الاثنين، 9 مايو 2016

كشف حساب الرئيس






                                   
وقف السيد رئيس الجمهورية ، يوم الخميس الماضي في الفرافرة أمام حشد من الإعلاميين وكبار رجال الدولة وقال : إنه سيقدم في مطلع يونيو القادم كشف حساب عن السنتين الماضيتين اللتين تولى فيها رئاسة الجمهورية .

عزم الرئيس على تقديم كشف الحساب خطوة محمودة نشكرها له ، ونتمنى لو قدم كل مسئول كشف حسابه لكي تعرف الأمة ليلها من نهارها .

وإسهامًا منى في إثراء كشف الرئيس وتغذيته بالمعلومات التي أراها مهمة سأقدم كشفًا لحساب فخامته من واقع كوني مواطنًا يعيش تحت حكم نظامه .

1ـ تمتع الرئيس بشعبية فوق الخيال ، حتى من قبل ترشحه للرئاسة ، فقد طلب من الجماهيرـ عندما كان وزيرًا للدفاع ـ  النزول إلى الشوارع لكي تفوضه في محاربة الإرهاب ، وقد استجابت الملايين لمطلبه وفوضته فعلًا.

أزعم أن الرئيس قد أساء فهم التفويض ، وتعامل معه بوصفه شيك على بياض ، فإن كنا ـ بفضل الله ـ ثم بجهود الجيش والشرطة قد شهدنا تراجعًا جيدًا جدًا في معدل  العمليات الإرهابية إلا أننا حتى الساعة لم نشهد تصفية بؤر ما تزال تعمل ضد حاضر الأمة ومستقبلها .

إذن مضمون التفويض يكاد يفقد معناه الحقيقي ، خاصة والرئيس لا يستمع لأغلب الذين فوضوه .

2ـ فاز الرئيس بالرئاسة بأغلبية كاسحة لم يتمتع بها رئيس قبله .

فهل حافظ الرئيس على جماهيريته وشعبيته ؟.

لست مركز أبحاث لكي أقدم أرقامًا ولكنني رجل شارع يسمع ويرى ويناقش ويشعر بما يجري حوله ويمتلك قراءته الخاصة لمجمل الشأن العام ، وعلى ذلك يظهر لي أن شعبية الرئيس قد تراجعت بمعدل خرافي ، وسيكون الأمر طيبًا للغاية لو كان يتمتع الآن بنسبة 10% من مجمل الذين صوتوا له .


3ـ لم يسبق في التاريخ المصري أن دعا الحاكم شعبه إلى اكتتاب بالمليارات لإقامة مشروع عام واستجاب الشعب ، فعلها السيسي وقدم له الشعب في تسعة أيام أكثر من ستين مليار جنيه .

إذن التأييد كان جارفًا والثقة كانت مكتسحة والمحبة أظهر من أن يشير إليها أحد ، ومع ذلك جرى إنفاق المال على مشروع  ظهر بعد البدء في تنفيذه أنه لم يكن ملحًا وإن ثمة مشاريع أخري كانت أولى وأجدر بالإنفاق عليها ، ولكن يحسب للسيسي في كل الأحوال أنه استطاع انجاز مشروع التفريعة الجديدة لقناة السويس ولعل الريح تأتي بما تشتهي السفن ويثبت المشروع جدارته في دفع الاقتصاد المصري إلى الأمام .


4ـ  ضاق الرئيس بالإعلام الذي لا يطمح لأبعد من سقف النقاش والمشاركة في طرح وجهات نظر غير التي يتبناها الرئيس ، وقد ظهر ضيقه واضحًا في مناسبات عديدة ، مما جعل نظامه بأكمله يشن حربًا غير مسبوقة على كل ما هو إعلام ، فرأينا مناخًا عامًا طاردًا وعدائيًا لمعظم الوجوه الإعلامية التي تتشوق إلى مجرد النقاش ، بدأت الحملة ضد باسم يوسف ثم تواصلت فطالت أسماء ريم ماجد ويسري فودة وصولًا ليوسف الحسيني ، وقد أصبح الوضع صعبًا حتى أن بعضهم قد تجنب عناء المحاولة ومكث في بيته من تلقاء نفسه مبتعدًا عن شاشته أو جريدته .


5ـ منذ جري تأسيس نقابة الصحفيين قبل خمسة وسبعين عامًا لم تتعرض لمهانة كتلك التي تعرضت لها علي يد نظام حكم السيسي ، فلأول مرة في تاريخ مصر يتم حصار النقابة بجماعات من البلطجية المستأجرين المدعومين بحماية الأمن ، ثم يجري اقتحام النقابة والقبض على صحفيين كانا معتصمين بها .

6ـ السيسي هو أول حاكم في تاريخ مصر يباغت شعبه بأنه قد أعاد ترسيم حدود الوطن البحرية ، مما أسفر عن وقوع جزيرتي تيران وصنافير تحت الملكية السعودية .


لم يشاور الرئيس أحدًا في هذا الإجراء الخطير جدًا ، بل تبرع نظام حكمه وقدم ما يزعم أنه مستندات تؤكد ملكية السعودية للجزيرتين ، بل خطا خطوة لا سابق لها عندما شن حملة اعتقالات وتشويه وتخوين لكل الذين قالوا إن الجزيرتين مصريتان ، وأحدث اسم جري تخوينه  كان المحامي مالك عدلي المقبوض عليه بتهمة الترويج لمصرية الجزيرتين.


7ـ منذ كان لنا اقتصاد وطني  لم يكسر الدولار الأمريكي حاجز السبعة جنيهات ونصف الجنيه ، ولكنه كسره في حكم السيسي وظل يكسره حتى حطمه تحطيمًا قافزًا إلى قرابة الاثني عشر جنيهًا مقابل الدولار الواحد ، ولقد أصبحنا نهلل فرحين عندما تبشرنا جرائد الصباح أن الدولار قد تراجع أمام الجنيه مسجلًا عشرة جنيهات وستين قرشًا .


8ـ لم يحدث في تاريخ الإعلام أن أذاعت قناة تسجيلات خاصة لمواطنين بدون حكم قضائي ، ولكن هذا حدث في زمن السيسي في خرق فاضح لأبسط مبادئ الدستور ، ولم يتم ـ ولو عتاب ـ لمذيع التسجيلات .


9 ـ الإخوان الذين يجب على مصافحهم عد أصابعه بعد مصافحته لهم  يشيعون أن عدد المعتقلين يتجاوز الأربعين ألف معتقل ، ولم نسمع تكذيبًا مدعومًا بالأدلة من أي جهة رسمية ، حتى أن كاتبًا صحفيًا هو الأستاذ حمدي رزق كتب مرات يناشد المسئولين تكذيب أرقام الإخوان بأدلة قاطعة ولكن لم يلبي أحد مناشداته ، هذا رغم وجود اعتراف رئاسي بأن هناك بعض المظلمين في الحبس .


10 ـ  الرئيس هو أول رئيس مصري يخترع لغة ملغزة لا يعرف الشعب فك شفرتها ، فنحن لا نعلم على وجه القطع واليقين من هم أهل الشر الذين يكيل لهم الهجوم في كل خطاب من خطاباته .

11ـ لغة الرئيس الملغزة هذه تغذي أكذوبة المؤامرة الخارجية التي تقودها أمريكا ، ثم نري الرئيس وهو يستقبل خمسة من أكابر الدولة الأمريكية خلال شهر أبريل الماضي ، ونسمع التصريحات الدالة على حيوية العلاقات ومتانتها وأهميتها.


12 ـ توحشت في عهد الرئيس جماعة شرطية ، هي طائفة أمناء الشرطة ، بحيث لا يكاد يمر أسبوع حتى يرتكب أمين شرطة جريمة في حق أحد المواطنين ، بداية من ظلمه ونهاية بإطلاق الرصاص على صدره .


13ـ كل حاكم مصري يكون معنيًا في المقام الأول بأمرين ، الوحدة الوطنية بين طرفي الأمة ، والحفاظ على تدفق النيل .

في الأمر الأول نلاحظ نجاح نظام الحكم في الحفاظ على حدود معقولة يمكن البناء عليها في منظمة الوحدة الوطنية ، ولكن في الأمر الثاني وهو أمر حياة أو موت ، لم نشهد سوى الفشل المرعب ، فحتى اللحظة يتواصل بناء السد الأثيوبي الذي ينذرنا بالموت لا بالعطش فحسب ، متى تم تخزين مليارات الأمتار من المياه التي حتمًا ستخصم من الموارد القادمة إلينا من المنبع .

13 ـ الارتباك الرسمي تجاه معالجة أي حادث كان ، ولو رجعنا إلى حادث مهم وخطير مثل مقتل الباحث الإيطالي ريجيني ، سنجد روايات متضاربة ومتناقضة وبعضها مضحك لا يصمد لأي نقاش جاد ، وهذا الارتباك  يجعلنا نظهر أمام الآخرين بمظهر الدولة الفاشلة الفاشية .

14ـ يتحدث الرئيس دائمًا عن انجازاته لمشاريع قومية عملاقة في عامين فقط بينما نحن المواطنين لا نرى ثمرة تلك المشاريع ولا نحس تجاهها بأي أمل حقيقي في أن تصبح عملاقة فعلًا وتأخذ بأيدينا  إلى الأمام  .

وبعد هذا هذه المساهمة السريعة يبقي التأكيد على أن أول الشفاء لا يكون إلا بعد الاعتراف بوجود المرض ، وبالحق نحن مكبلون بأمراض شتى ، فاللهم اشفنا برحمتك ولطفك .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى جريدة المقال بتاريخ 9 مايو 2016

الأحد، 8 مايو 2016

عمومية الصحفيين.. قصص ومناظر







ظهر  الأربعاء الرابع من مايو الحالي ، كنت في ميدان لبنان متجهًا إلى وسط العاصمة، حيث مقر نقابة الصحفيين، للمشاركة في اجتماع الجمعية العمومية. كانت حركة المرور قد أصابها شلل رباعي، وبدأ سائقو الميكروباص وبعض أصحاب السيارات الخاصة في سب الصحافة والصحفيين الذين أجبرت مظاهراتهم قوات الشرطة على إغلاق منطقة وسط العاصمة، مما أدي إلى تكدس السيارات على باقي المسارات.

بعد أكثر من ساعة ونصف وصلتُ إلى مدخل شارع عبد الخالق ثروت من ناحية شارع رمسيس.

بدا الأمر كما هو معتاد، حواجز أمنية وضباط ومجندون معظمهم مصاب بأنيميا  حادة،  ثم جماعات  من البلطجية المستأجرين، والذين يدللهم المصريون الساخرون بلقب المواطنين الشرفاء.
.
البلطجية في حماية الضباط، وتلك هي الكارثة، كارثة  بذاءة نظام وفحش إدارة، كارثة  إطلاق الرصاص على  رأس المنطق، والتصويب على قلب المعني، معنى القانون ومعني الواجب الوظيفي عندما ينهار ويسفل وينحدر إلى هاوية اللجوء للبلطجية.

ساحرة الأمازون

في الحقيقة لا أعرف كيف يكون شكل ساحرة الأمازون. قرأت في بعض القصص أنه مخيف جدًا، وهذا ما عاينته  وأنا أحاول المرور من الحاجز الأمني. قبضة بيضاء قوية جدًا ومشعرة للغاية قبضَتْ بعنف على ذراعي وصرخت صاحبتها: "انت جاي هنا ليه؟"

سؤال السيدة الأمازونية مضحك حتى الهلاك، ولكنه محور رئيسي من محاور كارثة  انهيار المعني.
أجبتها وأنا أقبض على ذراعها بعنف مماثل: "انتي إيه اللى جابك هنا؟"

صاحت بطريقة مرعبة: "شيل إيدك ماتلمسنيش".
هنا ضحكتُ، فتدخل البك الضابط قائلًا: "هل ستتشاجران في حضوري؟"
فأضحكني سؤاله الاستنكاري وقلت له: "اصدر لها أمرًا  بأن تترك ذراعي".

فقال: "اترك أنت ذراعها أولًا واظهر بطاقتك الصحفية".
أخذتني عبثية الموقف كله فأقسمت على عدم إظهار بطاقتي الصحفية. وكي لا يتطور الأمر تركني أعبر الحاجز بينما استطاع إيقاف زملاء آخرين بزعم عدم امتلاكهم بطاقات صحفية.

واقعة الكشري

في زمن ما قبل الفضائيات واﻹنترنت، كان المراهقون يتكبدون عناء الذهاب إلى دور العرض التي تعرض الأفلام المشاركة في مهرجان القاهرة السينمائي، وكان لديهم سؤال واحد أزلي أبدي يلقونه على كل مغادر لقاعة العرض: "هو الفيلم دا قصة ولّا مناظر؟"

كانوا بسؤالهم يريدون الاطمئنان على وجود مشاهد "مناظر" ساخنة في الفيلم، فإن كانت الإجابة بأن الفيلم "قصة" انصرفوا عنه لأنهم يريدون الأفخاذ  العارية لا حبكة الدراما.

ويوم أمس كانت به ثلاث قصص وعدد لا يحصى من المناظر. خذ عندك منظر التقاتل على علب الكشري التي كان يوزعها متعهد على البلطجية الذين يلتهمونها وهم يرقصون على موسيقي الأغاني الوطنية ويلوحون بأعلام الوطن وصورة الرئيس ويسبون الصحفيين. كل ذلك يفعلونه في نسق واحد عجيب أشد العجب .

مثل هذا البؤس ثقيل على أي قلب يتمتع صاحبه بالحد  الأدنى من الرحمة، ولكن ماذا بيد أي إنسان رحيم ليقدمه لهؤلاء الرافضين لأي حراك قد يدفع  بحياتهم إلى الأمام؟
هؤلاء قوم رضوا بالبرشام المخدر ورضي عنهم البرشام.

الغد علينا

حاول محامون الخروج من نقابتهم الملاصقة لنقابة الصحفيين لإعلان تضامنهم معنا، ولكن البلطجية ورجال الشرطة حالوا  بينهم وبين هدفهم، فتراّصوا أمام سور نقابتهم وراحوا يهتفون بكل قلوبهم مؤيدين للصحفيين ومتضامنين معهم.
تلك قصة لم تأخذ حظها من الاهتمام الإعلامي. في غبار المعارك تضيع تفاصيل غاية في الأهمية، وقد ضاع تضامن المحامين مع الصحفيين، وذلك لأن تضامنهم كان جذريًا وواعيًا ومدركًا لحقيقة الموقف الذي لا يخرج عن أن دهس الصحفيين نذير سوء للمحامين، وأنه إن كان اليوم على الصحفيين فالغد على المحامين.

أم القصص

أمام النقابة وعلى سلمها الخارجي اجتمع آلاف الصحفيين، وكان هتافهم الرئيسي: "عيش، حرية/ الجزر دي مصرية".
قل هي الجزر ولا شيء آخر. موقف الصحفيين الرافض للتخلي عن جزيرتي تيران وصنافير واحتضان النقابة لمتظاهري جمعة الأرض هو السبب الرئيسي، بل يكاد يكون الوحيد لتنكيل النظام الحكام بالصحفيين.
لقد أدرك الصحفيون مبكرًا جدًا أنهم أمام نظام حكم يريد ـ لأول مرة في التاريخ المصري ـ التخلي عن أرض مصرية، هكذا بدون منطق ولا دليل ولا وثيقة. رفض الصحفيون هذا الاتجاه فكان ما كان، وسيكون ما هو أشد وأشقى.

الجميلات هن الثائرات

قرب العصر دعا مجلس النقابة عموم الصحفيين للدخول إلى القاعات الرئيسية للاستماع إلى قرارات اجتماع الجمعية العمومية.
كان الأمر مفرحًا ذلك الفرح الذي يعيد لك يقينك بصفاء الوجدان المصري. الكثرة الغالبة كانت للصحفيات، فأين ذهب التحرش؟ بل أين ذهبت الغلظة والجلافة، وأين ذهبت المعاكسة والاستظراف؟

كل تلك الأمراض التي يحاول بعضهم ترسيخها لدي المصريين لم يكن  لها من وجود. عكسها كان هو المسيطر والحاكم للموقف كله .
لم تتعرض صحفية لمضايقة ولو بإشارة، رغم الزحام والجو الخانق والطقس الحار.
كان كل صحفي حريصًا على حماية زميلته والترفق بها محاولًا أن يجد لها مقعدًا لكي تجلس عليه.

ولأن الثائرات هن الجميلات، ولأن الجميلات هن الثائرات فقد وضعت الصحفيات المصريات لمساتهن على بدء الاجتماع.
فجأة وقفت أكثر من مائة صحفية وبدأن في إنشاد النشيد الوطني.
دموع غزيرة خنقت أصوات معظم الرجال تأثرًا بلمسة الجميلات.
هنا مصر بفنها ورقيها، هنا مصر التي لم تكف قطّ عن المقاومة، هنا مصر التي تسعي لأن تنتزع حقها في البناء والنهوض.

وقفة المحامين المؤيدة والداعمة للصحفيين كانت قصة، ومعرفة الصحفيين بسبب تنكيل النظام الحاكم كان القصة الثانية، نشيد الجميلات كان القصة الختامية، ليوم سيكون له ما بعده.
يوم الأمس كان القطرة الأولى في غيث قادم، بل في طوفان سيكتسح هؤلاء الذين يظنون أن بمقدورهم حبس المارد في قمقم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بموقع مدي مصر / الخميس 5 مايو 2016

الخميس، 5 مايو 2016

ضحكة المصريين أمن قومي











يعد المسلسل التليفزيوني القديم  " حلم الجنوبي " بيضة ديك مؤلفه " محمد صفاء عامر "  لأنه وضع في ذلك المسلسل يده على تصور جامع لما يعتقد أنه يمثل الهم المصري العام .
في ذلك المسلسل كان الحاج عمران الجارحي لص أثار ونابش قبور ، وكان يبيع الثمين الذي يحصل عليه من نبشه لمقابر الفراعنة إلى لص أثار أوربي .

وفي يوم من الأيام حصل عمران على بردية ظن بخبرته أنها خطيرة ، ولكي يتأكد من صدق ظنه أرسلها إلى مدرس التاريخ وعالم المصريات الشاب " نصر وهدان القط ".

ولأن نصر كان يجيد اللغة المصرية القديمة فقد قرأ البردية بتمعن وعرف منها السر الخطير الذى تكشفه وهو أن قبر الإسكندر الأكبر موجود في منطقة  وسط الإسكندرية . قرر نصر عدم إرجاع البردية لعمران ، لأنها أثمن من أن تباع لأي جهة كانت ، وتحجج بأنه سيحتفظ بها لبعض الوقت لمزيد من الدراسة والفحص .

كان اللص الأوربي قد ألقي نظرة سريعة على البردية ولكن لأنه ليس خبيرًا باللغة الفرعونية فقد خمن  مضمونها على وجه العموم دون معرفة بالتفاصيل الدقيقة ، ولذا فقد راح يطار عمران للحصول على البردية بأي ثمن .

تعقدت الأمور عندما رفض نصر صراحة إعادة البردية لعمران الذي جن جنونه فقام  بتسليط الإرهابيين المنتسبين لما يعرف بالتيار الإسلامي الذين قاموا بحرق بيت نصر فحرقت البردية !!.
كان نص البردية قد أصبح محفورًا على جدران ذاكرة نصر الذي ترك الصعيد حيث مسقط رأسه وتوجه إلى الإسكندرية لدراسة القضية على أرض الواقع .

 الجهة التي يتبعها لص  الآثار الأوربي سارعت بإرسال ضابط مخابرات كبير ليساهم في تقصى مصير البردية .
الأوربيان ـ اللص والضابط ، بذلا ما هو فوق الجهد لكي يعرفا مصير البردية ، وعندما تمكن التعب من قلب وجسد اللص ، بدأت رسالة المسلسل في الوضوح.

سأل اللص الضابط .
ـ لماذا نتعب كل هذا التعب في البحث عن بردية نعرف أن مضمونها قد لا يتحقق أبدًا.
رد الضابط .
ـ وقد يتحقق فتكون الكارثة .
تعجب اللص وعاد للسؤال .
ـ أي كارثة في أن يكتشف المصريون قبر الإسكندر ؟
بغضب رد الضابط .
ـ لو أكتشف المصريون قبر الإسكندر فسيختل ميزان القوي في منطقة الشرق الأوسط .
بدهشة عاد اللص للسؤال .
ـ أليست تلك مبالغة منك يا عزيزي .
رد الضابط .
ـ ليست مبالغة ، بل هذه هي الحقيقة ، لو أكتشف المصريون القبر فسيشعرون بالعظمة ، وشعورهم بالعظمة سيؤدي إلى رفع روحهم المعنوية ، وهذه ستقودهم إلى الثقة بأنفسهم ، والثقة ستؤدي إلى بث الأمل في قلوبهم ، والأمل سيجعلهم يضحكون ، ولو ضحك المصريون فإنهم سيعملون ولو عملوا فسيختل ميزان القوي الاستراتيجي.

علينا أن نجعل المصريين في حالة عبوس دائمة ، علينا أن نجعلهم لا هم أحياء فيضحكون ويعملون ولا هم موتى فيدفنون .
تلك ـ كما أعتقد ـ هي رسالة المسلسل ، وهي رسالة جد خطيرة تكشف الداخل العدو ـ المتمثل في نابش القبور عمران ـ والخارج المستثمر للداخل .

إذن لا مؤامرة خارجية هناك ، لأن عدوك الذى تتبرع أنت وتقدم له سكينًا ليذبحك بها لا يكون متآمرًا عندما يقبل هديتك بل ويقبلّها .

داخلنا الآن يدعون للعبوس الدائم ، حيثما وليت وجهك لن تجد سوى الارتباك والفوضى والتصويب على رأس الأمل وقلبه .

يترك الداخلُ الضباعَ من أمناء الشرطة ليفتكوا بالناس ، وما أن نلملم الجراح باحثين عن مخرج ، حتى يباغتنا الداخل بطعنة نجلاء عنوانها ( إعادة جزيرتي تيران وصنافير للملكة العربية السعودية ) نروح نرجو الداخل أن يتعقل ليبحث معنا عن كلمة سواء فيضع أصابعه في أذنيه ، نضيق بتجاهله لنا فننزل إلى الشوارع لكي نسمعه كلمتنا ، فيباغتنا بأن يرفع أعلام المملكة في قلب القاهرة وكأنها أصبحت مقاطعة من مقاطعات آل سعود .

ندعو الداخل للتهدئة فيقوم باعتقال شبابنا ـ أجمل ما فينا ـ من على مقاعد المقاهي ، ندوخ السبع دوخات  في البحث عن شبابنا ، فيرد علينا الداخل باقتحام نقابة الصحفيين لأول مرة في تاريخ مصر وباعتقال صحفيين اثنين كان معتصمان بها .
يعني نخرج من حفرة فيوقعنا الداخل في دحديرة ، فمتى نبتسم ؟ متى نضحك ؟ متى نفتح للأمل أبواب قلوبنا ؟ متى نتخلص من كل هذا الاكتئاب
كل ما نرجوه من سيدنا الداخل أن يأخذ المناصب والمكاسب ويترك لنا الضحك .    

هامش

يقول الدكتور احمد عكاشة رئيس الجمعية المصرية للطب النفسي إن 5، 1 مليون مصري مصاب بمرض الاكتئاب،وتصل نسبة وفيات مرضى القلب المصحوب بالاكتئاب إلى ١٧٪، كما يعد الاكتئاب عاملًا مؤثرًا  فى الإصابة بالجلطات.


وأشار إلى أن 70% من مرضى الاكتئاب لا يذهبون إلى الطبيب النفسي بل إلى طبيب الباطنة ليشكوا  من آلام بالجسم خاصة وأن أعراض المرض تأتى للمريض على شكل آلام فى الجسم منها صداع وآلام فى الظهر وآلام فى المفاصل والدوخة والزغللة والمرارة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المقال بتاريخ 5 مايو 2016

الخميس، 21 أبريل 2016

أقسم بالله : عواد لم يبع أرضه






هناك مصطلح  قديم جدًا  شديد الأهمية والخطورة  سبق إليه العرب والمسلمون عندما كانوا أصحاب حضارة فاعلة ومؤثرة ، ذلك المصطلح " تحرير المصطلحات " والمقصود بتحرير المصطلحات أو المصطلح أنك عندما تناقش شيئًا أي شيء يجب عليك أولًا ـ إن كنت تبغي الإنصاف ـ أن تقدم ضبطًا لمعناه ، وعرضًا مرتبًا لزواياه وتدقيقًا لوجوهه ،و ذلك لكي يفهم منك السامع حقيقة ما تريد قوله .


وعلى ما سبق تعالوا نحرر مصطلح أزمة أو كارثة الجزيرتين .
حدثت إعادة لترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية وبين المملكة العربية السعودية ، ووفق ذلك الترسيم زعمت الحكومة المصرية : إن جزيرتي تيران وصنافير واقعتان في المياه الإقليمية السعودية .

هل حدث شيء غير ما كتبته ؟.
كل القضية من يوم أن عرفنا بها وإلى لحظة كتابتي لهذه السطور ، تحرير مصطلحها لا يتجاوز " إعادة ترسيم الحدود ".

ولذا فليس هناك أخطر من الكلام المرسل عن قيام النظام الحاكم في مصر بـ " التنازل عن الجزيرتين ".
الذي يقول بأن ما حدث هو تنازل يلزمه لكي نصدقه أن يظهر لنا وثيقة التنازل ، فإن لم يظهرها فكلامه والعدم سواء .
بعضهم يتحدث  عن  " بيع الجزيرتين " .
والمعروف المجمع عليه عقلًا أن كل بيع له أركان ، منها البائع والمشتري والمباع والعقد والثمن .
فأين كل ذلك ؟ .

ثم لو افترضنا افتراضًا أن ما حدث هو تنازل أو بيع ، فالأمران باطلان ويلزمان من قام بهما ولا نتحمل نحن من وزرهما شيئًا .
 إن الحديث عن تسليم الجزيرتين أو التنازل عنهما أو بيعهما أو حتى تأجيرهما للملكة السعودية ، هو  كلام شديد الخطورة وخطير الكذب ، لماذا ؟
لأنه ببساطة لم يحدث ، ولأنه على صعيد آخر يدعو لو تلميحًا إلى أن ننفض أيدينا من القضية برمتها ، فماذا بعد البيع أو التنازل أو التسليم ؟.
إننا بالحديث عن البيع ومشتقاته نقرر واقعًا لم يقع أصلًا لأن أحدًا أي أحد لا يستطيع القيام به .
لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا أيًا كان يستطيع قانونيًا بيع ما لا يملكه ، كما لا يستطيع التنازل عنه ، كل ما يستطيعه المسئول هو أن يزعم  ملكية  الجزيرتين لفلان أو علان .
ودورنا أن نبحث في مصداقية هذا الزعم ، نصدقه ونسلم بصحته أو نرفضه ونقول : إنه لا يَلزمنا في شيء ولا يُلزمنا بشيء .

إن الحديث المكرر المتهافت  عن البيع والتنازل هو حديث لا يسنده دليل ولا يقوم على منطق ، ما حدث هو إعادة ترسيم حدود ومزاعم تقول بها الحكومة المصرية والرئيس المصري وبعض الإعلام المصري حول أحقية السعودية في الجزيرتين.

الآن يجب أن نتحرك وفق تحرير المصطلح ، فنحن نرفض الترسيم الذي جري بليل وبعيدًا عن عيوننا وقد باغتونا به .
نصعّد رفضنا للترسيم ، ونذهب إلى كل جهة مسئولة ومختصة ، نخاطب  البرلمان ، نحتكم إلى استفتاء شعبنا ، هناك ألف طريقة وطريقة لمواجهة هذه القضية التي اخترعها النظام الحاكم غير ملتفت لخطورتها فأدت ـ حسب اعتراف الرئيس نفسه ـ إلى حدوث  شرخ في المجتمع المصري .

إن لم نحرر المصطلح فسيتسع الشرخ وسنخسر جميعًا ، فلندافع عن جزيرتينا وفق ما حدث ، وكل ما  حدث ما هو إلا  مجرد إعادة ترسيم نحن نرفضه .

أعرف كما يعرف غيري أن النظام الحاكم الآن في مصر قد غرته الدنيا فظن أنه سيطاع مهما شطح وسيسمع له مهما قال فذهب بعيدًا في الاستئثار بالقرارات الخطيرة والمهمة ، لم يعرض أمر الترسيم  على أهل الاختصاص  المنصفين ، ولم يمهد طريقه إلى قلوب الشعب ، بل قرر فجأة أنه قد فعل كذا وكذا وما علينا إلا السمع والطاعة ، فحدث الشرخ وتباينت المواقف وبدأت الناس في اللجؤ إلى الشوارع لكي يسمع الحاكم صوت اعتراضها على قراره بل ورفضها له .

كل ذلك معروف ومن المؤسف أن الوقائع التي على الأرض تشير إلى تمسك كل فريق برأيه واستعداده للذهاب إلى حافة الهاوية .

نحن نرفض الترسيم الذى لم نكن من شهوده والنظام يؤمن أن ما حدث قد حدث ويجب ألا نتوقف عنده وإلا كنا من أهل الشر والفتن والمتربصين ببلادهم .

فإذا كان الحال كما ترى من عناد واستكبار وغطرسة ، فلماذا نصعبها على أنفسنا وننشر اليأس فوق رؤؤسنا ، ونقول : كذبًا أو يأسًا أن البيع قد تم .
يا خلق الله أقسم بالله : إن عودًا لم يبع أرضه لأنه لا يمتلكها حتى يبيعها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
لا يكون البيع صحيحاً حتى تتوفر فيه سبعة شروط متى فقد شرط منها صار البيع باطلا :
1- التراضي بين المتبايعين .
2- أن يكون العاقد جائز التصرف .
3- أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة .
4- أن يكون البيع مِنْ مالك أو مَنْ يقوم مقامه .
5- أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه .
6- أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو وصف منضبط .
7- أن يكون الثمن معلوماً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 21 ابريل 2016

الاثنين، 18 أبريل 2016

الكرامة لا تقاس بالمتر ولا توزن بالرطل






تحتل قبيلة الغساسنة مكانة مهمة في التاريخ العربي والإسلامي ، في بداية أمرها كانت القبيلة  تعيش  بالقرب من سدّ مأرب، في اليمن  و بعد انهيار  السد اتجهت القبيلة شمالاً ووصلت إلى  جنوب الحجاز ، ومنه انطلقت  شمالاً حتى وصلت إلى  بلاد الشام، التي هي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ، وفي الشام أسست القبيلة ملكها وأصبح قادتها ملوكًا متحالفين مع  الروم البيزنطيين  الذين كانوا القوة الأعظم في العالم.

تعمدتُ ذكر هذه النبذة التاريخية لكي نعرف الخسارة الفادحة التى تكبدها المسلمون عندما وقع العداء بينهم وبين تلك القبيلة الملكية .

 نقفز إلى الأمام  حتى نصل إلى زمن تولى الفاروق عمر بن الخطاب  حكم الدولة الإسلامية وتولى جبلة بن الأيهم عرش مملكة الغساسنة .

الأيهم وأبناء مملكته كانوا قوة إقليمة  يحسب لها ألف حساب  ، وقد أقتنع الأيهم أخيرًا بالإسلام وغادر عاصمة مملكته متجهًا إلى المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية ليعلن إسلامه بين يدي الفاروق شخصيًا .

طبعًا عمر والمسلمون رحبوا بتلك الخطوة أشد الترحيب وفرحوا بها فرحة لا مزيد عليها ، لأن إسلام ملك يعني إسلام مواطنيه  أو على الأقل إسلام معظمهم  ، ثم أن إسلام الملك يعنى تأمين الحدود الشمالية للدولة  الإسلامية الوليدة تأمينًا مجانيًا بدون وجود قوات أو دفع نفقات .

إذن أسلم ملك الغساسنة ورأى أن يطوف بالكعبة المشرفة فكان له ذلك ، أثناء الطواف ، وقعتْ الواقعة ، داس بدوي ـ بدون قصد ـ طرف  إزار جلالة الملك جبلة بن الأيهم ، غضب جلالة الملك الغضب كله فضرب البدوي ضربة هشمت أنفه .

فما كان من البدوي الذي ينتمي لقبيلة  فزاره إلا أن توجه إلى  رئيس الدولة الإسلامية الخليفة عمر بن الخطاب شاكياً جبلة .
ضع نفسك مكان الفاروق حتى تعرف إلى أين وصلت معدلات الكرامة في دمك ؟.

قام الفاروق باستدعاء الملك ، وقد حفظت لنا كتب التاريخ الحوار الذي جري بينهما   قال عمر: "جاءني هذا الصباح، مشهد يبعث في النفس المرارة، بدويٌّ من فزارة، بدماء تتظلَّم بجراح تتكلَّم، مقلة غارت وأنف قد تهشم، وسألناه فألقى فادِحَ الوزر عليك، بيديك، أصحيح ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح ؟".

رد الملك  جبلة : " لست ممن ينكر، أو يكتم شيئاً، أنا أدَّبتُ الفتى، أدركتُ حقي بيدي" .

قال عمر: " أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف  ويظلم، عند غيري جبهة بالإثم والباطل تُلطَم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرض الفتى، لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك ".
تعجب  جبلة قائلًا :"  كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة وأنا صاحب تاج ".
بعد مجادلة أدرك جلالة الملك أنه أمام حلين لا ثالث لهما .
الأول أن يعتذر للبدوي ، ثم للبدوي قبول الاعتذار أو رفضه ، فإن قبله فلله الحمد ، وإن رفضه فليس سوى الحل الثاني ، وهو أن يتم القصاص منه .

فكر الملك في الخروج من مأزق الحلين اللذين يرفضهما ولا تقبلهما ذاته الملكية فقال لعمر :" اتركني الليلة حتى أتدبر الأمر ".

تركه عمر لكي يراجع نفسه ، فانتهز الملك الفرصة وفر هاربًا عائدًا إلى عرش مملكته كافرًا بالإسلام الذي يساوي بينه وهو جلالة الملك وبين بدوي قد يكون حافيًا ولا يعرف القراءة والكتابة .

بفرار الملك خسر المسلمون كل مكسب كانوا سيربحونه بإسلامه وظل العداء قائمًا بين المسلمين ومملكة الغساسنة حتى هُزم الغساسنة في معركة اليرموك .
والآن هل وصلتنا رسالة " الكرامة " التي لا تقاس بالمتر  ولا توزن بالرطل ؟.

عمر بن الخطاب خسر مملكة مقابل كرامة أنف بدوي ، فكيف لا تقبض قلوبنا وتجف حلوقنا ونحن نسمع بعضهم يقول :" تقيمون الدنيا من أجل جزيرتي تيران وصنافير ومساحتهما لا تتجاوز مساحة ملعب كرة قدم ".

هذا القائل هو من الذين طمس الله على قلوبهم فمن البديهي أن يكذب في كل شيء ، يكذب في تقرير وتقدير المساحة فلا يذكر أن مساحة تيران هي ثمانون كيلو متر مربع وأن مساحة صنافير هي ثلاثة وثلاثون كيلو متر مربع ، يعني ليست مساحة ملعب كرة قدم أو كرة رجبي  .
ثم يكذب في إهالة التراب فوق المعني ، نحن لم ولن نتحدث عن مساحة ، نحن نتحدث عن كرامة أهدرتها عدم مشاركتنا نحن الشعب مالك الجزيرتين في تقرير مصيرهما .

ثم يواصل ذلك الكاذب  كذبه فيقول ساخرًا :" كيف تغضبون لجزيرتين لم تسمعا باسميهما من قبل؟ ".
وفي هذه أنت كاذب أيضًا ، فنحن نسمع باسم الجزيرتين ونعرفهما قبل أن يظهر الطماعون إلى الوجود ، ثم نحن يا هذا لم ولن نسمع باسم أمك فهل تقبل ـ تحت ستار جهلنا ـ أن نبيعها في سوق الرقيق ؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 18 ابريل 2016



الخميس، 14 أبريل 2016

كيف نتعاون مع نظام يرانا ثقلاء كذباب الصيف ؟










أمضى شاعر الشعب أحمد فؤاد نجم ـ رحمه الله ـ  أغلب حياته  متنقلًا بين ثلاث حالات ، فهو إما مسجون أو مطارد ، أو في الشارع يلقي شعره .

وفي واحدة من المطاردات لجأ شاعرنا  إلى الإقامة لبعض الوقت في سوريا الشقيقة .
نزل في أول إقامته  ضيفًا على محب من محبيه ، وذات ليلة جاءه مسئول مرموق من مسئولي الرئاسة السورية التي كانت بيد حافظ الأسد ، وما أدراك ما حافظ الأسد .

ما زلت أتذكر عمي أحمد وهو يقول لي :" الراجل يا واد كان أطول من ليالي الشتا  السودا وأعرض من قفا الغبي ".
ذلك المسئول الطويل العريض ، وبعد المجاملات المعتادة قال للفاجومي :" إن الرئاسة السورية ترحب بوجوده على الأرض السورية وتدعوه للإقامة ضيفًا عليها ".

رد الفاجومي على الدعوة الكريمة  بالشكر والتقدير ثم ـ ولأنه الفاجومي ـ قال للمسئول :"ابلغ  سيادة الرئيس شكري لدعوته واعتذاري  عن عدم  قبولها لأني ضيف على الشعب السوري ".
ما إن انتهى الفاجومي من جملته حتى سقط المسئول في نوبة ضحك جنونية.

الفاجومي يعرف عن نفسه خفة الظل وحلاوة الطرفة ولكنه لم يجد نفسه قد قال شيئًا مضحكًا أو يدعو حتى إلى مجرد الابتسام ، فسأل المسئول عن سبب ضحكه الجنوني هذا .
رد المسئول بعد أن سيطر على ضحكه وقال للفاجومي :" كيف لإنسان عاقل مثلك وشاعر فحل أن يصدق بوجود شيء اسمه الشعب السوري ؟".

يكمل الفاجومي الحكاية قائلًا :" لقد تبادلنا الضحك ، هو يضحك من أوهامي حول  وجود شيء اسمه الشعب السوري وأنا أضحك من أوهامه حول غياب الشعب ، ثم لم نصل إلى حل يوقف الضحك ، فعاد المسئول إلى قصر الرئاسة ضاحكًا وعدت أنا إلى مقهاي ضاحكًا ليقيني بأني سأنتصر طال الزمان أم قصر ".

انتهت القصة الفاجومية التي تصلح أساسًا لشرح وتفسير كل ما يجري لنا.
نحن الآن في مصر نعيش نوبة الضحك ذاتها ، فالمسئول وهو هنا سيادة الرئيس المنتخب لا يري الشعب ولا يصدق بوجوده ، بل لا يشغل باله أساسًا بسؤال حول الشعب ، أكتب منطلقًا من قراءتي للوقائع التي تجري على الأرض غير ملتفت لكلام الخطابات العاطفية المنمقة .

سيادة الرئيس  دعانا لمزيد من التقشف ثم لم يخجل ولم يستنكف أن يسير موكب سياراته  على سجادة حمراء ، ويومها أدخلنا  أنصاره في متاهة عبثية حول كونها سجادة أم لون طلوا به أسفلت الشارع ؟ .

وعندما تبين لهم أنها سجادة راحوا يساومون في ثمنها !!.
في كل الأحوال تناسوا وتجاهلوا عن عمد وسبق إصرار المعني والمغزى الكامن خلف رئيس يدعو شعبه ليل نهار لشد الأحزمة على البطون ثم يسير هو في مواكب قيصرية أو هرقلية !!

والمعنى والرمز الكاشف هو أننا أمام رئيس هو في الحقيقة لا يري فقر شعبه ولا جوعه ولا عريه بل لا يرى الشعب ذاته إلا في الخطب والخطابات والتصريحات الرسمية .
لأنه لو كان حقًا يرى الشعب ما كان قد أقدم على ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية هكذا بغتة مباغتة وفجأة مفاجئة .

لو كان يرانا لمهد للأمر على مدار شهور ولقدم كل الحجج المنطقية التي تجعل الترسيم أو إعادته أمرًا لا مفر منه ، ثم لانتخب جماعة من أفضل العلماء والخبراء في هذا المجال الفني المعقد ، فإن جاء كلام الخبراء والعلماء مصدقًا لمزاعم المملكة لقام هو بنفسه بإلقاء الكرة في ملعب الشعب ، ولقال له : " يا أيها الشعب العظيم الحلال بين والحرام بين ، وأبناؤك من العلماء والخبراء  قالوا إن جزيرتي تيران وصنافير هما للملكة فانظر ما ترى ؟".

لو جري الأمر وفق تخيلي هذا لكانت بداية مبشرة بكل خير تربط بين الرئيس وشعبه ، ولكن ما تم يعرفه الجميع ، هنا رئيس واحد مفرد يقرر كل شيء ويعطي كما شاء ويمنع كما شاء ثم تقوم حكومته بإلقاء مختصر قراراته  التي تكون قد نفذت فعلًا على رؤوسنا ، أين الشراكة في كل ما يجري ؟ . أين الاصطفاف ؟ أين التعاون ؟ أين تنوع الرؤى الذي يثري الساحة ؟ .

لو بحثت ودققت فلن تجد شيئًا من كل ذلك ، وهذا الغياب المؤلم فادح الثمن وباهظ الضريبة يعود إلى أن الرئيس لا يرى شعبه أو ـ إذا أحسنا الظن ـ يرى القطاع الذي يريده من العشب ، أما الغالبية الغالبة فهي مجرد صفر خرافي مثل وحوش الأساطير نسمع بها ولكننا لا نراها .

أخشى ما أخشاه أن يكون بعض شياطين الأنس قد وسوس للرئيس قائلًا :" أنت ابن من الجيش  ، ثم أكابر دولة مبارك راضون عنك ، فلا تشغل نفسك بسواهما ، فالباقي مجرد تفاصيل ".

سيادة الرئيس لقد كذب الموسوس ، نحن لسنا عابرين في كلام عابر ، نحن شعب مقيم وثابت وراسخ والتعامل معنا بوصفنا ثقلاء كذباب الصيف سيجلب خرابًا لا نتمناه ولا نريده ولا نسعى إليه .
هامش

شاعر الشعب أحمد فؤاد نجم أشهر من أن يعرف ، اقرأ معي قوله عن الشعب .
" العمر ماشي و كل ماشي و له مداه

و كل فرد و له بدايته و منتهاه

الشعب هو الباقي حي

هو اللي كان هو اللي جي

طوفان شديد لكن رشيد

يقدر يعيد صنع الحياة ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 14 ابريل 2016