
نحمد الله أن تكرم علينا وخلق العمات والخالات والأمهات والقريبات لو من بعيد، ونطير بمفاجآت العيدية إلى السينما حيث ينتظرنا عبد الحليم حافظ.
العيد كان عيدنا كلنا، لم نكن نعرف الفرق بين المسلم والمسيحي، فنحن معًا دائمًا، ولذا كان من الطبيعي بل من الواجب أن يقودنا في الطريق إلى السينما الكبار من المسيحيين، والكبير عندنا هو من بلغ اثنتي عشرة سنة.
الطريق إلى السينما ترابي ولا سيارات بل ولا حتى دواب في معظم الأحيان، يمضى الطريق سهلًا كأنه أصبح أقصر.
هو ذاته فيلم العيد وكل عيد "أبي فوق الشجرة".
الصعايدة ينظرون لعبد الحليم نظرتهم لابنهم الذي اختطفهم منهم البحاروة وأهل البندر، عبد الحليم صعيدي بعوده النحيل الناشف مثل حطب القطن، بسمرته الرائقة مثل سمرة طمي بحر النيل، بحزن عينيه، بيتمه، بمرضه الذي ندعو الله أن يشفيه منه، عبد الحليم ليس رجلًا طريًا بُقُصة يندغ اللبان، عبد الحليم جمل محامل أضناه العشق والمرض.
من باب التسخين نبدأ في عد القبلات التي بين عبد الحليم ونادية لطفي، ثم نزهد في القبلات التي لا نعرفها هكذا، نحن نعرف "الحَبّة" المخطوفة في ستر  حقول القصب والذرة، نحن لا نعرف القبلات السهلة المتاحة.
نحن الآن ننتظر لحظتنا أو بالأحرى لحظة عبد الحليم التي لو كان قد عرفها لاعتزل الحياة مكتفيًا بها.
سيقترب عبد الحليم من ميرفت أمين ويغني لها
الهوى هوايا
ابنيلك قصر عالي
واخطف نجم الليالي
وأشغلك عقد غالي
يضوي أحلى الصبايا
أنا الهوى هوايا هوايا
الآن حانت لحظتنا نشارك عبد الحليم في الغناء، نردد بخفوت
الهوى هوايا
يبقى القمر قاربنا
والليل بحر مهاودنا
والنسمة اللي تاخدنا
ترجع شايلة  الحكاية
الهوى هوايا
ثم يعلو صوتنا ويختفي صوت عبد الحليم، أصوات صعيدية عفية وقادرة ومتشوقة للحياة، نغادر السينما ونحن نغنى غناءً كأنه الهتاف لبعيد نحلم بأن يقترب يومًا 
الهوى هوايا
ادخل كتب الحكاوي
واروي سنينك غناوي
واعمل طبيب مداوي
وأشيل حبي دوايا
أنا الهوى هوايا هوايا
نعود إلى أمهاتنا وننام حالمين بأن نشارك في زفة العايقة في السنة المقبلة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور في جريدة "المقال" الخميس 15 سبتمبر 2016