الخميس، 27 أغسطس 2009

عيد ميلاد الجيزة




قالوا: اجتمعت لجنة ضمت فلانا وفلانا من أكابر العلماء، ومكث الأكابر أياما يبحثون عن يوم يصلح لأن يكون عيدا قوميا لمحافظة الجيزة، وبعد فحص وبحث وتدقيق وتمحيص، أكد المجتمعون أن أصلح الأيام هو يوم الثالث والعشرين من أغسطس، لأنه يوافق ذكرى بناء الهرم الأكبر. 



سألت نفسى بعد قراءة الخبر هل هناك عالم يستطيع قبل أن يرتد إليه طرفه أن يحسب بدقة متناهية تاريخ بناء الهرم الأكبر؟ ترى ما الأدوات والآلات التى استخدمها ليؤكد أن الثالث والعشرين من أغسطس هو تاريخ بناء الهرم؟. 


الحقيقة، تشككت فى الأمر برمته خاصة وهناك سوابق لهذا النوع من «الفشر» المصرى الفاخر، وكلنا يذكر المسئول الكبير الذى أكد أن «الحكومة تسمع دبيب النمل»!، كما نذكر الوزير الذى صرخ تحت القبة الموقرة للمجلس الموقر: «علىّ الطلاق هناك فائض فى الميزانية». إذن «الفشر» ليس جديدا ولكن الجديد هو هذا الأسلوب الواثق فى ترويج الأكاذيب، يعنى الرجل صاحب براءة اختراع «الثالث والعشرين من أغسطس»، لا شك أنه تكلم بثقة متناهية حتى صدق الناس كلامه وقام المسئولون بإذاعته بوصفه اكتشافا جبارا سيعيد بناء أحداث التاريخ القديم. ولكن يا فرحة ما تمت فقد اجتمعت لجنة أخرى تضم أكابر آخرين تحت مسمى «اللجنة العلمية الأثرية المشكلة لدراسة تحديد الثالث والعشرين من أغسطس عيدا قوميا للجيزة»، وقررت بعد الفحص والبحث والتدقيق والتمحيص أنه لا توجد أى أدلة علمية أثرية أو لغوية تشير إلى أن هذا الموعد هو موعد بناء الهرم الأكبر! 

طبعا اللجنة الجديدة ليست أى لجنة، فعلى رأسها الدكتور زاهى حواس أمين عام المجلس الأعلى للآثار الذى أكد أن أعضاء اللجنة اتفقوا على أن تحديد هذا الموعد يحتاج إلى أبحاث وأعمال متعددة قد تستغرق وقتا طويلا جدا، وأضاف حواس أنه سيبحث مع المهندس سيد عبدالعزيز محافظ الجيزة اختيار موعد أو تاريخ محدد ليكون يوما قوميا للجيزة قد يرجع إلى أحد الاكتشافات الأثرية المهمة بالجيزة. 

وإلى أن تجتمع اللجنة وتجد اليوم المناسب فإننى أقترح أن يكون العيد القومى للجيزة هو اليوم الأول لدخول خدمة «التوك التوك» إلى شوارع وحوارى المحافظة العريقة. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 20 أغسطس 2009

حسنات النت!


أستغفر الله ربى العظيم وأتوب إليه، كان يرددها سعيد وهو يمسح من جهاز الكمبيوتر عشرات الرسائل التى تعد من يعيد إرسالها بالجنات ونعيمها والأجر والثواب بلا عدد أو حساب، وتتوعد من يهملها أو يحذفها بالثبور وعظائم الأمور. فمنذ أول رسالة من هذا النوع وصلته وهى تحمل أحد الأدعية ويدعى صاحبها أن هذه الرسالة تنجى من يقرأها ويعيد إرسالها إلى 20 شخصا من عذاب القبر، ورسالة أخرى تحمل حديثا نبويا ينجى قارئه من الفقر وأخرى تحمل عبارات دينية تنقذه من عذاب النار حتى تملكته الرغبة فى الحصول على كل هذه الحسنات وصار كلما استلم رسالة أعاد إرسالها لكل من يعرفه وهو فرح بأنه أصبح يمتلك من الحسنات والأجر والثواب ما لا عد له ولا حصر! 


ولكن الريبة تملكته بعدما أحس أنه بعد كل هذه الرسائل صار يملك من الحسنات ما يجعله فى مصاف الأنبياء والعياذ بالله فقرر أن يستفسر من شيخ الجامع الذى يصلى فيه، فضحك الشيخ وقال له: 

ـ يا أخ سعيد هل الحسنات حلوى كى توزع بهذه السهولة؟ ضربة واحدة على الكى بورد وأصبحت تمتلك 10 آلاف حسنة؟؟ فعلام إذن التصدق والعمل الصالح وكفالة اليتيم وإطعام الفقير إذا كانت الحسنات تأتى من مجرد إعادة إرسال رسالة وتوزيعها؟ 

خجل سعيد وقال: 

ـ ولكن يا شيخنا هذه الرسائل تحتوى على أحاديث نبوية شريفة! 

ـ حتى لو كانت أحاديث صحيحة وموثقة فإن نشرها لن يجلب لك الأجر والثواب بهذا الشكل المبالغ فيه (واسترسل ضاحكا) ولو كان الأمر بهذه السهولة لتركت إمامة المسجد وتفرغت لإرسال الرسائل ليلا ونهارا! 

ـ ولكن يا شيخنا ماذا يستفيد من يكتب هذه الرسائل؟ 

ـ الله أعلم بنواياهم، ربما يريدون ترويج بعض الأحاديث الضعيفة أو ربما يريدون إلهاء المسلمين بهذه الرسائل وإيهامهم بأنها تجلب لهم الأجر والثواب بدلا من التعب والسعى وراء العمل الصالح. 

السطور السابقة كانت نص رسالة أرسلها لى الكاتب الأستاذ «محسن الصفار» وهى تكشف هذا الهوس بالاستسهال «مجرد ضربة على لوحة المفاتيح» تجنى من ورائها آلاف الحسنات فهل هذا كلام يتسق مع المنهج القرآنى الذى يطالبنا بالعمل الجاد «الشاق» الذى يبنى الحضارة؟ 

هناك هوس بالاستسهال يضرب فى عمق الشخصية المصرية الحديثة، لأن الأغلبية تريد الربح الوفير ولكنها لا تسعى وراء العمل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 13 أغسطس 2009

أكبر من الحكومة



أخيرا حاز اثنان من معتنقى البهائية على بطاقة الرقم القومى، مثبتا أمام خانة الديانة بها العلامة ( ) وهو ما يعد اعترافا من الدولة بأن هناك من لا يدين بالإسلام أو المسيحية أو اليهودية، الأمر جيد من ناحية انتهاء «مواسم ومراسم» الخداع التى دفعت أسر كثيرة ثمنها كاملا غير منقوص، فليس بعيدا عنا حكاية الجد الذى يقاتل من أجل الاحتفاظ بإسلام حفيديه بعد أن خدعه بهائى وتزوج ابنته بوصفه مسلما، ثم ظهر فيما بعد أنه بهائى قديم واستطاع التأثير على زوجته فانضمت إلى البهائية وبقى الحفيدان ممزقىن بين الأبوين البهائيين والجد المسلم. انتهاء الخداع أمر جيد لا شك فيه ولكنه يفتح الباب أمام أسئلة عويصة كشف عنها بهائى قال لإحدى الفضائيات: «حصولنا على بطاقة الرقم القومى التى تنفى عنا الإسلام والمسيحية واليهودية ما هو إلا خطوة أولى ستتبعها خطوات». عند خطوات سكت الرجل ولم يفصح كأنه يقول:«اللبيب بالإشارة يفهم». 


ترى ما هى الخطوات التى سيقطعها البهائيون فى قادم الأيام؟ هل سيسعون للحصول على «محفل» لأداء شعائرهم؟ هل سيقاتلون من أجل إثبات بهائيتهم فى الأوراق الرسمية؟ هل سيطالبون بحصة فى البرلمان والوظائف القيادية؟ كل هذه الأسئلة تطرح نفسها بقوة لا على الحكومة ولكن على المجتمع، إذ إن الأمر يبدو أكبر وأعقد من أن تحله الحكومة منفردة، الكرة الآن فى ملعب المجتمع الذى عليه أن يقرر كيف سيتعامل مع مثل تلك الدعاوى التى أصبحت تطرق بابنا صباح مساء، والتهرب من مواجهتها لن يزيد النار إلا اشتعالا، علينا أن نمد الخيط إلى منتهاه وندرك أن شيئا ما فى تركيبة الشخصية المصرية قد تغير ويجب البحث عن حلول جادة تحفظ لهذا الوطن وحدة ترابه أمام تكاثر المطالب الطائفية والدينية والمذهبية، فبعد واقعة البهائيين تقدم أحد المحامين الشيعة بإنذار على يد محضر لوزير الداخلية يطالبه بإعطاء الشيعة حقوقهم !! 

ولا يعرف أحد ما هى على وجه الحصر الحقوق التى يطالب بها الشيعة. 

هل يطالبون بـ«حسينيات» بدلا من المساجد؟ أم تراهم يريدون إقامة مواكب عاشورائية كتلك التى تقام فى إيران؟ أم تراهم يطالبون بولاية الفقيه؟. 

الإنذار ترك المجال مفتوحا أمام جميع الأسئلة، وهى كلها للأسف أسئلة طائفية لا تعبر عن مطالب الأمة كل الأمة التى يبدو أن أولادها يحاولون القفز من سفينتها إلى أى قارب يخيل إليهم أنه سيحملهم إلى بر الأمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 7 أغسطس 2009

نطالب بمناقشة جادة لإنتاج القمنى وليس لمعتقداته الدينية





«عايزين يقتلونا كلنا، إحنا قاعدين ومش هنسيب البلد، ونحن نفتخر بأننا علمانيون وليبراليون ونقدس القمنى».

الجملة السابقة اطلقتها «إيزيس القمنى» فى حفل أقامه «أتليه القاهرة» للاحتفال بفوز والدها بجائزة الدولة التقديرية من ناحية ولكى يمنحه الأتيليه جائزة «جمعيته العمومية» من ناحية أخرى. أما الروائية «سلوى بكر» المفوض العام لإدارة شئون الأتيليه فقد وصفت الهجوم على القمنى بقولها: «هذا هو الإسلام السياسى الذى يستغل الدين فى تحقيق أغراض سياسية».

كلام السيدتين عجيب جدا وهو كالغربال لا تستطيع له رتقا، فالسيدة الأولى لا تحدد لنا من هم هؤلاء الذين سيرتكبون جريمة القتل ومن هم الذين سيُتلون؟ وفوق ذلك هى «تقدس القمنى» أى تنزهه عن الأخطاء، فهل هذا رأى «علمانى ليبرالى» أم رأى خاضع لدواعى حب الفتاة لأبيها؟ أما السيدة الثانية فهى «تشوش» مع سبق الإصرار والترصد على أى نقد يوجه للقمنى، فحسب كلامها يصبح كل ناقد معرض للاتهام بأنه من فريق «الإسلام السياسى» وما أدراك ما الإسلام السياسى إنهم أولئك الذين يحاكمون أمام المحاكمة العسكرية.

هذا التشويش والخلط المتعمد للأوراق هو فى حقيقته ليس أكثر من قنابل دخان يراد بها تخويف الناس من طرح سؤالين رئيسيين.

الأول هو: هل فاقد الشئ يعطيه؟

والثانى هو: هل إنتاج سيد محمود القمنى يستحق التتويج بجائزة الدولة التقديرية فى العلوم الاجتماعية؟.

متاهة الدكتوراه

فى النصف الأول من التسعينيات شككت جريدة «العربى» الناصرية اليسارية فى حصول القمنى على الدكتوراه، طبعا الجميع يعلم ما بين الناصريين والإخوان ولذا يبدو من العبث اتهام الجريدة بأنها إسلاموية ظلامية، أيامها هدد القمنى برد مزلزل على العربى، ظننا جميعا أنه سيخرج شهادة الدكتوراه المعتمدة، ولكن خاب ظننا عندما جاء رد القمنى على العربى مقصورا على وصفها بـ«الفاشستية» وهذا هوالرد وإلا فلا!!.

بعد العربى نشرت جريدة الجيل (كنت سكرتير تحريرها) سلسلة مقالات للكاتب الرحل سيد خميس، بدأها بمقال نشر يوم 14 فبراير 1999 كان عنوانه الرئيسى «أدعياء الدكتوراه من غالى شكرى إلى سيد القمنى» قص خميس فى مقاله قصص ثلاثة رجال الأول كان إسماعيل أدهم الذى زعم حصوله على الدكتوراه من روسيا فى الثلاثينيات ثم أخرج كتابه الشهير «لماذا أنا ملحد» وختم حياته منتحرا!! وبعده جاء غالى شكرى الذى منح نفسه لقب دكتور قبل أن يحصل عليه بسنوات، ثم تحدى خميس سيد القمنى أن يظهر شهادة الدكتوراه التى يزعم الحصول عليها.

انتظرنا فى «الجيل» رد القمنى أسبوعا وأسبوعين بل وثلاثة أسابيع، لكنه لم يرد إلى يوم الناس هذا!!!.

مجددا لا يمكن اتهام سيد خميس بأنه إسلاموى وظلامى لأنه عاش ومات ماركسيا يعنى «أخر تقدمية وتنويرية وتثويرية فى الدنيا».

وبعد، فقد تجدد الحديث عن الدكتوراه بعد حصول القمنى على الجائزة، وهنا نتوقف لرصد مسار الدكتوراه المحيرة.

أولا: استضافت قناة الحرة القمنى وعرضت على سبيل تكريمه تقريرا عن شهاداته الجامعية وعلى رأسها شهادة الدكتوراه المعتمدة من جامعة كاليفورنيا، كل ذلك جرى فى حضور القمنى وسكوته، بما يعنى أنه موافق على كل ما جاء فى تقرير القناة.

ثانيا: قال القمنى فى حوار قديم له مع جريدة القبس الكويتية: حصلت على الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا الجنوبية بالمراسلة عام 1983عن كتاب «رب الثورة أوزوريس».

ثانيا: شاع كلام أن القمنى حصل على الدكتوراه من كلية أمريكية عوقب القائمون عليها بالسجن لتخصصهم فى تزوير وبيع الشهادات الجامعية.

ثالثا: ظهر العالم الدكتور «قاسم عبده قاسم» الحائز على جائزة الدولة التقديرية فى عامنا هذا ليقول من على منبر موقع «المصريون» الإلكترونى: على مسئوليتى الشخصية.. القمنى لا يحمل الدكتوراه. وتحدى قاسم القمنى أن يظهر شهادة الدكتوراه أو أن يذكر شيئا عن اللجنة التى ناقشته أو المشرف الذى تولى الإشراف عليه.

رابعا: بعد صمت مريب تحدث القمنى عن قضية الدكتوراه للزميلة «سها صلاح» فى جريدة الوفد الصادرة فى الثالث من أغسطس الجارى فقال: «الغريب أنى لم أكتب كلمة دكتور على كتاب من كتبى فى يوم من الأيام، رغم أنى حصلت على الدكتوراه وأشرف عليها الأستاذ فؤاد زكريا من جامعة الكويت، وقدم لى الدكتور فؤاد تقارير مختومة بذلك!!.

هنا نقف ونتساءل: هل الدكتوراه من كاليفورنيا الجنوبية أم من الكلية المغموره أم من الكويت؟ ثم ما معنى الاستشهاد بالدكتور فؤاد زكريا ونحن نعلم جميعا ظروفه الصحية (شفاه الله) التى لن تمكنه من الرد على القمنى!! ثم لماذا يكذب القمنى ويقول: «الغريب أنى لم أكتب كلمة دكتور على كتاب من كتبى فى يوم من الأيام»؟ هو قبل غيره يعلم أن كل كتبه مزينة بهذه الدال العجيبة التى لا نعرف حقا من أين حصل عليها ولا كيف حصل عليها، ولكى نقطع حبال الشك سننشر غلاف كتابه « الحزب الهاشمى «الذى تظهر عليه الدال المريبة كظهور شمس الظهيرة!!».

نسيت أن أقول أن جريدة الوفد حامية حمى الليبرالية هى جريدة ظلامية يمولها المرحوم أبو مصعب الزرقاوى ولذا أرادتْ إحراج القمنى وسألته عن الدكتوراه!!!.

تبقى بعد واقعة الدكتوراه واقعتان يجب التوقف عندهما. الأولى: هى ادعاء القمنى فى اواخر التسعينيات أن المتطرفين قد امطروا بيته بمائة وعشرين رصاصة، ولسوء حظه كان بيته فى طريق ذهابى إلى مسكنى فى مدينة السادس من أكتوبر، فذهبت إلى حيث بيته فلم أجد أثرا لطلقة رصاص واحدة، ثم تولى الكاتب الأستاذ سعد القرش فضح الأمر كله فى مقال شهير نشرته الدستور، ويومها أيضا لم يرد القمنى. الواقعة الثانية: كتب القمنى رسالة إلى الأستاذ أنيس منصور نشرها فى 21 يناير 1999 قال فيها: «لا أملك إمكانيات السكن الأمن وسط القاهرة، فأسكن بالأطراف وبمفردى حيث لا خدمات ولا أمن، وحيث يسهل ذبح أى إنسان ظهرا وليس ليلا».

هذا المكان الذى ليس به خدمات سرعان ما سيقول القمنى أن به مدرسة يخرج تلاميذها ليرجموا بيته بالحجارة!! طبعا لن تسأل عن اثر الحجارة وقد مر بك أن الرصاص الذى هو الرصاص لا يستطيع خدش زجاج نوافذ القمنى، ثم هذا المكان الذى يسهل فيه ذبح الناس لم يشهد وقوع أى حادث اعتداء على القمنى، فهل الجزارون الذين يتعقبونه مصابون بالعشى الليلى؟ الحقيقة فى كل ذلك أن اقرب مدرسة لبيت القمنى كان بينها وبين بيته سفر طويل.

واقعة جروبى

مازلنا فى سياق الإجابة عن السؤال الأول: «هل فاقد الشئ يعطيه»؟

ولمزيد من الإيضاح نؤكد أن الدكتوراه فى حد ذاتها لا تمثل لنا شيئا أى شىء، فما أكثر العظماء الذين لم يحصلوا عليها، الذى يعنيينا هنا هى حالة «الكذب» فالذى لا يصدق فى الكلام عن شهادة جامعية كيف يطالبنا بأن نصدق أمانته العلمية؟.
غاب عن المشهد متعمدا المترجم الدكتور رفعت السيد الذى كانت له مع القمنى فى بداية التسعينيات صولات وجولات، أتصلت برفعت وسألته: هلا ذكرتنا بقصتك مع القمنى؟

أجابنى رفعت: قمت بترجمة كتاب «عصور فى فوضى للكاتب» إيمانويلفلايكو فسكى «وهذا الكتاب خطير جدا لأنه عن التاريخ السياسى لليهود، المهم تحدثت عن ترجمتى مع صديقى الشاعر «محمود نسيم» وفى أحد الأيام قال لى نسيم: لقد ذكرت ترجمتك أمام سيد القمنى، وهو يريد الاطلاع عليها، وبالفعل قابلت القمنى فى محل جروبى سليمان باشا وقدمت إليه الترجمة التى كانت لا تزال مخطوطة، ورجوته أن يطلع عليها فحسب ولا ينشر منها شيئا، وعدنى القمنى بحفظ الترجمة ولكنه أخلف وعده، ففى صباح أحد الأيام أشتريت جريدة «مصر الفتاة» التى كان يرأس تحريرها الأستاذ مصطفى بكرى فوجدت ترجمتى منشورة بوصفها مقالا لسيد القمنى، اتصلت به لأعاتبه فلم يلتفت لوعده، ثم راحت المقالات المنقولة عن ترجمتى تتواصل، فأرسلت للقمنى إنذارا على يد محضر، فرد على الإنذار بطريقة عجيبة، بأن أشار إلى ترجمتى فى المقال السادس، وتوالت المقالات، فخاطبت الأستاذ بكرى الذى أوقف نشر المنقول عن ترجمتى، أيامها كان المسئول عن الصفحة الثقافية بجريدة الوفد هو الأستاذ حازم هاشم الذى تبنى قضيتى، فما كان من القمنى إلا أن شتمه وشتمنى، ثم شتمنى مرة أخرى فى جريدة الدستور فى إصدارها الأول فقمت بالرد عليه، ثم خصص فصلا كاملا فى كتابه «رب الزمان» لشتيمتى، فعرفت أن الواجب على شطبه من ذاكرتى ومن يومها لم أعد أهتم به، العجيب فى أمر القمنى وكل أمره عجيب انه قام بنشر المقالات المأخوذة عن ترجمتى فى كتاب حمل عنوان «إسرائيل..التاريخ.. التطليل.. التوراة» وقد نشره فى قبرص!! لماذا قبرص؟ لا أدرى. وفى صفحة 97 من الكتاب أشار إلى ترجمتى!! ما معنى تجاهل الإشارة حتى الصفحة الـ97؟ عجائب القمنى لم تقف عند هذا الحد، لقد تجاوز كل العجائب فى المواد التى يقدمها للقارئ، انظر معى إلى كتابه «النبى موسى» تراه يكتب بمنتهى اليقين أن بلاد بونت التى هى «الصومال حاليا» هى بلد فى الأردن اسمها «قصر البنت» والمرء لا يعرف كيف أصبحت قصر البنت هى بونت؟ ولم يكتف بذلك لأنه قال أن الملكة حتشبثوت زارت بلاد بونت التى هى عنده قصر البنت لتلتقى بالنبى سليمان بن داوود»!!.

لوجه الحق

ترجمة رفعت موجودة بالأسواق وكذا كتاب القمنى، ومجلدات مصر الفتاة محفوظة بدار الكتب، والقمنى حى يرزق وكذلك رفعت السيد ومصطفى بكرى رئيس تحرير مصر الفتاة وكذلك طلعت إسماعيل مدير تحرير مصر الفتاة الذى رايته بعينى يكتب مقدمات وعناوين مقالات القمنى. إذن الوصول إلى الحقيقة أمر سهل، هذا لوكانت الجماعة المثقفة تريد وجه الحق وليس نصرة القمنى ظالما أو مظلوما.

ميشيل عفلق القرشى

هل إنتاج القمنى يستحق التتويج بجائزة الدولة، هذا هوالسؤال الثانى الذى يشوشون عليه لكى لا يجرؤ أحد على طرحه، لانه إن فعلها أصبح إسلامويا وظلاميا وإرهابيا لا يشق له غبار.

للإجابة عن السؤال أتوقف عند داهية القمنى أعنى كتابه «الحزب الهاشمى» ولكن قبل الحديث عند الكتاب نتحدث عن «كيف يكتب القمنى»؟

الرجل يكتب بطريقة ملتوية، فكلما جاء اسم الرسول صلى عليه !!وكلما مر بآية قال تقول الأيات البينات، إذن هو فى هذه لا غبار عليه، ولكنه تحت هذا الستار ينسف الأمر من جذوره، يفعل ذلك بطريقة كشفها أستاذه الدكتور حسن حنفى فى مداخلة قالها فى أتيليه القاهرة يوم 20 أكتوبر 1990 عن مجمل أعمال القمنى ونشر نصها الكاتب الأستاذ عمر عبدالله كامل فى كتابه «الآيات البينات لما فى أساطير القمنى من الضلال والخرافات» يقول حنفى عن القمنى: «انتهى الأخ سيد فى دراساته العديدة فى علم تاريخ الأديان إلى نتائج علمية يُشهد لها، سواء فيما يتعلق بالحج أو النبوة أو بعض الأساطير القديمة حول الشمس والقمر، لكنه لم ينته إلى أبعد نتائج ممكنة، كأنه يقول: الكلام لك واسمعى يا جارة، وكأنه يقول: الآن القارئ الذكى يستطيع أن يستنتج بنفسه أشياء عديدة مما قلت أنا».

انتهى كلام الدكتور حنفى ومعناه لمن يفهم العربية واضح. سيد القمنى يلمح ولا يصرح ويلمز ويغمز ولا يقول كل ما فى نفسه بوضوح وصراحة، فهل هذا خلق العلماء؟

وعن أخلاق العلماء يكتب الأستاذ «خالد السرجانى» فى الدستور 2أغسطس الجارى: «هذا الفرع من العلوم الاجتماعية (يقصد تخصص القمنى فى التاريخ القديم والأساطير) يتطلب من المتخصص أن يجيد لغات قديمة مثل الهيروغلفية والسريانية والقبطية والأكادية والأرامية، وبالطبع بعض اللغات الأجنبية، خاصة تلك التى كتب بها علماء التاريخ القديم والمصريات الكتابات الرئيسية بها، وتقف على رأس هذه اللغات الألمانية والفرنسية والإنجليزية، وبالطبع لا يتطلب من الباحث أن يجيد هذه اللغات جميعا، ولكن معظمها أو قل بعضها، ولكن حسب معلوماتى المتواضعة فإن القمنى لا يجيد أيا من هذه اللغات بما يعنى أنه يفتقد أبرز أدوات البحث فى المجال الذى يدعى أنه تخصص فيه».

انتهى كلام السرجانى وهو كلام يؤيد ما قاله رفعت السيد فلو كان القمنى يجيد الإنجليزية لما لجأ إلى ترجمة السيد، ماذا لو عقد ت الجماعة المثقفة امتحانا فى هذه اللغات للقمنى ثم تبين للجماعة أن القمنى لا يعرف من أمرتلك اللغات شيئا، هل ستظل الجماعة تناصره؟ مجرد سؤال ننتظر إجابته.

يبدأ القمنى كتابه الحزب الهاشمى بجملة عجيبة هى مفتاح الكتاب كله، بل مفتاح رؤية القمنى لما نسميه نحن الرسالة المحمدية. يقول القمنى ص9 من طبعة دار سيناء: «إذا أراد الله إنشاء دولة، خلق لها أمثال هؤلاء، قالها عبدالمطلب بن هاشم وهو يشير إلى أبنائه وحفدته». انتهت الجملة المفتاح لتبدأ حكاية الكتاب كله الذى يحمل رؤية القمنى لتأسيس دولة الإسلام. من عادات القمنى المفاخرة بالمصادر والمراجع التى يأخذ عنها، وهو يأخذ بلا أمانة ولكنه يشير إلى المصدر، ولكنه نسى عاداته مع هذه الجملة المهمة تحديدا، فلم يقل من أين أخذها ولا كيف عثر عليها؟ لماذا؟ لأنه ببساطة اختلقها ووضعها على لسان الرجل البرئ عبدالمطلب ليتلاعب بتاريخه، فالأمر عند القمنى هو: عبدالمطلب مفكر وحدوى عروبى كانه المرحوم ميشيل عفلق، تأثر عبدالمطلب أثاء زياراته ليثرب حيث يقيم اليهود بالتجربة اليهودية التى تجمع بين الملك والنبوة كحال سليمان بن داوود، وظل عبدالمطلب يعمل على تأسيس حزب يوحد العرب حتى جاء حفيده محمد وفعلها.أين الرسالة؟ أين النبوة؟ أين الصحابة؟ أين الشهداء؟ أين بلال الغارق فى العذاب؟ أين عمرو بن هشام أبو جهل الجبار؟ يا رجل هل تصدق شيئا من ذلك؟ الموضوع وما فيه ليس أكثر من حزب أسسه عبدالمطلب وقاده محمد. هذه هى رسالة الكتاب، وهى رسالة مغلفة فى عناوين خادعة مثل «بنو هاشم من التكتيك إلى الأيدلوجيا» و«جذور الأيدلوجيا الحنفية» و«الصراع على السلطة بعد قصى». إذا سألت القمنى عن المنهج العلمى الذى استخدمه ليثبت أن الرجل البرئ عبدالمطلب كان وحدويا عروبيا، سترميك جماعته المثقفة بأنك ظلامى وإسلاموى. وإذا سألته عن مصير الحزب فى الفترة الفاصلة بين موت عبدالمطلب ونجاح حفيده فى تأسيس الدولة، فأنت مكفراتى تسعى لإهدار دمه. المطلوب منا أن نلغى عقولنا ونقبل افتراضات القمنى بوصفها حقائق لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وإلا فنحن من الظلاميين!! حتى عندما يزور القمنى فى روايات «ابن كثير» وكتب «جواد على» يجب أن نقبل تزويره ونهاجم باحثا جادا مثل الاستاذ منصور أبو شافعى الذى كشف فى ثلاثة كتب تزوير القمنى.

يقول القمنى فى كتابه «الحزب الهاشمى» ص96 من طبعة دار سيناء: «اشتد ضغط الأحلاف على الهاشميين، وكان الحل أن يغادر (يعنى الرسول) إلى الأخوال ليرفع الضغط عن الأعمام، فى الوقت الذى كان فيه لجده عبدالمطلب مكانة خاصة، وأثر لا يمحى من نفسه، تبرره حميته القتالية عند المعارك التى كانت تدعوه لأن يهتف: أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبدالمطلب، كأنى به ينادى طيف جده: أى جدى، هآنذا أحقق حلمك».

الكلام لمن يفهم العربية وليس فى قلبه « ثقافة « واضح جدا، فالهجرة اسمها « مغادرة والهدف منها تخفيف الضغط على الأعمام قادة الحزب السرى، وليس نشر الدعوة، والأنصار الذى تحدوا العالم دفاعا عن النبى هم الأخوال، يعنى الموضوع عصبية قبلية وليس أكثر (إضافة لمطامع الأخوال كما سيأتى بيانه) وكل الرسالة ليست أكثر من تحقيق حلم الرجل البرئ عبدالمطلب!!.

وعن أطماع الأخوال الذين نسميهم نحن الأنصار يقول القمنى ص95: «أما الناحية الثالثة والأهم سياسيا واقتصاديا فهى، أنه بخروجه (يعنى الرسول) إليهم يمكنهم بقيادته شن الحرب على مكة بل قطع خطوطها التجارية مع الشام التى تمر على المدينة». أى دليل علمى يسند هذا الكلام؟ لا دليل، فقط القمنى يريد ذلك فليكن الأمر كما يريد، اما احترام البحث والمنهج فالقمنى أكبر منهما جميعا.

أما عن اليهود فيقول فى الصفحة ذاتها: «إن اليهود كانوا فى تمام الرضا، والآيات الكريمة تكرم أنبياء بنى إسر ائيل، وتفضل النسل الإسرائيلى على العالمين، إنه يخاطبهم بالموحى إليه» إنى رسول الله إليكم، مصدقا لما بين يدى من التوراة «الصف 6».

من قال للقمنى إن اليهود كانوا فى تمام الرضا؟ لماذا تجاهل هنا كل المصادر التى اجمعت على أن اليهود ناصبوا الرسول العداء من عام إقامته الأول فى المدينة؟ ثم ما العيب فى أن القرآن احترم أنبياء بنى إسرائيل؟ لكى تفهم قصده عد لكلام حسن حنفى، أو عد لرسالة الكتاب، فالموضوع كله مجرد «بولوتيكا « وما معنى اختصاره لأية سورة الصف وهى فى حقيقتها على لسان سيدنا عيسى وليس على لسان سيدنا محمد وهى بتمامها تكذب دعواه إذ تقول:» وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إنى رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدى من التوراة ومبشرا برسول يأتى من بعدى اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين».

ثم يزيد القمنى رسالة كتابه وضوحا عندما ينقل عن الدكتور أحمد الشريف (الله أعلم هل أخذ الكلام بتمامه أم فعل كما يفعل دائما كلمة من هنا وأخرى من هناك) يقول: «ترى النبى يصانع اليهود مرة ويجادلهم مرة أخرى، ويصبر عليهم حتى تحين الفرصة، فيقلم أظفارهم، ثم يرى نفسه آخر الأمر مضطرا إلى التخلص منهم نهائيا».

هل رأيت الكلمات الدالة مثل «يصانع» و«تحين الفرصة» و«يصبر عليهم» نحن يا جماعة أمام صورة لرجل سياسى صاحب مشروع نهاز للفرص يعرف من أين تأكل الكتف ولسنا أمام رسول صاحب دعوة.

هل هذه «اللخوصة» فى تاريخنا تصلح لأن يحصل فاعلها على جائزة الدولة؟ وهل يستحق الرجل الذى يفترض فرضا ثم يصنع منه قاعدة ويؤسس به نظرية أن يتوج بالجوائز؟ ننتظر الإجابة.

وبعد فقد قال القمنى فى حديثه للوفد الذى اشرت إليه سابقا: «المشكلة تكمن فى كتاب الحزب الهاشمى المثار حوله الجدل الآن، والغريب أنه طبع 6 طبعات، وكانت الطبعة الرابعة منه سنة 1996، كانوا فين من هذه السنة؟ هل الإسلام لم يكن عزيزا عليهم فى هذا الوقت؟».

القمنى قبل غيره يعلم أن الردود على كتبه كثيرة، نذكر منها كتب منصور أبو شافعى الثلاثة وكتاب عمر عبدالله كامل وكتاب للدكتور إبراهيم عوض، ولكن آفة الردود على القمنى أنها من باحثين جادين وهؤلاء يحاصرون بالصمت وتتهمهم الجماعة التى فى قلبها ثقافة بأنهم من الظلاميين، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لينك المقال:http://www.shorouknews.com/ContentData.aspx?id=87890

الخميس، 6 أغسطس 2009

الابتزاز فى علوم الاستفزاز



بعد رحيل شيخ مشايخ الرواية العربية الأستاذ نجيب محفوظ، اجتمع جماعة من المثقفين للتباحث فى أمر تكريم الراحل، كانت من أهم الأفكار التى تناولها الاجتماع فكرة إنشاء متحف يحمل اسم محفوظ ويخلد ذكراه، حظيت الفكرة بموافقة المجتمعين، وبدأوا يبحثون عن المكان الأنسب لإقامة المتحف، قال أحدهم وهو يفرك يديه سرورا: لقد وجدتها.. لن نجد أنسب من حى الحسين حيث طفولة محفوظ ومنبع أدبه، وأرى أن نقيم المتحف بجوار الجامع الأزهر ونحيطه بتماثيل لمحفوظ ولأبرز أبطال رواياته. 



لماذ فكر المثقف فى المتحف وتماثيله واشترط أن تكون بجوار الجامع الأزهر؟ 

إنه منطق الابتزاز لتحقيق الاستفزاز، لأنه يعلم أن شيخا أزهريا أو حتى طالبا سيستنكر وجود التماثيل حول الجامع الأزهر، وعليه فقد يتهور أحدهم ويشوه أو يحطم تمثالا وساعتها ستقوم الدنيا ولن تقعد وسيختفى اسم نجيب محفوظ ويظهر اسم محطم التماثيل وتشتعل معركة بين الذين سيسمون أنفسهم تقدميين وبين هؤلاء الذين سيطلق عليهم لقب ظلاميين، كل ذلك ليتحقق فعل الاستفزاز الذى لا يراعى أى خصوصية لا للمكان ولا للإنسان. وأمثلة الابتزاز أكثر من أن تحصى وأخطر من أن يسكت عليها، فقد رأينا رئيسة تحرير وهى تأخذ موقفا متشنجا من الصحفيات المحجبات، وكأن الحجاب هو الذى يجعل الصحفية لا تستطيع تحرير خبر وكأن كشف الشعر هو الذى سيجعلها صحفية عالمية، الأمر فى حقيقته لا يخرج عن افتعال معركة يظن من يفتعلها أنها ستحقق لفريقه نصرا على ما يسمى بالإسلام السياسى، ولكن تأتى النتيجة دائما مكذبة لهذا الظن، فما يسمى بالإسلام السياسى يخرج منتصرا لأن أفعال الآخرين المستفزة تمنحه نقاطا مجانية. المثال ذاته تكرر فى حادث اغتيال «مروة الشربينى» فقد صرخت أحداهن: الحجاب هو الذى قتلها، وعلى من تريد الحجاب العودة إلى بلادها. 

هذا الكلام المستفز جعل الناس لا تقرأ الحادث بوصفه حادثا عنصريا يمكن أن تتعرض له أى عربية أو مسلمة سواء كانت محجبة أم لا، وأصبحت القضية هى الدفاع أو الهجوم على الحجاب بدلا من أن تكون الدفاع عن سيدة بريئة والهجوم على العنصرية التى قتلتها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 30 يوليو 2009

رجال البئر وسيداته



من القصص العربية القديمة، قصة تحكى عن رجل انتهز اجتماع الحجيج حول بئر زمزم وقام ــ قبح الله وجهه ــ بالتبول فى ماء البئر، كاد الحجيج يفتكون به. 



إلا أن رجال الشرطة تدخلوا فى الوقت المناسب وسيطروا على الموقف واقتادوا الرجل صاحب الفعلة الشنيعة إلى «الحجاج بن يوسف الثقفى» الذى كان أميرا للحج فى ذلك العام. ظن الجميع أن الحجاج سيفتك بالرجل لا محالة، ولكن ما حدث كان عكس ما ظنه الجمع المحتشد حول مقر إقامة الأمير. 

نظر الحجاج إلى الرجل نظرة فاحصة نفذ بها إلى أعماق نفسه، ثم سأله بلهجة لينة لا تتناسب مع ما عرف به الحجاج من قسوة: ما الذى حملك على أن تفعل ما فعلت؟. 

أجابه الرجل ببساطة: صنعت ما صنعت لكى اشتهر فإذا مررت بقوم قالوا: انظروا هذا فلان الذى بال فى بئر زمزم. 

سكت الحجاج لحظة ثم قال للرجل: اذهب يا هذا لقد عفونا عنك. 

الحجاج الطاغية المستبد الجرىء على إراقة الدماء «فهم» نفسية وعقلية هذا المريض بحب الشهرة، فعاقبه أشد عقاب وأقساه على من كان مريضا بهذا المرض، لقد حرمه من تحقيق أمنيته فى أن يصبح مشهورا، الحق أنه لم يحرمه فقط بل نكل به أيضا لدرجة أنه لم يسأله عن اسمه لكى يمر الأمر دون أن يترك أثرا أى أثر، وقد أفلحت سياسة الحجاج حتى إن اسم الرجل مجرد اسمه لم يصلنا إذ تجاهله كل رواة الحادثة. 

تذكرت تلك القصة وأنا أرى رجالا لا هم لهم إلا التبول فى البئر لكى يشتهروا، علما بأن بئرهم أخطر من بئر زمزم على شرفها وعلو منزلتها لأن بئرهم تشمل الأمة بماضيها وحاضرها ومستقبلها، هؤلاء الرجال يحترفون إشعال الحرائق وتنتعش قلوبهم وهم يرون ألسنة النيران تلتهم كل شىء يشاركهم فى تلك الرغبة المجنونة سيدات تتبنى الواحدة منهن كل رأى شاذ. 

واحدة منهن تناولت الرسول (صلى الله عليه وسلم) فى ندوة عامة بما لا يليق، وفى صبيحة اليوم الثانى لندوتها قابلتها مصادفة فرأيتها تكاد تحلق فى السماء على أجنحة الفرح والسرور. 

وعندما سألتها عن سر حالتها التى هى عليها قالت: منذ أمس وحتى الساعة ورنين هاتفى لم ينقطع لقد أصبحت مشهورة حتى إن أكثر من ثلاثين دولة أوروبية دعتنى لأن أقيم بها حرصا على حياتى!!. 

وآه لو بيننا حجاج بصير لمات هؤلاء مجاهيل كما عاشوا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 24 يوليو 2009

مناب علاء الديب





عظم الله أجركم فى حديقة الحيوانات بالجيزة، فقد بدأ حفل بيعها بإطلاق تصريحات «دخانية» تمهد الطريق وتجس النبض. على مدار الأيام الماضية قصفنا المسئولون بوابل من التصريحات، أخطر القذائف اطلقها المهندس محمد الدمرداش مساعد أول وزير الإسكان والمجتمعات العمرانية. 



الذى قال للزميلة «اليوم السابع» إن إلحاق حديقة الحيوان بالجيزة بالحديقة المركزية، المزمع إقامتها بالسادس من أكتوبر، ما زالت فكرة مطروحة للمناقشة، ولا مانع من تنفيذها مستقبلا فى حال الاستقرار على ذلك مع الجهات المعنية. 

فكرة مطروحة للنقاش، اسم حركى لوجع مرعب جربناه كثيرا، فهكذا يبدأ بل قل ينتهى الأمر، الفكرة المطروحة ستعرف طريقها للتنفيذ فى غمضة عين والنقاش يكون عادة حول ثمن المتر، لا حول ضرورة البيع. 

ولأن المسئولين يعشقون الديمقراطية عشقهم لنور عيونهم فسنسمع فى الأيام القادمة أن نقل الحديقة (قل بيعها) لم يكن لا قدر الله قرارا فرديا، ولكنه تم فى سياق اتفاق بين الأهالى المقيمين بجوار الحديقة والحكومة، إذ إن الأهالى يشكون من «زقزقة» العصافير التى تحط على أشجار الحديقة، إضافة إلى شكواهم من «الخضرة»، التى تؤذى العيون وتسبب الرمد! 

تبقى كلمة أو مصطلح «النقل». إذا تمكنوا حفظ الله مقامكم من نقل الحيوانات، فهل يستطيع أحدهم نقل تاريخ الحديقة وذكرياتها.. هل يستطيع أحدهم نقل بهجة طفل جاء من إقليم بعيد فى رحلة مدرسية ليداعب الغزالة ويمتطى ظهر الفيل ويشاكس القرود.. 

هل لقلب محفور على جذع شجرة وقد أخترقه سهمان من معنى عند عشاق البيع؟ 
قديما تصدى المصريون لـ «فضة المعداوى»، التى جاءت ببلدوزراتها لتهدم فيللا المثقف «مفيد أبو الغار» فضة تاجرة «السمك» لا تقدر معانى الذوق والفن والأصالة، ولذا تصدى لها المصريون وافترشوا الأرض أمام البلدوزر وأجبروه على التراجع، نسيت أن أقول إن تلك المواجهة تمت خلال مسلسل لأسامة أنور عكاشة. 

ومعروف أن المقاومة «فى الحياة غير المقاومة فى المسلسلات» فإذا كنا لن تنصدى للبلدوزر فليس أقل من أن يحصل كل منا على حقه، وعليه فإننى أطالب بـ «مناب» الروائى الكبير علاء الديب، الذى عاش أبوه دهرا يفتخر بأنه أشرف على ترصيع ممرات حديقة الحيوانات بالزلط الملون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الاثنين، 20 يوليو 2009

الاحتفال بمئوية الشيخ شاكر.. فرض عين على عارفى فضله




قرأت أن رجلين كانا يتحدثان أسفل منزل موسيقار إيطاليا الكبير «فيردى» ولاحظ أحدهما أن صاحبه يتحدث بصوت عالٍ فقال له منبها: «اخفض صوتك،ففردى مريض»! 



وقرأت أن السلطات الإيطالية قد كست عجلات العربات التى تجرها الخيول جلدا سميكا لكى لا تحدث صوتا يزعج «فيردى» فى مرضه!. 
هذا عن معاملة «الغرب» لأفذاذه، فماذا عن شرقنا السعيد؟ 

هاتفت الدكتور عمادالدين أبوغازى المشرف العام على شعب ولجان المجلس الأعلى للثقافة وسألته: هل وصلت المجلس دعوة للاحتفال بذكرى مرور مائة عام على ميلاد العلامة الشيخ محمود محمد شاكر؟. أجاب غازى: إلى الساعة لم تصلنا أى دعوة. 

من ناحيتنا نناشد الأستاذ على أبوشادى الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة تحمل مسئولية إقامة احتفالية تليق بذكرى الراحل الكريم، المناشدة قائمة حتى ولو كان قد فاتنا يوم وشهر ميلاد الشيخ شاكر، فيكفى أننا مازلنا فى نفس العام. 

هذا الشبل من تلك الأسود

هو محمود بن محمد شاكر بن أحمد بن عبدالقادر، من أسرة أبى العلياء، من أشراف جرجا بصعيد مصر، ويصل نسبه إلى الإمام الحسين بن على رضى الله عنهما. ولد فى الإسكندرية ليلة عاشوراء من عام 1327هـ الموافق أول فبراير من عام 1909م. 

نسبه الجليل سيلقى عليه بمسئولية تحملها راضيا ودفع ثمنها كاملا غير منقوص، نحن أمام رجل وقف والده الشيخ «محمد شاكر» وكان وكيلا للأزهر الشريف فى صحن مسجد «المبدولى» وبحضور السلطان حسين كامل وأكابر الدولة المصرية، وأعلن فى الجمع المحتشد أن «جمعتهم باطلة، وأمرهم أن يعيدوا صلاة الظهر لأن خطيب جمعتهم قد تعرض للرسول بسوء». فما كان من السلطان إلا الطاعة والتسليم. 

جد شاكر الأول هو الحسين بن على الذى كان مطالبا بكلمة واحدة ينجو بها من الذبح «بايعت يزيد» ولكنه لم ينطق بها وصاح صيحته الباقية على مر العصور: «هيهات منا الذلة». جد شاكر الثانى هو فارس الإسلام وفيلسوفه على بن أبى طالب كان بنومه فى فراش الرسول ليلة الهجرة أول استشهادى فى تاريخ الإسلام. 

أما جد شاكر الأعظم والأكبر فهو أبوالقاسم محمد رسول الله الذى كان إذا حمى وطيس الحرب احتمى به أصحابه. هذه سلسلة من النسب النورانى، كان شعار أفرادها فى حياتهم قول جدهم الأعظم صلى الله عليه وسلم: «ألا لا يمنعن أحدكم رهبة الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يُقرب من أجل، ولا يباعد من رزق، أن يقول بحق ،أو يُذكر بعظيم». 

وأبدا لم تمنع رهبة الناس أن يقول أبوفهر الحق كله ولو كان مرا ولو ألقى به فى السجن. 

تعليمه وعلمه

تلقى أبوفهر أول مراحل تعليمه بمدرسة الوالدة أم عباس فى القاهرة عام 1916 ومنها انتقل إلى مدرسة بدرب الجماميز، حصل على شهادة الثانوية العامة (البكالوريا) القسم العلمى عام 1925، التحق بكلية الآداب قسم اللغة العربية عام 1926. 

مكث بالكلية عامين ثم فارقها إلى غير رجعة، حين شب خلاف شديد بينه وبين أستاذه طه حسين. بداية من العام 1922 تتلمذ على يد الشيخ سيد بن على المرصفى وقرأ عليه «الكامل» للمبرد و«حماسة أبى تمام» و«الأمالى للقالى». وغيرها من عيون الأدب العربى. 

راسل الأديب الكبير مصطفى صادق الرافعى وهو فى الثانية عشرة من عمره، ثم أصبح تلميذا وصديقا وفيا للرافعى مدى حياته. 

بدأ الشيخ شاكر التأليف وهو فى السادسة والعشرين من عمره وأحدث كتابه الأول «المتنبى» انقلابا فى مجال الدراسات الأدبية، فشاكر هو أول من قال إن المتنبى ينتمى للأسرة العلوية، أى أنه من أحفاد الإمام على، ونفى أن يكون والد المتنبى سقاء يطوف بقربة على ظهره شوارع الكوفة. 

وفى هذا الكتاب العظيم قال شاكر: إن المتنبى كان يحب «خولة» أخت سيف الدولة الحمدانى، كما نفى ادعاء المتنبى للنبوة، وكل ما جاء به شاكر كان جديدا كل الجدة، وقد قرظ الكتاب العلامة الرافعى وغيره من أكابر علماء الأدب. 

وبعد المتنبى كتب شاكر «بينى وبين طه» و«أباطيل وأسمار» و«نمط صعب ونمط مخيف» و«برنامج طبقات فحول الشعراء» و«قضية الشعر الجاهلى فى كتاب ابن سلام»، وقد جمع الدكتور عادل سليمان جمال مقالات الشيخ فى مجلد من جزءين بلغ عدد صفحاته أكثر من ألف صفحة.

وإضافة إلى التأليف برع الشيخ الإمام فى تحقيق كتب التراث، أو «الميراث»، كما كان يحب أن يطلق عليها، وما مات رحمه الله إلا وهو شيخ مشايخ المحققين، حتى أصبح فى التحقيق أمة بمفرده، وهو رضى الله عنه كان يكتب على الكتب التى يحققها كلمة دالة «قرأه وعلق عليه محمود محمد شاكر» وهو بهذه الجملة يعلن عن مدرسته فى علم التحقيق، تلك المدرسة التى تتجاوز ضبط الكتب المحققة إلى إقامة حوار معها والغوص فى أسرارها بحثا عن كنوزها. 

وهذا أمر لا يطيقه إلا من كان كأبى فهر شيخ طريقة ومؤسس مدرسة، تلك المدرسة التى سيشيع ذكرها فى أرجاء العالمين العربى والإسلامى، فمن الصين إلى أسبانيا كان طلاب العلم يحجون إلى بيت شاكر، يغترفون العلم من بين يديه ويلتقطون ذهبا يتدفق من بين شفتيه، هل نذكر أسماء مثل «إحسان عباس» و«ناصر الدين الأسد» و«محمود الطناحى» و«يحيى حقى» و«محمود حسن إسماعيل» و«محمود الربيعى»؟.. وعدد فوق الحصر من أفذاذ أمتنا كلهم يفتخر بأنه تتلمذ على يد شاكر. 

ومن أشهر تحقيقاته نذكر، تفسير الطبرى، جمهرة أنساب قريش للزبير بن بكار، دلائل الإعجاز لعبدالقاهر الجرجانى، أسرار البلاغة للجرجانى، وغير ذلك من عيون الميراث العربى والإسلامى. 

الشيخ الباشا

حفلت حياة الشيخ بمفارقات عديدة نذكر منها. 
1ــ ولد الشيخ بالإسكندرية، وكان والده على علاقة طيبة بالخديو عباس حلمى الثانى الذى ذهب إلى بيت الشيخ محمد شاكر ليبارك الوليد الجديد قائلا: «هاتوا محمود باشا أبارك ميلاده» وبهذه الجملة حصل محمود محمد شاكر على رتبة الباشوية وهو فى لفائف طفولته! 

2 ــ لم يتزوج إلا فى سن متأخرة، وأنجب ابنه فهر وهو فى السادسة والخمسين من عمره. 

3 ــ كانت الرياضيات لا الأدب عشقه الأول، وقد قرأت أنه كان متأخرا فى دراسة النحو العربى، هذا قبل أن يصبح حارس العربية الأول بصرفها ونحوها وبلاغتها. 
3 ــ عرف الإنجليزية معرفة مكنته من ترجمة مواد مجلة «المختار» وقد برع فى الترجمة إلى درجة جعلته يدخل إلى العربية ألفاظا لم ينطق بها أحد قبله، فهو لا غيره مخترع لفظة «النفاثة» فى الإشارة إلى الطائرة التى تنفث الوقود. 

4 ــ كان شديد الاعتداد بنفسه، شديد الرقة مع من حوله، قال تلميذه الناقد الكبير الدكتور «محمود الربيعى» رأيت الشيخ شاكر يمسك بعود قصب ويناول خادمه آخر وهو يقول لخادمه: هيا إلى «التحطيب». 

5 ــ كان كل جمعة يقيم مائدة لأصحابه، وكانت تلك الموائد تجمع بين أهل الأدب وكبار الساسة ومن حضر من أرباب الحرف كالنجار والمنجد والحلاق، وعلى مائدة من الموائد جلس محمود رشاد مهنا وحسين ذو الفقار ومحمد فؤاد جلال وزير الشئون الاجتماعية فى زمن الثورة وأحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف بجانبهما الأسطى أنور الحلاق، فأعلن فؤاد جلال غضبه من جلوس الحلاق مع الأكابر، فما كان من الشيخ شاكر إلا أن قال له: «اسمع يا فؤاد أنت وزير فى مجلس الوزراء، ولكنك فى بيتى واحد من الناس،تسوى أنت والأسطى أنور وغيركما من عباد الله. 

6 ــ قال لى حسن حداد ابن والد الشعراء فؤاد حداد: كان الشيخ محبا لشعر والدى وكان يجمعهما تفضيل صوت المطربة «صباح» على صوت فيروز.

7 ــ قال لى الناقد الدكتور عزازى على عزازى: ذهبت يوما للشيخ أطلب رأيه فى مسألة من مسائل الأدب، وكنت أتمزق بين رغبتى فى سماع رأى الشيخ وبين مشاهدة مباراة للأهلى كان يبثها التلفزيون، خشيت السقوط من عين الشيخ لو صارحته برغبتى فى مشاهدة المباراة، نظر لى ضاحكا وقال هيا إلى مشاهدة المباراة، لحظتها اكتشفت أن الشيخ «كروى» كبير . 

8 ــ قال لى أستاذ الأدب بجامعة القاهرة الدكتور فهر محمود شاكر: وقف أبى على رأسى ولم يتركنى حتى أتقنت استخدام الكمبيوتر. 

9 ــ لم يتعلم الشيخ شاكر فى الأزهر ولم يلبس يوما زى الأزهريين ومع ذلك غلب عليه لقب الشيخ. 


ثورتان وسجنان

يحدثنا الشيخ عن ثورة 1919 فيقول: «كان مما قدر الله أن أفتح عينى على ثورة 1919، وعلى دار تموج بالثوار، فعقلت من الأمر ما عقلت، ورأيت رجالا وسمعت بأذنى حديثا،وعرفت من حقائق الصراع ما عرفت». 

هذا الانتماء لثورة 1919 لم يقف حائلا بين الشيخ وبين أن يشن حملة ضارية على أحد كبار رجال الثورة، أعنى «عبدالعزيز فهمى باشا» الذى دعا يوما لكتابة العربية بالحرف اللاتينى مثلما فعل أتاتورك فى تركيا، فتصدى له الشيخ دفاعا عن الحرف العربى. 

ثم جاءت ثورة يوليو التى لم يقف شاكر منها موقفا معاديا، نظرا لكراهيته الشديدة للاحتلال الإنجليزى ثم لمأخذه الكثيرة على الحياة الملكية، وهنا أذكر أن الدكتور «يحيى الرخاوى» وهو ممن عرفوا الشيخ عن قرب سجل ابتهاج شاكر بحريق القاهرة بوصفه الحريق الذى سيأتى بعده شىء خطير، وقد كان وقامت ثورة يوليو. 

التى اعتقلت شاكر مرتين الأولى استمرت تسعة أشهر من 9 فبراير 1959 إلى أكتوبر من العام نفسه، وكان سبب الاعتقال وهو انتقاد شاكر الحاد لعبدالناصر ورجال الثورة، وهو انتقاد كان يتم فى حضور وزراء الثورة مثل الشيخ أحمد حسن الباقورى وزير الأوقاف، وبعد تدخل شخصيات عربية كبيرة أطلق سراح الشيخ. 

المرة الثانية والأخيرة مكث شاكر فى السجن لمدة ثمانية وعشرين شهرا من 31 أغسطس 1965 إلى 30 ديسمبر 1967، وقد تم اعتقاله غلى خلفية مقالاته التى تصدى فيها للويس عوض الذى كان كتب كتابا تناول فيه شيخ المعرة «أبوالعلاء المعرى» بما لا يليق. 

وقد جمع شاكر تلك المقالات فى كتابة الشهير «أباطيل وأسمار» وتعد المقالات بحق درسا عظيما فى النقد وفى التثبت من المرويات التاريخية. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 17 يوليو 2009

دعه يكتب.. دعه يمل





من يوم السبت الحادى عشر من يوليو الحالى وإلى ساعة كتابة هذه السطور وأنا أفتش الجرائد باحثا عن تصحيح أو تكذيب أو حتى تعليق على ما كتبه الزميل الصحفى محمد رجب فى جريدة نهضة مصر، ولكن وكالعادة لم أجد شيئا. كان الزميل رجب قد كشف من خلال مستندات رسمية عن أن حكومتنا الموقرة قد أنفقت 43% من تكاليف مشروع توشكى على أراضى الوليد بن طلال، وذلك بموجب عقد الإذعان الذى يربط بين الحكومة وشركة الأمير العاملة فى مشروع توشكى والتى تمتلك من أراضى المشروع فوق المائة ألف فدان. 



العقد المشار إليه وقعه عن الحكومة وزير الزراعة الأسبق «يوسف والى» وينص على أن الحكومة ملزمة بتوصيل الكهرباء والمياه وتجهيز البنية التحتية لكامل أراضى الوليد. كما ينص فى مادته الرابعة على: يلتزم الطرف الأول (الحكومة) بتشييد الفرع الأول الذى يضم كل أراضى الوليد ويقوم الطرف الأول بتوصيل المياه حتى نقطة رفع داخل أراضى الشركة مع توفير مضخات الرفع من ترعة الشيخ زايد، كما أن الحكومة ملتزمة بتصميم الأنظمة الفرعية وتشييدها بالشكل الذى يضمن توصيل المياه لكل خمسة آلاف فدان من أراضى الشركة. 

الحمدلله أن العقد لم ينص على أن تقوم الحكومة بزراعة الأرض وجنى المحاصيل وتسويقها وتسليم أثمانها للوليد! 
ما نشر هو كارثة حقيقية، فلماذا ألزمت الحكومة نفسها بهذا العقد الجائر؟ 

وما الفائدة التى عادت على الاقتصاد الوطنى من أراضى الوليد التى حتما حصل عليها بثمن لا يذكر من فرط ضألته؟. 

إن مشروع توشكى الذى انفق عليه حتى الآن نحو 6.5 مليار جنيه يبدو مظلوما لأن معظم النفقات ذهبت فى الاتجاه المعاكس، بل إنه عندما اعترض وزير الرى السابق محمود أبوزيد على أسلوب التعامل الحكومى مع الوليد دفع الثمن غاليا وغادر الوزارة. 

كل هذه الأسئلة وكل تلك المعلومات هى بلا شك مثارة داخل الدوائر الحكومة، ولكن من الواضح أن الحكومة تتعامل مع كل الملفات الشائكة بطريقة «يبقى الأمر على ما هو عليه وعلى المتضرر اللجؤ إلى الصحافة». 

وعندما تنشر الصحافة تعتصم الحكومة بالصمت، ويظل الصحفى ينشر ثم ينشر إلى أن يصيبه الملل، وساعتها تبتسم الحكومة مسرورة بنجاح شعارها «دعه يكتب.. دعه يمل».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 10 يوليو 2009

مأساة الشيخ (ميم)





بعضهم يجعل مجاملة السلطان هدف حياته الأسمى، ثم يسرف فى المجاملة ويلزم نفسه ما لا يلزمها، حتى تورده المجاملة موارد التهلكة، ومن هؤلاء الشيخ «ميم» وعن الشيخ «ميم» يقول محدث عصره فضيلة الشيخ الإمام أحمد محمد شاكر فى كتابه كلمة الحق: «عندما تقرر إرسال الدكتور طه حسين فى بعثة تعليمية لأوربا. 



أراد السلطان حسين كامل تكريم طه ورعايته، فاستقبله فى قصره استقبالا كريما ومنحه هدية قيمة، هنا يدخل فى القصة الشيخ «ميم» الذى كان من خطباء وزارة الأوقاف النابهين. 

وكانت الوزارة تندبه للخطابة فى أى مسجد يصلى فيه حضرة السلطان، وفى صلاة جمعة وكان السلطان حاضرا تذكر الشيخ «ميم» تكريم السلطان لطه حسين فأراد أن ينوه بهذا التكريم، ولكن خانته فصاحته أو قل أوردته مجاملته موارد التهلكة فقد قال الشيخ «ميم» مادحا السلطان: «جاءه الأعمى، فما عبس فى وجه وما تولى». 

هنا وقعت الواقعة. فالذى جاءه الأعمى فعبس فى وجه وتولى كان سيدنا الرسول، إذن الشيخ «ميم» يعرض بالرسول ويفضل السلطان عليه، وعلى ذلك اندفع الشيخ «محمد شاكر» وكيل الأزهر يعلن فى الناس أن صلاتهم باطلة وأمرهم بأن يعيدوا صلاة الظهر، فأعادوها. 

كان رأى الشيخ شاكر أن الخطيب قد بطلت صلاته لأنه أراد أن يتملق السلطان فأظهره كأنه أحسن من الرسول. ثم ذهب الشيخ شاكر والد الشيخين أحمد ومحمود إلى قصر عابدين وقابل رئيس الديوان وطلب منه رفع الأمر إلى السلطان وأن يبلغه حكم الشرع بوجوب إعادة الصلاة. 

كان الشيخ «ميم» متصلا ببعض المستشارين الكبار فأشاروا عليه بأن يرفع جنحة مباشرة على الشيخ شاكر لأنه سبه سبا علنيا فى المسجد وفى ديوان السلطان، كاد الأمر يصل إلى القضاء لولا أن الحكومة تدخلت وطوت بساط القضية. 

يكمل الشيخ أحمد شاكر القصة فيقول: أقسم بالله لقد رأيته (أى الشيخ ميم) بعد بضع سنين، وبعد أن كان متعاليا منتفخا، مستعزا بمن لاذ بهم من العظماء، رأيته مهينا ذليلا، خادما على باب مسجد من مساجد القاهرة، يتلقى نعال المصلين، يحفظها فى ذلة وصغار.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ