الاثنين، 18 يونيو 2012


يوسف بن يعقوب عليه السلام .. وأحمد بن شفيق عليه الذهاب للنائب العام



قص علينا القرآن الكريم تفاصيل حياة نبى الله يوسف بن يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم صلوات ربى عليهم جميعا ، وقد عرفنا من القص القرآنى أن نبى الله يوسف عليه السلام قد جرى سجنه على خلفيات تهمة لفقتها له امرأة العزيز ، وكان واضحاً لكل دوائر الحكم أن التهمة باطلة من كافة الوجوه وأن يوسف برئ من مراودة امرأة العزيز ، ولكن رغم البراءة الواضحة وضوح شمس الظهيرة فقد جرى سجن يوسف " بضع سنين " . قال مجاهد وقتادة : البضع من ثلاث إلى تسع سنوات . وقال وهب بن منبه : سبع سنولت . وقال : ابن عباس : اثنتا عشرة سنة .

عموما لا تقل المدة التى سجن فيها يوسف عن ثلاث سنوات .

وما كان سجن يوسف إلا لقمع أحاديث سيدات " النخبة " اللاتى قلن :" امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه " هذا من ناحية ومن ناحية أخرى لكى ترضى سيدة القصر عن قضاة زمانها ، وما كانت لترضى بأقل من سجن البرئ الطاهر يوسف بن يعقوب . ثم حدث أن احتاجت السلطة إلى عبقرية يوسف لكى ينقذ مصر من المجاعة ، وأيامها كانت مصر امبراطورية والذى ينقذها كأنه انقذ العالم كله .

جرت المخاطبات الرسمية وشبه الرسمية لكى يتم الإفراج عن يوسف عليه السلام لكى يتسلم مهمته بوصفه رجل دولة من طراز فريد .

هنا قف أمام مرآتك وتخيل نفسك مسجوناً فى قضية ملفقة وفجاة تجرى أمام عينيك مراسيم الإفراج عنك لكى تصبح وزيراً لمالية إمبراطورية .

لا تثريب عليك إن فرحتَ بالحرية والمنصب .

لكن معدن الطهر الذى يتجلى فى شخص يوسف عليه السلام جعله يعطى للأحرار جميعاً درساً عز نظيره .

يوسف الذى يعلم أنه برئ ، يوسف الذى يعلم أن أهل الحكم جميعاً يعلمون أنه برئ ، رفض الإفراج عنه قبل إعادة التحقيقات فى قضية " المراودة "، فقد قال يوسف لرجل المراسيم الملكية :" ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ". تمت الاستجابة لمطلب يوسف ، وأعيد فتح التحقيقات فى القضية ، وجمع الملك النسوة اللاتى قطعن أيديهن وسألهن سؤالاً مباشراً :" ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ".

أجابت النسوة : "قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ " .

هنا اسقط فى يد امرأة العزيز بطلة القصة فقالت :" الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ".

ترى هل كان هذا المطلب مزايدة من يوسف عليه السلام ؟.

الحق أن الإجابة هى " لا " القاطعة الحاسمة . يوسف عليه السلام كان يدرك خطورة المهمة التى سيقوم بها فى زمن المجاعة ولذلك أراد ببصيرة مضيئة أن يتولى الوزراة وهو طاهر الساحة من أى اتهام حتى ولو كان باطلاً ، كان يبحث عن ثقة العامة والخاصة لأنه كان يعرف خطورة السياسات التى سينتهجها للخروج بمصر من المجاعة .

باقى القصة أشهر من أن نشير إليه فقد فاز يوسف بكل ثقة الشعب واستطاع بعبقريته الاقتصادية انقاذ مصر ومن ثم العالم من مجاعة مهلكة .

والآن ما هو وجه الشبه بين يوسف بن يعقوب وأحمد بن شفيق ؟

الرجلان على بُعد ما بينهما عرضا نفسيهما على الشعب بوصفهما رجال دولة .

وقد رأينا مسلك الأول تجاه الشعب فماذا عن الثانى ؟

السيد شفيق تحاصره البلاغات المقدمة ضده للنائب العام ، حقا لا أعرف عدد البلاغات بدقة ولكن الشائع أنها حوالى أربعة وعشرون بلاغا .

لم يتحرك بلاغ واحد يقضى بالبراءة أو الإدانة ، إذن فساحة الرجل ليست ناصعة أو على الأقل هى واقعة فى المنطقة الرمادية ، فلا هو برئ ولا هو مدان .

فإن كانت كل البلاغات كيديه ( وهذا وارد ) فعليه أن يسارع بتقليد يوسف عليه السلام ويطالب بإبراء ساحته قبل أن يصبح رجل دولة .

فإن حصل على البراءة من كل البلاغات ، تبقى قضية واحدة ، كنت وآلاف شاهدين عليها ، وتلك هى قضية موقعة " الجحش " المعروفة إعلاميا بموقعة الجمل ، والجمل برئ من خطايا الجحوش أبناء الحمار الأكبر .

السيد شفيق كان رئيساً لوزراء مصر وكان يستطيع إيقاف المذبحة بمكالمة هاتفية لجموع بلطجية مبارك الذين قتلوا أشجع شباب مصر ، فإن لم يكن ذلك باستطاعته فقد كان عليه أن يصارح الناس بعجزه ويعلن إستقالة مسببه لكى يكون بريئاً من دم الشباب ، ولكن لأنه لم يقدم على هذه أو تلك فالرجل مدان إما بالمشاركة أو التواطؤ وسيظل دم الشباب يطارده ثم لن يعرف للنجاة طريقا وإن غداً لناظره قريب .

الاثنين، 28 مايو 2012

صور من جب النسيان (الجزء الثالث)



الصورة الرابعة عشرة


كل يوم يتحدث شقيقاى،  بهجات ومندى عن ضرورة " فرز الورق " ثم لا يصنعان شيئا ، أعرف الآن أن المهمة كانت ثقيلة ولذا كانا يتهربان منها بحجج شتى ، حتى جاء صباح يوم صيفى قال فيه أخى بهجات لأمى:" نظفى لنا السطح فاليوم سنفرز الورق ".
أمى السيدة الأمية التى لا تعرف القراءة والكتابة ، تجيد بفطرة صافية قراءة إشارات العيون وارتعاشات القلوب وتردد النبرة حتى لو أرادها صاحبها أن تظهر واثقة . بهمة ونشاط واتقان نظفت أمى السطح وضربت حوله سوراً من قماش يحجبنا عن عيون الجيران ، ثم أعدت طعاما طيبا ، ربما لتخفف على أخوىّ وطاة " فرز الورق ".
سرتْ بيننا جميعا روح الإقدام على مغامرة ( سنفرز الورق ) .
بعد صلاة العصر كان السطح نظيفاً ومرشوشاً . بدأ أخواى الصعود بكراتين كبيرة جداً ووضعها فوق السطح . أمرنا أخى بهجات بتلاوة سورة الفاتحة قبل أن يبدأ فى فتح الكراتين .
بدأ العمل هكذا ، بهجات ومندى يفتحان الكراتين بوجهين محتقنين وبأصابع مرتجفة . ما الذى وجداه فى الكراتين ؟ جرائد ومجلات وكتب وورق متفرق قديم .
كانا كلما وجدا ورقاً طالعاه بعناية وتبادلا نظرات ذات معنى ، ثم بعناية يضعان الأوراق المتفرقة فى حقيبة جلدية جديدة كأنهما اشترياها خصيصاً لهذه المناسبة .
الجرائد والمجلات والكتب ، يقدمانها لأختى سامية التى تمسح ما علق بها من تراب ثم تقدمها لأخى حمزة الذى يعيد وضعها بدقة فى الكراتين .
أمى لا تكف عن تقديم الشاى وشرائح البطيخ لإخوتى ، أنا مشغول بمتابعة عملية الفرز ويكاد قلبى يقفز فرحاً  كلما أخرج أخواى مجلة ذات غلاف ملون  .
فجأة صاح أخى بهجات بسعادة غامرة  وهو يستخرج دفترأ كبيرأ :" الحمد لله ، لقد وجدته ، إنه كامل ".


مد مندى يده ليأخذ الدفتر ، لكن بهجات زجره بنظرة ووضع الدفتر تحت فخذيه ( بعد تلك الصورة بسنوات سأسرق الدفتر من خزينة أخى بهجات لأقرأ مذكرات أبى التى أوصى بعدم قراءتها إلا بعد رحيل كل أبطالها ).  بعد العثور على الدفتر عرف الهدوء طريقه لوجهيهما . بعد قليل انتبه  مندى لشيء غائب عندما قال لبهجات :" لقد عثرنا على معظم الأشياء ولكن أين اللوحة ؟" ضربتهما حُمَى البحث والتفتيش ، حتى عثر أخى مندى على اللوحة المقصودة .  إنها صورة رجل أسمر لطيف السمرة يبدو وسيماً وأنيقاً ومبتسماً ، يرتدى جلباباً صوفياً أسود ويعتم بعمامة بيضاء كبيرة .تبادلوا الإمساك باللوحة ، لم أكن معنياً بها لأنها ليست ملونة ، ارتاحت اللوحة بين يدىّ أمى التى نظرت لها طويلا ثم قبلتها ، تقبيل أمى لهذه اللوحة جعلنى أسألها : " صورة مين دى ؟ " .


أرتبكت قليلا ثم تضاحكت وأعطت اللوحة لبهجات ثم قالت مبتسمة وهى تضم رأسى لصدرها : " دى صورة راجل كان ضيف عندنا وبعدين راح لأهله " .
بعد سنوات ستدور بيننا نحن أولاد عبد الرحيم مناقشات ساخنة جدا وحادة حول الذى من حقه الاحتفاظ بصورة أبينا المرسومة بالقلم الفحم ، بداية سيفرض عزت الأمر الواقع ويحتفظ بالصورة فى صالون بيته ، بعدها سيتنازل عنها فى نوبة كرم ويضعها على جدران " المقعد " وهو بناء على المشاع يخصنا جميعا .

الصورة الخامسة عشرة

كنت قد عرفت أن أبى قد مات ، وكنت قد خاصمت العيال الذين يغنون :" ودا قصر مين العالى ؟ دا قصر أبويا الغالى " ومع ذلك تشوشت بدون سبب معروف . بدأت أؤمن أن أخى بهجات هو أبى الذى أنجبنى ولذا رحت انتسب إليه ، فإن سألنى سائل :" ابن من أنت ؟" فإننى أجيبه بتلقائية :" ابن بهجات عبد الرحيم ".
عيال الشارع تعاملوا معى بوصفى أبلهاً يظن أن شقيقه هو والده ، بادلتهم السخرية من جهلهم لأنه يظنون أن أبى هو شقيقى .
عشت هكذا عمراً طويلاً حتى جاءت  ظهيرة يوم قائظ أرسلتنى فيه أمى إلى البقالة لشراء عسل ، كانت قد أعطتنى النقود وكوبا زجاجيا كبيرا ( اذكر أن لونه كان أزرق ) . أثناء عودتى إلى البيت ، انشقت الأرض عن ولد كبير ، ربما كان بينى وبينه عشر سنوات ، كان الولد كأنه الشيطان ، أمسكنى من كتفىّ وهزنى هزا شديا وسألنى بصوت كله قسوة :" إنت يا واد .. واد مين إنت ؟".
بخوف  أجبته  بما أعرفه عن نسبى :" واد بهجات عبد الرحيم ".
رفعنى عن الأرض كأننى ريشة وألصق ظهرى بحائط وصرخ فى وجهى :" إنت بهيم ، بهجات دا أخوك ، أبوك مات ، أبوك مات ، عارف يعنى إيه مات ؟ يعنى مات".تركنى أسقط على وجهى وغادرنى وأنا أعوى :" أبويا مات ، أبويا مات ".
قذفت الكوب الزجاجى فتحطم واختلط العسل بتراب الشارع ، وعدت إلى البيت وانا أصرخ من بين دموعى :" أبويا  مات  يعنى بهجات مات ".
أجتمعت علىّ أمى وجدتى وأختى سامية وحاولن تهدئتى ولكن محاولتهن فشلت .
فجأة دخل أخى عزت عائدا من الجيش وعلى كتفه مدفع رشاش .
لم يجد الاستقبال اللائق بعودته ، لانشغال السيدات بى ، بكلمة عرف الأمر من أمى، رفعنى ووضعنى فوق كتفيه ، وهم بالخروج ، تعلقت السيدات الثلاث بساقيه لكى لا يخرج ،  ولكنه كان من القوة بحيث طرحهن جميعا .
فى الشارع سألنى بهدوء :" عارف الواد اللى قال لك كدا ؟"
أجبته :" أعرف شكله ". قال سنبحث عنه حتى نجده وساعتها ستحصل على حقك منه .بعد بحث لم يستغرق كثيرا أشرت إلى الولد  الذى كان يجلس مع أقاربه على مقهى صغير. أنزلنى عزت من فوق كتفيه ، وألقى سلاما فاترا على الجالسين ، ردوا مندهشين من فتور سلامه ، تناول مدفعه الرشاش وباعد بين ساقيه ثم قال :" أبنكم عاير أخويا بموت أبوه ، ودا ما يصحش ، وزى ما ابنكم خلى أخويا يبكى ، أخويا هيبكيه قدامكم ووالله العظيم اللى هيتحرك منكم لأكون  مفرغ فيه الستة وتلاتين طلقه ". أكبر أعمام الولد كان حكيماً ، أدرك أن عزت مصاب بجنون الغضب وسينفذ ما هدد به ، قام الرجل ومسح على شعرى وقبل جبينى وأعطانى كرباجاً مصنوعاً من ليف النخل يستخدم فى سوق البهائم ثم قال :" الحق حبيب الرحمن ، وزى ما بكاك بكيه ، السوط فى يدك أهو وشرّح بيه ضهره ".
على كثرة ما تشاجرت لم أضرب أحدا مثلما ضربت هذا الولد ، لقد كان يصرخ من ضربات السوط التى انهلتُ بها على جسده ، مع بكائه كففت عن ضربه ، رفعنى عزت ووضعنى على كتفيه وعاد بى إلى البيت .

الصورة السادسة عشرة

استدعانى بهجات إلى غرفته ، كان يجلس إلى مكتبه ، على عينيه نظارة طبية أنيقه وبين يديه كتابا ليس ملونا ، كلماته عجيبه ، سألته عن الكتاب فابتسم قائلا :" دى رواية قصة مدينتين لراجل خواجه اسمه تشارلز ديكنز ".
قام وجلب لى مقعدا وأجلسنى أمامه ثم أغلق الكتاب بعد أن وضع ريشة بين صفحاته ، مسح نظارته ثم تبسم فى وجهى وقال :" أمك قالت لى على اللى حصل مع الواد البغل ، شوف يا عمى الأستاذ ، الواد بغل ولكن ما غلطش ، أبوك هو أبويا ، إحنا الاتنين أخوات ، أبوك مات فعلا ، بص كلنا هنموت ، فاهمنى إزاى ، أخوك عزت مجنون ، أصله النهار كله يحارب ، كان ممكن يقتل علشان خاطرك ، يرضيك أخوك يتسجن ؟ عارف أنا رحت لعم الواد وشكرته واعتذرت له ، لولا عم الواد كان ممكن تبقى فيه عركة كبيرة ، عايزك تبقى كويس وماتضايقش من أى حد يقولك أبوك مات ، بص لو عايزنى أكون أبوك فأنا من اللحظة دى هكون أبوك ولاخر يوم فى عمرى ، مبسوط كدا ، لما تكبر وتتجوز تقول لعيالك الراجل أبو نضارة دا هو أبويا ، خليك كويس وماتبكيش أمك ، عارف لو جدك عبد الجابر عرف هيعمل مشكلة ربنا أعلم بيها ، جدك ساكت لكنه مجنون زى عزت بالظبط ، لما بيغضب مبيعرفش هو بيعمل ايه ، بكرة  هاخدك أسيوط معايا وهشتريلك كورة وصور لعبد الناصر واللى تشاور عليه هشتريهولك ".
من يومها وإلى اليوم أصبح بهجات أبا لى ، وجداً لأولادى ، لم أشعر بعدها باليتم إلا فى تلك الساعات التى قرأت فيها مذكرات أبى ، كنت أتمنى أن أعيش مع صاحب المذكرات وأحاوره وأعرف يقيناً أى رجل كان .

الاثنين، 21 مايو 2012

صور من جب النسيان(الجزء الأول )




الصورة الأولى




الدفء أشهى فواكه ليالى شتاء صالة بيتنا . حول " القروانة " التى رصت فيها أمى بعناية حطب القطن نجتمع أمى وإخوتى حمزة وبهجات ومندى وسامية . جدتى لأبى لا تظهر فى الصورة ، وأنا احتمى بأخى بهجات بشكل ما ، ربما كنت جالساً على حجره أو متعلقاً بعنقه أو دافناً رأسى فى صدره ، جدى لأبى كان هناك فى طرف الصالة ، لا أدرى كم عمرى ، إن كانت الليلة من ليالى شتاء 1969 فأنا اقترب من الثالثة وإن كانت قبل ذلك فأنا فوق الثانية بشهور.


لماذا اخترت بهجات بالذات لكى احتمى به أليس فى ذلك إشارة لما هو قادم ؟.


فجأة دخل رجل .كان الرجل وسيماً أنيقاً مبتسماً، كان يرتدى جلباباً صوفياً أسود وعلى رأسه عمامة بيضاء ، أعطى لأمى علبة كاكاو ونظر لى وقال : أهلاً بالأستاذ .


الصورة الثانية



هل هذا بيت أم متاهة جحا ؟ الطفل الملول يتخبط بين الغرف الكثيرة المتشابكة ، ملعبه المفضل فى ساحة مقسمة ما بين غرفة الفرن وحوش البهائم وشونة للتبن وعشش للدجاج والأرانب ، هذا غير مكان خاص للمزيرة حيث نسقت أمى بدقتها المعتادة وضع الزير وبجانبه القدرة وبجانبها البلاص الذى تحفظ فيه أمى الماء الخاص بصنع الشاى ، بجانب " المزيرة " هناك فجوة مرعبة هى بير السلم الذى يقودك إلى السطح .


فى إحدى الحجرات كان الرجل الوسيم الأنيق المبتسم يرقد مريضا ( لا أذكر كيف عرفت أن هذا الوسيم هو أبى ؟) كانت أمى تجلس حزينة بجواره ، أنا كنت بجانبها . هل كان هذا مرض موت أبى ؟. أخرجتنى أمى إلى الغرفة المجاورة حيث ينام أخى بهجات وأخى مندى ، كانت إضاءة غرفتهما قوية بشكل أزعج عينىّ ، بكيتُ ابتعادى عن أمى ، كان أخواى يرتبان كتاباً ومجلات كثيرة أعطانى أخى بهجات نسخة من مجلة سيظل يحتفظ بها إلى أن أكبر وأعرف أنها مجلة الإخاء التى كانت تصدر بالعربية من إيران . اسكتت صورالمجلة الملونة بكائى ، كان هذا أول لقاء لى بالصور والكلام المطبوع ، على غلاف المجلة كانت صورة لإمرأة ترعى خرافاً بيضاء فى سهل أخضر .


الصورة الثالثة


صباح يوم من أيام شهر مارس من عام 1969 كان كثيرون داخل حجرة أبى ، أميز من بينهم أختى بهيجة وهى تخلع عن قدميها خلخالها وأمى ووجهها أحمر وأخى بهجات يحادث رجلاً بعصبية وأختى سامية تبكى وأخى حمزة يضرب رأسه بيديه وأنا اتطلع إلى الجميع فى حيرة . لا أحد ينظر لى أو يهتم بشأنى . أخيراً انتهبت أختى سامية لما أعانيه من حيرة ، فآخذتنى إلى السطح ، ونحن نصعد السلم وقعتُ فجرحت ركبتاى ، ثم نزلنا من على السطح .أحدهم أعطانى قرشاً .


الصورة الرابعة


أمى تركت غرفتها وأصبحت تنام فى غرفة جدتى . كنت أنام بينهما . صمت دائم نزل على جدى ، نادراً ما سمعته يتكلم ، أصحو من النوم على صوته وهو يردد " ياستار العيوب استرنا ، آلا بالتقوى تبلغ ما تريد وبالتقوى يلين لك الحديد ، ياصمد ياصمد " .


وأنام على صوته وهو يردد ذات الكلمات .


يلتهب جلد ظهرى فتضع جدتى يدها على ظهرى ثم تروح تمررها ببطء ولوقت طويل جداً حتى أنام ، فى الصباح أذهب إلى بيت جدى عبدالعزيز شقيق جدى عبدالجابر تلقانى زوجته ، هما لم ينجبا ، كانا يصبان الحنان علىّ صبا ، أعود إلى البيت تأخذنى أختى سامية إلى غابة النخل وتحكى لى قصصاً عن ولد مات أبوه فعوضه الله بحديقة كلها ورد .


حديقة الورد دمرها الأولاد جيرانى الذين كانوا يلعبون لعبة يغنون أثناءها أغنية يقول مطلعها :" ودا قصر مين العالى ؟. دا قصر أبويا الغالى " كانت هذه الأغنية جارحة لى بشكل ما ، وأى كلام أو إشارة إلى الأب كانت تربكنى وكأننى ارتكبت ذنباً أرجو ألا يعيرنى به أحد ، موت أبى جعلنى أشعر بنقصان ما ، نقصان يحول بينى وبين الاندماج مع العيال فى أغنيتهم .


أغانى العيال التى يدور معظمها عن " الأب " جعلتنى فى غاية الشراسة فقلت لهم آمراً :" لن أسمح لأحد بغناء أغنية عن الأب ". أمرى هذا جعلنى اتشاجر معهم كثيراً ،و لكى لا يفتقدوننى راحوا يحرفون أغنيتهم لكى تصفو نفسى :" ودا قصر مين العالى ؟. دا قصر أخويا الغالى ".


تعبت من التشاجر فانسحبت مبكراً جداً من تجمعاتهم هذا الإنسحاب ألقى العبء مكتملاً على أكتاف أمى وأختى سامية التى تركت المدرسة لكى تهتم بشئونى . أنام حتى الثامنة صباحاً إذا استيقظ لابد وأن تكون أمى على رأسى ليس غيرها أقبل منه كلمة أو ضمة ، تدللنى أمى كثيراً بل كثيراً جداً حتى أرضى قأقوم من تحت الغطاء ، تتلقفنى سامية فتغسل لى وجهى ويدىّ وقدمىّ ثم تمشط شعرى وتلبسنى جلباباً حريرياً أبيض ، تكون أمى – وليس غيرها – قد جهزت لى الإفطار ، سندوتش من البيض وآخر من الجبن وثالث من الزبد ، ثم هناك براد شاى وضعت فى " بزبوزه " قطعة من الورق لكى يحتفظ بحرارته لأطول فترة ممكنة ، أشرب كوباً كبيراً من الشاى ثم تشرب أمى وأختى ، إن كانت الأيام أيام صيف ذهبت إلى أخى بهجات إلى حيث يجلس مع الدكتور إبراهيم فى المستشفى ـ يلقانى باسماً ويقف للسلام على وكأنى رجل كبير كذا يفعل الدكتور إبراهيم والشيخ عبدالرؤوف موسى ، يتوجه لى أخى قائلاً :"لو أنت شاطر صحيح قول لعمك الشيخ والدكتور الاناشيد اللي أنت حافظها ".


انطلق في الانشاد:


"يا حمام يا يمام


روح قوام لجمال


بوس له خدوده


وقوله جنودك


اشتاقوا والله للقتال".


يصفقون لي بحماس 0ثم اتركهم متجهاً إلى جنينة المستشفى لا أكف عن الكلام مع الأشجار وكنت مؤمنا أن شجرة الكافور الضخمة هي أم الاشجار وأن شجرة الصفصاف هي أختهم الكبرى أما شجرة الليمون فهى زميلتى التى سأذهب معها إلى المدرسة . أتكلم مع الأشجار حتى يؤذن الظهر ؛فينزل أخى و الشيخ عبد الرؤوف من مسكن الدكتور للصلاة


أذهب معهما ؛هما يصليان مع المصلين ؛ و أتفرغ أنا لملء أنفى برائحة حصر الجامع المبللة بماء الوضوء


هذا إذا كان الوقت صيفا ؛أما فى الشتاء فأذهب إلى أخى فى المدرسة أجد الفصل مزدحما بالعيال الكبار و لكن أخى يختار لى مكانا بجوار ولد هادئ اسمه عبدالتواب ، المدرسة لم تكن سوى بيت قديم من حجرتين كبيرتين ، الأولى يجلس فيها عيال السنة الأولى الإبتدائية ويعلمهم أخى ، يعلمهم كل شئ حساب وقراءة وعلوم وقرآن ، والحجرة الثانية لعيال السنة الثانية ويعلمهم الأستاذ جمال مصطفى ثم هناك غرفة صغيرة هى مخزن المدرسة فيها الطباشير والكتب وصور كثيرة للرئيس جمال عبدالناصر ، فى نهاية كل فصل هناك قصارى زرع فيها نعناع وفول أخضر وريحان ، صاحبت أنا زرع الفول خصوصاً زهرته البيضاء التى تتوسطها نجمة سوداء ، أمى عندها جلباب أبيض تتوسطه زهور سوداء ، إذن زهر الفول قريب لى ، اشم رائحته فتقتحم أنفى رائحة شعر أمى بعد أن تغسله بالماء الساخن . أقطف زهرة وأقذف بها إلى فمى أظل استحليها حتى تذوب مختلطة بريقى ، عندما تبدأ حصة القرآن أكون فى قمة سعادتى لأن اسمى واسم الولد عبدالتواب سيذكر بعد قليل " بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين عندما ينطلق العيال كلمة " الحمد " ينظر لى عبدالتواب باسماً فها هو فى المصحف الشريف فـ " الحمد " هى حمدى ولكن العيال الملاعين لا ينطقونها بشكل جيد ، ليس مهماً المهم هو أن اسمى موجود فى المصحف ، بعد قليل سيأتى اسم الولد عبدالتواب " فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان تواباً " انظر إلى عبدالتواب فى حسد لأن العيال ينطقون اسمه بشكل صحيح فاسمه فى الشارع " تواب : وفى المصحف " تواباً " يعنى لم يختلف كثيراً ، دفعنى الغيظ من العيال الذين يخطئون فى نطق اسمى لأن اقترح على عبدالتواب أن يأخذ كلاً منا اسم الآخر فأصبح أنا عبدالتواب ويصبح هو حمدى ، ولكنه رفض وهو يقول لى " أبويا يضربنى ويقول لى سبت اسمك ليه ؟وبعدين أنت بعد شوية هترجع فى كلامك لأن اسمك واسم أبوك موجود فى المصحف ، شوف مش إحنا كل شوية نقول بسم الله الرحمن الرحيم أهم الرحيم دا اسم أبوك ".


كرهت الولد عبدالتواب لأننى كنت أظن أن الآباء فى أغانى العيال فقط فإذا به يقول لى أنهم فى المصحف أيضاً .

الصورة الخامسة


" ياحمدى أفندى الزرع بيفرح بأصحابه وعلشان كدا النهارده هاخدك معايا للغيط القبلى نطمن على القطن " هكذا حدثنى جدى ، وبالفعل لف منديلاً حول رأسى ووضعنى أمامه على الحمار وانطلقنا إلى الغيط ، بعد أن تجاوزنا بيوت البلد غرقت عيناى فى مياه ترعة البسيونية كانت المرة الأولى التى أرى فيها مياه كثيرة لهذا الحد ومن يومها ، وأنا كلما رأيت ماء فكرت فى شئ واحد وهو أن اندفع إلى قلبه وأدفن جسدى فيه ( هل سأموت غريقاُ ؟). على جانبى الترعة كانت تصطف أشجار الصفصاف وعلى قمتها مئات من " الزرازير " قال لى جدى قل " هوه هوه " بصوت عال فصرخت " هوه هوه " فطارت صفوف " الزراير " وراحت تحلق بأجسامها الصغيرة فى االسماء صانعة قوساً ملوناً يخطف الأبصار ، وكلما عادت " الزراير " إلى الأشجار عاودت الصراخ

" هوه هوه " فتعود لتحليق ثانية ، ثم طلب جدى منى السكوت لأن " الزراير " تعبت ولابد أن اتركها تستريح فاستجبت لطلبه وعادت عيناى مرة أخرى تغرقان فى مياه الترعة ، عندما وصلنا إلى الغيط قال لى جدى :" أدخل أملأ جيوبك بالقطن ولما نرجع البلد تروح تبيعه عند شوقى طه وتشترى لأمك حاجة حلوة ". بعد أن ملأت جيوبى بالقطن عدت إلى جدى الذى كان يصلى على رأس الغيط ، بعد أن ختم صلاته التفت لى قائلاً " براوة عليك " عفارم ياحمدى أفندى ، الراجل طالما طلع بره بيته لازم يرجع له وفى إيده حاجة ، أى حاجة إن شاء الله قالب طوب ، زلطة ، عودين حطب ، ليه ياحمدى أفندى أنا أقولك ليه ؟ لإن الراجل ربنا سبحانه وتعالى خلقه علشان يجيب حاجات البيت وأنت خلاص بقيت راجل دا حتى إحنا بنفكر نجوزك ".

ضحكت وضحك جدى معى ثم فجأة قطع ضحكه وقال لى " فاكر أبوك يا حمدى أفندى ؟ أبوك دا كان ولد بصحيح كان راجل بجد كان عارف كل حاجة أنا فاكر كان دايماً يقول لى يا أبويا بكره الإنجليز تطلع من مصر والحالة تبقى معدن ، أبوك دا كان حاجة حلوة قوى ، عارف يا حمدى أفندى أنا خلفت سبعتاشر راجل قبل أبوك وكلهم ماتوا ، عارف عمك عاشور مات وهو راجل كان عنده تمنتاشر سنة وكنت بجهز علشان أجوزه ولكن زيه زى إخواته على غفلة مات ، وبعدين أبوك اتولد فعوضنى عن اللى ماتوا ، بقولك كان حاجة حلوة قوى ، كبر واتعلم وأجوز وخلفكم سبعة فى عين العدو ، ولكنه وعلى غفلة عمل زى إخواته وسابنى ومات ، أبوك يا حمدى أفندى كسر ظهرى ، عمره مازعلنى ، عمل كدا ليه مش عارف ، آه يا موت أشوف فيك يوم ياموت ، بينى وبينك تار ليوم القيامة ، قلبى وربى عضبانين عليك ياموت ، يارب ورينى فى الموت يوم " .


من يومها لم يذكر جدى أبى ولو مرة واحدة لم يسألنى بعدها " فاكر أبوك ياحمدى أفندى " ولكنه وحتى مات كان يواجه الموت بعد كل صلاة ، كان إذا ختم صلاته ضم أصابع يده اليمنى وأفرد سبابته وحادث الموت وكأنه يقف أمامه كان يتوعده قائلاً " اسمع بهجات وأخواته ، أنا صابر عليك ولكن والبارئ فى سمائه ما هيحصل طيب لو قربت من بهجات وأخواته ، دول أمهم مسكينة وغلبانة أدينى بقولك أهو ، أوعى بهجات وأخواته " ثم يهدأ و ينعكس رأسه فى الأرض .


فى يوم من الأيام عبثت فى صندوق تحتفظ فيه أمى بورق كثير فتح فوجدت شيئاً غريباً رحت ألعب به ، وأتى جدى ، انتزع اللعبة ( لم تكن سوى صورة أشعة ) من يدى وصاح غاضباً " ليه كدا دى بتاعة الغالى " .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(الخميس القادم الجزء الثانى)

الثلاثاء، 20 مارس 2012

حسام تمام الفارس يترجل





كنت وحسام تمام نجلس علي مقهي مغمور بوسط البلد في ليلة من ليالي عام 2005 قطع حديثنا رنين هاتفه المحمول، أنصت للمكالمة بكليته، بعد انتهائها كان فرحاً ذلك الفرح الذي يذهب بالوقار، وكنت في غاية الدهشة (أي مهاتفة تلك التي تجعل من حسام تمام طفلاً يلاكم الهواء) قبل أن أسأله قال :" الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح والدكتور هشام الحمامي زارا الأستاذ نجيب محفوظ للتهنئة بعيد ميلاده، هذه الزيارة هي انتصار لنا، إنها نصر تاريخي " ـ

 ألن تكف عن مبالغاتك يا بن تمام؟ أي نصر ستجلبه الزيارة ؟ جماعة الإخوان التي يمثلها أبو الفتوح ليست متهمة في حادث طعن الأستاذ نجيب، حتي نقول إن الزيارة هي اعتراف بالذنب واستغفار عنه..إنها زيارة كغيرها يا صديق. التفت لي مبتسما ثم قال سأبسط أمامك قراءتي للزيارة وبعدها ستدرك كم هي مهمة، في البدء كانت جماعة الإخوان جماعة " مدنية ".. مدنية علي جميع الأصعدة . الصعيد الجغرافي بمعني أن كبار قادتها وكبار المنتمين إليها هم من أولاد "المدن" وعندما تكون ابن مدينة فهذا يحتم عليك قبول الآخر والتواصل معه، وعلي الصعيد الاجتماعي كانت الإخوان بيد جماعة من " الأفندية " الذين تلقوا تعليمهم في المدارس العامة، وحتي الأزهرية منهم كانوا علي اتصال بعلوم لا تدرس في الأزهر، وعلي الصعيد الثقافي كانت الجماعة تضم الطبيب والشيخ المعمم والمهندس وضابط الجيش والقاضي والمحامي والفقيه بل والفنانين.

 سكت حسام برهة ثم أردف وعلي وجهه علامات الإصرار : أنا يا صديقي أستشعر كارثة " ترييف " الإخوان.. سأكتب عن هذه الظاهرة التي إن سادت فقل علي الجماعة السلام . الإخوان الآن تحاصرهم ظاهرتان.. الأولي هي ظاهرة " الترييف " الذي يجلب الانغلاق، والظاهرة الثانية هي وقوع قيادتها في قبضة " رجال الأعمال " الذين لا يعرفون من " العلم " سوي علم " الحساب " 1+1 =2 . نحن.. أعني " الجماعة الوطنية " نحتاج لتنظيم الإخوان ولقوة الإخوان، نحتاجهم معنا في قلب الميدان، عندما نقدّر نجيب محفوظ فلابد وأن يكون الإخوان معنا وعندما نحارب " توريث الحكم " فلابد وأن يكون الإخوان في صفنا.

هل فهمت الآن أسباب فرحي بزيارة أبو الفتوح وحمامي لنجيب محفوظ؟ أنا من البربة ينتمي حسام تمام لأسرة عريقة من أسر محافظة أسيوط، كان يضحك عندما يتذكر " البربة " قرية أسرته، يقول : البربة اسم فرعوني، بيت أبي مضي علي تشييده أكثر من ثلاثمائة سنة، بيتنا أعرق من أمريكا . لأمر ما هاجرت الأسرة إلي الإسكندرية . المناخان فعلاً فعلهما في شخصية حسام، ففي البيت السكندري الجديد لم يتخل الأب عن زيه وعاداته وتقاليده الصعيدية، وعلي بعد خطوات هناك عالم الكورنيش، حيث " الإسكندرية مارية وترابها زعفران "..

شهدت طفولة حسام تمزقاً بين العالمين.. عالم الصعيد بصرامته وعالم الإسكندرية بانفتاحه، كان يخجل عندما يحادث والده بلكنة غير لكنة الصعيد . ظل الأمر هكذا حتي وقعت " حادثة السمك ". يقول حسام :" لم يكن أبي يستعين في أي عمل من أعماله سوي بالرجال الصعايدة، كانوا في الغالب من الفقراء المتعففين، نهارهم عمل شاق وليلهم غناء، وآه من غناء الصعايدة، علي أيديهم عرفت ابن عروس ومواويل الربابة " وعديد" الموت، أصواتهم لها حلاوة قصب السكر الذي تلزمك أسنان قوية لكي تستمتع بها، مع هؤلاء كنت بحاجة إلي " حس " صعيدي حتي أتذوق حلاوة أغانيهم، ظهيرة أحد الأيام أعطتني جارتنا التي تكبرني سناً سمكا مشويا لهؤلاء العمال، قدمته إليهم وأنا في غاية السرور قائلا : أبلة مديحة أعدت لكم هذا الطعام . بعد أن ألتهموا السمك راحوا يتندرون علي كلمة " أبلة " . قال قائلهم:" حسام ولد الشيخ تمام عيجول آبلة.. اسمهما حرمة يا أبو خالو مش آبلة.. لازم تعاود معنا علي البلد نعدلولك لسانك وبعدين نرجعوك " يقول حسام : تلك الحادثة البسيطة بل التافهة أثرت في كل التأثير، لابد وأن أنتمي للعالمين معاً..

 الصعيد وكورنيش الإسكندرية.. من يومها لم أعد اخجل من لكنتي الجديدة بل رحت أفاخر بإسكندريتي الصعيدية أو بصعيديتي السكندرية . تلك المزاوجة عرفت طريقها لقلب حسام فأصبحت تمثل مفتاحا لشخصيته، فهو دارس للغة العربية لكنه متبحر في شئون الحركات الإسلامية، يحفظ القرآن ويرتله ترتيلا مثل الأزهرية ويذهب لحضور مؤتمر يقيمه عنصريو هولندا . حتي عندما عمل بالصحافة في جريدة "آفاق عربية " التي كانت لسان حال جماعة الإخوان لم يكن عضوا بالجماعة وكان حريصا علي كتابة الدراسات المتعمقة ونشرها بجريدة «القاهرة » وغيرها من الجرائد " المدنية " وهذا هو اللقب الذي كان يلقب به الجرائد التي ينشر بها . نريد عبد الناصر أبو حسين كانت مسرحية " الانتخابات " الرئاسية تعرض فصولها الأخيرة، يومها التقيت بحسام وقلت له : مبارك ينافس نفسه.. لابد من وجه جديد لامع وساطع.. حتي لو صنعنا انتخابات موازية لن يعترف العالم بها ولكننا من خلالها سنقدم وجها لامعا. قال : عندي الوجه الذي تحتاجه البلاد.. إنه عبد الناصر أبو حسين.. تعرفونه أنتم باسم جمال عبد الناصر . أدهشني كلامه فتجاهل دهشتي ومضي يقول : تقول في نفسك ما الذي جمع الشامي علي المغربي ؟ تقول في نفسك كيف لحسام تمام المصنف في " خانة " الإسلاميين النداء باسم جمال عبد الناصر الذي عذب الإخوان وأعدم بعضاً من قادتهم؟ اسمع يا صديقي : بلدنا مصر ليست كأي بلد.. إنها قوية جدا وعفية جدا وخصبة جدا، إنها حسب التعبير الصعيدي " فرس " ولكل فرس فارس، وفارس مصر لابد وأن يكون له حضور عبد الناصر وشجاعته، نريد عبد الناصر أبو حسين.. القوي الديمقراطي المدني الذي ينتصر للفقراء.. هل تعرف الفقراء ؟ لا تكذب وتقول إنك أحدهم.. لا.. الفقراء هناك حيث لا أمل.. كل معجزات هذا البلد صنعها الفقراء.. من بناء الأهرامات حتي عبور القناة.. هؤلاء ليسوا ملح الأرض فحسب.. إنهم الأرض ذاتها..

 ما الذي يباعد بيني وبين الانضمام " التنظيمي " لأي حركة إسلامية ؟ إنهم الفقراء.. لم أجد عند الإسلامين شيئا عن "العدالة الاجتماعية " إنهم مشغولون بأموال الزكاة والصدقة.. والموضوع عندي أعمق وأعقد وأشمل من أريحية المزكين وعطف المتصدقين.. إنني أنادي بقيام " دولة " الفقراء.. ويوم تقوم ستري مصر أجمل مما تحلم به. دائي الإقامة ودوائي السفر في جحيم أغسطس يسافر حسام إلي موريتانيا، وهناك ينام في خيمة، فرشة رمال ناعمة وكذا وسادته، يعيش علي التمر وحليب الابل . أسأله : ما الذي في موريتانيا حتي تغامر بالذهاب إليها تحت وطأة حر قاتل؟ يجيب: الإنسان يا صديقي.. ذهبت لأري الإنسان.. أن تحفر بئرا في موريتانيا فهذا حدث، وإن تدفق الماء من البئر فتلك ليلة القدر، الموريتانيون يموتون عطشا بينما غيرهم من عرب النفط يموتون بالشمبانيا، في موريتانيا كلنا معنا رجل أوروبي ليس له أدني علاقة بالإسلام.. حرم علي نفسه الاغتسال عندما رأي شدة احتياج الموريتانيين للماء.. بل صرخ فينا منددا بإسرافنا في ماء الوضوء . في موريتانيا انعقد مؤتمر الصوفيين في غرب أفريقيا.. مشهد غير العرب وهم يرتلون القرآن يأخذ بمجامع القلوب..

إنه الإنسان معجزة الخالق الكبري.. الإنسان عندما يعرف أن الكون أكبر منه وأنه لا يساوي شيئا إذا عاش منفردا مغلقا الأبواب علي نفسه.. في هذه الرحلة أرسل لي تعالي فكرة ستدر علي مصر مليارات الجنيهات.. فكرتي ببساطة تقوم علي إحياء " طريق الحج الأفريقي " تخيل ملايين الحجاج وهم يمرون بأرضنا التي هي محور هذا الطريق . ـ حسام أنت تحلم . ـ ليس أمامنا سوي الحلم.. يجب أن نرتب أحلامنا حتي إن وهبنا الله لحظة تنفيذها كنا جاهزين.. كل المصريين الذين ألتقيهم بالخارج لديهم أفكار خلاقة.. يوما ما ستغادر أفكارهم أدمغتهم وتعرف طريقها للوجود علي الأرض. يسافر حسام كثيرا تجده في موريتانيا غربا وفي البحرين شرقا.. يرسل لي صوره وهو يتأمل ثلج سويسرا ويكتب لي عن الإنجازالماليزي.. يقول دائما " لو لم يكتب أحمد عبد المعطي حجازي سوي (إن دائي الإقامة ودوائي السفر) لكفاه " العالم كبير جدا والإنسان ليس كتلة واحدة.. ومن كل إنسان ستتعلم شيئا جدا.. كنت في هولندا يوم الهجوم علي أمريكا.. كان المحاضر الهولندي الذي سيشاركني في الندوة التي دعيت إليها يتقافز من الفرح.. مؤكدا علي أن أمريكا هي راعية الإرهاب وها هي تتذوقه..

 عندما ظهرنا علي جمهور الندوة راح نفس المحاضر يشتم المسلمين ويدافع عن ديمقراطية الأمريكان.. بعد الندوة عاتبته فقال لي " سيد حسام..أنا خائف علي بلدي من الأمريكان وقليل من النفاق لن يضر ".. هذا المشهد هو عندي أفيد من قراءة عشرة كتب عظيمة.. من المهم أن تري الإنسان في جميع حالاته وتتفهم تقلباته..هل أصارحك بشيء ؟ أسافر لأقيم لنفسي الأدلة علي إمكانية نهوض أمتنا.. في كل رحلة أقارن بين أمتنا والبلد الذي أزوره.. مقارنة إن بدأت بنظافة الشوارع فإنها لا تتوقف عند حجم مبيعات الكتب.. أعود من رحلات المقارنة وأنا متأكد من أننا نمتلك كل أسباب التقدم والرقي.. لسنا أغبياء خلقة.. فقط ينقصنا " المايسترو" الذي يقود بحب وفهم فريق العازفين . القاعدة جنين ميت يقتل تنظيم القاعدة المسلمين الشيعة في العراق ويقتل المسلمين الذين يخالفونه الرأي في كل بلد ويهدد بتفجير كنائس مصر.. تتسلط القاعدة علي رأسي فأظل اقرأ عن تنظيمها الذي يقتل أحيانا للقتل.. ينقذني حسام من مخاوفي.. يقول بثقة العالم :" إن القاعدة وهم من الأوهام.. هذا تنظيم هو في الحقيقة ليس أكثر من جنين ميت.. لن ينجح في خلق حالة ثورية.. الثوري هو الذي يحب الحياة ويتواصل مع أعتي مخالفيه.. أما الذين يستسهلون الدم فسيغرقون فيه.. أين هو مشروع القاعدة للنهوض بالأمة ؟ هل قرأت لهم ولو ورقة اقتصادية واحدة ؟ هب أن القاعدة قد حكمت.. هل يستطيع قادتها ومنظروها استخراج حفنة نفط.. كان أبو بكر عالما وكذا كان عمر وعثمان وعلي والحسن والحسين أما هؤلاء فلا يعرفون سوي القنص.. قريبا سيتقلص هذا التنظيم الذي تخافه ثم ستبتلعه الأرض كأنه لم يكن.. الناس يا صديقي هي التي تعطي للتنظيمات وزنها.. أين الناس وأين تنظيم القاعدة ؟ إن كانت الناس هنا فتنظيم القاعدة هناك.. حتي الذين يتعاطفون مع أعمال هذا التنظيم هم من أصحاب المشاعر الثأرية.. والثأر لا ينبت سوي الدم والدم لا ينبت سوي الخراب.

 حاصر حصارك في صيف العام 2007كانت القاهرة قد أصبحت كابوساً يجثم علي قلبي، وجاء الفرج علي يد حسام تمام (نسافر معاً إلي المغرب لندير تحرير جريدة التجديد) في الرباط سأكتشف وجهاً جديداً لحسام تمام، إنه يعرف الرباط كما يعرف شوارع وسط القاهرة، إنه نجم كامل النجومية في مجتمع المثقفين المغاربة، يقودني إلي قصور بنيت منذ أكثر من ألف عام ويعرفني علي حضارة لا تزال تسري في عروق المغاربة، وفجأة وفي ليلة عاصفة يسقط أمامي ميتا، كان ينقح كتابه الذي حوي مذكرات الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، فجأة ترك الكتابة وسقط ميتاً، شلني الرعب، إلي أن أفاق من غيبوبته التي استمرت حوالي عشر دقائق، جاء الطبيب وقال :" نوبة عارضة " الآن يحدثني قلبي بأن تلك الليلة كانت جنين " الوحش " الذي سيلتهم صديقي .بعد عودتنا من رحلة المغرب بدأ يحدثني عن متاعب صحية تهاجمه فجأة، من أجل تقصي الحقائق عرض نفسه علي أطباء في سويسرا وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا، فقالوا جميعا ما قاله الطبيب المصري، إنه السرطان . سبق لهذا الوحش الغادر أن فتك بأكثر من واحد منا، ولكن أن يقترب من حسام تمام تحديداً فهذا هو العجب العجاب، حسام لم يكن مدخناً ولم يكن يسرف في مأكل أو مشرب، فكيف عرف السرطان طريقه إلي رجل في ريعان شبابه وتمام صحته؟ عندما استقر به المطاف في مستشفي زايد التخصصي طلب مني دواوين أحب الشعراء إلي قلبي، فأهديته نسخة من الأعمال الكاملة لمحمود درويش، هاتفني قائلاً :"شاعرك رسم لي خريطة طريق عندما قال (حاصر حصارك لا مفر) سأحاصر السرطان وسأغلبه وأرده عني مدحورا ". من يومها وحسام يقرأ ويكتب ويظهر علي شاشة التلفاز متحدثا عن أدق خصائص الحركات الإسلامية بل لا يفوته سؤالي عن متاعبي مع الضغط . البحر موعدنا يا حسام يا أبا خديجة، ظهر الأربعاء 26 أكتوبر هاتفني صديقنا سيد زايد ليخبرني برحيلك، دارت الأرض دورتها يا صديقي وآن لك أن تستريح .

 ظهر الخميس كنت أرافق جثمانك إلي الإسكندرية، مررت بالبحر فتمتمت بداخلي بقصيدة أبو سنة " البحر موعدنا وشاطئنا العواصف " كنت تحب سماعها مني . حسام يا حبيب يا طاهرعندما تجف دموعي سأخبر ابنتك خديجة.. أي أب كان أبوها. حسام.. يا أخي وصديقي.. عليك سلام الله إلي أن نلتقي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 3 يناير 2012

خالتى سلمية لن تموت






ظهر الثلاثاء 25 يناير من العام 2010 كنت أحد الواقفين أمام مبنى نقابة الأطباء بشارع قصر العينى، كنت أهتف مع الهاتفين: «عيش حرية كرامة إنسانية.. خبز حرية عدالة اجتماعية»، كانت التظاهرة الأكثر تنظيما فى حياتى، كانت شرطة المخلوع وصبية العادلى تحيط بنا من كل جانب دون احتكاك يوتر الجو، فجأة استوقفت الشرطة سيدة من المتظاهرات بطريقة خشنة فصرخ أحدهم: «سلمية سلمية» قلت فى نفسى: «عن أى سلمية يتحدث هذا الصارخ وشرطة المخلوع تكاد تعتقل السيدة؟.


كذب الهاتفون ظنى عندما نزلوا بهتافهم» سلمية.. سلمية «على رأس الشرطة نزول الصاعقة، تملكتنى الدهشة عندما فعل الهتاف الجديد مفعوله وتراخت قبضة الشرطة وتركت السيدة تمر بسلام، ثم تكرر هذا الهتاف الساحر العجيب فى مناسبات شتى، وفى كل مرة كان يثمر بطريقة مدهشة. شكرا لهذا الشعب الأستاذ القائد المعلم، لقد ابتكر هتافا كأنه عصا موسى، ثم جرت فى النهر مياه كثيرة، وطارت أقنعة عن وجوه، وبدأ استهداف بصر الثورة من خلال قنص عيون الثوار، فصرخ أحدهم: «خالتى سلمية ماتت» فى إشارة إلى أن المظاهرات السلمية لم تعد تجدى. تلك المقولة اللعينة التقطتها سلطة العسكر الحاكمة فبدأت فى شيطنة الثورة والثوار، فكل سوء يصيب البلاد تقف الثورة وراءه وكل أذى يصيب البلاد هو من صنع الثوار، ثم خطت سلطة العسكر الخطوة الحاسمة والفاصلة عندما شاركت بقواتها فى قتل الثوار فى اعتصام مجلس الوزراء، هنا تعالى الهتاف بموت «خالتى سلمية» لم يدرك الثوار أن ثمة شياطين يخططون لموت «سلمية العظيمة الجميلة المقدسة» لم يدرك الثوار أن موت «سلمية» هو هدف كبير جدا يسعى خلفه شياطين الإنس، إنهم يريدوننا جماعة من الغاضبين المندفعين خلف الدم، إنهم يضربوننا بقسوة وعنف لكى تفلت أعصابنا فنقتل بأيدينا شعارنا المبتكر الذى كتب الله لنا النصر به، سيطاردوننا لكى نفر من الميدان، وفى حمى التدافع وارتباك الهروب سندهس عظام المسكينة الطاهرة «خالتى سلمية» سيلصقون بنا كل الاتهامات بداية من القوادة ونهاية بالخيانة العظمى، ستوجعنا الاتهامات الكذوب، سنرى أنفسنا محاصرين بين أنياب آلتهم الإعلامية الجهنمية وساقطين تحت وطاة أحذيتهم الغليظة، سيدفعوننا دفعا لكى نرد. بعد ردنا بلحظات سيعقدون واحدا من مؤتمراتهم الصحفية الكاذبة ويخاطبون الشعب ودموع التماسيح تملأ عيونهم: «لقد انتهى الشباب الطاهر.. شباب 25 يناير وهؤلاء الذين يستخدمون القوة فى مظاهراتهم ما هم إلا خونة» بعد تلك الكلمات الباكية سيقول الشعب كلمته: «اسحقوهم».
ما اتعسنا لو قتلنا «العظيمة المقدسة خالتى سلمية».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 27 ديسمبر 2011

اتقوا دعوة المسحولة





سحل «شجعان» الجيش المصرى بنات مصر وانتهكوا أعراضهن، ثم مضى كل «شجاع» منهم يهز كتفيه ويصفر بفمه لحنا راقصا غير مبال بما اقترفته يداه وقدماه من ضرب وقتل وسحل وتعرية، وكيف يبالى «الشجاع الفحل البطل هازم الصهاينة ومحرر القدس» وهو آمن من المحاكمة ومحصن ضد المساءلة؟

ولهذا «الشجاع الفحل» الذى يستعرض عضلاته على بنات مصر الحرائر وللذين يشجعونه وللذين لا يستنكرون ولو بقلوبهم جريمته وللذين يشمتون فى حرائر مصر أهدى قصة تاريخية تقول: «وقع الصحابي خبيب بن عدي أسيرا فى يد قريش، فأحبوا الثأر منه لقتلاهم فى معركة بدر».
قام «شجعان» قريش بتعذيب خبيب تعذيبا جعله يدرك أن نهايته قد أوشكت. فقال لهم: «إن شئتم أن تتركوني أركع ركعتين قبل مصرعي فافعلوا». العجيب أن «شجعان» قريش الذين ينكلون بأسير أعزل سمحوا له بالصلاة!!. بعد أن ختم صلاته قال لهم: «والله لولا أن تظنوا أني اطلت الصلاة جزعا من الموت، لاستكثرت منها».
بعد الصلاة بدأ «الشجعان» حفل تعذيبهم لخبيب وكأنهم ليسوا فى مكة بل فى (ممرات مجلس الشعب المصرى) راحوا يقطعون جسده وهو حى قطعة قطعة وهم يقولون له: «أتحب أن يكون محمد مكانك وأنت ناج»؟ فيرد عليهم: «والله ما أحب أن أكون آمنا وادعا في أهلي وولدي ، وأن محمدا يوخز بشوكة». إجابته تلك جعلت «قطيع الشجعان» يصرخ: اقتلوه.
جاءوا بصليب وصلبوه عليه فتأملهم ثم دعا الله: «اللهم احصهم عددا واقتلهم بددا ولا تغادر منهم احدا» ثم لفظ رضي الله عنه أنفاسه الأخيرة وبه مالا يحصى من ضربات السيوف وطعنات الرماح!!
وكان ممن شهد صلب خبيب الصحابي سعيد بن عامر الجمحي ووقتها كان مشركا، وبعد أن أسلم ولاه الخليفة عمر بن الخطاب إمارة حمص، تقدم أهل حمص بشكوى ضده لعمر قائلين: «إن سعيدا تأتيه غشية فيغيب عمن حوله». فسأله عمر عن ذلك، فقال سعيد: «شهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك، ورأيت قريشا تقطع من جسده وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لن يغفر لي».
وبعد هل فهم مصطفى بكرى (يزعمون أنه صحفى وعضو منتخب ببرلمان الثورة!!) ومذيع قناة الناس خالد عبد الله واللواء عبد المنعم كاطو قصة خبيب؟ هل يفهمها كل من لام الضحية وجبن عن مواجهة الجلاد؟ إن كانوا قد فهموا معناها وأصروا على ما هم عليه فإننا لا نملك لهم من الله شيئا وليس لنا سوى أن نقول لهم: «أراكم الله انتهاك عرض بناتكم.. وساعتها سنكون شرفاء كعادتنا ولن نكذب مثلكم ونزعم أن الصور فوتوشوب».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 17 ديسمبر 2011

التحرير أصغر من القاهرة وأكبر من مصر





تختطف آلة الإعلام الجهنمية (تمثلها مذيعة غالبا) أحد الثوار أو المعتصمين أو المحتجين أو المتظاهرين من قلب دفء ميدان التحرير وتقذف به فى قلب صقيع الأستديو المكيف، تحدق الآلة (التى هى مذيعة غالبا) فى وجه المختطف، ثم ترفع حاجبا وتنزل الآخر ثم تزمجر كأسد عضه الجوع وتقذفه بالسؤال اللعين: «لكن حضرتك هل تعتقد يعنى، أقصد هل ترى سيادتك أن ميدان التحرير هو مصر».

المختطف المسكين ينظر حوله لعل أحدا ينقذه من بين أنياب الآلة التى ترتدى باروكة صفراء فلا يجد سوى الصقيع، يبتلع المسكين ريقه مرة وعشر مرات ثم يفتعل سعالا وقد يخلع نظارته الطبية لا لشىء ولكن لكى يكسب وقتا يرتب خلاله أفكاره، ثم يعود لوضع النظارة على أرنبة أنفه ثم يقول بصوت متردد: «لم يقل أحد منا أن التحرير هو كل مصر ولكننا نقول إن التحرير».
لا تمهله الآلة ليكمل كلامه، تنقض عليه صائحه: «ها قد قالها.. التحرير لا يمثل مصر، ومصر أكبر من أن يمثلها أحد وهناك الملايين من الأغلبية الصامتة التى تعارض الاعتصام فى الميدان وتعطيل عجلة الانتاج وخلق حالة من الانفلات الأمنى والتعدى على المنشآت العامة والعدوان على الممتلكات الخاصة وتعطيل سيولة المرور والتشكيك فى نيات المجلس العسكرى الذى حمى الثورة».
تظل الآلة ذات الباروكة الصفراء والرموش المستعارة تلوك بعنف هذه الجمل البائسة التى لم تخرج من فم الثائر.
لم يحدث يوما أن صرخ أحد الثوار فى وجه الآلة بالحقيقة التى يؤمن بها. الثائر مسكين لم يتدرب يوما على مواجهة آلة الإعلام ذات الباروكة الصفراء والرموش المستعارة والشفاة المحقونة بالسيلكون، آه لو كان الثائر مدربا على مواجهة آلة الإعلام المفترسة ساعتها كان سيرميها بالحقيقة التى تجرى فى عروق التحريريين مجرى الدم.
كان سيقول بملء فمه : نعم نعرف أن ميدان التحرير أصغر من القاهرة، هو ميدان لم نكن نحبه، وكنا نعتقد أن الذى صممه هو مخبر فى أمن الدولة وليس مهندسا، فما أسهل إغلاقه على من فيه حتى يموتوا جوعا وعطشا، نعرف كل هذا ولكننا نؤمن بأن ميدان التحرير هو أكبر من مصر بل من كل أرض العرب، هو أكبر من المدى المفتوح على الأحلام المؤجلة، هو خلاص الروح من حكم العسكر، هو قلب الثورة وعقلها المفكر، هو الثورة ذاتها، هل للثورة حد أو مساحة، نحن الذين قدمنا أرواحنا وقدمنا حبات أعيننا وهتفنا فى وجه المخلوع يوم خرس الجميع وغادرنا بيوتنا وطائر الموت يرفرف بأجنحته السود فوق رؤوسنا. نعم نحن مصر بل نحن العالم القادم من تحت ركام الاستبداد بل نحن جنة المشتاقين لغد أكثر عدلا وأكثر جمالا، أيتها المذيعة ذات الباروكة الصفراءوالرموش المستعارة أنت لن تفهمى من نحن لأنك تحسبين الأمر بحسابات البقالين بينما نحسبه نحن بحسابات الثوار وما أبعد ما بين البقالة والثورة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 29 نوفمبر 2011

كونوا رجالا مرة واحدة فقط




الخطاب هنا للسادة المتناحرين على مقاعد البرلمان ثم للسادة الذين أعلنوا ترشحهم على مقعد رئيس الجمهورية، هؤلاء وأولئك يعلمون علم اليقين أن كافة الأمور المهمة التى تخص إدارة شئون البلاد ستبقى فى يد المجلس العسكرى الحاكم، ولكنهم طمعا فى الكرسى،

يخادعون الشعب ويخدعونه ولا يذكرالواحد منهم أبدا أنهم سواء فازوا أو خسروا فلن يقدموا جديدا.
السيد اللواء ممدوح شاهين عضو المجلس العسكرى كشف الغطاء عنهم جميعا فى المقابلة التليفزيونية التى أجراها مساء السبت 26 نوفمبر مع الصحفى محمود مسلم وبثتها قناة الحياة . قال شاهين نصا: «إنه ليس من حق أغلبية مجلس الشعب اختيار الحكومة طبقا للإعلان الدستوري لأن نظام الحكم في مصر مختلط»، موضحا أن دستوريا وقانونيا مجلس الشعب المقبل ليس له أي سلطة على الحكومة وليس من حقه سحب الثقة منها غير أن شاهين قال: «إنه يمكن أن يترك الأمر لحينه إذا أراد المشير تغيير الحكومة بعد الانتخابات».
كلام ممثل المجلس العسكرى واضح وضوح شمس الظهيرة، ليس لهذا البرلمان فائدة وليس له الدور المزعوم فى نقل السلطة بل لن يراقب الحكومة، يعنى الموضوع بالبلدى المجلس سيكون جثة بلا روح، والعسكر ها هنا قاعدون إلى أن يشاء الله سواء فى الصدارة كما هو الحال الآن أو من خلف ستار شفاف تحت دعاوى البرلمان الشرعى المنتخب . ما فائدة انتخابات سيحصل الفائز فيها على صفر بطول وعرض مصر؟
السؤال ذاته مطروح على السادة المتسابقين على مقعد رئيس الجمهورية، لا يوجد واحد من بينهم يعرف صلاحيات منصبه لأنهم جميعا دخلوا السباق قبل كتابة الدستور والموافقة عليه، أليس من الوارد أن ينص الدستور على أن مصر دولة برلمانية؟ هل ساعتها سيظل هذا التنافس المحموم على مقعد الرئاسة قائما ومشتعلا؟ أليس من الوارد أن يتضمن الدستور المادتين (9 و10) من وثيقة السلمى اللتين تضمنان سيطرة العسكر على الحكم فى مصر ولو بطرق ملتوية؟ (فى ذات المقابلة قال شاهين إن الوثيقة لا تزال موجودة)!!!.
لو كان ذلك كذلك فما فائدة الرئاسة؟ وعن أى مدنية نتكلم.
لقد جربنا كل هذه النخب المهترئة عشرات المرات فلم يفلحوا إلا فى إبرام الصفقات التى تضمن لهم البقاء فى مواقع الصدارة ، فهل يتمسكوا مرة واحدة فقط برجولتهم ويصرون على تحديد قاطع لصلاحياتهم قبل فوات الأوان. إن ظلوا كم عهدناهم فعليهم الانسحاب من المشهد وعليهم أن يخلوا بيننا وبين العسكر بدلا من دور الوسيط السمسار الذى يشبه المنشار «طالع واكل نازل واكل».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 22 نوفمبر 2011

فى مديح.. التعرى





فى مطلع العام 2000 طلب منى الكاتب الكبير الأستاذ صلاح عيسى العمل معه سكرتيراً لتحرير جريدة «القاهرة»، وافقت شاكرا له عرضه الجميل، بدأنا فى والضع المبدئى لما ستكون عليه الجريدة، وفى ظهيرة أحد الأيام ولم يكن بالجريدة سوانا ،

تشرفنا بزيارة فنانة تشكيلية، ما إن رآها العم صلاح حتى غمغم «يا خفى الألطاف نجنا مما نخاف». لم اعرف سر غمغمته إلا لاحقا . بعد الترحيب المعتاد بالزائرة الكريمة شنتْ سيادتها حملة شعواء على طوب الأرض واتهمت الجميع بالتخلف عن ركب الحضارة.
حاول العم صلاح إيقافها فقال لها بأسلوبه الضاحك: «يا آمة الله أوقدى شمعة أو حتى عود كبريت بدلا من لعن الظلام، قودينا يا أختاه إلى طريق التقدم وشارع التحضر».
أشرق وجهها بابتسامة النصر وتناولت من حقيبتها التى تشبه خرج الحاوى كتابا ضخما جدا ، قلبت صفحاته بسرعة فائقة حتى استقرت على صفحة بعينها وهتفت: «من هنا نبدأ».
عندما شاهدت ما تحتويه صفحة «التقدم والتحضر» عرفت فيما كانت استغاثة الأستاذ صلاح بخفى الألطاف، كانت الصفحة تحتوى على رسم ملون لامرأة عارية.
قبل أن افتح فمى بكلمة صاح الأستاذ صلاح فى وجه الفنانة: «ما هذا؟»
ـ لوحة تكسر التابو
أدرك الأستاذ أنه سيدخل إلى حارة سد فيما لو واصل النقاش المتعقل مع فنانة مصابة بهوس كسر التابو فلجأ إلى أسلوب آخر ، أشار إلى جزء من اللوحة سائلا الفنانة: «ما هذا؟»
ـ جسد امرأة
ـ أقصد ما اسم الجزء الذى أشير إليه؟
تلعثمت الفنانة ثم لاذت بالصمت. صاح الأستاذ صلاح: هذا اسمه (....) عايزانى أنا صلاح عيسى بعد العمر دا كله أبقى ناشر (....)، ممكن يعنى لو سمحتى حضرتك تروحى تكسرى التابو فوق رأس أى حد غيرى.
غادرت الفنانة مكتبنا وهى ترطن بما يعنى أنها مصدومة لوصول التخلف إلى التقدميين.
بعد مغادرتها سألت الأستاذ صلاح عن سر ثورته على السيدة إذ كان يكفيه الاعتذار عن عدم النشر وينتهى الأمر. فراح يشرح لى خلفيات ثورته قائلا: إننا نجاهد لكى نوسع من هذا الهامش الديمقراطى الذى لا يسع شخصين، ثم تأتى هذه الحمقاء ومثيلاتها فتروج لأشياء هى ضد الذوق العام للمجتمع فتكون بذلك قد قدمت فرصة على طبق من ذهب لكارهى الديمقراطية ، لانهم ساعتها سيقولون للناس (أدى يا سيدى اللى أخدناه من الديمقراطية.. صور عريانة ).
ثم واصل كلامه قائلا: أنا أعرف هؤلاء الحمقى جيدا وأعرف الثمن الذى دفعناه نتيجة لحماقاتهم وأعرف أننا إن رضخنا لابتزازهم سنصبح جماعة من المجاهدين لنشر البورنو لا الديمقراطية.
هل لمقالى هذا علاقة بالفتاة التى بثت مؤخرا صورة عارية لها؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحد، 20 نوفمبر 2011

عهدة خليل حسن خليل



كتب رائد الإخراج الصحفي " حسن فؤاد " في مطلع الثمانينات مقالاً في " صباح الخير " عن السيرة الذاتية للدكتور خليل حسن خليل التي تحمل عنوان " الوسية " ، بعده كتب الراحل الكريم " فتحي رضوان "عن الوسية وعن التاريخ السياسي لصاحبها ، كنت أحب الكاتبين وأصدقهما ، ولكن العثور علي نسخة من الكتاب موضوع المقالين كان صعباً ، لأن كتب ( مصر = القاهرة ) لا تصل إلي أسيوط حيث كنتُ أقيم ،فجأة علمتُ أن " بواقي " معرض القاهرة الدولي للكتاب ، سيقام لها معرضاً بأسيوط ، ذهبتً إلي المعرض متلهفاً وهناك وجدت »الوسية« .الغلاف: »ميري« خشن شأن أغلفة كتب »الحكومة« الثمن : 160 قرشا ، الناشر : الهيئة العامة للكتاب .

يصيبني "سعار" قراءة الكتب الحبيبة فأجلس علي أول مقهي يصادفني وأبدأ في القراءة . كلمة الغلاف تقول :" عن قصة الجندي الذي أصبح أستاذاً للاقتصاد بالجامعة " . بعد كلمة الغلاف تأتي ضربة البداية الموفقة جداً ، يفتتح الكاتب سيرته بصيف1933 ، هو الآن صبي في الحادية عشرة من عمره حاصل علي المركز الأول في امتحانات الشهادة الابتدائية علي مستوي مديرية الشرقية ، قبل الاحتفال بالنجاح الباهر ، يأتي المحضرون ليحجزوا علي أثاث البيت للعرض في مزاد علني سداداً لديون أب أتلف " الكرم الشرقاوي " ثروته . يقوم الصبي خليل وأمه وأخواته بتهريب الأثاث إلي منزل الجيران ، يتكرر هجوم المحضرين وفجأة يتوقف . يسأل الصبي أمه عن سبب توقف الغارات فتجيب دامعة لقد بعنا كل الأثاث لم يعد لدينا سوي " حصيرة وقلة ماء".

الخوف من غارات المحضرين والجوع المزمن يستوليان علي حياة الصبي حتي يصبحا جزءاً من جهازه العصبي ، يغادر خليل حلم الدراسة ليلتحق بوظيفة " كاتب أنفار " في وسية الخواجة اليوناني ، وآه يا مصر يا بلدا خيرك لغير أولادك.
رحلة هي قطعة من " المقاومة " يبدأ خليل من " الوسية " وعالمها الثري ثم يواصل تسجيل وقائع التحاقه بالجيش وكيف تمكن من الحصول علي الاعدادية ثم الثانوية ثم ليسانس الحقوق .

مع انتهائي من قراءة السيرة ولد بداخلي حلم مقابلة الدكتور خليل حسن خليل ، قلت لنفسي بعد قليل سأذهب إلي الجامعة في القاهرة وهناك سأعرف الطريق إليه .

في الفترة التي أمتدت من زمن الحلم بلقاء المؤلف وإلي يوم اللقاء كان خليل قد نشر الجزء الثاني من الوسية تحت عنوان »الوارثون« يعني أن الضباط الأحرار حكام مصر بعد 23 يوليو هم مجتمع الوسية الجديد !!
قبيل ثورة يوليو يسافر خليل إلي لندن للحصول علي دكتوراه في الاقتصاد ، فشل في الحصول عليها من القاهرة لأن الرسالة كانت ضد مجتمع " الوسية " بعد العودة الظافرة من لندن يقوم بتدريس الاشتراكية بناءً علي رغبة عبد الناصر ، ولكن زبانية التعذيب يعتقلونه وينكلون به !!

أحدهم يقول له :" لو فشل عبد الناصر ولم يصل إلي الحكم لكان الآن مكانك ولكنتُ أجلد ظهره كما أجلد ظهرك ، نحن هنا لحماية النظام أي نظام "

تتسع رؤية خليل لتري الدودة التي هي في أصل الشجرة ، إنها دودة الاستبداد ولا يهم إن كان الاستبداد ملكيا أو ثوريا.
حان وقت لقاء المؤلف في صيف العام 1994 مهدت لمقابلته باستضافته علي صفحات جريدة الأحرار التي كنت أعمل بها ، كنت أهاتفه لاستطلاع رأيه في التحقيقات الصحفية التي تتناول الشأن العام ، بعد أن أصبحت لدينا " صحبة تليفونية " عقدت العزم علي مقابلته وجها لوجه .

مكان مقابلتنا الأولي كان في معهد يقع بحي جاردن سيتي ، يُدرس فيه الاقتصاد الاشتراكي ( اشتراكية في قلب زمن الخصخصة).

كان أجمل وأرق مما تخيلت ، بشرته سمراء ، تلك السمرة المصرية اللطيفة ، بنيانه متين ، كفاه لهما قوة محراث ، ضحكته مجلجلة ، حاضر النكتة ، يجيد قلب معاني الكلام ليستخرج منه طرفة تدفع جليسه للضحك .
تفحصني بعينين ناعستين ثم شرد قليلا ثم قال :" هل تحفظ شيئا من أغاني جني القطن ؟ " . تلفت حولي وقلت :" نحن في جاردن سيتي "

أشاح بوجهه قائلا :" نحن مَن نحدد مكان وزمان الغناء ، والآن غن للقطن".
غنيتُ :" يا قطن يا حرايري يا حزام أبو إسماعيل / اللي ما يزرعكش طول السنة حزين ".
صفق معجبا ثم قال : خذ هذه :" يا لوزة يا لوزلي / يا عاشق النبي صلي"
كان الرجل علي جلال قدره يتذكر معي ألعاب وغناء طفولته ، لم أدرك إلا متأخرا أنه كان يقيس متغيرات المجتمع من خلال الألعاب والأغاني .

حكي ـ وقد أطمأن إلي حسن استماعي ـ عن واحد من الزبانية كان يشغل منصبا خطيرا في جهاز أمني وظل يتعقب خطوات خليل ويحصي عليه حركاته وسكناته حتي أضطر الرجل الخجول إلي أن يضاجع زوجته في الصحراء هربا من مراقبة فاجرة، ثم استفاض في ذكر مساوئ الاستبداد وكيف هو قرين للتخلف .
أصبحنا بعد عدة مقابلات أشبه بصديقين أحدهما يكبر الآخر بحوالي أربعين سنة .

أهداني الجزء الثالث من سيرته الذاتية وكان يحمل عنوان" السلطنة "
الغلاف كان مباشرا ، ثمة رجل يشبه " السادات ، يعتم بعمامة السلاطين ويدخن البايب جالسا علي خريطة مصر مهيمنا عليها ومنتشيا بتبغ البايب .

سألته :" هل السلطنة من السلطان أم أنك تعني " السلطنة " التي هي درجة من درجات السكر وغياب الوعي تحت وطأة المخدر ".

ضحك وقال :" أقصد المعني الأخير، لقد تصرف السادات في البلد كما يتصرف عمدة ريفي في ممتلكاته ، السادات هو العلامة الفارقة علي غياب وعي حكامنا بإمكانيات البلد الذي يحكمونه ، أما هذا الذي يحكمنا الآن فهو أعجوبة زمنه ، لقد عرضت سياساته الاقتصادية علي أبرز الاقتصاديين في الداخل والخارج فلم يستطع واحد منهم تقييمها ، نحن نسير إلي كارثة ".
صعدت معه إلي سيارته الحديثة جدا الثمينة جدا لكي نكمل كلامنا ، ضقت ببطء قيادته فطالبته بأن يسرع قليلا ، ألتفت لي غاضبا ثم قال :" يا ولدي هذه السيارة عهدة حصلت عليها من المعهد الذي يتبع الأمم المتحدة ولابد أن أحافظ عليها ، خيانة العهدة أمر لا يليق بمن كان مثلي"

هبطت من سيارته وأنا أضحك من رجل يقدر العهدة في زمن الخيانة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ