الأربعاء، 16 يوليو 2014

قبل المسخ بساعة




يبث قمر «النايل سات» فضائيتى «مكملين» و«رابعة». الفضائيتان من فضائيات جماعة الإخوان، الأولى سرقوا عنوانها من شعار من شعارات الثورة، والثانية شعار اخترعوه، ليخلدوا به تجمعهم الإرهابى بميدان رابعة العدوية، الفضائيتان تبثان على مدار اليوم خطابا مسموما، يعتمد فى مجمله وتفاصيله على تكفير غير المنتمين إلى الجماعة، فما بالك بأمثالنا من معارضيها؟

 على الفضائيتين سترى مشايخ لهم لحى تصل إلى صدورهم وعلى جباههم علامات سجود كأنها الوشم، ثم ستراهم لا يتورعون بل لا يترددون فى قذف كل معارض بأوصاف من عينة فلان هذا معـ.... وفلانة تلك شر.... تراهم وهم يكذبون على الهواء مباشرة بسهولة ويسر كأنهم يتنفسون، لا يرتبك أحدهم وهو يقسم بالله العلى العظيم أن القائد فلان أمه يهودية من المغرب! هل بعد هذه المقدمة ترانى أطالب بالنظر فى ما تبثانه؟ نعم أطالب، وذلك لأن تجاهل التصدى للأكاذيب متى ثبت أنها محض أكاذيب هو أشر الشرور. بثت القناتان ليلة الخميس الماضى، وفى توقيت يكاد يكون موحدا ومتفقا عليه برنامجا عما يحدث للأخوات فى سجن القناطر من انتهاكات. قناة «مكملين» استضافت سيدة تدعى أم مريم، وهى السيدة ذاتها التى ستستضيفها قناة «رابعة» بعد مرور خمس دقائق فقط على نهاية مداخلتها مع قناة «مكملين»!

فى اللقاءين، نزعت السيدة الإيمان من قلوب غير المنتمين إلى الجماعة، واخترعت نارا خاصة ستكون مستقرا لمعارضيها، ثم كالت كل مديح ممكن للجماعة، ثم دخلت فى صلب الموضوع، فقالت إن ابنتها مريم قد قتلت يوم فض اعتصام رابعة، وإن بنتيها سارة وآلاء قد اختطفتا من داخل جامعة الأزهر عندما كانتا تتظاهران تظاهرا سلميا، وتم اعتقالهما بسجن القناطر. هنا سؤال: (هل هذه المعلومات الأساسية صحيحة أم هى من أكاذيب الجماعة؟).

 واصلت السيدة قائلة إنه فى يوم الثلاثاء العاشر من يونيو الجارى شاركت ابنتاها فى مسيرة بداخل السجن فى ساعة الرياضة، فقامت سجانة بلطم طبيبة من السجينات المشاركات فى المسيرة، وهنا تدخلت المعتقلات السياسيات للدفاع عن الطبيبة، فما كان من السجانة إلا أن استدعت بقية السجانات والسجينات الجنائيات وقمن جميعا بضرب المعتقلات، وعندما قامت المعتقلات بالدفاع عن أنفسهن جاءت قوات فض الشغب، وقامت بتعرية المعتقلات تعرية كاملة وحرق ملابسهن وسبهن وضربهن. تضيف السيدة: وقد ظلت المعتقلات ساعات، وهن عاريات لا يسترهن شىء، حتى جاء رئيس مباحث السجن، ومعه فرقة كلاب لم يطلقها على المعتقلات، وإن كان قد هدد بإطلاقها، ثم أمر لهن بما يستر عريهن.

انتهت مداخلة أم مريم فى القناتين، وغنى عن البيان أنها بكت كثيرا، وسبت وشتمت أكثر وقت مداخلتها، وأن مذيع قناة رابعة، وهو شيخ أزهرى، قد تباكى وشاركها فى سب وشتم كل معارض للجماعة.

والآن ليس لدينا سوى ثلاث خانات نضع فيها شهادة أم مريم. الأولى: أن تكون كعادة أبناء وبنات الجماعة كاذبة تماما، وأن شيئا لم يحدث، لا فى سجن القناطر، ولا غيره من السجون. الثانية: أن تكون من الصادقات، وقد حدث فعلا انتهاك للسجينات. الثالثة: أن تكون أم مريم من اللواتى يخلطن الأكاذيب بالحقائق، فلا يدرى مستمعها أين تبدأ الكذبة، وأين تنتهى الحقيقة. فإن كانت السيدة صادقة ورضينا بما حدث وسكتنا عنه، فإننى أبشرنا جميعا بالمسخ حجارة أو قرودا أو ما هو أدنى من ذلك وأخس.

وإن كانت كاذبة أو تخلط الحقائق بالأكاذيب، ولم نفضحها فنحن شركاء لها فى الجريمة. لقد بحثت أسبوعا كاملا عن رد يفند شهادة السيدة، فلم أجد سوى بيان من الداخلية ينفى الواقعة جملة وتفصيلا، لكن الداخلية خصم وحكم، فبيانها مجروح، فأين الأحزاب والإعلام ومنظمات حقوق الإنسان؟


لا تجد من يجيب سؤالك، أو لعلهم جميعا ينتظرون المسخ أو فضيحة السكوت على الأكاذيب
ـــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 18 يونيو 2014

الاثنين، 7 يوليو 2014

الكرة بين قدمَى السيسى







شاع بيننا فى وصف سنوات حكم حسنى مبارك بأنها «سنوات الفرص الضائعة»، يبدو الوصف أو التوصيف مهذبا جدا وحقيقيا تماما، لقد تولى مبارك الحكم بلا أدنى منافسة، ودانت له الأجنحة القوية فى الدولة بالولاء والطاعة، ثم لم يشهد عهده أدنى توتر عسكرى على كل الحدود المصرية، وكل تلك النِّعم لم ينعم بها كل الذين سبقوه إلى العرش المصرى، لكن مبارك بسياسته التى أهلكته أفلت الفرص واحدة بعد أخرى، حتى انتهى به الأمر عابثا فى أنفه داخل قفص محاكمته فى مشهد لم يسبق للزمن أن جاد بمثله، الفرص التى أهدرها مبارك لم يهدرها عن غفلة أو بلادة، بل أهدرها منحازا لفريقه السرى المشكَّل من جماعات من ناهبى المال العام الذين لم يصمدوا ساعة الجد بجواره سوى ساعات، ثم تفرقوا عنه عائدين إلى مخابئهم.

رَطن مبارك كثيرا بالبنية التحتية التى شيّدها، وهى تلك التى شاء ربك أن يذوق مرارتها وخرابها على حياة عينه، فعندما سقط مرضيا وهو فى تيه طغيانه لم يجد مستشفى مصريا يثق به وبإمكانياته، فذهب إلى ألمانيا لتلقى العلاج.

الحال ذاته ينطبق على المعزول محمد مرسى الذى جاءته فرصة أن يكون أول رئيس مصرى منتخب بعد ثورة عظمى، فما كان منه إلا أن ركل الفرصة منذ لحظة صعوده منصة الخطابة فى ميدان التحرير، يومها كشف عن وجهه الحقيقى عندما ربط ربطا عضويا بين بداية نضال وكفاح ومقاومة الشعب المصرى، وبداية تكوين جماعته السرية، يومها تجاهل مرسى عامدا متعمدا كل نضال سبق ظهور جماعة الإخوان، لم يتلفَّت بعمد إلى مصطفى النحاس وسعد زغلول ومحمد فريد ومصطفى كامل، لم يلتفَّت سوى إلى خوض فى عرض سنوات الستينيات، انتقاما من ذكرى قائدها جمال عبد الناصر.

لقد أضاع مرسى الفرصة بيديه عندما انحاز بلا خجل ولا حياء إلى جماعته، وتركها تقتل المصريين على أبواب قصره، وتركها تحاصر قاعات المحاكم، وتركها تتربص بكل إعلامى يخالفها الرأى، وكما كان مصير مبارك، كان مصير محمد مرسى، ها هو قابع فى زنزانته ينتظر الحكم عليه فى أكثر من جريمة اقترفها محاباة لجماعته، ومهدرا فرصة ذهبية كانت كفيلة بأن تكتب اسمه بأحرف من نور فى سجل الخالدين.

الآن نحن أمام رئيس جديد، ولديه هو أيضا فرص تاريخية لم يحظَ بمثلها كل الذين سبقوه، فرغم كل المنغصات التى تطفو على السطح فإنها تبقى طافية على السطح غير مستقرة وراسخة فى الأعماق، فما يحدث فى سيناء سرعان ما سينتهى إن لم يكن قد انتهى فعلا، والتشابك الليبى-الليبى تؤكد كل الإشارات القادمة من هناك إلى أنه فى طريقه إلى الهدوء والاستقرار، يبقى الداخل المصرى وهو قد أظهر ولعا غير مسبوق بالرئيس السيسى، وقد تجلَّى هذا الولع منذ الهتاف الشهير: «انزل يا سيسى.. مرسى مش رئيسى»، وقد استجاب السيسى ونزل إلى ميدان المعركة وهو ابن الجمالية وابن الشريحة الوسطى من الطبقة الوسطى وهو العارف بثورة البلاد وثروتها، وهو المدرك للخراب الذى عاشته البلاد تحت حكم مبارك ومرسى، إذن لن يباغت السيسى بشىء، ولن يستطيع يوما أن يخرج علينا قائلا: «كنت أظن أننى سأحكم سويسرا، فوجدت نفسى أحكم مصر».

السيسى قبل غيره يدرك حقائق التاريخى المصرى وثوابت جغرافيتها، وعليه أن ينحاز إلى فريقه، لأن الكرة هى الآن بين قدميه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير/ 11 يونيو 2014

الخميس، 3 يوليو 2014

شكرا للثورة





كيف كان حالك يوم الرابع والعشرين من يناير 2011؟

من الواضح أنك نسيت أو تناسيت، اسمح لى أن أنعش ذاكرتك، كان هناك حسنى مبارك القابض على الماضى الساحق للحاضر الخانق للمستقبل، وكان هناك توريث قادم لا محالة لابنه جمال، وما أدراك كيف يكون تغطرس وجبروت أبناء الفراعين، لو جاء جمال لكنا قد ترحمنا على ظلم أبيه، وكان هناك حبيب العادلى، الذى تفاخر وتباهى بأنه يسجل مكالمات كل الناس، وأن على الخائف أن لا يتحدث، وكان هناك جهاز أمن يعرف باسم أمن الدولة لم يكن ينقصه من أشكال التدخل سوى أن يندس تحت لحاف كل زوجين، ولعله فعلها عبر عدسات تصويره.

كانت هناك صحف الحكومة وفضائياتها وإذاعاتها التى تقصف العقول على مدار الساعة بحكمة الرئيس وتوجيهات الرئيس وأزهى عصور ديمقراطية الرئيس.

كانت هناك جحافل الأمن المركزى، هل تذكر وقفتك مع خمسين أو مئة من أصحابك فوق سلالم نقابة الصحفيين تشكون إلى الله وحشة الطريق وقلة الناصر وكثرة المناوئ، وكيف كانت مدرعات الأمن المركزى تخنقكم وتبث الخوف فى قلوبكم وتتخطفكم لترسلكم إلى جابر بن حيان، حيث الداخل مفقود والخارج -إن خرج- مولود مشوه؟

هل تذكر حلمك بأن تسير فى مظاهرة من خمسمائة لا يزيدون، ثم تعود إلى بيتك سالما؟ هل تذكر أن سقف أحلامك كان فى رفع جبروت أمن الدولة عن قلبك؟ هل نسيت أن منتهى أملك كان شبه تداول سلمى للسلطة؟

هل نسيت أنك لم تستخرج بطاقة انتخابية فى حياتك قبل الخامس والعشرين من يناير؟ هل نسيت التزوير الكامل الحقير والوضيع لانتخابات برلمان 2010؟

هل نسيت طقوس وشعائر حج رئيسك سنويا إلى البيت الأبيض؟

هل نسيت أنه كان كنز الصهاينة الاستراتيجى؟

هل نسيت حلمك بأن تقرأ «الأهرام» يوما فلا تلطمك صورته على صدر الصفحة الأولى.

هل نسيت البلادة التى كانوا يسمونها الاستقرار؟ والخراب الذى كانوا يسمونه خصخصة؟ وتجريف القلوب والعقول الذى كانوا يسمونه أمنا قوميا؟

ثم جاءت الثورة، ثورتك أنت، التى لم تصنع فى عاصمة شرقية أو غربية، ثورتك أنت المؤمنة المقاومة الصابرة المحتسبة، ثورتك التى قررها شعبك فى واحدة من ساعاته الخاصة التى لا يدرك مكنونها سوى خالقها، ثم جاءت صفوف من أبناء هذا الشعب تعبر عن مختلف طبقاته، كانت صفوفا من الفقراء ومتوسطى الحال وصولا إلى أثرى الأثرياء، نعم كان أبناء الطبقة المتوسطة هم من دعا وحرض ونظم، ورفع الشعار وهندّس الخروج الكبير المزلزل إلى الشوارع والميادين، ونعم كان أولاد الفقراء هم وقود ثورتنا وباكورة شهدائها وأبرز جرحاها، لكن الجميع شارك، وغادر أمن بيته وهبط إلى الشوارع والميادين، حيث القناصة باحثا عن أمن الوطن وعن غد أكثر جمالا وعدلا ونظافة.

لا يشكر الله مَنْ لا يشكر الناس، فاشكر ثورتك وتقرب إلى الله بمحبتها والدفاع عنها وتنزيل شعاراتها من سماء الهتافات إلى أرض الواقع، لقد أنجزت الثورة الكثير وستنجز الأكثر والأجمل، يا رجل لم نكن نجتمع إلا فى شارع جامعة الدول العربية احتفالا بفوز فريق كرة القدم ببطولة أو مباراة، الآن انتزعنا حقنا فى الانتخابات ببركة دماء شهدائنا وجرحانا، قد نخطئ مرة، ولكن لن نخطئ دائما، الديمقراطية يا صاحبى لن يهبط بها الروح القدس من السماء، ستنبت من الأرض بسواعدنا وأظافرنا.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 4 يونيو 2014

الخميس، 12 يونيو 2014

اكتبوا قبل أن تفقدوا ذاكرتك

وقفة قبل المنحدر.. رحلة المشى على صراط الاعتراف الأليم




الكتابة الحقيقية مثل المرأة تماماً لها مفاتيحها السرية الغامضة متى عثرت عليها تفتحت لك جنات الخالق الوهاب وإن ضاعت منك عشت تائهًا فى صحراوات العطش والجوع. وما أسعد من عثر على مفاتيح كتابات علاء الديب، قسما سترتوى روحه من ينبوع الفن المصفى حيث لا ذرة من ادعاء أو زيف أو كذب أو سطحية.. أنت مع علاء الديب فى حضرة الفن المحض الذى هو سياحة الصوفى بحثاً عن السر الأقدس.

لن أكون أنانيًا وسأرشدك إلى مفاتيح علاء الديب كما تخيلتها:
1- كن صادقاً.
 2- كن وحيداً.
 3- كن خائفاً.
 أنت الآن فى حبة قلب الفن، فقل تعالى الله الأكرم الذى علم بالقلم، ورتل "الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان".

"وقفه قبل المنحدر" من أوراق مثقف مصرى.. هذا هو اسم الكتاب الذى "نزفه" علاء الديب وهو إن شئت الدقة ليس كتابًا من حروف وكلمات ولكنه دماء قدم مشت على شوك صراط الاعتراف الأليم بحثاً عن إجابات مازالت تقلق الروح.

الكتاب يبحر فى بحر السنوات الثلاثين الواقعة بين عامى 1952 و1982 يبدأ علاء الديب فيصف كتابه بأنه أوراق حقيقية.. دم طازج ينزف من جرح جديد.. كتابتها كانت بديلاً للانتحار.

هذا هو وصف الكاتب لكتابه وأنت إن سألته لماذا تكتبها الآن؟ لسمعته يجيبك قائلاً:هذا هو وصف الكاتب لكتابه، وأنت إن سألته لماذا تكتبها الآن؟ لسمعته يجيبك قائلا: "لأفهم ماذا حدث لنا فى تلك السنوات من "52 إلى 82".. ماذا حدث للناس وللبلد؟
 يقول الناس "كل يوم له شيطان" وشيطان تلك الأيام كان يعمل بجد واجتهاد لكى لا تكتمل الأعمال ولا تتحقق الأحلام يعمل لكى يسود صراع دام بين الناس، وأن تصل إلى نهاية يومك منهكًا مهدوداً وأنت فى الحقيقة لم تحقق شيئًا.

فجأة رأى علاء أنه كاد أن يفقد ذاكرته ففر إلى الكتابة وذلك لأن ذاكرته هى حياته ومن أجلها يحارب آخر معاركه التى لا يقبل فيها الهزيمة. أحس بالرعب وهو "يرى شرخ الزجاج الذى بدأ دقيقاً ثم اتسع الشرخ الذى لا يرتق ولا يجبر رآه وهو يتكون فى نفسه" ولذا لم يعد هناك مفر من المشى مرة للأمام وأخرى للخلف وثالثة لأعلى ورابعة لأسفل وخامسة للغوص داخل دم متخثر يسمونه الذاكرة.. فعلها علاء وعاد طفلاً بريئاً ولامعاً لم تشوه المواجع جلد وجهه ولا اقتربت من غلاف روحه الشفاف.

من البداية يعترف علاء أنه عاش كل التجارب للمثقف البرجوازى الصغير إلا السجن وأنه كان يقول لنفسه أحياناً "السجن أحب إلى مما..." يقول علاء كان على أن أعيش السجن فى بيتى وشارعى وعملى، كان على أن أضاجع كل ليلة جسد الحلم الميت والآمال المحبطة.. قضيتى لم تكن سياسية فقط كنت عضوًا فى شعبة الإخوان المسلمين فى الحى الذى أسكن فيه وكنت رفيقًا فى تنظيم شيوعي قديم وكنت عضوًا فى هيئة التحرير وفى تنظيم عبدالناصر الطليعى كنت فى كل تلك التنظيمات موجودًا.. كرقم اسم فقط لم أشعر أبداً أنى أفعل شيئًا أو أننى أقوم بعمل حقيقى مؤثر".

يقول علاء "رأيت أكثر – بكثير – من أن أكون بريئا، لا لم أعد بريئًا. مذنب ومشارك وضالع فى الإثم.. أرى الأشياء وهى تتفتت تفقد حقيقتها ومعناها أراها وأعيشها وأسلك فى دروبها وآكل فى أطباقها البلاستيك القذرة، تطاردنى دائمًا فكرة القرون الوسطى، حيث المتناقضات متجاورة لم تتصارع بعد لم تتحدد بعد أو تختلف متجاورة فى قسوة وفجاجة، أراها غنية شيقة حبلى بالأمل والطين.

ألقاك فى عصف الذهول المرجع

تجتاز الفجاج السود مخبولا شقيا

ما الذى سدد فى قلبك سكينا

وبعينيك سؤال أخرس الدمعة

وحزنا أبديا

تلك كانت أبيات فاروق شوشة التى افتتح بها علاء حديثه عن وطنه الضائع يوم أبعدوه عن مجلته لسبب لن يعرفه أبداً، تركت تجربة النفى هذه جرحاً لم يندمل يكفى أنه من بعدها لم يعد يشعر بالأمان.. أما يوم مات عبدالناصر فقد كان هناك فى المجر يعيش فى قرية صغيرة على شاطئ الدانوب ويعمل فى ترجمة رواية عنوانها "كن وفياً حتى الموت" فى ذات صباح دق مدير البيت العجوز باب غرفته ودفع فى وجهه جريدة إقليمية وصرخ ناصر كابوت.. كابوت وهى كلمة مجرية تعنى مات أو انتهى.. اندفع العجوز خارجاً وظل علاء بمفرده.. لم يعد يتذكر حرقة دموعه كل ما يتذكره أن حبالاً قوية كانت تربطه بالشاطئ قد قطعت.

وتستمر الرحلة هادئة مرة وصاخبة مرة أخرى ولكنها حقيقة فى كل المرات، إنها رحلة البحث عن الذاكرة ومطاردة خيط الزجاج الذى بدأ ينشرخ.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى جريدة الجيل 24 يناير 1999

الخميس، 5 يونيو 2014

رغم أنه عن خالد بن الوليد ورغم أن كاتبه هو العقاد

عبقرية خالد.. كتاب رقيق عن رجل قوى


لماذا كتب العقاد عبقرياته؟؟

أزعم أنه كتبها ليبرهن عن صحة مقولة آمن بها هى "إن الأمة لا تخلق البطل، البطل هو الذى يخلق الأمة". ومهما اختلفنا مع رأى العقاد فإن اختياره لأبطال عبقرياته سيظل دائمًا موضع ترحيب واتفاق.

ومن بين أبطال العقاد يبرز اسم خالد بن الوليد لأنه وببساطة الاختيار الصعب لقدرات العقاد، وذلك لأن العقاد وليس كغيره من الكتاب أنه رجل صاحب كبرياء يصل إلى حد الغطرسة، وكذلك خالد بن الوليد ليس كغيره من الصحابة إنه القوة والبراعة فى أعنف صورها.. فتأمل معى "قويا" مثل العقاد يكتب عن قوى مثل خالد.

الطبيعي أن يكتب العقاد عن خالد كلمات من صخور وبراكين وسيوف ودروع وزلازل.. إنهما العقاد وخالد قوى يكتب عن قوى.. ألم يكن خالد يقول دائمًا "إن ضرب أعناق الأعداء أشهى عنده من معانقة الحسان".

إنه خالد الذى لم يهزم فى معركة قط.. ثم إنه العقاد الذى ظل يبحث عن بطله حتى اهتدى إلى خالد.. إذن "الفخ" محكم وجاهز وما على العقاد من ذنب إن هو تدفق وانهمر "كجملود صخر حطه السيل من عل"، ولكنه ببصيرة نيره نجا من فخ "القوة" واختار أن يكون هادئًا مثل جدول ماء ومتأملاً مثل شيخ بدوى ورقيقاً مثل فراشة، فراح يرسم بإشفاق "نكبة" آل مخزوم أسرة خالد.

فهذه الأسرة التى اجتمع لها مجد الدنيا دفعت ثمنه كاملاً من لحم أولادها وأكبادهم يقول العقاد: "إن هذه الأسرة الكريمة تكثر فيها عوارض الاختلاف عن جملة الناس فى تركيب الأعصاب خاصة ويشاهد فيها فرد وأفراد تتجمع فيهم عللها حتى تسلمهم إلى الاختلال والاضطراب كأنهم ضحايا الأسرة كلها فى سبيل إنجاب العبقرية منها".

ويضيف العقاد إن الوليد بن الوليد شقيق خالد كان يروع فى منامه وأن خالداً نفسه كان مصاباً بذات الداء وأن عمارة بين الوليد كان مولعاً بالنساء فضلاً عن كبريائه الشديد لدرجة أنه لم يعلن إسلامه وهو أسير بين يدى الرسول بعد موقعة بدر وأعلنه وهو محاط بمشركى قريش بعد فك أسره، ولما سئل عن ذلك قال "كرهت أن يقال أنى جزعت من الإسار"!!

ويقال إن خالد فقد أربعين ولداً له فى طاعون أصاب الشام "هل هناك نكبات أشد من ذلك".

ثم يمضي العقاد متأملاً حياة خالد حتى يصل إلى الفصل الأصعب فيها "عزل خالد" وتخيلوا معى خالد بن الوليد الذى ما جاء إلى الدنيا إلا ليكون قائداً وفجأة يصدر أمر من عمر بن الخطاب يحول إلى مجرد "عسكرى"، بعد أن صدر قرار الإقالة توجه خالد إلى المدينة المنورة وعندما قابل عمر قال له كلمة واحدة "لقد شكوتك إلى المسلمين وبالله إنك فى أمرى غير مجمل يا عمر". قال هذه الكلمة وعاد إلى ميدان القتال مجرد جندى يؤتمر فيطيع.

لم يكن هناك أصعب من خالد أما فى هذا الموقف "الكارثة" فلم يكن هناك من هو أسهل منه، وكذا كان العقاد صعباً أما فى عبقرية خالد فليس هناك أحلى وأسهل منه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى جريدة الجيل 24 يناير 1999

الاثنين، 2 يونيو 2014

علمه فأحسن تعليمه

مذكرات الفاجومى.. الشارع الذى علم عم نجم وعلمنا




مرة كنت مدعو لأكلة عدس سيكا عند أحمد فؤاد نجم مضى الوقت ولم يأت العدس السيكا ولا النهاوند، ولكى لا أرجع بخفى حنين قلت أجرى حواراً مع أبو النجوم، الحقيقة لم أسأله إلا سؤالاً واحداً وهم "عم أحمد ما هى مصادر ثقافتك"، بعيد عنك أنا سألته السؤال من هنا وكأن ألف عفريت ركبوا دماغه لقيت رجله مدفوسة فى صدرى وهب مسك زمارة رقبتى وهو يصرخ: "مصادر.. وكمان ثقافتك إيه عايزنى أموت قتيل.. مصادر ثقافتك.. أنت حد مسلطك عليا والله العظيم خسارة فى بدنك العدس السيكا اللى كنت هتطفحه خلاص غور من وشى.. وأنا اللى استاهل أنى بعرف واحد يقولى وفى وشى مصادر ثقافتك".

فين وفين لحد ما هدى عم أحمد ورجعت أنا للسؤال مرة ثانية ولكن بصيغة.. يا عم أحمد أنا قصدى مين اللى علمك.. رد على أهو كدا اتعدل وخلى كلامك موزون.. شوف يا سيدى بعد ما توحد الله وتصلى على سيد الخلق نبينا الكريم.. أنا اللى علمنى وربانى وعرفنى رأسى من رجلى هو الشارع.. أول ما سمعت كلمة "الشارع" قلت الراجل رجع للهلوسة تانى يا عم أحمد شارع إيه بس اللى علمك طيب ما أنا طول النهار فى الشارع ومع ذلك ما تعلمتش منه غير الشتيمة.

مرة تانية رجعت العفاريت ترقص فى عينى عم أحمد يا بنى أنت ناوى تقتلنى شوف لآخر مرة هجاوب على سؤالك الشارع هو اللى علمنى هو وبس ومش ذنبى أن فيه حمير زيك الشارع مرضيش يعلمهم لأنهم ما بيسمعوش كلامه.

خرجت من بيت عم نجم صفر اليدين فلا عدساً أكلت ولا إجابة مقنعة سمعت.. ومرت سنوات تشاجرت فيها مع نجم ألف مرة وصالحته ألف مرة ولعنت جدوده ألف مرة وقبلت تراب قصائده ألف مرة وأنا بعد غير مقتنع بإجابته "الشارع بس هو اللى علمنى،" حتى جاء يوم الخميس 17/5/1993 وفيه اشتريت كتاب "مذكرات الشاعر أحمد فؤاد نجم الفاجومى" ساعة واحدة كانت كافية لقراءة الكتاب ومع الورقة الأخيرة منه ابتسمت فى خجل وأنا أهمهم فعلاً أنا حمار وعم نجم كان على حق لما قال لى الشارع بس هو اللى علمنى، ولكى لا أظهر أمام نفسى بمظهر "الحمار قوى" أحكمت وضع النظارة فوق أرنبة أنفى وقلت عموماً الشارع الذى علم نجم ليس هو الشارع الذى أعيش فيه الآن.

الحقيقة أنا لا أعرف سبباً واحداً يقف وراء تسمية نجم لسيرته الذاتية بالمذكرات، وأغلب ظنى أنه فعل ذلك نكاية فى كل الكذبة من أصحاب الذكريات والمذكرات وكأنه يريد أن يقول لهم هكذا تكون المذكرات وإلا فلا – أول صفحة من مذكرات نجم كتب فيها "الفاجومى" تاريخ حياة مواطن شايل فى قلبه وطن" أما الإهداء فهو قصة وقمة بلاغة الشاعر، كتب نجم "إلى بناتى عفاف ونوارة وزينب يمكن ما تلاقوش فى حياة أبوكو شىء تتعاجبوا بيه ولكن أكيد مش هتلاقوا فى حياة أبوكو شىء تخجلوا منه".. الله على الشارع الذى علم نجم فأحسن تعليمه.

بعد الإهداء يحكى نجم كل مشوار حياته فى قصيدة قصيرة قال فيها:

زى النهاردة من زمان من كام سنة

مافيش لزوم للعد أو للحسبة

أصل الحكاية عد عمرك يا جحا

قال يوم فلس وخمس ستة عكننة

فلس فلس يحيا الفلس والجدعنة

زى النهاردة الست "هانم" 

حزقت وقالت بالقليل يا دهوتى

واتجمعوا نسوان حارتنا

يسمعوا صرخة قدومى ويستباركوا بطلعتى

قلة عقول طبعاً وحركات نسونة

لأ والمصيبة إن الجماعة ماشورونيش

ولا حد قال لى إن كنت آجى أو ما أجيش

قال ليه وليه بابا ناغش والدتى

قام شىء حصل بعد المناغشة ما يتحكيش

ولابن العرب فى الشىء دا فن وحرفنة

ليلتها كان الحظ آخر نغنشة

وكلمتين فى ضحكتين بعد العشا

كان القدر جاهز مجهز خبطته

خبط عبط شوفوا العجينة المدهشة

سنين عذاب تمعمها لحظة سلطنة

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل 24 يناير 1999

الخميس، 29 مايو 2014

مسافر على الرصيف.. كل هؤلاء العظام فى كتاب واحد




عمدة الجيزة جلس على القهوة وراح يحكى ويبكى


تمنيت من الله ولا يكتر على الله شىء أن اتصل يوماً بمحمود السعدنى وأسأله فى أى "حالة مزاجية" كتبت كتابك الفذ "مسافر على الرصيف"؟ ولكن كلما هاتفت العم محمود كان مشغولاً.

العازف بأسلوب محمود السعدنى سيشغله سؤالى "فى أى حالة مزاجية كتب مسافر على الرصيف" وذلك لأن هذا الكتاب وسط كتب السعدنى هو الدرة اللامعة واللؤلؤة المجنوءة وعرق الذهب المدفون وسط الصخور.. تأمل عنوان الكتاب "مسافر على الرصيف" يوجب الإقامة والسكون والسفر يستوجب الترحال والمشى، ولكنها "سلطنة القافية السعدانية" التى تجمع بين متناقضين السفر والإقامة فى عنوان واحد.

يبدأ السعدنى كتابه بمقدمة متفردة بين سائر مقدمات كتبه يقول فيها "أنا الحقير إلى الله – هل لاحظت الحقير هذه – محمود بن عثمان بن على بن السعدنى أنحدر من أصول يمنية ومن قبيلة على حدود صنعاء رحل جدى الأول مع الفتح الإسلامى وراقت له الحياة فى مصر فأقام فى الشرقية ثم هاجر السعادنة إلى كل مكان. ولكنى لا أظن واحداً من السعادنة قد داخ السبع دوخات كما داخل العبد لله"..

 ويمضى العم محمود فى سرد الأماكن والدول والقارات التى زارها والناس التى التقى بها ولكنه يقطع سياق ذكرياته فجأة ليؤكد أن أعظم سفر قام به وتعلم منه هو سفره على رصيف مقهى عبدالله "وعبدالله هذا هو رجل بلا شأن ولا ذكر ولكنه مثاب رغم أنفه فقد دخل التاريخ من أوسع الأبواب وفى هذا المقهى الذى كانت أنواره باهتة ومقاعده مهشمة ورصيفه أعرض من حظه وشهرته أوسع من الميدان الذى كان يطل عليه. فى هذا المقهى التقيت بعشرات الأدباء والشعراء والفنانين، نماذج من البشر قل أن يجود الزمان بمثلهم ونادراً ما يجتمعون فى زمان واحد، هم جميعاً من زبدة مصر وجزء من سحرها وقبس من روحها وحفنة من ترابها وهم فى النهاية مصر نفسها".

من هم هؤلاء الرجال يا عم محمود؟ يجيب السعدنى إنهم أنور المعداوى وزكريا الحجاوى ومحمود حسن إسماعيل وعبدالقادر القط وعبدالرحمن الخميسى وزهدى ونزار قبانى وعبدالحميد قطامش ونعمان عاشور ويوسف إدريس وصلاح عبدالصبور وأحمد عبدالمعطى حجازي وصلاح جاهين وحسن فؤاد وأبو المعاطى أبو النجا وأحمد عباس صالح ورجاء النقاش ويوسف الحطاب وعشرات غيرهم كل هؤلاء فى زمن واحد وعلى مقهى واحد.

ثم يعود السعدني ليؤكد "إن سياحتى فى قهوة عبدالله هى أهم سياحة فى حياتى خلالها هى أطول رحلاتى فقد امتدت عشر سنوات كاملة تنقلت فيها خلال الجزر الخصبة والصحراوات المجدبة ولكنها بخيرها وشرها كانت حياة حافلة وجامعات كبرى للفلسفة والتاريخ والمنطق والفن والأدب والشعر والموسيقى وفن النكتة وعلم الحديث والكلام".

وأول دولة يزورها العم محمود هى دولة أنور المعداوى الذى التقى به ذات مساء على قهوة عبدالله وعلى يديه تعلم الكثير، يقول السعدنى عندما رأيت المعداوي حسبته ضابطاً بالجيش فقد كان طويل القامة متين البنيان رافع الرأس على الدوام إنه بالجملة مخلوق من "الكبرياء" شاءت ظروفه وذائقته الأدبية بأن يكره لدرجة العمى روايات وقصص يوسف السباعى وما أدراك ما يوسف السباعى أيامها إنه جنرال الأدب الذى اندفع إلى الصدارة فجأة ليصبح رئيسًا لنادى القصة وسكرتيراً عاماً للمجلس الأعلى للفنون والآداب وسكرتيراً لنادى الأدباء، كل هذه المناصب تحملها المعداوى واتسع صدره لها ولكنه انفجر يوم أصبح السباعى رئيسًا لتحرير مجلة الرسالة يومها عرف المعداوى أن النهاية قد اقتربت وعلى ذلك شن حملة عنيفة ضد الرسالة التى كان فى زمن مضى أحد فرسانها الكبار وقابل السباعى حملة المعداوى بما هو أعنف فتم فصل المعداوى من منصب "مستشار بوزارة التربية والتعليم" ليعلم مدرساً فى مدرسة ابتدائية!! وضيقوا عليه الخناق حتى لم يعد يستطيع نشر حرف من كتاباته ولم يكن يستطيع مواجهة مصاعب الحياة إلا بمعونة مادية من صديقه الأديب محمود شعبان وبعد مقاومة شريفة باسلة انفجرت مرارات الزمن فى جوف المعداوى فمات مقهورًا محسورًا.

ومن حياة المعداوى إلى محمود حسن إسماعيل مروراً بالخميسى والحجازى يمضى السعدنى شارحًا حياة هؤلاء العظام فى لغة لم يكتب بها من قبل ولا من بعد وبحس أنضجته المنافى وبروح أتعبتها الغربة وبطرافة نصفها ضحك ونصفها بكاء. أزعم أن السعدنى عندما كتب مسافر على الرصيف كان فى يأس مطبق ثم فتحت له طاقة الأمل عندما تذكر رفاق الطريق فكتب عنهم كما لم يكتب أحد من قبل.

ستسأل ولماذا لم يشتهر هذا الكتاب – سأتوكل على الله أجيبك أنها الظروف التى جعلت حياة المعداوى فداء لقصص يوسف السباعى وجعلت مسافر على الطريق فداء الوداع للطواجن.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل ــ 24 يناير 1999



الاثنين، 26 مايو 2014

تباريح جريح.. التاريخ السرى للضحك والدموع




كلما قرأت "تباريح جريح" قلت إنها الكتابة بحبر القلب ثم أعود فأستغفر الله لأن "الكتابة بحبر القلب" كلمة ظلوا يكررونها حتى أصبحت مبتذلة، ورحت أبحث عن كلمة تليق بجريح التباريح وحتى الآن لم أعثر عليها.

ويا كل المجاريح أصحاب التباريح أمامكم الآن كتاب يرفع شعار "شر البلية ما يضحك، وأوجع الضحكات ما ينتهى بالدموع" بورك الكتاب وكاتبه وبوركت الدموع.

- الكتاب جميل مثل بستان ولكنه مخيف ومتوحش وفوضوى مثل غابة ولكى تنجو من أسوده عليك بالصدق إنه الباب الوحيد الذى يقودك نحو الفهم الأكمل للتباريح ولن تكون صادقًا إلا إذا قرأته وأنت مغمض العينين ساعتها ستتلقى بركة الدموع وستتنزل عليك رحمة الدماء الخضراء التى تتدفق من جروح شهداء لن يلحقهم الموت.

الكتاب فى الأصل لم يكتب دفعة واحدة إنه مجموعة مقالات نشرتها "الأهالى" وجريدة الوطن الكويتية.

ومنذ قرأته أول مرة وحتى الساعة مازلت أقول كيف لرجل كانت الصحافة مأكله ومشربه أن يكون صادقًا لهذا الحد ولكنها "مصر" التى قالت لصلاح عيسى: "تاتا خطى العتبة" وعبر صلاح العتبة ليجد نفسه سابحًا فى فضاء إلهى لا أول له من آخر، سياسة وفكر وبشر وشظايا من ذكريات ونتف من القهقهات وسحابات من الدموع والأوجاع". وكانت مصر ومصر وحدها هى التى تعيده إلى المدار كلما خطف بصره ومض هنا أو بريق هناك.

حشد من الفلاحين والعمال والصيع والمثقفين وأنصافهم والفنانين والسهارى والمتشوقين إلى النشوات السامية يجلسك صلاح عيسى معهم وأنت وما تحب، إن شئت رأيت اللورد كرومر وهو يستمع إلى سى عبده الحامولى الذى تسلطن فأخذ يعيد ويزيد وهو يغنى "هاتوا لى حبيبى"، ومرت ساعة ثم ساعتان وسى عبده يغنى جملة واحدة هى "هاتوا لى حبيبى"، ففاض الكيل باللورد كرومر فقال للوزير صاحب الحفل ترجم لى أغنية سى عبده فلما ترجمها الوزير صاح اللورد: "ولماذا لا ترسل أحد خدمك لكى يأتى لابن الكلب هذا بحبيبته حتى أذهب إلى فراشى وأنام".

ثم يتذكر صلاح هزيمة عبدالحليم حافظ أمام أحمد عدوية فيقول ذات يوم كدت أموت من الغيظ وانفجر من الضحك عندما صادفت زميلاً صحفيًا يجلس فى مكان عام، قدم لى فتاة كانت معه قائلاً: "الآنسة فلانة.. الخطيبة السابقة لأحمد عدوية". أما الغيظ فلأننى لم أكن أعرف أن عدوية شىء مهم إلى الدرجة التى تجعل إنساناً يتمسك بهذه الصلة الواهية به.. أما الضحك فقد تخلصت منه بسرعة إذ ما كاد الزميل ينطق باسمى حتى تطوعت بوظيفة تلائم المقام قائلاً: "صلاح عيسى الخطيب السابق لجامع الإمام الليثى".

ويمسك صلاح باللحظة التى تطورت فيها الدنيا ولكن بالمقلوب وتقدمت ولكن إلى الخلف وتموعت ولم تتنوع، ويحكى أنه زار قطرًا عربيًا "تقدميًا" واندهش عندما استمع إلى أغانى عدوية تبثها إذاعة القطر التقدمى، ولكن اندهاشه زال عندما قال له مسئول إعلامى: "إنهم يحاربون عدوية فى القاهرة لأنه اشتراكى ألم تسمعه وهو يغنى "يا عينى الوله بيعيط الواد عطشان... اسقوه"، إنهم يحاربونه لأنه يحلل الصراع الطبقى فى أغنية "حبة فوق وحبة تحت"، يومها قرر صلاح عيسى أن يضيف الأعمال الكاملة للريس "بيرة" مؤلف أشهر أغانى عدوية إلى مكتبته لكى لا يفوته التطور الكيفى الذى حدث فى الفكر الاشتراكى العربى.

ومن عدوية ينتقل إلى وصف لقاء شخصى تم بينه وبين محسن محمد الذى كان فى سالفة العصر والأوان رئيس مجلس إدارة دار التحرير ورئيس تحرير جريدة الجمهورية، الذى استدعى صلاح عقب خروجه من المعتقل وقال له نريد منك "طاطش" يسارى فى صفحات الجمهورية وعرف صلاح معنى "الطاطش" بعد جهد جهيد.. يعنى "شعرة" يسار – تجد هذه "الشعرة" فى صحف كثيرة الآن – وأضاف محسن اسمع يا صلاح لا أريد هذه الشعرة فى صفحات الشئون العربية ولا فى الأخبار والتحقيقات ولا فى الثقافة والفن والمنوعات.. فقاطعه صلاح قائلاً: "أنت باختصار عايز طاطش يسارى في صفحة الوفيات طيب ما تدور على كاتب ميت أحسن لك".

سطورى السابقة لم تكن سوى ومضة من نور فصول هذا الكتاب وختامًا أرى أنى مدين لصديقى خالد محمود الذى كتب يوماً "وأنا صغير لم أكن أحلم أنى أطلع مهندس أو دكتور أو ضابط كنت دايماً أحلم أنى أطلع صلاح عيسى".. شكراً يا خالد فهذا بالضبط نفس حلمى.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل 24 يناير 1999

الاثنين، 19 مايو 2014

فى خطورة "الشوارعجية"





صرخ بعضهم بصوت جهير: لا خوف من تشييد إثيوبيا سد نهضتها، لأن البدائل لدينا كثيرة، وعلى رأس تلك البدائل حفر قناة تربط بين نهر الكونغو ونهر النيل.

صراخ هذا البعض قابله همس مرتجف متردد متقطع من آخرين يقطع باستحالة قيام مثل هذا المشروع.

الذين مثلى وقعوا فى متاهة التخمينات، ولكى أنجو منها هاتفتُ واحدا من العلماء تشهد له دراساته بأنه رجل جاد لا يسخر علمه لدغدغة عواطف المارة.

قال لى الرجل كلاما كثيرا ملخصه أن مشروعا كهذا هو ضرب من الأوهام، التى يجب أن لا نتعلق بها لكى لا ننشغل عن المطالبة بحقنا فى الحياة.

سألته: ولماذا يا سيدى وأنت العالم العارف غير المنحاز إلا لما تراه حقا، لا تخرج على الشعب وتصارحه بحقيقة الموقف.

أجاب الرجل بصوت يقطر خجلا: أخاف على عرضى وشرفى وشيبتى وأسرتى من الشوارعجية.

أفزعنى أن عالما يكتم علمه فى أمر هو ألف باء حياتنا خوفا من أن يتناوله أحد بسوء، لكن سرعان ما شعرت بالعطف عليه، فلسنا جميعا على قدم المساواة فى تحمل أذى هؤلاء الشوارعجية، الذين كانوا قبل سنوات يكتفون بالتلميح والغمز واللمز، ثم رأت دولة مبارك أن تستفيد من بذاءتهم فسمحت لهم بامتلاك صحفا فأصبح تلميحهم تصريحا، كان جميع هؤلاء الشوارعجية تحت عين الدولة ورعايتها، تطلقهم متى شاءت على من شاءت، وتكف أيديهم متى شاءت، ثم فى لحظة فارقة غاب فيها عن الدولة رشدها، سمحت لهم بأن يتملكوا قنوات فضائية، وكانت الدولة المختلة تؤمن أن (الريموت كنترول) سيظل دائما فى قبضتها، وستبقى هى المانح المانع، ثم جرت فى النهر مياه كثيرة جرفت سدود الدولة، فاتسع الخرق على الراتق، فلم يعد فى استطاعة الدولة حتى لو أرادت إسكات هؤلاء أو حتى ترشيد بذاءتهم، كما كانت تفعل فى ما مضى، لأن الأمر صار على المشاع، وأصبحت الشوارعجية منهج حياة، فإن أنت ذهبت تتصدى لها فى الصحف والفضائيات، فماذا ستفعل معها وهى متمركزة فى مواقع التواصل الاجتماعى، التى استطاع الشوارعجية مسخ معناها وتشويه مبناها، حتى إن أحد الأصدقاء قال لى إن الانتحاريين فقط هم الذين يتفاعلون على هذه المواقع.

إن واقعة العالم الجليل الذى خاف من الشوارعجية، فلم يتحدث فى أمر حياة أو موت، هو أدرى الناس به، وعندما تشجع وتكلم فى إحدى الفضائيات كان يقدم قدما ويؤخر أخرى، تفتح الباب على مصراعيه لكى نواجه هذه الظاهرة التى لها فعل السوس فى الخشب، وفعل السرطان فى الأجساد، يجب أن ندرك قبل فوات الأوان أن الحضارات ليست منجزا صناعيا، إذ إنها فى أساسها الأول منظومة أخلاقية حاكمة، يخضع لها الجميع، وتسرى قوانينها على الجميع، لكن ترك الحبل على الغارب هكذا كما نرى، لكى يقول من شاء ما شاء دون مراجعة ودون عرض على المنظومة الأخلاقية سيدمر ما بقى لنا من كرامة، وما بقى لنا من معنى الوطن العام، لقد سمعت اثنين من هؤلاء فى يومين متتاليين، وقد تفرغا لسب المرشحين الرئاسيين، أولهما قال إن أبا حمدين صباحى وأمه قد أقاما ضده دعوى نفقة!

وثانيهما قطع بأن السيسى صديق للكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، وهيكل عند هذا الشوارعجى عميل للأمريكان، وصديق العميل عميل.

هل رأيتم خطورة الأمر؟ هل أدركتم الجرم الذى اقترفته دولة مبارك عندما سمنت هؤلاء وأطلقتهم على هذا الشعب المسكين الذى أصبح حسب الفضائيات مخيرا بين عاق وعميل!

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 14 مايو 2014

الخميس، 15 مايو 2014

الكذاب لن يدخل النار






عرفته قبل عشرين عامًا من الآن، كان مثل الماء، لا لون لا طعم لا رائحة، إنجازه الأهم أنه لم يكن يؤذى أحدًا، كان يسعى فى مناكبها يرطن مثل عتاة اليسار فلا تعرف شيئًا من رطانته، ويكتب فى الاقتصاد فلا تذكر له جملة ولا تحليلًا، ثم يجرب الجرى فى مضمار الكتابات السياسية، فيتخبط بين مصطلحات لا يعرف لها رأسًا من قدمين، ثم يلقى علينا ما يظنه طرائف، وإليكم طرفته التى لم يكن يمل من تكرارها: "واحد بيسأل صاحبه، رايح فين؟ فصاحبه قاله: رايح البوسطة، فرد عليه وقاله: وأنا بريد أمشى معاك".

كنا نضحك لطرفته اللفظية السمجة من باب المجاملة، ثم فجأة غاب عن مجلسنا. الحق لم نفتقده إلا عندما قلده أحدنا ملقيًا واحدة من نكاته، ثم فتحتُ عينى ذات صباح فوجدته على شاشة التليفزيون الرسمى مرتديًا معطفًا أنيقًا، وينفث البخار من فمه وأنفه وهو ينقل إلى جماهير المشاهدين إحدى أهم جلسات مجلس العموم البريطانى، كيف له الوصول إلى عاصمة الضباب؟

متى تعلَّم الإنجليزية التى تتيح له متابعة جلسة عاصفة من جلسات البرلمان الأشهر عالميًّا؟

متى اعتمده التليفزيون الرسمى مراسلًا له فى العاصمة الكبرى؟

هل ما كان يشاع عن علاقاته المتينة بالأجهزة الأمنية التى ترفع مَن شاءت حتى عنان السماء، وتخسف بمَن شاءت الأرض، أهى وراء تلك النقلة التى يعيشها صاحبنا؟

تركتُ أسئلتى جانبًا وتفرغتُ لمتابعة ما يقوله فلم أجد شيئًا يذكر، رطانته هى هى، وأخطاؤه اللغوية كما أعرفها، فتأكدت أننى أمام أحد المشاهد العبثية التى اكتظ بها مسرح حياة نظام مبارك، حيث سيناء مثل سونيا وطنطا مثل فرنسا، وصاحبى الذى لا يعرف سوى مفردات بائسة من الإنجليزية أصبح مراسلًا تليفزيونيًّا من بلد بضاعته مسرحيات شكسبير.

ثم كما اختفى عاد إلى الظهور بيننا ثانية، ولكن جد عليه تعلم الرطانة باسم لجنة سياسات جمال مبارك، مبشرًا بأنهار اللبن والعسل التى سيسبح فيها المصريون متى حانت ساعة الحقيقة، وهى عنده تولى السيد جمال مقاليد الحكم، كنا نتركه يعوى بهذا الهراء ضاحكين من الزبد الذى يظهر على حافتى فمه عندما يأخذه الحماس لجمال مبارك، ولكن بين ضحكاتنا لم نكن ننكر عليه أنه لم يكن مؤذيًّا حتى بعد أن اقترب من ضباع نظام مبارك.

ثم جاءت الثورة فلم نسمع منه كلمة ولم نرَ له وجهًا، فقطعنا بأنه متضامن مع مبارك وضباعه، انزلق من فوق سطح ذاكرتنا ورحنا نهتم بما نراه أجدر بالاهتمام، لكن صاحبنا يأبى أن يتركنا وشأننا، لقد مكث صامتًا لا نعرف عنه شيئًا، وظل معتصمًا بصمته على مدار شهور حكم مرسى، ثم لما جاء يومنا الخالد (الثلاثون من يونيو) انتفض مدافعًا عن الشرعية!! وجامعًا لأنفار مكونًا منهم ما يعرف باسم "صحفيون ضد الانقلاب".

ثم قفز قفزته المميتة بأن ترك بلده لكى يدعو إلى تفكيك جيشه من على شاشات الأعداء. لم يكتف بالدعوة، بل راح يكذب بطريقة بشعة، يكذب كأنه مجنون، بل لقد جُن فعلًا، لأنه كان أول مَن قال إن قوات الجيش اعتقلت السيسى، ثم عندما ظهر السيسى، طوّر كذبته فقال إن أحرار مصر قد قتلوا السيسى، فلما ظهر السيسى مرشحًا رئاسيًّا قال إن الجيش يستعين ببديل يمنى يشبه السيسى!!

هل كذاب مثل هذا يستحق أن يدخل النار أم يدخل قبلها مصحة للأمراض النفسية؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 7 مايو 2014