الجمعة، 27 مارس 2009

لماذا لا نفرح؟





مصر تحصد جائزة بوكر للعام الثانى على التوالى، يوسف زيدان «المصرى» يفوز بجائزة بوكر بعد «المصرى» بهاء طاهر، «دار الشروق المصرية» تفوز رواياتها ببوكر، هكذا «فرحت» بنا عناوين الصحافة العربية التى تعاملت مع الخبر بوصفه خبرا يسعد المصريين فى زمن شحت فيه السعادة، ولكن صدق الذى قال «زامر الحى لا يطرب»، أقول هذا بعد مطالعتى لما جاء فى إحدى الصحف المصرية فى سياق تعليقها على فوز رواية «عزازيل» للروائى يوسف زيدان بجائزة بوكر. 



إذ قالت (سأنقل نص كلامها بتصرف لا يخل بمضمونه ): «النتيجة هذا العام تكاد تكون غير منصفة على مستويين، الأول: خاص بزيدان نفسه، إذ وضعته الجائزة ــ وهو الباحث فى مجالى الفلسفة والمخطوطات ــ فى منافسة مع أدباء أكثر شهرة وأصحاب تاريخ أدبى طويل، خاصة أن عزازيل هى روايته الثانية». 

السبب الثانى: «الجائزة غير منصفة مقارنة ببهاء طاهر الذى فاز بها العام الماضى فمنح تاريخه وقيمته الأدبية رونقا خاصا للجائزة». 

ثم بعد كلام كثير تقول: «هل لإبراهيم المعلم أحد مؤسسى الجائزة علاقة بأن تمنح الجائزة فى دورتيها لروايتين صادرتين عن الشروق «عزازيل» و«واحة الغروب»؟ 

وهذا كلام فاسد من كل وجه. 

فهى أولا تناقض نفسها، فعندما تعترف ــ وهى لا تملك غير ذلك ــ بمكانة الأستاذ بهاء طاهر، تلمزه بتدخل المعلم!! وكأن فوز روايات «الشروق» جريمة يجب أن يعاقب عليها ناشرها، وكأن أعضاء لجنة التحكيم، وجميعهم مشهور معروف، يقبلون بتدخل الناشرين فى اختياراتهم. 

ثانيا: تلمز زيدان بقلة رواياته، وكأن كل مكثر مجيد، وكأن الأدب العربى والعالمى لم يخلد كتابا لم يكتبوا إلا عددا محدودا من الروايات (يا سيدتى العدد فى الليمون فقط) ثم من أخبرك أن زيدان لن يكتب رواية ثالثة ورابعة وعاشرة؟ 

ثالثا: تضع الفائزين (زيدان وبهاء) فى مواجهة بعضهما البعض، وكأن بهاء سيغضب أو غضب لأن الجائزة ذهبت لزيدان، وكأن بهاء قال أو سيقول: «من زيدان هذا حتى يفوز بجائزة فزت أنا بها؟!». 

بعيدا عن التفتيش فى النيات، تبدو الجريدة متألمة لأن روائيين مصريين فازا بجائزة عالمية فراحت تلقى الشبهات على الجائزة ولجنة تحكيمها وعلى الفائزين وناشرهما. كل ذلك لأن النجاح أصبح فى نظر البعض جريمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 19 مارس 2009

سعادة الأديب



لم يدهشنى ما قرأته عن ترك «عز الدين شكرى» لعمله الدبلوماسى وتفرغه للأدب. لأن روايته «غرفة العناية المركزة» التى صدرت عن «شرقيات» تؤكد أن الأدب كان سيخسر لو غاب عنه صوت عز المتفرد، وسعادة الأديب أبقى من لقب «سعادة السفير». 



فى «غرفة العناية المركزة» يتابع عز الدين مصائر أربع شخصيات (من فرط صدقه يبدو كأنه يكتفى بالمتابعة وتبدو الشخصيات كأنها كتبت نفسها) هناك رجل الأمن أحمد كمال الذى رأى الدم يتقدم الصفوف فى حرب أكتوبر ثم رأى كل الأشياء تفسد، ولما عاد من الجبهة رأى «ورد النيل» يشل حركة النهر فأعلن موتا صامتا واكتفى من الحياة بشربة ماء وقليل من الهواء الملوث، وهناك الصحفى أشرف فهمى دخل مجلته للتحرير فوجد «كرتونة» بها بقاياه، لقد طرد فى إطار صراع بين جهات رسمية، من يومها وثمة زجاج يتكسر داخل قلبه وكل شىء لا يشبع من أحضان النساء إلى أرقام توزيع فلكية سيحققها فى مجلة جديدة يتولى رئاستها. 

ونحن نتابع أحمد كمال وأشرف فهمى نتعرف على داليا الشناوى ونشأت غالب، داليا ابنة وهج الحركة الطلابية تحب زميلها المسيحى نشأت، تهرب من حب مستحيل إلى الدكتوراه فى باريس، يزورها نشأت ويتركها وقد تخلصت من جنينها، تعود داليا إلى مصر وتتزوج وتنجب وتعلن الحرب على زميلها القديم الشاهد على قصة حبها أشرف فهمى بوصفه علمانيا كافرا، نشأت هو محامى أشرف يخسر مجددا أمام داليا التى تحصل على حكم بتكفير أشرف!. 

أين أحمد كمال؟ إنه بحكم موقعه الأمنى يراقب المعارك زاهدا فى كل شىء، إلى أن تحين اللحظة الحاسمة، فيضع أحمد بدم بارد «ملف قتل الجنين» أمام عينى داليا التى تورطت فى نقل رسائل المعتقلين الإسلاميين، ويطالبها بالتعاون وإلا فإن فضيحة كاملة الأركان فى انتظارها. 

الأبطال الأربعة هم الآن تحت أنقاض مبنى القنصلية المصرية فى الخرطوم، هم جميعا كانوا بدرجات مختلفة يعلمون أن انفجارا قادما سيحصد كل المشاركين فى مؤتمر تعقده القنصلية، يجرون مراجعة صادقة ومؤلمة لما مضى من حياتهم، هم الآن وكل الوطن مدانون بتهمة «علم ولم يفعل شيئا» هم الآن وكل الوطن بين الحياة والموت فى «غرفة العناية المركزة» ترى هل يغادرونها ومعهم الوطن إلى نعيم الشفاء؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الخميس، 12 مارس 2009

سعدنى جديد



شاء الذى لا رادّ لمشيئته أن يبرع العم محمود السعدنى ــ شفاه الله ــ فى فنون «الضحك» و«الكلام» و «التريقة» على طوب الأرض والمسرح والصحافة والرواية والقصة القصيرة. 


ثم شاءت أمزجة النقاد أن يتجاهلوا كل التراث السعدنى فلم يعد أحد يلتفت إلا إلى عطاء السعدنى فى فنى «الكلام» والصحافة، وذهبت إلى زوايا النسيان تحف إبداعية سعدانية قل نظيرها مثل رواية «حتى يعود القمر» والقصة القصيرة الطويلة «جنة رضوان».. 

أقول هذا وقلبى خائف على واحد من «السلالة» السعدانية، أعنى بلال فضل الذى يبدو كأنه (موكل بفضاء الكتابة يزرعه) ففى أوقات فراغه يكتب بلال الأفلام والمقالات والقصص ولكنه يعمل مثل السعدنى «متكلما» ومضحكا وضاحكا على طوب الأرض (اللهم اجعل أفئدة من النقاد تهوى إلى قصصه) يكتب بلال وتنشر «دار الشروق» مجموعة «ما فعله العيان بالميت». 

أولاد البلد يعرفون جيدا ما فعله العيان بالميت، لكن بلال يقدم معالجة جديدة تليق بزماننا لما فعله «عيانه بميته» عيان بلال اسمه مصطفى له زوجة مريضة بالقلب وأولاد محرومون من أبسط متع الحياة، الميت هو ابن خال العيان، مات وفى قدمه ثروة من المسامير البلاتين وضعها فى قدمه بعد تعرضه لحادث مرورى ، من أين سيأتى العيان بتكاليف علاج زوجته؟ 

لقد أخذ المسامير من قدم الميت وباعها ــ وهى التى تساوى تسعة عشر ألف جنيه ــ بخمسة آلاف فقط، هنا استدعى وكيل نيابة محب للأضواء الصحافة التى جعلت من العيان نجمًا فى سماء السفاحين! 

كتب بلال هذه الكوميديا السوداء بلغة خاصة به، لغة تنحاز إلى الفن وتتجاهل «أرض الخطابة الواسعة» كان بيد بلال « الصراخ» ولكنه فضل الهمس فوصلت رسالته تامة غير منقوصة،رسالة تقول: «مضى زمان ويلٌ للشَّجِىِّ من الخَلِىِّ، وأظلنا زمان ويل فيه للميت من العيان». 

وفى قصة «الحاجات دى» يكتب بلال عن الشاب الذى كانت خيالاته عن الزواج فوق الوصف، ثم رزقه الله بعروس مثله، فعاشا أسبوع عرسهما الأول فى هناء من صبر ونال، ثم راحت السكرة وجاءت فكرة تدبير موازنة إيراد البيت بمصروفه، 

وهنا ذهبت نشوة العرس حتى إن جميع فنون إغراء العروس لم تفلح فى ضخ الحماس فى عروق العريس، الذى فجأة رمى يمين الطلاق على عروسه، فقد ظنها تسخر منه عندما سمعها تقرأ مقالا بصوت مرتفع يستنهض فيه كاتبه زميلا له على أن يتعافى من مرضه!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحد، 1 مارس 2009

تميم البرغوثي ... "مقام عراق"







صرخ بها تميم البرغوثي عندما رأى سقوط بغداد : 

كفوا لِسَانَ المراثي إنها ترَفُ 

عن سائر الموتِ هذا الموتُ يختلفُ 

ليلة أن «تحرر» ميدان التحرير في مارس 2003 وأعلن الكفر بالصنم الأمريكي وسادنه العربي، كان تميم مريد البرغوثي أحد المشاركين ليلتها في «تحرير» التحرير، وما جاء الصباح إلا وشاعرنا منفي إلي «عمّان» فالسلطات التي تري «نملة» الحرية وتعمي عن «فيل» الاحتلال رأت أن تميماً يكدر الأمن العام وحجة نفيه جاهزة، فوالده شاعر العرب الكبير مريد البرغوثي ليس مصرياً، وأمه الروائية الناقدة أستاذة الأدب العربي بالجامعة رضوي عاشور معارضة، ولا كرامة لمعارض في زمن التأييد العام والعمومي. 

في أولي أيامه بعمّان، رأي تميم أن مصر التي ولد وعاش بها تسحب من تحت قدميه فصنع ما أسماه صورة فوتوغرافية، حملت عنوان «قالوا لي بتحب مصر قلت مش عارف». 

الحقيقة أن القصيدة كانت أكبر وأعمق من صورة فوتوغرافية، ولكن هذا وصف الشاعر لقصيدته.. 

ثم وقعت الواقعة 

ضحي التاسع من أبريل 2003 كان تميم في عمّان ورأي مراهقي تكساس المخمورين يدنسون أرض العراق، تملكته رغبة عارمة في البكاء هو يقول واصفاً اللحظة «لم أبك، ولم أفهم لماذا لم أبك» لسانه الذي أثقلته الفجيعة تحرك متلعثما بالبيت المفتاح 

كفو لسان المراثي إنها ترف 

عن سائر الموت هذا الموت يختلف 

ثم انطلق في كتابه «مقام عراق» حاشداً كل مشاعره كاشفاً ما كان وما هو كائن مرتجفاً لما سيكون.. 

حبل الفجيعة 

أمام حدث هو بلاشك أهون من احتلال بغداد، قال نزار قباني: 

حبل الفجيعة ملتف علي عنقي 

من ذا يعاتب مشنوقاً إذا اضطربا 

أقول ربما مر هذا المعني بذهن تميم وهو يكتب قصيدته «كفوا لسان المراثي» فهو إن أسلم نفسه لمشاعره، ضربت الفوضي قلب القصيدة وتكدس الهذيان في طرقاتها، لقد حاول وأؤكد أنه نجح في بناء محكمة كأنها شريط سينمائي يتعدد الأبطال وتتنالي المشاهد وتتقاطع المصائر ولكن تظل هناك يد «المونتير» التي لها رهافة الموسيقي وحسم الجراح، يجمع المونتير ما تبعثر ويبتر الزوائد المعطلة ويسيطر علي الإيقاع، لكي يخرج الفيلم متماسكاً وكأنه صنع في لحظة واحدة. 

وتميم مثل أي سينمائي متمرس استخدم كل حيل السينما في بناء قصيدته من لقطات عامة إلي أخري مكبرة إلي ثالثة متوسطة، حتي «الفلاش باك» استخدمه ببراعة لم تعطل تدفق النص إلي الأمام. 

أنا عربي إذن أنا عراقي 

يقول الشاعر في مقام شرحه لمعني العراق، إن كل ناطق بالعربية هو عراقي بدرجة من الدرجات، كل من رفع فاعلاً ونصب مفعولاً فللبصرة والكوفة وبغداد فيه نصيب، إن عالماً كاملاً وثقافة بأسرها احتلت يوم احتل العراق. 

هذه العروبة التي تسري في جسد الشاعر مسري الدم في العروق ستجعله ينظر إلي ثمين وشريف الكلام ويضمّنه قصيدته. 

وهو بهذا التضمين أو الاقتباس يقدم ـ لوجه الله ـ درساً إلي الذين حبطت أعمالهم، تري الواحد منهم يكتب الفاحش البذيء من الكلام ثم يخطف خطفة من كلام الله أو كلام الرسول فيزخرف به فحشه، لكي تظن أن وراء الأكمة ما وراءها، وما وراءها إلا قبح وخيال مريض ووجدان سقيم. 

تميم الشاعر ابن الشاعر ابن الروائية، عرف تراث أجداده حق المعرفة فإن نظر إلي شعرهم وضعه في حق موضعه أتوقف عند ثلاث من حالات الاقتباس التي قام بها شاعرنا لكي تري عمق فهمه لتراث أجداده. 

يقول تميم مخاطباً «الهلال» 

يا هلال/ أيها القارب المتأرجح ذات اليمين/ وذات الشمال/ شمالك معتلة واليمين أيها القارب المتأرجح تمحو وتكتب كيف تميل مصائرنا/ في الحروب المقيمة أو في السلام السجال. 

هل رأيت صورة «الهلال القارب»؟ لقد نظر شاعرنا إلي قول ابن المعتز واصفاً الهلال:

«فكأنما هو زورق من فضة قد أثقلته حمولة من عنبر» 

هل رأيت كيف ينظر الشرفاء إلي تراث أجدادهم؟ 

يأخذون الكلام بحقه ولا يضعونه إلا في المعاني الشريفة، أما الذين أضل الله أعمالهم فلا يعرفون عن الأمر شيئاً. 

ثم يقول شاعرنا للهلال «ودون جميع الذين أحبوك من أمم الأرض أهديت نفسك للمسلمين». 

الأمر هنا يتجاوز الاقتباس أو النظر، إنه كما يقول عالمنا الدكتور عبدالحكيم راضي في المقدمة التي كتبها لكتاب «الاقتباس من القرآن» للثعالبي استنباط يقوم به العالم الذي ينظر إلي نص أو أكثر فيستنبط ما به من أحكام وإرشادات. 

والمثل الفذ لهذا الاستنباط هو ما قدمه فيلسوف الإسلام وفارسه سيدنا الإمام علي بن أبي طالب عليه وعلي السادة آل البيت السلام قال الإمام «من كان ذا داء قديم، فليستوهب امرأته درهماً من مهرها وليشتر به عسلاً وليشربه بماء السماء، ليكون قد اجتمع له الهنيء المريء والشفاء المبارك». 

الإمام استنبط كلامه من ثلاث آيات قرآنية «فإنْ طِبنَ لكم عن شيء منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً» سورة النساء وقوله تعالي «يخرج من بطونها شرابٌ مختلفٌ ألوانه فيه شفاءٌ للناس» سورة النحل، وقوله عز وجل «ونزّلنا من السماءِ ماءً مباركاً» سورة ق. 

وهذا الاستنباط قام به تميم فقوله «أهديت نفسك للمسلمين» مأخوذ من قوله تعالي: «يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج» سورة البقرة. 

لعلك معي في أن اقتباسات الشرفاء شريفة مثلهم. 

وعندما يتعرض شاعرنا إلي بشار بن برد أحد أبطال قصيدته يقول: 
«أنا من أبصر ما في السيف من ليل تهاوت من أعاليه الكواكب». 

وهذا البيت نظر فيه شاعرنا إلي بيت بشار الذي قال فيه: «كأن مثار النقع فوق رؤوسنا وأسيافنا ليل تهاوي كواكبه». 

إضافة لهذه الحالات هناك في القصيدة الكثير منها مما يدل علي أن شاعرنا يخطو علي أرض يعرفها جيداً، وهو والحمد لله ليس من الذين يزخرفون فحشهم ببديع الكلام. 

ماذا قال أبوالطيب المتنبي 

قلت في صدر كلمتي إن قصيدة تميم هي ديوانه وأن ديوانه هو قصيدته فلسنا أمام ديوان مقسم علي قصائد ولكل قصيدة غرض، إننا أمام «شريط سينمائي» يخرج منه علينا أبوالطيب أحمد بن الحسين المعروف بالمتنبي، وبشار بن برد، وزينب بنت علي وفاطمة والحسين بن علي، ونخل العراق ومراهقو تكساس، وعنزة جاعت فأكلت وثيقة من وثائق المتحف الوطني، و«نبو» إله الحكمة في بابل الذي عشق عنزة وأراد الزواج منها فرفضته. 

عندما يظهر أبوالطيب المتنبي علي «شريط» القصيدة يستقبله تميم قائلاً له: 

«يا أبا الطيب لقد كنا أخذنا عليك عهداً أن لا يجوز الشعر بعدك كان الشعر سراً وأذعته، قمراً أنزلته وفرقته علي التلاميذ». 

ثم ينام أبو الطيب ليل الأربعاء علي الخميس، لسبع عشرة ليلة خلون من المحرم عام أربعة وعشرين وأربعمائة وألف نام المتنبي علي قصف الطائرات الأمريكية لبغداد ثم قام علي أصوات المؤذنين يقيمون صلاة الفجر فأنشد مخاطباً بغداد: 

حي المآذن تحت القصف تبتهل .. الشعر أنت وباقي الشعر منتحلُ 

أنت رسول خلت من قبله الرسل .. لكن أهلك صمواعنك أو جهلوا 

فلا يرون الضحي والشمس تنتصف 

حي المآذن تحت القصف تنتصب .. حتي الطيور التي حولها عربُ 

تطمئن الأهل والأحياء تلتهب .. أنا بخير فلا خوف ولا رهب 

مازلت أقصف لكن لست أنقصف 

كفوا لسان المراثي إنها ترف 

ثم يظهر بشار بن برد الأعمي الذي يقود المبصرين ففي تاريخه أن رجلاً مبصراً استدله علي بيت في بغداد فراح بشار يدل البصير بالوصف، فعجز البصير عن فهم الوصف فقام بشار آخذاً بيد البصير ويقول له: 



أعمي يقود بصيراً لا أبا لكمو .. قد ضل من كانت العميان تهديه 

عرف بشار أن بغداده الحبيبة التي يحفظ في كفيه جدرانها أنها تتعرض الآن للقصف فهب منشداً.. 

الله أكبر تحت القصف تندفع.. وكلما ضاق عنها الأفق يتسع 

إن القنابل تهوي وهي ترتفع.. نبوءة أسمعتكم لو لكم سمع 

لا جن يحضر إلا سوف ينصرف 

عني خذوها وقولوا قال بشار.. لا تدعوا العجز ما في العجز أعذار 

تعمد المرءُ للنسيان تذكار.. وبعض من حزنوا في حزنهم عار 

والعار في الناس بالإخفاء ينكشف 

هل رأيتم مقدرة شاعرنا ابن شاعرنا علي الغناء بأصوات أبطال قصيدته بشارعرف أن بغداده الحبيبة تقصف، ولكنه لايثق في رواية المبصرين فيذهب إلي نخل العراق يسأله عن الحقيقة والنخل خير شاهد ومتحدث يقول بشار للنخل: 

نخل العراق أنا أعمي ولم أر ما 

أصاب قومي وإني لا أصدقهم 

نخل العراق أسرد التاريخ مكتملاً 

كما شهدت عليه لا كما وردا 

وما كان للنخل أن يكتم الشهادة يقول النخل 

من يشهد ما شهدنا 

تكن مريبة سلامته 

وأنا لم أكن وحدي


لقد كنتم شهوداً معي 

موتكم حماكم 

وأعفاكم من عبء الرواية.. 

وتضيف النخل إنها عاتبة علي الذين هاجروا وتركوا أرضهم ونخلهم رواية النخل لما حدث تجعل تميماً يستأذن عمته النخلة في النوح قليلاً، فينوح شعراًَ صافياً.. 

روحي فداً لسقاة النخل من مضر.. لا يقبلون عزاءً في دم هدر 

مضوا فكدت أنا أمضي علي الأثر.. لا أفهم الفرق بين النخل والبشر 

كلا الفريقين فيه التمر والحشف 

تقول نخل العراق، الحق ذو غرر.. نعم البكاء إذا لم يُود بالنظر 

ولم يؤخرك عن تاراتك الأخر.. متي مشي القوم من قومي علي حذر 

حل لهم من دموع العين ما ذرفوا 

كفوا لسان المراثي إنها ترف.. 

«عنزة المتحف الوطني» 

حتي العنزة لم يتجاهلها تميم، اليوم يوم يُتم وفوضي وخراب والأهل بين هارب أو قتيل فمن يهتم بأمر العنزة، إنه تميمها المعطاء، رأي العنزة وحيدة جائعة فقال: 

عنزة تتعثر بين الخرائب 

وتبحث في ما تبقي من المتحف الوطني ببغداد 

عن عشبة أو وثيقة 

ولا فرق إن جاعت العنز بينهما 

ولا فرق بينهما في الحقيقة 

وهنا وبقانون التداعي، يتذكر تميم قصة إله الحكمة البابلي «نبو» مع حبيبته العنزة، فقد وقع حبها في قلبه فأرادها زوجة، وهي لم ترده زوجاً، ومنطقها واضح بسيط «كيف لإله الحكمة أن يمنحها عنزاً صغاراً ويناطح عنها الكباش» 


جنون نبو وارتبك مجمع الآلهة، ودار نقاش ساخن بين الإلهين «أنو» و «إنليل» عن هذا العشق الفضائحي.. 

إنليل يقول إن «نبو» قد فضح الآلهة بركضه وراء العنز في الزرائب أين شرعه وشرعيته.. 

يرد أنو: إن حدث الشرع والشرعية لا يهم أحداً، المشكلة هي في «عجز الآلهة» عن أن يكونوا شيئاَ غير خيال تسلط علي رقاب العباد. 

يقول أنو»نحن لا شيء والعنزة شيء نحن لا شيء سوي اللغة، أتنطح اللغة هل تري إذا جعلت اللغة في حقل من الشعير والبرسيم أينقص البرسيم شيئاً؟». 

يرد إنليل مكابراً: «أنا قادر علي أن أكون إلهاً» 

يسخر أنو قائلاً: «ليس عن هذا سألتك هل أنت قادر أن تكون عنزة أتقدر أن تكون أسداً، بقرةً، حماراً، بكرةً علي بئر، قفلاً، مفتاحاً، حذاء؟» 

إنليل لا يرد ولا جاء رد من مجمع الآلهة فهم أعجز من أن يكونوا شيئاً سوي خيال، وتلك لعمري حيلة من حيل تميم، فلا عنزة هناك ولا إله إنه يقصد الشعوب والحكام.. 

حكام يظنون أنهم آلة لا يستطيعون شيئاً حتي أن الواحد منهم لا يستطيع أن يكون حذاء ومع ذلك يسلك سلوك الآلهة وشعوب مثل تلك العنزة تتخبط بين الخرائب باحثة عن عشبة أو وثيقة.. 


«جاء المحرم وزينب معه» 


يسجل تميم أن الشهر الحرام «المحرم» قد اختفي عندما دخلت قوات الاحتلال العراق، فقام المحتل بتوزيع مناشير فيها صور مفترضة له في زي شيخ عربي، طالب جامعي أو امرأة منقبة.. 

ذكر المحرم يجلب ذكر زينب عقيلة بني هاشم التي رأت في محرم قديم كيف خاض غلمان بني أمية في دم أخيها وأسرتها النبوية، ثم رأت زينب ما فعله الأمريكان بالعراق وكأن يوم كربلاء يمتد من ساعة مقتل أخيها الإمام الحسين إلي يوم الناس هذا.. 

يقول تميم: 

هل أنكر الناس أمر الموت أم ألفوا.. أم الرجال لهم من حزنهم حرف 

رأيت زينب في أصفادها تقف.. تصيح يا من علينا دمعهم نزفوا 

كفوا لسان المراثي إنها ترف 

أم الرزايا عن الأحزان تنهاكم.. فلتسمعوا فهي بالأحزان أولاكم 

يا أمتي لا تخافوا من مراياكم.. والله ما قتل المقتول لولا كم 

فالآن أقبح ما تأتونه الأسف 

تصحيح زينب يامولاي يا سندي.. يا والدي وابن أمي ثم يا ولدي 

إن الحسين عراق حل في جسد.. إن العراق حسين آخر الأبد 

ودهره أموي ماله شرف 

والآن هل نكف لسان المراثي وننطلق إلي نصرة العراق بما نستطيع فلا يكلف الله نفساً إلا وسعها، أم نلجأ إلي البكاء الذي لم يحرر يوماً بلداً قط! 


الثلاثاء، 6 يناير 2009

نايل كوميدي تتضامن مع غزة



في كتابه العلامة "محاوراتي مع السادات" روى مؤلفه الراحل الكريم "أحمد بهاء الدين" قصة لافتة قال الأستاذ بهاء: "استقبلني الرئيس السادات صائحًا: "أصحابك، أكلوا امبارح علقة موت" وعندما سألته من هم أصحابي، أجابني: "أقصد الفلسطينيين".
قصة الأستاذ بهاء تعود أحداثها إلى النصف الثاني من السبعينيات وكانت تشير إلي اشتباك جرى بين الفلسطينيين والصهاينة علي أرض لبنان. اللافت في هذه القصة أنها تصلح، وبغير تعسف ــ لأن تكون مفتاحًا لفهم سياسة السادات الممتدة إلى الآن تجاه العرب عامة وفلسطين خاصة، وهي سياسة تؤكد على "النفي العملي لعروبة مصر" مع شن حملات لفظية في الاتجاه المعاكس، وهي حملات لا تتجاوز حناجر مطلقيها، لأنها في المحصلة النهائية لا تعني شيئاً، هي مجرد كلام والسلام، ثم جاء النظام الحالي فخطي خطوات حاسمة في الطريق الساداتي وتعددت الشواهد الدالة علي سياسة "النفي" بداية من تدمير الصهاينة للمفاعل النووي العراقي بعد لقاء ضم الرئيس الراحل ومجرم الحرب بيجين ومرورًا باقتحام دبابات مجرم الحرب شارون لبيروت، ثم سقوط بغداد تحت أقدام همج أمريكا، وصولاً إلى العدوان الصهيوني علي لبنان وهو عدوان يكاد أن يكون يوميًا وصولاً إلى المذبحة التي يرتكبها العدو حالياً ضد غزة، في كل تلك الحالات كانت السياسة الفعلية المصرية هي سياسة "دعه يذبح ودعنا نشجب" وللحقيقة وللتاريخ فإن سياسة "الشجب" هي سياسة عربية تشمل كل الأقطار، إذن لماذا التركيز على مصر فقط؟
التركيز على دور مصر يرجع لإيمان كل العرب أن مصر هي القائد، وقد قال لي مثقف مغربي كبير: "المغربي لا يقبل بقيادة جزائرية، والجزائري لن يقبل قيادة تونسية، والسعودي يقبل العمى ولكنه لا يقبل القيادة الكويتية، ولكن الجميع يقبلون بل ويرحبون بقيادة مصر".
هذه هي رؤية العرب لمصر ودورها، ولكن الرؤية المصرية لمكانة مصر ودورها تم اختزالها في حيز ضيق جداً من الحركة والمناورة التي غالباً ما تكون كلامية لا تقدم ولا تؤخر بل لا يلتفت إليها أحد، مثل تلك النداءات التي تنطلق عقب كل عدوان تتعرض له الأمة، مطالبة بضبط النفس، أو تلك التحركات التي تظهر مصر وكأنها فاعل خير يتبرع بالغطاء والطعام لمن يرتجف من البرد والجوع، وقد عشنا ورأينا لافتة مثبتة علي سطح شاشة قناة "النيل الكوميدية" تقول: "قررت وزارة الإعلام المصرية إرجاء انطلاق قناة كوميدي تضامناً مع أحداث غزة وسيتم لاحقاً تحديد ميعاد انطلاق القناة"!!
ـــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الديار - الثلاثاء 6 يناير 2009

الثلاثاء، 23 ديسمبر 2008

في مديح الجزمة



               
                    
أحسدهم هؤلاء الشعراء أصحاب البصائر الملهمة، لأنهم يسمعون "دبيب" الأمل القادم من قلب اليأس، وقف أجملهم محمود درويش في تلك الأيام التي كانت فيها دبابات المجرم شارون تقتحم بيروت لتسحق أصابع الأطفال وتدهس الورد والزعتر، ليصرخ بأجمل أبياته.
"الله أكبر
هذه آياتنا، فاقرأ
باسم الفدائي الذي خلق
من جزمة أفقا
باسم الفدائي الذي يرحل
من وقتكم.. لندائه الأول
الأول.. الأول
سندمر الهيكل
باسم الفدائي الذي يبدأ
اقرأ"
وقد جعلنا الفدائي "منتظر الزيدي" نقرأ حذاءه الطائر نحو وجه مجرم الحرب بوش قراءة مترعة بالأمل في القادم الذي سيثبت للجميع أن هذه الأمة ــ رغم أنف العقلاء ــ لم تمت وأنها قادرة على ابتكار وسائل نضال جديدة (ما الفارق بين أحجار أولاد فلسطين وحذاء منتظر؟) كلها وسائل ترفع عن الأمة ذنوبًا وخطايا "التعقل" الذي أصاب بعضهم فراح يحاضرنا عن دور الصحفي (وكأننا لا نعرفه) وراح يطالب الزيدي برشق بوش بالأسئلة وكان مجرم الحرب ابن مجرم الحرب حفيد مجرمي الحرب من الذين يستحون وتوجعهم الأسئلة، إن هؤلاء الذين "تعقلوا" فجأة، أمرهم مضحك، فهم بعقلهم الجديد، يريدون خلط الأوراق بدعوي أن حذاء الزيدي لن يقدم ولن يؤخر وضرره أكثر من نفعه، وراحوا يعايروننا بفرحتنا وكأننا كنا نضحك في جنازة، هؤلاء الذين يتعقلون علي سطر ويتركون آخر، نسوا أنهم طالبوا صعايدة مصر بالقصاص من الذين أغرقوا أولادهم في عبارة ممدوح إسماعيل، وللتاريخ هم لم يطالبوا الصعايدة بالقصاص، بل حرضوهم علي الثأر!! فهل الثأر هنا مباح والثأر في العراق إذا كان موجهًا ضد مجرم حرب حرام؟
ببساطة ووضوح وبالعقل والشرع أيضاً نقول: أمريكا دولة احتلال تسلحت بمجموعة من الأكاذيب وجاءت إلي وطننا لتحتل قطرا منه، وعلي ذلك يصبح رئيسها عدوا من حق أي عراقي ليس رشقه بالحذاء فحسب بل قتله أيضاً. هل يوجد خلل في هذا المنطق أم أن الخلل هو في منطق الذين يتحدثون عن همجية العرب وجبن العرب وباقي لائحة الاتهامات التي لا تصب إلا في مصلحة العدو (هذا إن كانوا يرونه عدوا)، أقول ذلك لأن بعضهم أخذته نوبة "عقل" فصور لنا أن بوش ما هو إلا "رسول" وأن آداب الإسلام تحرم الاعتداء على الرسول!! هل رأيتم خلطًا للأوراق أشد سخافة من هذا الخلط؟ متى كان بوش رسولا؟ ومتي وجب على مُغتَصب مثل الزيدي التعامل بـ "الشوكة والسكين" مع قاتل أطفال مثل بوش؟ ولماذا يتعلم هؤلاء العقل ليلا وينسونه صباحاً؟ لماذا يحرضون على الداخل صباح مساء ثم فجأة يركبهم "عفريت" العقل والهدوء إذا تعلق الأمر بالمجرمين الدوليين؟
ـــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الديار - الثلاثاء 23 ديسمبر 2008

الثلاثاء، 16 ديسمبر 2008

وابور الصراصير




يحتل الوابور الذى هو قطار السكة الحديدية مكانة بارزة فى ديوان الغناء أو قل الحنين المصرى، منذ غنى عبدالوهاب بأناقته اللافتة "يا وابور قولى رايح على فين" مرورًا بدلال عفاف راضى وهى تغنى "يا وابور الساعة اتناشر يا مقبل ع الصعيد، حبيبى قلبه دايب، وأنت قلبك حديد". وهناك ما لا يحصى من مواويل التوجع على الأحبة الذين أخذهم الوابور وسافر بعيدًا. هذا كان قبل توغل وانتشار "الفكر الجديد" الذى رمانا بفقر لم نسمع بمثله.


ومن علامات الفقر الجديد تدهور أحوال السكة الحديد حتى أصبح اسمها لدى العامة والخاصة السكة "الحضيض" وقد ركبت وابور السكة الحضيض فى السابعة من مساء الثلاثاء الماضى لأسقط حتى أذنىّ فى حضيض إهمالها، كان الوابور متجهًا من محافظة أسيوط إلى القاهرة، وكان المفترض أن يقلع فى تمام السابعة والنصف مساءً ليصل فى الحادية عشرة ليلًا ، فماذا حدث؟

كانت العربة التى بها مقاعدنا، أنا وأسرتى بعيدة عن الرصيف، لا مشاكل، شالتنا بلاد وحطتنا أخرى حتى وصلنا غارقين فى عرقنا إلى عربتنا، كانت العربة غاية فى القذارة وجهاز تكييفها لا يبرد الجو ولا يسخنه، كان ينفث غبارًا، لكن لا مشاكل فقد اعتدنا على التلوث، انطلق الوابور متخليًا عن ظلال رومانسيته القديمة التى فتنت شعراء الأغانى، ثم بدأ هجوم جيوش الصراصير، صراصير سوداء متوحشة جلبت صراخ الأطفال الأبرياء، ثم سرعان ما تآلفوا معها ويا دار ما دخلك شر.. قبيل وصولنا إلى مدينة الواسطى أظلمت كل عربات القطار اللهم إلا العربات الأربع التى يقال إنها فاخرة ومكيفة، غادر ركاب الدرجة الثانية المظلمة عرباتهم وجاءوا إلى العربات الأربع التى يقال إنها فاخرة، أصبح الزحام لا يطاق، ثم توقف الوابور فى أرض مظلمة جرداء لا زرع فيها ولا ماء من الساعة العاشرة إلى الحادية عشرة والنصف، ثم عاد إلى السير ليتوقف مجدداً وهنا صحت الثورية فى عروق النساء اللاتى يثرن أول كل شهر على أزواجهن وصرخن بأتقى قلب امرأة منهن: "نريد رئيس القطاع" حمقاوات، يظنن أن الوابور هو قطار وأن له رئيسًا، بعد وصول صرخاتهن إلى عنان السماء جاء قاطع تذاكر مسكين وضعوا له "بادج" رئيس القطار على طرف معطفه وقال للنساء الصارخات: "أنا رئيس القطار" سألته النساء عن سبب تعطل القطار فقال: "مفيش أى حاجة والأطر هيمشى بعد شوية".

بعيدًا عن الدعاء الحارق الخارق الذى أطلقته النساء ضد السكة والذى سكها، تقمصت شخصية الخواجة كولومبو أو "كرمبو" ورحت أتابع منبع الصراصير فاكتشفت أن إطار الباب المصنوع من الخشب الذى ضربه النشع فى مقتل فأصبح مرتعاً خصباً وجاذباً للصراصير (إطار خشبى ملفق لقطار فاخر) ثم هناك ما يقال له الحمام وهو شهد الله ليس حمامًا ولا مرحاضًا ولا كنيفًا ولا بيت راحة إنه شىء لا يطيق الخيال وصفه، فضلاً عن تسميته، ثم عاد القطار لمواصلة الرحلة لنصل إلى محطة الجيزة فى الساعة الثانية والنصف صباحاً مسجلين رقمًا قياسيًا فى التأخر، إذ كان من المفترض أن نصل فى تمام الحادية عشرة ليلًا. وقد استغل راكب ظريف الموقف وأمطرنا بسيل من النكات قال الراكب: "فى جمهورية عربية تقدمت المذيعة من سائق تاكسى وسألته ما رأيك فى الرؤساء الثلاثة فلان وفلان وفلان، أجابها السائق: الأول ابن كذا والتانى ابن ستين كذا، وعندما هم بنطق اسم الرئيس الثالث رآه واقفًا خلف ظهر المذيعة، فقال ممسكًا بعصا الفتيس، أما التالت يا ست الهانم فمش شغال". صدق والله السائق فمن الواضح جداً أن التالت مش شغال.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الديار - الثلاثاء 16 ديسمبر 2008


الثلاثاء، 25 نوفمبر 2008

يوميات مواطنة.. لما قلت يا تحرش.. كل البلد تابت ( 2ـ2)

فى المساء هاتفنى أستاذى المشرف على تجربة التحرش وعندما أخبرته بفشلى فى الحصول على متحرش صاح فى وجهى: "انتى وشك يقطع الخميرة من البيت، آدى دقنى لو خلصتى رسالتك، يعنى إيه مش لاقية متحرش؟".
عندما انهرت باكية رق قلب أستاذى وكلمنى بأبوة ناصحة قائلاً: "والله يا بنتى وما ليكى على يمين لو كنت أقدر كنت جيت لحد عندك وهريتك تحرش لكن أنتى عارفة خشونة الركبة وتيبس المفاصل وارتخاء الأطراف، حاولى مرة تانية لازم الجزء دا من الرسالة يخلص قبل الترم".
وضعت سماعة التليفون ورحت أضرب أخماسًا فى أسداس، كيف أجد متحرشًا ابن حلال لا يذهب فى تحرشه بعيدًا أو عميقًا؟ .
أخيرًا وجدتها. لماذا لا أذهب إلى مدارس الثانوى وهناك سأجد بغيتى. حسبت حساب مزاج الطلاب فوضعت لبانة  فى فمى (يعنى قال) ووقفت أمام مدرسة شاع ذكر طلابها بكل سوء، حانت لحظة التجربة وبدأ الطلاب فى الخروج الفوضوى الهمجى من داخل المدرسة إلى الشارع، لاحظت أولاً أن الأولاد (يا عينى) حالهم يصعب على الكافر. العيال مثل أعواد قصب ممصوصة (هم دول اللى حيتحرشوا بيا .. بلا خيبة) صدقت توقعاتى ولم يتحرش بى ولو ربع طالب. العيال زى ما يكون كانوا فى سجن وما صدقوا يخرجوا منه. لم ألفت نظر أحد منهم. عدت إلى بيتى وقد ركبتنى هموم الدنيا. يعنى خلاص كل البلد تابت؟ أم يكون الموضوع خاص بى أنا بحيث لا ألفت نظر أحد؟ كبرت فى دماغى ونسيت الرسالة والأهداف العلمية ورحت أبحث عن متحرش لأثبت لنفسى أولاً أن سنوات العنوسة لم تقض على أنوثتى، همت على وجهى فى الشوارع فلم أفز سوى بجمل بذيئة تسد النفس ولا يمكن (علمياً) إدراجها تحت بند التحرش، يعنى واحد من مقاطيع الشارع صرخ فى وجهى وهو يشير إلى بنطلونى الأسود قائلاً: "ميت مسا على أحلى غراب" هل هذا تحرش؟
 بعد عودتى لمنزلى سألتنى أمى عن سر الهموم التى تحتل قسمات وجهى، حكيت لها الموضوع من طقطق لسلامو عليكم، كانت ماما متفهمة لأهداف البحث العلمى كما كانت متفهمة أكثر لمشاعرى الأنثوية التى نفض لها شباب المتحرشين وشيوخهم، مالت علىّ ماما ربنا يخليها لى وقالت هامسة: "مفيش غيره أخوكى مقصوف الرقبة محسن، دا عارف كل أسطوات التحرش أسطى أسطى، جرجريه فى الكلام وهو هيرسيكى على البير وغطاه، ويا ريت تخديه معاكى يراقبك من بعيد لبعيد محدش يضمن الظروف".
خرجت ماما من غرفتى وأرسلت لى مقصوف الرقبة شقيقي الشاب الروش "محسن" وهو أحد الذين يعتنقون مبدأ أن الصياغة أدب مش هز أكتاف، كلمة منه وأخرى منى، استطعت جرجرته فى الكلام  فعرفت منه أن نادى الزمالك الواقع فى شارع التحرش الأعظم، أعنى شارع جامعة الدول قد تحرش به نادى الأوليمبي تحرشًا كاد يصل لحد ارتكاب فعل فاضح في الطريق العام وهزمه بثلاثية قاسية. اختمرت الفكرة فى رأسى، سألبس ملابس حمراء فاقع لونها وأمسك بعلم النادى الأهلى وأتمخطر أو أتحنطر أمام مقر نادى الزمالك، طبعاً جمهور الزمالك الذى لا يكره فى حياته شيئاً ــ كما أسمع ــ مثلما يكره علم الأهلى، سيرسل ولو مشجعاً واحداً يتحرش بى وهكذا أحصل على المراد.
نفذت الخطة وما إن تمخطرت بأحمرى الفاقع حتى هجم علىّ عشرة رجال أشداء يكفى الواحد منهم للتحرش بأنثى الفيل شخصياً، عندما رأيت الشرر يتطاير من عيونهم كدت من فرحى أفقع زغزودة مدوية، فبدلاً من متحرش واحد هناك ــ خمسة وخميسة ــ فى عين العدو عشرة متحرشين، اقترب منى الأول وعضلاته متحفزة (بشرة خير) وصرخ فى وجهى: "يا أهلاوية يا بنت الـ .... جاية تشمتى فينا قدام نادينا. هو مش كفاية علينا هولمان وأبو العلا؟ عليها يا شباب".
ما إن قالها حتى ضرب الغاضبون حولى حصارًا متينًا، وعينك يا عزيزى لا ترى إلا النور، أكلت حتة علقة ما أكلهاش حرامى جزم فى جامع، وخرجت من مولد التحرش بكدمات شديدة لازلت أعانى منها.
 _____________________________
الديار - الثلاثاء 25 نوفمبر 2008م - العدد الثانى

الثلاثاء، 18 نوفمبر 2008

يوميات مواطنة.. لما قلت يا تحرش.. كل البلد تابت (1ـ 2)

                                


أصبح التحرش بالنسبة لى مثل الغول والعنقاء والخل الوفى. أسمع عن التحرش دون أن أراه، فلم يحدث أن تحرش بى أحدهم بأى شكل من أشكال التحرش بداية من يا ( جميل.. يا مقلوظ)  ونهاية بأن يمسك أحدهم منطقة توصف دائمًا بالحساسة من جسدى. الحق أن تجاهل المتحرشين لشخصى أزعجنى جداً فهل بلغت دمامتى حدا يجعل المتحرشين لا يفكرون مجرد التفكير فى التعرض لى؟
أعتقد أننى عادية  لست جميلة جمالاً لافتًا، كما أننى لست قبيحة قبحًا منفرًا، تستطيع التعامل معى بطريقة (أهى حاجة على ما تفرج)  كما يمكنك النظر لى بوصفى طبق شوربة  تسكت به جوعك إلى أن تحصل على طبق اللحم المعتبر.
الأمر ليس به أى تواضع كاذب تستخدمه النساء للحصول على مزيد من الإعجاب، ولذا لا تضيقوا بى عندما أقول إننى أمتلك ساقين جميلتين وأنف رومانى شامخ وعينين سوداوين.
بالجملة أنا لا أخلو من بقع جمال.
لذا لماذا لم يتحرش بى متحرش؟
قلت هو الحجاب، ولكن ما أكثر المحجبات والمختمرات بل والمنتقبات اللاتي ترتفع أصواتهن بالشكوي من التحرش ( هل يكذبن لتحسين سوقهن؟).
فكرت في التخلي عن الحجاب ولو ليوم واحد يتحرش فيه أحدهم بى ثم أعود لحجابى.
نسيت أن أقول إننى أسعى وراء التحرش لهدف نبيل (آه والله نبيل) والحكاية وما فيها أننى أعد رسالة فى علم من العلوم الإنسانية وهناك جزء عملى لابد أن أقوم به وجاء حظى أو قل رغبة أستاذى أن يكون هذا الجزء خاصاً بمشاعر المتحرش بها لحظة التحرش وبعدها.
تأكدت أن خلع الحجاب ولو ليوم مكلف جداً (شعرى يشبه سلك المواعين) وخلع الحجاب معناه الذهاب إلى الكوافير وهذا معناه ذهاب نصف مرتبى الحكومى الكبير جداً!!!!!!!!!!.
وضعت قائمة بالأماكن التى يكثر فيها التحرش وحصرتها في:
1-    طوابير الجمعيات الاستهلاكية.
2-    طوابير أكشاك الخبز.
3-    داخل الأتوبيسات "ق. ع" خاصة خط سبعة بشرطة عمرانية / عتبة.
4-    داخل عربات المترو وخاصة ساعات الذروة (كل ساعات اليوم تقريباً).
ضربت البادى الأحمر على الجينز الأسود على الطرحة المدندشة وذهبت للوقوف فى طابور أول جمعية صادفتنى كانت دهشتى عظيمة عندما لم أر أى طابور أمام الجمعية.
تجرأت وسألت أحد الموظفين عن سر غياب طوابير الجمعية التى كانت أشهر من نار على علم؟ أجابنى الموظف مبتسماً: دا كان زمان يا ست لما كانت الجمعيات جمعيات، ثم قال الرجل كلاماً كثيراً معناه أن طوابير الجمعية أصبحت من  الفلكلور مثل أغنية "وحوي يا وحوي".
تركت الجمعية وذهبت إلى أكشاك العيش كانت الطوابير مبشرة بحصولى على واقعة تحرش نموذجية ولكن عندما أمعنت النظر فى الطوابير كانت خيبة أملى تركب أعلى جمال العالم، كانت الطوابير مقصورة على النساء فقط وثمة طابور به بعض الصبية الذين لا يمكنهم التحرش وحتى لو تحرشوا فلن أحصل على "زخم" المادة العلمية كما أريد.
الأمر لصاحب الأمر، تحركت باتجاه محطة الأتوبيس، حتماً داخل الأتوبيس سيحدث المراد، انتظرت الأتوبيس لأكثر من ساعة وعندما جاء مكتظًا بطريقة لم تسمح لى بوضع قدمى على سلمه.
إذا لم يبق سوى حبيب الكل المترو، جاء المترو بعد عذاب انتظاره، لم ألتفت إلى الزحام الذى جعل الركاب يغرقون فى عرقهم (الزحام هنا هو جزء من التجربة)  قفزت برشاقة غزال متعمدة الاصطدام بأكثر من رجل توسمت فيهم الخير ولكن يا ميت ندامة على الرجال!
الرجل الأول كان مهذبًا واكتفى بالنفخ ثم استدار وأعطانى ظهره.
الرجل الثانى كان شابًا وسيمًا صاح فى وجهى: "مش تحاسبى!! حاجة تقرف".
تخيلوا شاباً يقول لـ"مزة" حاجة تقرف!
الرجل الثالث جاب من الآخر إذ نظر إلى نظرة كاشفة ثم بسط كفيه باستسلام مهزوم بما يعنى أن الأمر "بح" كان وانتهى.
غادرت المترو وأنا أسب "الفراخ البيضاء التي نكست رءوس رجالة البلد".
في طريقى لمنزلى فكرت فى الذهاب لقسم شرطة لأحصل على تحرش قانونى ولكن تراجعت خوفاً من أن يفهمنى الباشا الأمين غلط ويقوم بنفخى بدلاً من التحرش بى.
__________________________________
جريدة الديار - الثلاثاء 18 نوفمبر 2008م - العدد الأول