الاثنين، 30 يناير 2006

الزرقاوي فتوة الشوارع .. الذى أصبح أسطورة رعب




 


أتى علىّ من الدهر تعلقت فيه بوهم خائب بثته أجهزة إعلام أشد خيبة ( ليس للزرقاوي من وجود وما هو إلا محض أسطورة اخترعها الأمريكان).

كانت قسوة الدم الذي يريقه هذ الرجل بلا حساب تدفعني للتشبث بهذا الوهم الخائب هربًا من كابوس يحاصر أمة لم تعد تملك من أمر نفسها شيئاً، فهي إن نجت من صواريخ بوش لم تفلت من فتاوى الزرقاوي وسيوفه.

شاء صديقي الباحث المهتم بالشأن الإسلامي الأستاذ حسام تمام أن يقطع بسكين اليقين كل حبال الأوهام التي تعلقت بها وأهداني هذا الكتاب الذي سأعرضه عليكم والذي تقول بياناته الرئيسة، إنه كتاب الزرقاوي الجيل الثاني للقاعدة، مؤلفه هو " فؤاد حسين" صحفي، وإعلامي أردني، تعرف علي الزرقاوي عام 1996 أثناء وجودهما معتقلين في سجن سواقة الأردني، وعمل فؤاد مراسلاً حربيًا أثناء الغزو الأمريكي للعراق لصالح تليفزيون المنار.

والطبعة التي معنا هي الطبعة الأولى وصادرة في صيف 2005 عن دار نشر الخيال ببيروت، وعدد صفحاتها 303 صفحات وثمن النسخة عشرة دولارات أمريكية.

ينقسم الكتاب إلى ستة فصول وهي على التوالي "شخصية الزرقاوي"، "أفكار الزرقاوي"، "قالوا في الزرقاوي"، "نبذة عن شخصية بن لادن"، "الزرقاوي من أين وإلى أين؟"، "القاعدة من أين وإلى أين؟"، ثم هناك فصل سابع وأخير وهو "الملاحق الوثائقية" ويشتمل على أبرز سبع خطب ألقاها الزرقاوي.

إن جاز لي أن أحكم علي أهمية الفصول قبل أن أشركك معي في تصفحها لقلت إن أبرز وأهم فصلين هما: "أفكار الزرقاوي" "وقالوا عن الزرقاوي"، فمنهما ستعرف الزرقاوي وكأنك صاحبته.

في الفصل الأول يقول المؤلف: إن أحمد فضيل الخلايلة "المشهور عالميًا باسم الزرقاوي" ولد في مدينة الزرقاء بالأردن في الثلاثين من تشرين أول/ أكتوبر عام 1966 لأسرة فقيرة تنتمي لعشيرة بني حسن وهي من كبري عشائر الأردن وتستوطن البادية الممتدة من حدود الأردن مع العراق وسوريا وصولاً إلى مدينتي الزرقاء وجرش بوسط الأردن.

قبضايات المقبرة

عاش الزرقاوي طفولته في حي شعبي مكتظ بالسكان وعلي مقربة من هذا الحي كانت توجد مقبرة حي المعصوم وهي التي ستصبح مكان لعب ولهو الطفل أحمد فضيل مع أقرانه وفيها عرف الأشرار والأخيار ولم يكن أمامه إلا حماية نفسه بساعديه فعرف عنه أنه أحد قبضايات الحي لا يجرؤ أحد على التعدي على أي من أصدقائه أو أقاربه، واصل الزرقاوي الدراسة حتي الصف الثاني الثانوي وكان أحد المتفوقين إذ حصل على 87% من الدرجات في نهاية العام الدراسي ولكنه لم يكمل تعليمه، وخرج لسوق العمل فعمل فترة لا تتعدى الشهر في قسم الصيانة ولكنه ترك العمل بناء على طلب والده.

مسجد عبدالله بن العباس

عندما غادر الزرقاوي مقاعد الدراسة وعنابر العمل وسن المراهقة عرفت قدماه الطريق إلي مسجد عبدالله بن العباس المجاور لبيته ليصبح المسجد هو بيته الثاني، وفي ساحته تلقفه أصدقاء جدد معظمهم من المنتمين إلى جماعات إسلامية لا تجمع على شيء مقدار إجماعها علي تحريض الشباب على الجهاد والاستشهاد.. يومها كان الجهاد ضد الشيوعيين المحتلين لأفغانستان هو الطريق المتاح لعشاق الاستشهاد مع أن فلسطين كانت الأقرب للعرب عامة وللأردنيين خاصة ولأبى مصعب على وجه أخص بحكم الوجدان والجغرافيا، ولكن هذا ما حكمت به المخابرات الأمريكية والأنظمة العربية.

إذن هاجر أبو مصعب شأن آلاف غيره إلى أفغانستان وكان ذلك في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، وكان قبيل هجرته قد استمع إلى محاضرة ألقاها في الأردن عبد رب الرسول سياف المجاهد الأفغاني الشهير، فكانت النقطة الفاصلة التي اتخذ على إثرها قرار السفر إلى حيث يقيم عبدالله عزام وأسامة بن لادن وغيرهما من كبار المجاهدين ضد السوفييت.

الاستماع إلى عبدالله عزام

بعد أن أنجز الزرقاوي تدريبه العسكري، انخرط في صفوف المقاتلين وشارك في فتح خوست عام 1991 وشهد دخول المجاهدين إلي العاصمة كابول كما قاتل على أسخن الجبهات وتحديدًا مع جلال الدين حقاني وقلب الدين حكمت يار وهما الزعيمان الأفغانيان المطلوبان على القوائم الأمريكية إلى جوار رفيقهما الزرقاوي. في أفغانستان تشكل الضلع الثاني من شخصية الزرقاوي علماً بأن الضلع الأول هو علاقته الروحية الملتبسة بالقداسة التي تربطه بأمه والضلع الثالث والأخير هو الانعكاس التاريخي علي شخص الزرقاوي، أما الضلع الذي نحن بصدده فيعني به المؤلف مقابلة الزرقاوي بعبدالله عزام شيخ المجاهدين العرب، وعزام إضافة إلى عصام البرقاوي المعروف باسم أبو محمد المقدسي يمثلان المرجعية الفكرية للزرقاوي. بعد الانسحاب السوفيتي من أفغانستان واشتعال القتال بين فصائل المجاهدين لم يعد للأفغان العرب عدو، فعاد من استطاع منهم إلي بلده ليبحث عن عدو جديد، وكان الزرقاوي أحد هؤلاء العائدين.

التنظيم الأول



عندما عاد الزرقاوي إلى بلده التقي مجدداً بأبي محمد المقدسي الذي سبق له مقابلته في بيشاور بباكستان .

أبو محمد المقدسي "عصام البرقاوي" أنهي تعليمه في السعودية متخصصاً بالعلوم الشرعية، هو فلسطيني المولد كويتي الإقامة، له كتب شهيرة يحرص شباب الجماعات الإسلامية على مطالعتها ومن أشهرها كتابه: "ملة إبراهيم ودعوة الأنبياء والمرسلين"، وهو مكرس لفكرة التوحيد لله وتكفير كل من يحكم بغير الشريعة الإسلامية، أما الكتاب الثاني فهو: "الكواشف الجلية في كفر الدولة السعودية" وكان لهذا الكتاب أهمية قصوى في زرع بذور العنف الذي تشهده السعودية إذ اعترف الذين قاموا بتفجيرات الخبر، والرياض، في منتصف التسعينيات أنهم تأثروا بمؤلفات المقدسي، بل إن أحد المتهمين وهو عبدالعزيز المعتصم قال قبل إعدامه إنه التقي المقدسي في الأردن وأخذ منه مؤلفاته وعمل على نشرها في جزيرة العرب.

وإذا كان ذلك حال من قرأ للمقدسي فكيف سيكون حال الزرقاوي الذي أسس مع المقدسي تنظيم "جماعة التوحيد" في عام 1993، الزرقاوي والمقدسي حددا لتنظيمهما هدفين، الأول: تعبئة الشباب بالفكر الذي يؤمنان به كمرحلة أولى تنتهي بجمع السلاح والتدريب على القتال والهدف الثاني القيام بعمليات ضد إسرائيل.

المقدسي المتخصص في العلوم الشرعية تولي تحقيق الهدف الأول وقام بإلقاء الدروس والمحاضرت في المساجد وأماكن تجمع الشباب بهدف ضمهم إلى التنظيم.

ولأن الزرقاوي وصاحبه كانا عديمي الخبرة التنظيمية فقد وقعا وأصحابهما في أيدي الأمن وذلك في 29 آذار مارس عام 1994 وقدموا للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة في قضية أطلقت عليها السلطات الأردنية اسم "بيعة الإمام".

مؤلف يلتقي ببطله

بعد انتهاء التحقيقات انتقل أبو مصعب والمقدسي، وأصحابهما إلى سجن سواقة، الصحراوي وهو على بعد 85 كم جنوب العاصمة عمان.

كان السجن وقتها يضم أكثر من 6 آلاف معتقل من أشهرهم "عطا أبو الرشقة" قائد حزب التحرير في الأردن وهو الآن أمير الحزب على مستوى العالم، والنائب الإسلامي والنقابي الشهير المهندس ليث شبيلات بعد قليل سيستقبل السجن، مؤلف كتابنا فؤاد حسين على إثر مقالات كتبها منتقداً رئيس وزراء الأردن أيامها عبدالكريم الكباريتي.

كان أول من استقبل مؤلف كتابنا هو النائب ليث شبيلات الذي حذره من زيارة غرفة الزرقاوي وجماعته قائلاً له: "أنا نائب طروحاتي ومنطلقاتي إسلامية ولا يقبلونني فكيف ستكون نظرتهم إليك، وأنت لست إسلاميًا؟".

ولما رأى شبيلات إصرار فؤاد على مقابلة أبي مصعب وجماعته قال له: كن حذرًا في كلامك معهم فإن ضيوفك كوباً من الشاي فهذا مدعاة اطمئنان وإلا فأحسن الخروج من عندهم بسرعة".

دخل مؤلف كتابنا فؤاد حسين غرفة الزرقاوي وفاز بكوب شاي الضيافة وتلقى ترحيبًا جميلاً من أبي مصعب، خاصة وقد وعد فؤاد بنشر روايتهم لقضيتهم بعد الإفراج عنهم. خلال تلك المقابلة كان أبو مصعب صامتًا وتولى المقدسي الكلام فقط قال أبو مصعب إنه سجن بزنزانة انفرادية على مدى ثمانية أشهر ونصف الشهر فقد فيها أظافر قدميه جراء التعذيب الشديد الذي تعرض له.

يشهد المؤلف أن أبا مصعب في سجنه كان قليل الكلام لا يهتم سوي بحفظ القرآن وقيام الليل والتعمق في القراءات الدينية مع اهتمامه البالغ بالتمارين الرياضية.

وكان الزرقاوي في سجنه يتعامل بشخصيتين الأولى: مع جماعته إذ كان لهم الأب الحاني الكريم الودود اللطيف يحرم نفسه من النقود القليلة التي هو بأمس الحاجة إليها ويعطيها لأي من رفاقه إذ شعر بحاجته إليها، بل ويخلع ثيابه ويهديها لرفيقه إذا أبدى إعجابه بها ولكنه ينزل العقاب بأي شخص من أعضاء مجموعته إذا خالف الأوامر أو خرج عن رأي الجماعة.

الشخصية الثانية يصفها المؤلف بأنها غاية الجلافة، ويتعامل بها مع كل الجهات الرسمية، ولم يكن يسمح لأي جهة رسمية بالتعامل مع جماعته إلا من خلاله هو، كما كان يميل إلي الانطواء والعزلة لدرجة أنه كان يلقب بـ "الغريب" وهو اللقب الذي عرف به في أفغانستان وكان أحب الألقاب لديه.

المؤلف يخرج الزرقاوي من الحبس الانفرادي.

يحكي فؤاد حسين أنه بعد أسبوع من وصوله إلى السجن تلاسن الزرقاوي مع حارس أراد كسر شوكة الزرقاوي أمام جماعته، فما كان من إدارة السجن إلا إيداع أبو مصعب في زنزانة انفرادية، المقدسي منظم التنظيم ومفكره حاول مفاوضة إدارة السجن لإخراج الزرقاوي من الحبس الانفرادي، ولكنه فشل وعلى ذلك اقترح المعتقلون السياسيون ــ وكانوا من شتي أطياف المشهد السياسي الأردني ــ أن يفاوض فؤاد حسين الإدارة نيابة عن الجميع مع تضامن كل المعتقلين مع أبي مصعب بعد جهد نجحت المفاوضات وعاد الزرقاوي إلى غرفته مع جماعته ويومها أدرك المؤلف أن أبا مصعب الزرقاوي لن يعود إلى الأردن ثانية إن تمكن من مغادرتها.

سيرة نور الدين زنكي

لماذا اختار أبو مصعب الزرقاوي العراق لتكون قاعدة انطلاقة نحو تحقيق حلم دولة الإسلام؟ يجيب مؤلف كتابنا فؤاد حسين: أن الزرقاوي وقع في هوى شخصيتين من شخصيات التاريخ الإسلامي، الأولى هو نور الدين زنكي والثانية هو صلاح الدين الأيوبي، وهذا هو ما سبق للمؤلف أن أطلق عليه "الانعكاس التاريخي"، وهو الضلع الثالث من أضلاع شخصية الزرقاوي.

كان أبو مصعب أينما حل أو ارتحل يبحث عن الكتب التي تتحدث عن زنكي، أو صلاح الدين، فزنكي انطلق من "الموصل" بالعراق، إلي بلاد الشام ليواجه الصليبيين، أما صلاح الدين الأيوبي فقد أكمل الشوط وصولاً إلى مصر. من هنا يمكننا فهم لماذا العراق؟ إنها محطة البداية وبغداد مع دمشق والقاهرة عواصم ثلاث يراها أبو مصعب القاعدة الذهبية لإقامة دولة الإسلام كما سبق وأن رآها زنكي وصلاح الدين.

الزرقاوي يكفر القاضي

عندما جاء وقت المحاكمة، ترافع أبو مصعب عن نفسه، لم يلجأ إلى الدفاع، بل بادر بالهجوم وقف أمام قاضيه وصرخ "أيها القاضي بغير ما أنزل الله تعلم أن خلاصة دعوتنا متمثلة بقوله تعالى: ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن أعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت"، فالقضية ليست قنابل وسلاح وإنما هي قضية دعوة ، توحيد ودين، أيها القاضي بغير ما أنزل الله إذا عرفت هذا وظهر لك الكفر البواح والشرك الصراح واتخاذ غير الله مشرعًا، عرفتم أن كل من قبل بهذا قد اتخذ المشرعين أرباباً من دون الله، يشركهم مع الله في عبادته.

بعد مضي حوالي ست سنوات على سجنه غادر أبو مصعب المعتقل في آذار/ مارس 1999 نتيجة عفو ملكي أصدره الملك الشاب عبدالله الثاني مزيحاً عن كاهله إرث خصومات والده الملك الراحل. غادر الزرقاوي المعتقل لتبدأ الحلقة الثانية في مسلسل حياته.

العودة إلي أفغانستان

فور مغادرته السجن توجه الزرقاوي إلى باكستان تمهيداً للسفر إلى الشيشان ليواصل مواجهته مع الروس، السلطات في باكستان ألقت القبض عليه بسبب انتهاء مدة إقامته القانونية، ولذا لم يكن أمامه سوى الدخول إلى أفغانستان لأن خيار العودة إلي الأردن لم يكن مطروحاً أصلاً.

في تلك الأيام كان الصراع علي أشده بين الأفغان. نأى الزرقاوي بنفسه عن ذلك الصراع وعاد إلى أحضان القاعدة التي لم يكن علي وفاق معها لأنه يراها ــ هنا أرجوك وضع كل علامات التعجب ــ ليست متشددة كما ينبغي.

الكلام عن الهجرة الثانية لأفغانستان يلزمنا بأن نقفز من الفصل الأول الذي نعرضه إلي الفصل الثالث الذي عنوانه: "قالوا عن الزرقاوي"، فهناك سنجد تاريخًا مفصلاً لإقامة أبي مصعب الثانية في أفغانستان وذلك من خلال شهادة الرجل الثالث في تنظيم القاعدة محمد المكاوي، المعروف باسم سيف العدل التي أرسل بها للمؤلف فؤاد حسين.

شهادة محمد مكاوي

يجدر بنا قبل عرض شهادة محمد مكاوي أن نشير إلي أن المؤلف قد حصل علي شهادتين أخريين الأولى لـ "المقدسي" "الأب الفكري" للزرقاوي، والثانية لـ "أبو المنتصر" رفيق الزرقاوي في سجنه وسنعرض لهما في موضوع لاحق.

كما لا تفوتنا الإشارة إلي أن مكاوي المعروف باسم سيف العدل، هو من كان ضابط القوات الخاصة بالجيش المصري برتبة مقدم واشترك في إعادة تنظيم الجهاد، ثم أصبح الرجل الثالث في القاعدة.

يقول محمد مكاوي: فرحنا كثيراً بإطلاق سراح الزرقاوي وجماعته في أوائل 1999 ولم نفاجأ بوصولهم إلى باكستان لأن المعلومات المتاحة لنا كانت تشير إلى أن أبا مصعب يقصد الذهاب إلى الشيشان عبر باكستان، وبعد مشاكله مع الأمن الباكستاني، دخل أبو مصعب إلى أفغانستان وذهبت إلي مقابلته في بيت الضيافة المخصص لإقامة الضيوف والقادمين الجدد.

استقبلني أبو صعب وكان معي أخ مصري من تلاميذ الشيخ عمر عبدالرحمن، ووجدت أبا مصعب رجلاً صلب البنية لا يتقن فن الكلام كثيراً، يعبر عما يجول في نفسه بكلام مقتضب، لا يتنازل عن شيء يقتنع به لا يهادن ولا يساوم لديه هدف واضح يسعي لتحقيقه وهو إعادة الإسلام إلى الحياة البشرية، تجربته في الحياة والعمل ليست كبيرة ولكن طموحه كبير.

تحدثنا على مدار خمس ساعات سمعنا منه ولم نناقشه لحرصنا على كسبه إلي جانبنا وكانت خلافاته الفكرية مع القاعدة تنحصر في: قضية الولاء والبراء وما يتعلق بهما من مواضيع التكفير والإرجاء.

يواصل مكاوي شهادته قائلاً: في صبيحة اليوم التالي على مقابلتي بالزرقاوي اجتمعت مع الشيخين بن لادن والظواهري وحصلت منهما على تفويض بالتعامل مع الحالات التي تشبه حالة أبي مصعب وذلك لحرصنا علي التواجد في منطقة الأردن وفلسطين تمهيداً للمواجهة مع إسرائيل.

يواصل "محمد مكاوي" سرد شهادته التي كتبها بخط يده وأرسلها للمؤلف فيقول بعد حصولي على موافقة بن لادن والظواهري بالتعامل مع حالة الأخ أبو مصعب قابلت أبا مصعب وعرضت عليه مشروع تعاونه مع القاعدة، كانت النقطة الأساسية في المشروع تقوم علي ضرورة إيجاد منطقة في أفغانستان يتم فيها إنشاء معسكر بسيط للتدريب اليومي يقوم الأخ أبو مصعب بالإشراف عليه ويهدف المعسكر إلى استقطاب إخوة من الأردن وفلسطين وسوريا ولبنان والعراق وتركيا لأهمية تلك المناطق بالنسبة للقاعدة.

وبالفعل نجحنا في إقامة العسكر بمدينة "هيرات" وهي أقرب مدينة أفغانية إلى الحدود الإيرانية، وكان هذا الاختيار مهما لأن إيران أصبحت معبرًا للإخوة بعد أن فقدنا معبر باكستان التي راحت تضيق علينا وعلى تحركنا.

بدأ أبو مصعب التدريب ولم يكن معه أيامها سوي الأخ خالد العاروري والأخ عبدالهادي دغلس إضافة إلى اثنين من سوريا أي أن كل المعسكر كان خمسة أفراد.

ذهبت بعد شهر لزيارة المعسكر وكانت معي ثلاث سيارات محملة بما يلزم الإخوة من مواد، فوجدت الوضع مختلفاً إذ إن أسرة سورية قادمة من تركيا قد انضمت إلى المعسكر مما جعل طعام أبو مصعب جميلاً وشهياً.

تبين لي أن الزرقاوي قد أنجز خمس خطوات حاسمة خلال شهر واحد.

1- استطاع ورفاقه تمتين علاقتهم مع الإخوة في طالبان الموجودين في منطقة المعسكر، وهو الأمر الذي جعل مسئولي طالبان مستعدين لوضع إمكاناتهم في خدمة المعسكر.

2- العدد الذي تركناه في المعسكر كان خمسة أفراد فقط أصبح الآن 18 شخصاً .

3- بالتعاون مع السوريين أعد أبو مصعب برنامجاً عسكرياً وثقافياً وتعبويًا رائعًا.

4- رسم الزرقاوي ورفاقه تصورًا لمجتمع متكامل في ظل توقعاتهم بأن المئات من الإخوة وعوائلهم سوف يصلون إلى هيرات قريباً.

5- أرسل أبو مصعب إشارة إلي إخوانه بالأردن يبشرهم فيها بنجاحه في أفغانستان ويطلب إرسال عياله وعيال خالد وعبدالهادي وكذلك فعل الإخوة السوريون وهذا يدل على قناعتهم بنجاح المشروع.

انهيار طالبان

نصل إلي الجزء الأخير من شهادة محمد مكاوي وهو خاص ببداية الاحتلال الأمريكي لأفغانستان يقول مكاوي: إن تعاوننا مع إيران كان مع أفراد مخلصين شديدي العداء لأمريكا واليهود ولم يكن هناك تنسيق مع الحكومة الإيرانية، فعندما بدأت الحرب كانت منطق هيرات التي بها معسكر الزرقاوي تضم نسبة مهمة من الشيعة الذين استغلوا قصف الأمريكان لمعسكرات طالبان وقاموا بالسيطرة على المدينة وأسر مجموعة من رفاق الزرقاوي، الذي جمع 25 مقاتلاً من جماعته وصلى بهم صلاة الحاجة ثم هاجم المنطقة التي احتجز فيها الشيعة أصحابه واستطاع تخليص أصحابه من الأسر في مهمة شبه مستحيلة.

ثم قام الزرقاوي بالخروج من هيرات متوجهاً إلى مركز القاعدة وطالبان في قندهار في قافلة مكونة من 135 سيارة كان الطريق إلى قندهار طويلاً والطيران الأمريكي يحلق ويحوم فى كل أرجاء أفغانستان إلا أن القافلة وصلت إلى قندهار سالمة.

بعد انتهاء المعارك الرئيسية اختار أبو مصعب ورفاقه من الأردنيين والفلسطينيين الذهاب إلى العراق وذلك لاقتناع الزرقاوي بأن أمريكا ستغزو العراق لا محالة ويجب عليه أن يكون بانتظارها.

كنت متفقاً مع رأي الزرقاوي وأري أن دخول أمريكا للعراق سيتيح لنا لعب دور مهم في المقاومة مما يمثل فرصة تاريخية لإقامة دولة الإسلام.

حاولنا عبور إيران كما كنا نفعل إلا أن الأمريكان كانوا قد لمسوا أن الإيرانيين يغضون الطرف عن نشاطنا فشن الأمريكان حملة إعلامية مركزة على طهران دفعت الحكومة الإيرانية إلى ملاحقة واعتقال المنتمين إلينا لدرجة أن 80% من قوات الزرقاوي وقعوا في الأسر وهو الأمر الذي أفشل وأربك خطط القاعدة بنسبة لا تقل عن 75% من مجمل خططنا.

أخيراً ورغم كل شيء وصل الزرقاوي إلي العراق قبل الغزو الأمريكي وكان الإخوة في جماعة أنصار الإسلام، في شمال العراق مستعدين لتقديم أي معونة نطلبها ومن الشمال العراقي وصل أبو مصعب إلى وسط العراق حيث يعيش السنة لقيادة المواجهة مع الأمريكان.

شهادة المقدسى

بانتهاء شهادة محمد مكاوي التي عرفنا منها طرفًا من تاريخ عداوة الزرقاوي للشيعة، إضافة إلى تعاون إيرانيين مع القاعدة ننتقل إلى شهادة الأب الفكري للزرقاوي ونعني به عصام البرقاوي أبو محمد المقدسي.

بداية أعتذر لأنني لن أستطيع ترك الساحة لأبي محمد المقدسي يتكلم كيف يشاء، وهذا لأن شهادة الرجل عنوان على التناقض فهو كتبها في سجن قففقا بالأردن في جمادي الثانية 1425 الموافق أيلول سبتمبر 2004 يبدأ الرجل شهادته التي أرسلها للمؤلف بلحظة القبض عليه وعلى الزرقاوي وكيف مكثا شهوراً في زنازين المخابرات وكيف جهربعقيدته في وجه أعداء الله وصارحهم بكفرهم وكفر أسيادهم وطواغيتهم في الزنازين ومكاتب التحقيق ابتداء وبعد ذلك في المحاكم والسجون.

تخيل كل هؤلاء كفار وقبلهم الدولة السعودية، ومع الدولة السعودية النائب الإسلامي ليث شبيلات كما يأتي بيانه، ومع ذلك يختار المقدسي لشهادته عنوان "الزرقاوي مناصرة ومناصحة". وإن كنا نعرف أن المقدسي يناصر الزرقاوي فإننا لا نعرف كيف سينصحه ولا بأي شيء ينصحه.

بعد أن حكم منظر الزرقاوي بالكفر على الذين مر ذكرهم نصح الزرقاوي بعدم استهداف غير المقاتلين من أبناء العراق حتي لو كانوا كفاراً أو من النصاري، يا سلام ما أعظمها من نصيحة تصدر من رجل يحب التكفير محبته لعينيه، وبعد تلك النصيحة يحاول المقدسي الهروب من مسئوليته عن الدماء التي سفكت بسبب كتبه التي خطها بيمينه، فيقول ناصحاً للزرقاوي: يجب التحرز من سفك دماء المسلمين، ولو كانوا فجاراً أو عصاة.

بعد ماذا يا سيدنا؟ كيف لمفتي الدماء أن ينصح بعصمتها؟

عموماً تمضي الشهادة على هذه الوتيرة، رجل يحاول الهروب مرتدياً قناع المخلص الأمين على دماء المسلمين التي أهدرها بكتبه.

شهادة أبو المنتصر بالله محمد

تكتسب هذه الشهادة أهميتها من كونها تفضح ولع المقدسي بالتكفير وولع الزرقاوي بحب الإمارة والنرجسية المفرطة.

كان أبو المنتصر من المؤسسين لتنظيم دعوة التوحيد مع الزرقاوي وخالد العاروري والمقدسي، عندما تم اعتقال الجميع وفي ظلمة الزنازين تكشفت كل الحقائق لأبي المنتصر الذي يقول: شعرت أن أحمد فضيل "الزرقاوي" يتصرف لإمارته وأن المقدسي يتصرف لمشيخته، ، شعرت فيما يكتبه أنه لم يكن خالصاً لله بل ليقال بأن الشيخ كتب كذا وفعل كذا.

وحين تسلم أبو مصعب الإمارة في السجن أصدر أمراً بعدم مخالطة الإسلاميين المتهمين في قضايا أخرى، وحين تم سجن النائب شبيلات وتم وضعه في زنزانة انفرادية، تحرك أبو مصعب والمقدسي على الفور وقام المقدسي بكتابة وريقات لليث يكفرونه فيها بسبب تواجده في البرلمان.

عذراً أخي القارئ فهذه الجملة على وجه التحديد تجعلني أقطع سياق الشهادة وأتحسس رقبتي بل ورقاب كل العالم ماعدا الزرقاوي وجماعته إذ إنهم يرون كل منتسب للبرلمان والديمقراطية والقانون والدستور و... كافراً وهنا كان الواجب على مؤلف الكتاب الأستاذ فؤاد حسين أن يفتح أقواساً يناقش فيها تلك الفتاوى التي هي أشد خطراً من السيارات المفخخة، لأن معناها بكل بساطة أن أي متعامل مع أي شكل من أشكال الديمقراطية هو كافر دمه مباح ولا ندري بأي شكل من أشكال الحكم سيحكم الزرقاوي إن استطاع إقامة دولة الإسلام.

الآن نعود لسياق الشهادة يقول أبو المنتصر: إن الزرقاوي والمقدسي دسا الوريقات من تحت باب زنزانة ليث لتصل إليه، ثم قاما بنسخها وإرسالها لخارج السجن.

طبعاً ليعلم من لم يعلم حكم الزرقاوي والمقدسي على دم ليث شبيلات بالاستباحة ثم أمر الزرقاوي جماعته بمقاطعة الكافر ليث شبيلات ولكن أبو المتنصر تحدى هذا الأمر وذهب للسلام على ليث، وهو الأمر الذي أغضب أبا مصعب كثيراً وجمع أفراد جماعته وجدد أمره بعدم الكلام مع ليث شبيلات لأنه رجل متبوع وهو على الكفر لأنه نائب في البرلمان.

المفتي الكذاب

يواصل أبو المنتصر شهادته فيقول: إن أبا مصعب والمقدسي قررا الجلوس مع عطا أبو الرشتة مسئول حزب التحرير لتعرض كل جماعة ما عندها من أفكار على الجماعة الأخرى، وبالفعل بدأت الجلسة وتناقش الفريقان في مسألة تعريف الإيمان، وبعد انتهاء الجلسة الأولى يقول أبو المنتصر: فور عودتنا إلى غرفتنا أخذ المقدسي مفتي الزرقاوي يسطر أوراقاً بعنوان كبير "مناظرة المقدسي مع عطا أبو الرشتة".

مجدداً يؤكد أبو المنتصر أن المقدسي سطر الأوراق لينال بها الشهرة لأن ما حدث لم يكن مناظرة بحال من الأحوال.. نشر المقدسي أوراقه داخل السجن مما أغضب جماعة حزب التحرير التي تكلم بلسانها وليد حجازي والذي قال للمقدسي:

حجازي: يا أبا محمد ألم نتفق على أن الجلسة كانت للمناقشة فحسب؟

المقدسي: نعم هو كذلك.

حجازي: إذن لماذا كتبت أوراقاً ونشرتها دون أن تعلمنا؟

المقدسي: أنا لم أفعل.

حجازي: بل فعلت.

المقدسي: والله العظيم لم أفعل.

يعود أبو المنتصر ليصف كيف انتهت تلك المواجهة فيقول: إن وليد حجازي أخرج من خلف ظهره الدفتر الذي يحمل ورق المقدسي بخط يده وقال للمقدسي: لا تحلف فها هو الورق، ذهل المقدسي من هول المفاجأة ولم يدر بماذا يجيب.

يقول أبو المنتصر: لقد تكلمت على انفراد مع الزرقاوي وعضو الجماعة سليمان ضمرة وقلت: لهما يا أبا مصعب أنت الأمير وأنت تعلم أن المقدسي يحلف كذباً، كما فعل من قبل مع ليث شبيلات فكيف ترضي وتسكت؟ قال أبو مصعب: كلامك صحيح وسأراجع المقدسي وإن شاء الله سينصلح الأمر.

تكفير حركة حماس

مر بك أخي القارئ أن الزرقاوي وجماعته قد حكموا بالكفر على الدولة السعودية، وعلى قضاة المحاكم، وعلى ليث شبيلات وعلى كل من ينتسب للديمقراطية بنسب وجاء الآن الدور على الغلابة المساكين في حماس.

يقول أبو المنتصر: أستفتي بعض الإخوة داخل وخارج السجن المقدسي في عمليات حماس الاستشهادية ضد إسرائيل فقال المقدسي: إن هذه العمليات محرمة لكونها انتحاراً.

عذراً مجدداً إذ أقطع سياق الشهادة لأقول: إذ كان الزرقاوي ومفتيه يحكمان بحرمة تلك العمليات فلماذا يحصد الزرقاوي بسياراته المفخخة مئات العراقيين شهرياً، أم أن قتل العراقيين حلال وقتل الصهاينة حرام؟ أم أن الموضوع فيه كما يقولون "إن" أو سر خفي.

تصدي أبو المنتصر وعطا أبو الرشتة لفتوي المقدسي فما كان منه لأنه مراوغ كذاب ــ إلا أن أخرج فتوي جديدة يصفها أبو المنتصر بأنها فتوى الـ "لعم" أي أنها ليست بلا ولا بنعم وتجمع في الوقت نفسه بين نعم ولا.

ثم حدث أن استشهد قائد حماس الشهير الشهيد يحيي عياش فكتب أبو المنتصر قصيدة في رثاء عياش فغضب الزرقاوي وجماعته جداً لأنهم هكذا ببساطة كانوا يكفرون حماس وقادتها ومنهم المهندس يحيي عياش.

يختم أبو المنتصر شهادته قائلاً: إنه غادر السجن قبل الزرقاوي بعامين ولما تم الإفراج عن الزرقاوي ذهب إلى أبى المنتصر عارضاً عليه فتح صفحة جديدة وأن يعودا للعمل سوياً ولكن أبو المنتصر رفض العمل مع الزرقاوي وانقطعت بينهما كل السبل.

لماذا الشيعة؟

مر بنا موقف الزرقاوي من إيران التي اعتقلت 80% من قواته ومن الشيعة الذي أسروا قواته في هيرات، ولذا فقد جعلهم هدفاً يسدد إليهم ضرباته، فأرسل سيارة مفخخة يقودها الشيخ ياسين والد زوجته لتغتال محمد باقر الحكيم القائد الشيعي المعروف، ثم توالت عمليات الزرقاوي ضد الشيعة إلى أن وضع هو بنفسه النقاط على الحروف وقال في رسالة وجهها إلى الأمة الإسلامية: "يخطئ من يظن أن الشيعة من الإسلام وينبغي أن تعلمي أمة الإسلام أن التشيع دين لا يلتقي مع الإسلام إلا كما يلتقي اليهود مع النصارى تحت اسم أهل الكتاب وبعد هذا الجزم بكفر الشيعة عامة، يحملهم الزرقاوي كل مصيبة وقعت في دار الإسلام، فهم عنده من جلبوا التتار إلى بلاد الإسلام كما أنهم حلفاء اليهود والنصارى.

حقيقة يبدو موقف الزرقاوي من الشيعة منطقياً فالذي يكفر عضو برلمان لأنه عضو برلمان من السهل عليه تكفير أي أحد آخر.

بن لادن والسعودية

ولأن بن لادن هو رأس هذا الأمر كله يفرد له المؤلف فصلاً كاملاً وهو الفصل الرابع تحت عنوان "نبذة عن شخصية بن لادن".

وقد حفلت هذه النبذة بمعلومات كثيرة معروفة، وبأخرى أظنها لم تنشر من قبل، وحتى إن كانت قد نشرت فهي تلقي الضوء على خلافات الزرقاوي مع القاعدة بصدد الشأن السعودي.

يذكر المؤلف أن بن لادن كان قد عاد إلى بلده السعودية بعد الانسحاب الروسي من أفغانستان وكانت الهموم العامة للمسلمين تلح عليه فألقى محاضرة علنية في عام 1989 حذر فيها من خطورة النظام العراقي وتنبأ بأن صدام حسين سيقوم بغزو الكويت، هنا يجوز لي أن أفتح قوساً لأقول هل يمتلك بن لادن جهاز استخبارات فضح له أطماع صدام؟

يقول مؤلفنا الأستاذ فؤاد حسين إن المسئولين السعوديين ضاقوا بمحاضرة بن لادن، خاصة والسعودية في تلك الأيام كانت من أقوى حلفاء العراق في حربه مع إيران، وكان الملك فهد عائداً لتوه من زيارة للعراق.. وعليه فقد وجهت وزارة الداخلية السعودية تحذيراً لبن لادن بعدم ممارسة أي نشاط علني.

رسالة إلي الأمير

رغم هذا التحذير بادر بن لادن وكتب رسالة إلى الأمير أحمد بن عبدالعزيز آل سعود تضمنت نصائح عامة بضرورة إجراء إصلاحات شاملة في سياسة المملكة، ونصائح خاصة كرر فيها توقعه بغزو صدام للكويت وضرورة الاستعداد لمواجهة هذا الغزو.

وقد حرص الأمير نايف على مقابلة بن لادن حين بلغته نبوءة بن لادن حول أطماع صدام.

ثم تحقق توقع بن لادن واجتاح صدام الكويت، فقام بن لادن بكتابة رسالة ثانية ورفعها لحكومة بلاده شرح فيها وجهة نظره حول الطريقة المثلى لحماية السعودية من الخطر العراقي وقدم مجموعة اقتراحات لتعبئة الأمة ضد هذا الخطر وأضاف عرضاً بجلب جماعته من المجاهدين ليساهموا في عملية الدفاع هذه، وكان رد الحكومة العملي علي هذه الرسالة هو استدعاء الأمريكان، فجن جنون بن لادن وبدأ نهر الدم في الجريان ولم يتوقف بعد.

هذه اللمحة عن علاقة بن لادن بالحكومة السعودية تكشف لنا عن خلافه مع الزرقاوي الذي يري بداية أن الحكومة السعودية كافرة وبالتالي فصدام كافر ولا خير في إنقاذ أحد الكافرين، أما بن لادن فكان على استعداد للتحالف مع الحكومة السعودية ضد صدام ولما لم يسمع له أحد، فقد كان ما كان وما هو كائن.

بعد هذا العرض الموجز لهذا الكتاب الخطير نسأل علماء الإسلام متى يتصدون بجدية لفتاوى التكفير التى تدفع الأمة ثمنها كل يوم بل كل ساعة؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة القاهرة ــ 31 يناير 2006

الأحد، 20 نوفمبر 2005

لأن سوق المؤرخين (جبر) ... نبيل لوقا بباوي ( يتقمع) في ساحة المجلس الأعلى للثقافة

                   


    
هل تعرف الدكتور نبيل لوقا بباوي؟
إن لم تكن تعرفه فإليك بيانًا بمناصبه (وعد على أصابعك):
1_ عضو جمعية الإخاء الديني.
2_ عضو المجالس القومية المتخصصة.
3_ عضو اللجنة الاقتصادية بالحزب الوطني.
4_ أستاذ القانون بكليتي الحقوق والشرطة.
5_ عضو مجلس الشورى.
6_ لواء سابق بالشرطة.
7_ رئيس مجلس إدارة مجموعة شركات البباوي.
8_ كاتب بالأهرام وصحف أخرى.
9_ محاضر بالمؤتمرات ومتحدث بالندوات.
10_ ضيف دائم على الإذاعات والفضائيات وما يستجد من وسائل الإعلام.
11_ مؤيد ومبايع مزمن لأي إنسان يتولى حكم هذا البلد المنكوب بحكامه ومبايعيه.
الجديد في أمر اللواء الدكتور بباوي أنه أصبح عضوًا في لجنة التاريخ بالمجلس الأعلى للثقافة، اسمعك تقول كيف كان ذلك، واللواء الدكتور لم يضبط مرة متلبسًا، باقتراف جريمة الكتابة التاريخية.
أقول لك لعن الله الوسواس الخناس الذي أنساك أن اللواء الدكتور في حد ذاته يعد "فعلاً تاريخيًا جليلاً وجللاً".
هل نسيت أخي الكريم أن اللواء الدكتور هو صاحب اللافتات الشهيرة التي أقسم فيها وهو حانث أن سبعين مليون مصري يبايعون مبارك؟، وهل نسيت أنه ظهر في فضائية "دريم" ليقسم أن الأمن وحثالة ما يسمى بالحزب الوطني أبرياء من تهمة انتهاك عرض الصحفيات على سلالم نقابة الصحفيين؟ ثم هل نسيت أن ما يسمى بالحزب الوطني لا يغفل عن مكافأة رجاله؟ وها هو قد قدم المكافأة للواء الدكتور وجعل منه مؤرخًا يجالس المؤرخين ولا عزاء للمقريزي والجبرتي وشفيق غبريال.
أسمعك تقول أنا لا أعترض على إلحاق اللواء الدكتور بموكب المؤرخين العظاء فقط أهمس متعجبًا من قدرته الفذة على القيام بأعباء كل أعماله التي ذكرتها في صدر كلمتك.
معذرة أخي الكريم في هذه أيضاً لست محقًا فاللواء الدكتور ليس أول "المكوشين" ولا آخرهم، ألا ترى رئيس البلد شخصياً وهو "يكوش" على الرئاسة بالباطل وبالباطل منذ ربع قرن، ثم يحاول "التكويش" عليها لابنه من بعده؟ إن "التكويش" أصبح "عقيدة" مصرية إن بدأت بالرئيس لم تتوقف عند الممثل يحيي الفخراني الذي "كوش" في مسلسله على كل الأدوار فقام بأداء دور "الأب" و"الابن" وحمداً لله أنه لم يطمح في أداء دور "الروح القدس" ولأن قائمة المكوشين أكثر من أن تحصى فيجب علينا ألا نلوم اللواء الدكتور المكوش.
لنا فقط أن نتوقف قليلاً لنفحص "نفسية المكوش" والرأى عندي ــ إذا جاز لمثلي أن يكون له رأي في حكامه المكوشين ــ أن المكوش إنسان مريض تطارده عقدة النقص ، إضافة إلى ذلك "فالمكوش" أناني من الطراز الأول لا يرى سوى ذاته .
صاحبنا اللواء الدكتور المكوش سبق له وهو الذي جاوز الستين أن تقدم للجهات المسئولة طالبًا منحه جائزة الدولة التشجيعية فى التاريخ.
هل أطلت عليك؟ إذن اهتف معي "مات الهلال والصليب، وعاش نبيل لوقا بباوي"، أو ترنم معي "سوق المؤرخين جبر، وتقمع بباوي مؤرخًا فى ساحة المجلس الأعلى للثقافة".
__________________________
نشرت بجريدة العربي ــ 20 نوفمبر 2005
 

الأحد، 22 مايو 2005

أنا والمقدس بشاي لن نبايع الرئيس مبارك

في ميدان "الإسماعيلية" سابقًا، "أنور السادات" حاليًا، "التحرير" مستقبلاً (بحكم أن التحرير لم يبدأ بعد) زرع السيد الدكتور نبيل لوقا بباوي (كاتب دائم بالأهرام) لافتة حديدية (ربما خوفًا من أن يقتلعها أولاد الحلال) كتب فيها ما يلي: "70 مليون مصري، مسلمين ومسيحيين يقولون نعم لمهندس الوحدة الوطنية الرئيس مبارك، مجموعة شركات بباوي، د. نبيل لوقا بباوي".
انتهت لافتة الدكتور نبيل الذي ذكرني حرصه على الإعلان عن شركاته بنكتة اليهودي البخيل الذي كان يعمل في إصلاح الساعات والذي عندما مات ابنه نعاه قائلاً كوهين ينعي ابنه ويصلح ساعات.
طبعًا الدكتور نبيل له مطلق الحرية في تأييد الرئيس مبارك ولكن حريته مشروطة بعدم الاعتداء على حقوق الآخرين، فلو أنه كتب أنا أؤيد الرئيس لوضعت في فمي (جوز حمام وسكت) باعتبار أن ( جوز الحمام أرخص كثيراً من جوز أي جزمة إن شا الله تكون من باتا)  ولو أنه كتب أنا الدكتور نبيل (بالمناسبة هو دكتور في إيه؟) والسيدة حرمي نؤيد الرئيس مبارك ما كان لنا أو لغيرنا حق الاعتراض، أما أن يصادر أبو الدكاترة حق فريق لا يستهان به من الشعب المصري ويتحدث بلسانه فهذا ليس من حقه لا أقصد أنه صادر حق "كفاية" و"الإخوان" و"الناصريين" وباقي الفصائل المعارضة لمبارك، فهؤلاء يمتلكون وسائل يستطيعون من خلالها شرح موقفهم وإنما أقصد أنه صادر حقي أنا شخصياً ومع المقدس "بشاي" ، ولو سألتني من هو المقدس "بشاي" سأقول لك حتماً هناك مواطن مسيحي اسمه "بشاي" يعارض الرئيس مبارك وعلى من يكذبني إثبات عدم وجود مواطن مسيحي معارض اسمه "بشاي".

وعلى ما سبق فأنا أدعو السيد الدكتور اللواء الكاتب الأهرامي نبيل لوقا بباوي لأن يعدل الرقم الوارد في لافتته ويجعله 70 مليون مصري إلا نفرين يؤيديون الرئيس مبارك، وهذا التعديل سيضمن للدكتور الحسنيين معًا "الإعجاب الرئاسي" زائد استمرار نشر مقالاته في الأهرام، فإن لم يمتثل الدكتور لمطلبي المتواضع فهو بإذن الله وأقسم بمقام "سيدنا الحسين" وستنا العدراء سيدخل النار من أوسع أبوابها عقاباً له على مصادرة حقى وحق المقدس "بشاي" في معارضة الرئيس مبارك.
__________________________
نشرت بجريدة العربي ــ 22 مايو 2005

الثلاثاء، 17 مايو 2005

الأسد والثعلب




يحكى أنه فى سالف العصر والأوان كان الأسد رابضًا كعادته أمام عرينه يسامر أنثاه فجأة وقف ثعلب حقير أمام عرين الأسد وراح يكيل له الشتائم فى شجاعة قل نظيرها بين باقى رعية جلالة ملك الغابة.

أبدت السيدة زوج الأسد اندهاشًا عظيمًا مختلطًا بالغضب والحسرة وهى ترى زوجها ملك ملوك الغابة ساكنًا ذليلاً لا يجرؤ حتى على رد الشتائم على الثعلب الحقير. تكرر هذا الموقف مرات عدة وفى كل مرة كانت زوج الأسد تحرضه على الانتقام لشرفه.

وفى كل مرة كان الأسد يهرب من المواجهة زاعمًا أن جلال قدره يمنعه من الهبوط لمستوى الصراع مع ثعلب حقير. وفي أحد الأيام كان الثعلب قد مل توجيه السباب للأسد الصامت الساكن الذليل فأطلق قذائف شتائمه لتسقط على رأس السيدة زوج الأسد التى لم تستمع لنصائح زوجها بالتزام الهدوء وضبط النفس وتفويت الفرصة على الثعلب الذى يريد جر الغابة إلى معركة هى ليست مستعدة لها.

قررت السيدة زوج الأسد الانطلاق خلف الثعلب لتلقنه درسًا فى أصول معاملة جلالة الملك وجلالة الملكة.. الثعلب ولأنه ماكر خفيف الحركة رشيقا ظل يجرى ويجرى وزوج الأسد تلاحقه إلى أن وجد ماسورة ضيقة نفذ عبرها، حاولت زوج الأسد ولوج الماسورة ولكنها انحشرت بداخلها فاستدار الثعلب وجاء من خلفها وقام باغتصابها.. مرت الساعات بطيئة على زوج الأسد وهى تعانى من ذل الاغتصاب وأخيراً تمكنت من مغادرة الماسورة وعادت إلى زوجها وزعمت أنها لم تلحق بالثعلب وأنها ستتربص به ولن يفلت بأى حال من دائرة انتقامها.

صباح اليوم التالى وقف الثعلب أمام العرين وعاد مجدداً لإطلاق شتائمه وعندما طالب الأسد زوجته بالانتقام من الثعلب قالت دعك منه إنه ثعلب حقير حقير لحظتها ضحك الأسد فى سخرية وقال للزوجة: إذن لقد دخلت الماسورة.

لا أدرى ما الذى ذكرنى بهذه القصة هل هى برطعة ساسة إسرائيل فى موريتانيا أم الضغوط التى مارستها أمريكا على الأنظمة العربية لكى تقاطع أول قمة عربية لاتينية أم أشياء أخرى جعلتنا جميعاً محشورين فى الماسورة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة صوت الشعب - 17 مايو 2005


الثلاثاء، 26 أبريل 2005

رحلة الشتاء والصيف




كانت قبيلة قريش (كما أخبرنا القرآن الكريم) تقوم سنويًا برحلتين، الأولى إلى اليمن فى الشتاء، والأخيرة إلى الشام فى الصيف، وكانت القوافل القرشية تعود من الرحلتين محملة بالمكاسب الوفيرة أو على الأقل تعود "مجبورة الخاطر"، هذا ما كانت قريش تفعله.


أما أنا وجماعات لا تحصى من أبناء جيلى فنقوم بأربع رحلات سنوياً (فى الشتاء والصيف والخريف والربيع) هل مازال هناك ربيع؟ رحلاتنا نقوم بها إلى المجلات والجرائد، ليس حباً فى الترحال ولا عشقًا للمغامرة ولكنه "المقدر والمكتوب" الذى يجعل (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) الغراب النوحى يرفرف فوق مجلاتنا وجرائدنا ولا يتركها حتي يأخذها ويطير.

ولأن الأمر صار قاعدة نعرفها ونُعرف بها فأنت ترى الواحد منا وهو يتنهد بأمل قائلاً: "يا سلام لو استمر الجورنال طوال الصيف" ثم قد تسمع واحدًا منا يسأل صاحبه: "فى أى شتوية تعمل أو ما اسم الصيفية التى ستلتحق بها".

يبدو السؤال مضحكًا ولكنه يعبر تماماً عن جيل لا يدرى لماذا تصر جهات عديدة على أن تجعله من "البدو الرحل" الذين لا يستقرون إلا قليلاً ثم يعاودون الترحال.

أدعوك ربى أن تجعل هذه "الصيفية" – قصدى جريدة "صوت الشعب" – هى ختام ضاحك لأحزان طالت حتى ثقبت القلب وقيدت الروح وبعثرت الخطوات.

اللهم رب العرش العظيم اسألك شيئًا من الاستقرار وأن تحفظ لنا جريدتنا، أنت ولى ذلك والقادر عليه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة صوت الشعب - 26 أبريل 2005 - العدد الثانى


مصطفى محرم يطلق النار على أحمد زكي





كان أحمد زكي رحمه الله واحدًا من أقرب الأصدقاء إلى قلبي، ولذا كان عليّ أن أشارك في تشييع جنازته. قبل مغادرتي لشقتي ( يزين بابها طاووس محنط) أوصتني زوجتي بأن أشتري في طريق عودتي حليبًا لابنتنا فرح ( 8 أشهر) وما تيسر من خضراوات.
 زوجتي سيدة طيبة القلب ولها شقيق يكبرها اسمه مصطفي يعمل محاسباً في إحدي القرى السياحية، وشقيق يصغرها اسمه شريف ( تحبه ابنتنا فرح جداً)، أما شقيقات زوجتي فهن السيدات أمل، وهى تقيم في السعودية مع زوجها المحاسب ( فى المقال القادم سأذكر لكم نبذة عن زوجها) وياسمين طالبة بكلية التجارة جامعة القاهرة، وأميرة طالبة بكلية الفنون الجميلة بذات الجامعة.

نعود إلى الجنازة، ركبت سيارة تاكسي وكنت أتمني أن تكون سيارة التاكسي من تلك التي تعمل بالغاز لا بالبنزين، إذ إنني من أصدقاء البيئة الأوفياء، وصلت إلى ميدان مصطفي محمود ووجدت زحامًا من البشر والأشجار والسيارات وعساكر الأمن المركزي و.... إلخ.

***
أخي القارئ سامحني فيما سبق من ثرثرة، فالعبث الذي كتبته كنت مقلداً فيه لأسلوب الأستاذ السيناريست مصطفي محرم صاحب المائة فيلم وما لا يحصى من مقالات، الأستاذ مصطفي نشرت له جريدة "القاهرة" في عدد الثلاثاء 12 أبريل الحالي مقالاً بعنوان "أحمد زكي ليس أعظم ممثل في تاريخ البشرية" أدار كاتب المقال مقاله حول موضوعات كثيرة جداً يهمنا منها ما يتعلق بالفنان الراحل أحمد زكي، فيما يلي مناقشة للمقال أرجو أن يتسع لها صدر "القاهرة" والأستاذ مصطفى.


1- يقول الأستاذ مصطفى في معرض تأكيده على أن أحمد زكي كان تالياً لعادل إمام ومحمود عبدالعزيز: "إننا تعودنا أن نعرض سيناريوهات السينما المصرية أولاً على عادل إمام فإن اعتذر تذهب السيناريوهات إلى محمود عبدالعزيز وإذا اعتذر تذهب إلى أحمد زكي". انتهى كلامه.

إذا تركنا جانبا التطويل الممل في هذه الفقرة التي كان من الممكن كتابتها باستخدام عدد قليل جداً من الكلمات، حق لنا الوقوف عند قوله: "إننا تعودنا".

من هم يا أستاذ مصطفي الذين تعودوا؟ هل هم أنت متكلماً بضمير الجماعة تعظيمًا لنفسك؟ وإن كان الأمر كذلك فلماذا لم تتواضع قليلاً لكي يستقيم الكلام وتقول أنا الكاتب مصطفي محرم عرضت سيناريوهات أفلامي الخمسة التي قام أحمد زكي ببطولتها على عادل إمام أولاً ولما رفضها ذهبت بها إلى محمود عبدالعزيز فلما رفضها كانت من نصيب أحمد زكي.

هكذا يا سيدي كانت الجملة ستستقيم والقصد سيتضح. أما إن كنت تقصد بـ "إننا تعودنا" جماعة السينمائيين فأنت لم تؤكد كلامك بشاهد واحد، بينما أستطيع أنا دحض زعمك مستشهداً بالأساتذة محمد خان وداوود عبدالسيد وخيري بشارة الذين ذكروا أكثر من مرة أنهم كانوا يرشحون أحمد زكي أولاً ثم أي اسم ثانياً.

على أية حال ما جدوي الكلام عن أسبقية الترشيح أو لمعان النجومية بعيداً عن عطاء الموهبة وتدفق الإحساس؟ هذا سؤال لك.

2- سعي الأستاذ مصطفي إلى نفي ما لم يثبته أحد فهو على طول وعرض المقال يؤكد مراراً وتكراراً أن زكي لم يكن أعظم ممثل في تاريخ البشرية، وهو أمر لا يحتاج إلى نفي لأنه ليس مثبتًا أصلاً. إن "المغالين" في تقدير موهبة الفنان الراحل قالوا إنه من البارعين في فن التمثيل ويضارع أساتذة هذا الفن في الشرق والغرب علي حد سواء. للصدف العجيبة نشرت "القاهرة" في ذات الصفحة التي نشرت بها مقال الأستاذ مصطفي مقالاً للناقد الأستاذ سمير فريد جاء فيه: "إن أحمد زكي أحد أعظم الممثلين في مصر والوطن العربي والعالم". لاحظ يا أستاذ مصطفى أن الأستاذ سمير قال "أحد أعظم" ولم يقل لا هو ولا غيره "الأعظم".

3- "حدوتة" أن زكي لم يكن نجم الشباك الأول يؤسفني أن يكون الأستاذ مصطفي من مردديها، إذ إن هذه الحدوتة السخيفة لا علاقة لها ــ في مصر تحديداً بحجم الموهبة ــ ولو احتكمنا إلى شباك التذاكر لقلنا إن فيلم "اللمبي" هو الأعظم والأحسن من كل إنتاج سينمائي عربي منذ بدأت السينما العربية ولحق لنا القول إن "اللمبي" أعظم من أفلام الأستاذ مصطفي جميعها وهو أمر لم يزعمه محمد سعد اللمبي نفسه.

4- يقول الأستاذ مصطفي إن الذي نجح في فيلمي "ناصر 56" و"أيام السادات" لم يكن أحمد زكي لأن الذي نجح في هذين الفيلمين هما جمال عبدالناصر وأنور السادات، لأن نجاح أفلام الشخصيات يعتمد اعتماداً كبيراً على فن المكياج والقدرة الفائقة على التقليد.

يا أستاذ مصطفي "حرام عليك" لو كان الأمر يا سيدي مجرد تقليد لكان "العزب شو" أعظم ممثل في تاريخ البشرية. لو كنت منصفًا لذكرت أن آخرين قدموا فيلماً عن جمال عبدالناصر حقق فشلاً مدوياً، ثم لو كنت منصفًا لذكرت أن الإذاعة المصرية وفي حياة الرئيس السادات قدمت مسلسلاً عن حياته حشدت له أبرز نجوم التمثيل ومع ذلك مات المسلسل بالسكتة الإذاعية فور رحيل الرئيس السادات، ثم يا سيدي لماذا الطعن في مسلسل "أم كلثوم" والزعم بأن أحداً لا يستطيع مشاهدته مرتين.. ما علاقة مسلسل "أم كلثوم" بأفلام أحمد زكي؟ هذا سؤال لك. ومثلما زعمت بأن مسلسل "أم كلثوم" لا يمكن مشاهدته مرتين فأنا أزعم بأن العالمين يطالبون وزارة التربية والتعليم بأن تجعل المسلسل ضمن مواد الثانوية العامة لكي تعم فائدته على كل الأجيال. يا سيدي هل نسيت أن آخرين قدموا فيلماً عن "أم كلثوم" عُرض لأسبوع في دور العرض وحقق نجاحاً "منقطع الجماهير والنقاد"؟ لا أطالبك بالإنصاف كله بل ببعض منه.

5- يؤكد الأستاذ مصطفي أن زكي لم يتمتع بالنجاح الجماهيري إلا في تلك الأفلام التي شاركه نجوم في بطولتها ويضرب على ذلك أمثلة "راجع مقاله إن استطعت مطالعته مرتين" ثم يناقض نفسه فيعترف أن فيلم "البطل" رغم مشاركة هنيدي ومصطفي قمر لأحمد زكي لم يحقق نجاحاً علي المستوي الفني أو التجاري. إذاً يا سيدي الموضوع ليس موضوع مشاركة نجوم أو انفراد نجم بالعمل، الموضوع هو العمل ذاته، هل هو جيد أم رديء. لماذا يا سيدي تطلق النار الآن على فنان احترم في معظم أعماله عقول مشاهديه ولم يصنع حتي في أسوأها ما صنعته أنت "راجع دررك الرمضانية بنت أفندينا، مشوار امرأة، عش أيامك".

6- حتي مسلسل "الأيام" الذي قام فيه أحمد زكي بأداء دور طه حسين لم يفلت من نيران الأستاذ مصطفى الذي قال إن زكي قد: "أحال عميد الأدب العربي إلى صعلوك". واستشهد بالناقدة حُسن شاه التي ــ كما قال ــ رأت أن أداء زكي قد جرد عميد الأدب العربي من هيبته.

أولاً: لماذا الاستشهاد بحسن شاه فقط وتجاهل عشرات النقاد الذين أثنوا على أداء زكي المعجز.

ثانيًا: لماذا لم يقيم محرم أداء زكي في حياته ( يقولون إن حبوب الشجاعة لم تكن وقتها متوافرة بالأسواق!!!!) .

7- عندما كنت أعمل سكرتيراً لتحرير جريدتنا هذه "القاهرة" كان رئيس تحريرها الأستاذ صلاح عيسى يحذرني دائماً من تعاطي نوع معين من الكتابة يطلق عليه "كتابة الأكتاف" ويفسر الأمر قائلاً: "يوهمك الكاتب من هؤلاء بأنه من أهل الاستقامة في كتابة المقالة ثم فجأة ينحرف عن استقامته ليلمز هذا أو يغمز ذاك في مكاتفة تشبه تلك التي نراها في مباريات المصارعة الحرة". انتهى تحذير الأستاذ صلاح عيسى.

كاتب هذه السطور يري أن الأستاذ مصطفى من البارعين في كتابة "الأكتاف" أو من أطلق عليها :كتابة قذف الطوب ثم الجري سريعًا" والشاهد على ما أقوله هو قول الأستاذ مصطفى: "إن نجاة الصغيرة تظاهرت بالانهيار في جنازة شقيقتها سعاد حسني وفي شدة انهيارها تسأل عن صديقها الطبيب الوسيم. هي لم تسأل عن شقيقتها طوال بقائها في الخارج وربما قبل أن تسافر". انتهى كتف أو "طوبة" الأستاذ مصطفى، وللأستاذ صلاح عيسى أقول إن لم تكن تلك هي كتابة "الأكتاف" فأي كتابة تكون؟

أما لأستاذنا مصطفى محرم فأقول ما علاقة نجاة وسعاد حسني بتقييم موهبة أحمد زكي "هدف مقالك الأول"؟

أم أن الأمر كله عند العرب جنائز والجنازة بالجنازة تذكر؟

ثانيًا: جملة "صديقها الطبيب الوسيم" لها إيحاءات غير لطيفة بالمرة، ولذا كان حقاً عليك وأنت الخبير في كتابة السيناريو والعالم بفن إدارة الحوار البحث عن جملة أخرى تؤدي القصد ولا تحيط بها الشبهات كأن تقول مثلاً: "سألت عن طبيبها" وكفي الله المؤمنين شر الظنون وشر الأطباء الأصدقاء من أهل الوسامة والقسامة".

8- لك يا سيدي العزيز أسلوب متقافز يجعل المساكين من القراء في حيرة من أمرهم، إذ إنك تكتب في سطر واحد عن "هنا" و"هناك" و"هنالك" فلا نعرف نحن القراء أى "هنا" تقصد وأي "هناك" تعني وأي "هنالك" تريد. وفي مقالك الذي بين أيدينا أمثلة كثيرة تدلل علي صدق ما أقول فأنت سيدي كتبت عن سائق سيارتك الذي ذهب مع ابنك لتطعيم أحفادك عند الطبيب ثم عن صديق نجاة الوسيم ولم يفتك أن تخبرنا أنهم أبلغوك أن عادل إمام قد أجهش بالبكاء عندما بلغه رحيل أحمد زكي كما كتبت عن محاولة زكي الانتحار وعن ممدوح الليثي ومحمد راضي و.... إلخ.

يا سيدي إنها مقالة وليست مسلسلاً من مائة حلقة.

ولكل ما سبق ولأن النصيحة ــ واجبة ــ للجميع فإني أستحلفك سيدي بمقام الزوج السابع عشر "للحاجة زهرة" أن تراجع مقالك قبل نشره وأن تطالعه بعين الإنصاف.

وإن كان هذا مما يشق عليك فأنا رهن إشارة منك للقيام بهذه المراجعة مقابل أن تخبرني باسم الزوجة السادسة التي كان الحاج متولي يفكر في ضمها لصفوف حريمه ولكن وقت المسلسل لم يسعفه.

هذا ولك السلام وعليك السلام.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة القاهرة ــ 26 أبريل 2005

الثلاثاء، 31 أغسطس 2004

قنابل الدخان






في صباح يوم 30/7/2004 نشرت مجلة المصور مقالاً للأستاذ الناقد فاروق عبدالقادر عن مجموعة علاء الأسواني "نيران صديقة" جاء فيه أن الأسواني مدلس ويسب مصر والمصريين ويكتب "أدب نميمة" وأمام خطورة الاتهامات وشناعتها كتبت مقالاً نشرته جريدة العربي الناصرية في 15/8/2004 رصدت فيه عيوب الناقد في النقاط الآتية:

1- فاروق عبدالقادر يري "القشة" في أعمال الذين لا يحبهم، ويتجاهل "الخوازيق" التي تملأ أعمال أصحابه.

2- إذا رضي عن لطفي الخولي وصفه بأنه من أهم فرسان المسرح، وإذا غضب عليه وصمه بأنه محدود القيمة.

3- ينشط وعيه النحوي إذا لم يحذف الأسواني حرف علة ويسقط هذا الوعي في غيبوبة قائلة إذا خلط أصحابه بين المثني والمفعول به.

4- يعاير الأسواني بقلة إنتاجه ويمدح فؤاد التكرلي مع أن إنتاجه قليل أيضًا.

5- ألقي القبض علي السيدة أحلام مستغانمي حال ارتكابها جريمة تزوير تاريخ الانتهاء من كتابة روايتها ثم أفرج عنها دون أن يوجه إليها ولو كلمة عتاب.

هذه هي النقاط الرئيسية التي كتبت عنها، وظننت أن الأخ المحامي " عبد الحكيم حيدر " وقد تطوع بالدفاع عن الناقد سيعمد إلى تفنيدها نقطة نقطة.

ولكن المحامي اختار أن يلقي بقنبلة دخان تعمي العيون عن ميدان المعركة الحقيقي، فجعل مقاله على قسمين، الأول والأكبر خصصه للهجوم على الروائي "حمدي أبو جليل" عقاباً له على مقال نشره بجريدتنا هذه عن "إنصاف الأستاذ فاروق"، لا يعنيني، الآن وهنا إعادة كلام "أبو جليل"، ولكن الذي يعنيني هو ذلك الغمز الذي غمز به الأخ المحامي رواية "أبو جليل" "لصوص متقاعدون" وهي ذات الرواية التي عد حيدر صدرورها حدثًا مفرحًا!!

أرجو العودة إلى مقال حيدر "ثلاث روايات جديدة وفرحة غامرة" الذي نشره بالقاهرة في الخامس من فبراير عام 2002 وقال فيه إن صدور روايات ميرال الطحاوي ومنتصر القفاش وحمدي أبو جليل حدث مفرح و.... إلخ.

نحن أمام رجل يظن أن للقراء ذاكرة غربالية مليئة بالثقوب فلا يخجل من تحريف شهادته، (يا حيدر الكذابون سيدخلون النار)، أما الجزء الأخير والأصغر من مقال حيدر فقد خصصه للرد على ما كتبته في جريدة العربي، قال حيدر: "أما الأخ الصحفي حمدي عبدالرحيم فأمره أربكني تماماً، وسر إرباكي هذا العكوف المنهجي الدقيق علي المراجع التي لها امتداد زمني يقارب ربع القرن، فإذا كانت قدراته كذلك فلماذا لم تظهر عليه من قبل"؟

بعيداً عن ركاكة الفقرة أقول أولاً: للأخ حيدر المحامي جعلني الله أهلاً لثنائك.

ثانيًا: لأني من "العوام" ومعاليكم من "الخواص" فأنت لم تقرأ لي في صحف يقرأها العوام، مثل "مصر الفتاة، صوت العرب، العربي الناصري، الأحرار، الأسبوع، الدستور، أخبار الأدب، الجيل، الميدان، القاهرة".

ثالثًا: أنا حقاً وصدقًا معجون بماء العفاريت، تخيل يا أخ حيدر أني أستطيع بمفردي قراءة مراجع مضي على صدورها 25 سنة؟.. طيب هل تصدق أني استطعت ذات مرة قراءة مرجع مضى على صدوره 27 سنة بالتمام والكمال فعلاً أنا عظيم ومدهش ورائع، بالجملة "أنا محصلتش".

رابعًا: أنت تعترف بأني صاحب عكوف منهجي دقيق فبأي وجه تدافع عن صاحبك؟

وفي فقرته الثانية قال: "ولعلها ــ يقصد قدرات العبد لله ــ تكون فاتحة لبداية ناقد أريب مدقق ولو خسرناه ــ بعد ذلك ــ لخسرت الحياة الأدبية ناقداً ولد عملاقاً".

مرة ثانية جعلني الله أهلاً لثناء الأخ حيدر الذي يعترف بامتلاكي للنقد والتدقيق، ومع ذلك يناصر صاحبه الأستاذ فاروق!!

أما حكاية مولدي العملاق فهي صحيحة لأني الشقيق الأصغر للتليفزيون المصري كلانا ولد عملاقاً لأب وأم من العمالقة العماليق!!

ثم يقول الأخ حيدر في فقرته الثالثة: "فذلك الأداء العميق والتقصي الأريب لكتابات فاروق ما بين العراق ومصر والشام خلال ربع قرن لجهد مفرح إن كان هو صاحبه أصلاً".

مرة ثالثة جعلني الله أهلاً لثناء الأخ حيدر الذي يمتاز بالجمع بين الضدين فهو يثني على أدائي العميق ومع ذلك يصر علي مناصرة صاحبه ظالماً أو ظالماً!.. وعلى الأخ أن يعلم أن ردي أخذته من كتب الأستاذ فاروق التي ويا للعجب محفوظة في مكتبتي (مدهش أنا، عندي كتب صدرت قبل ربع قرن)، أما "مربط الفرس" وأعني به شك الأخ حيدر في كوني صاحب الجهد "الأصلي" فهو شك في محله انطلاقاً من كون الأخ رائدًا من رواد مدرسة "أنا أشك إذن أنا دبوس".

أعترف أمام القراء أن عفريتاً من أصدقائي يدعي "عفركوش بن برتكوش" هو صاحب هذا الجهد ولو رغب الأخ في كتابة قصص جيدة مفهومة فأنا على أتم استعداد لأن أقدمه لصديقي "عفركوش بن برتكوش". اعلم يا هذا أن للشك رجاله الذين تقودهم شكوكهم إلى نفي أو إثبات الحالة التي يدرسونها، أما وأنت لست واحدًا منهم، فعليك إغلاق نوافذك جيداً لأن البرد يجعل البعض يظن أن أوهامه حقائق ثابتة.

ويختم الأخ رده قائلاً: "ونتمني ألا يوظف هذا الجهد لأدب علاء الأسواني فقط بل يمتد إلى كل الكتابات الشابة الأخرى التي في أشد الاحتياج إلى مداد قلمه".

معك الحق كله، أنا فعلاً أسرفت في الكتابة عن الأسواني، فعلى مدار أكثر من عشر سنوات كتبت عنه مقالين كاملين!!.. وأعترف أني كتبت كثيرًا عن "عواجيز" أمثال عماد أبو صالح وطارق هاشم وصادق شرشر وميسون صقر ومؤمن أحمد وتحية وهبة وغيرهم وهم جميعًا كما تعلم قد ولدوا عام 750 قبل الميلاد.
.. هذا والحمد لله الذي عفانا عن مناصرة الظالمين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة القاهرة ــ 31 أغسطس 2004

الأحد، 9 مايو 2004

نيران الأسواني الصديقة

   
     

قبل عشر سنوات من عامنا هذا أصدر علاء الأسواني مجموعته الأولي "الذي اقترب ورأى" ثم اتبعها بمجموعته "جمعية منتظري الزعيم" ولأسباب تنبع كلها من "فساد حياتنا الأدبية" تعرضت المجموعتان لـ "حادث مؤسف" حسب تعبير فناننا الكبير علاء الديب، وتمثل هذا الحادث المؤسف في النشر الضيق والتجاهل النقدي، إلا فيما ندر.
 
وهذا "الحادث المؤسف" جعل "المفاجأة تسيطر على معظم الكتابات التي تناولت رائعة الأسواني "عمارة يعقوبيان" فمعظم من كتب عنها لم يكن قرأ قبلها للأسواني فظن روايته قفزة عملاقة حققها كاتب بين ليلة وضحاها ولو كان من كتب تحت تأثير "المفاجأة الجميلة" قد قرأ "مجموعتيه" لعلم علم اليقين أن "عمارة يعقوبيان" في حقيقتها إنجاز كاتب كابد الكتابة زمنًا طويلاً ولكن "فساد حياتنا الأدبية" حال بينه وبين الوصول إلى قارئه.
 
وفي محاولة من الأسواني لإزالة آثار"الحادث المؤسف" الذي تعرضت له مجموعتاه انتخب الأسواني من المجموعتين عشر قصص ليعاد نشرها في مجموعة حملت عنوان "نيران صديقة".
 
في هذه المجموعة "الجديدة القديمة" نرى بوضوح محورين اثنين اعتمد عليهما الأسواني في إدارة حركة قصصه.
 
المحور الأول هو الحرية، فقد أعاد الأسواني أبطال قصصه أحرارًا كما ولدتهم أمهاتهم فحظوا بحرية ندر أن نالوها في كتابات كتاب آخرين.
 
 تبدو الحرية ساطعة مشرقة في أولى قصص المجموعة "الذي اقترب ورأى" فبطلها "عصام عبدالعاطي" هو ابن لرسام موهوب يعيش في الظل لافتقاده "اللمعان".
 
ولأن عصام "مراقب محايد" فقد اكتشف أن أباه ورفاقه ليسوا كسالى كما أنهم ليسوا بلداء فكيف انحدروا إلى هاوية "المخدرات" إنها مصر تلك البلد التي لا تكف عن إنجاب الموهوبين كما أنها في نفس الوقت مغرمة بطحن عظامهم هذا "الاكتشاف المروع" جعل عصاما لا يكره شيئًا مثل كرهه لمصر والمصريين، فالمصريون عنده ليسوا سوى حشرات ضارة وبلدهم التي يفاخرون بها صباح مساء ليست سوى "بالوعة" تتكاثر فيها هذه الحشرة، إنه يرى الحشرات وبالوعتها رأى العين من خلال تعامله مع رئيسه في مصلحة الكيمياء الدكتور سعيد هذا الذي فشل في الحصول على الدكتوراه ولكنه نجح نجاحًا ساحقًا في مضاجعة كل العاملات في المصلحة، لم تفلت منه واحدة منهن، ثم هناك أم عصام السيدة التي هدها "السرطان" فجعلها تتمنى موت ابنة خادمتها لكي تتفرغ لها الخادمة بكليتها وهناك الجدة التي تنتقم من أهلها الذين ما عادوا يهتمون بأمرها فتتبول على نفسها ولا تفعل ذلك إلا أمام الضيوف، ثم هناك الخادمة هدى التي تخدم الأم والجدة وتعطي جسدها لعصام ومقابل ذلك تحولت إلى صاحبة الكلمة العليا في البيت بعد أن اطلعت على عورات الجميع وعرفت نقاط ضعفهم. يقطع عصام شوطًا طويلاً في كراهيته لمصر والمصريين ويلزم نفسه بعزلة قاسية يفقد خلالها إيمانه بأي شيء وبكل شىء، لقد أصبح مؤمنًا بالعزلة والعزلة وحدها، ثم حدث له حادث عرضي كان السبب الرئيسي في اكتمال دائرة العزلة الجهنمية، فذات يوم كان عصام يتسلى بتقليب صفحات إحدى المجلات الفرنسية عند حلاقه، ووقعت عيناه على صورة بيت أوروبي، هذه الصورة ستفتن عصاما وتجعله يسعي لاقتناء كل ما تطوله يداه من صور الحياة الأوروبية، ومن خلال تحديقه في الصور سيكتشف عصام اكتشافًا مروعًا آخر، إنه مأخوذ "بالروح الغربية" التي تسجلها الصور، إن كل شيء لامع ونظيف ومتقن وجميل هو بالضروري غربي، وإن كل ما هو متخلف وقبيح هو مصري، بهذه المصارحة مع نفسه سيتوغل عصام أكثر فأكثر داخل نفق العزلة الذي حفره بنفسه ولنفسه، وهذه العزلة ستقوده إلى تخيل لقاءات تجمعه بفاتنة أوروبية تدور بينهما مناقشات حادة إذ ترى هي في مصر بلداً يضج بالحيوية والحياة والجمال ويرى هو عكس ذلك، جوع عصام إلى الجسد وحضور الفاتنة الأوروبية يدفعه إلي أن يزورها في مقر عملها حيث تعمل مترجمة في إحدى شركات الاستيراد والتصدير، في مقر الشركة يفاجأ عصام بما يزلزل كيانه "لا يعمل لدينا أحد بهذا الاسم" هكذا أخبرته السكرتيرة، تطور النقاش بين عصام والسكرتيرة لينتهي الأمر بطرده خارج الشركة، حاول عصام العثور على صاحبته الأوروبية ولكن محاولاته جميعاً باءت بالفشل فكل الذين استشهد بهم قالوا إنهم لم يروه يوماً يصاحب أوروبية حتى عامل البار في الفندق الشهير الذي جلس فيه عصام ذات ليلة مع صاحبته الأوروبية قال إن عصاما كان بمفرده وكان يخاطب نفسه بالإنجليزية وبصوت عال ويضحك ضحكات عالية. وأضاف "البارمان" إنه أرجع تصرفات عصام الشاذة إلى سكره، تنتهي القصة وعصام في مستشفي الأمراض العقلية محاطًا بعزلة كاملة شاملة سعى دائمًا خلفها.
 
أتاح الأسواني لأبطال هذه القصة الطويلة أو "الرواية القصيرة" الفرصة كاملة لكي يظهروا خفايا أنفسهم فلم يلجأ إلى لغة مجازية بل اعتمد لغة مباشرة صادمة وقد دفع الأسواني ثمن لغته هذه عندما قدم المجموعة لدار نشر حكومية فرفض مسئولوها نشرها وبعد مفاوضات اقترح المسئولون على الأسواني تصدير المجموعة بكلمة يبرأ فيها الكاتب من لغة وأفكار بطل قصته، ولما رفض الأسواني كتابة كلمة "البراءة" هذه تعرضت المجموعة كما سبق وأشرت إلى "حادث مؤسف".
 
الحرية نفسها يتيحها الأسواني للطفل بطل قصته "مدام زتامزيس" ففي كل يوم أحد يصطحب الأب طفله "بطل القصة" لزيارة مدام زتا، وما أن يستقر الأب داخل شقة مدام زتا حتى يرى ابنه وجهه الآخر إنه هنا "مجاملاً مداعبًا هامسًا حنونًا مضطرمًا بالعاطفة ".
 
شأنه شأن الأطفال جميعًا معجب بأبيه ولذا لا يخبر أمه بأي شيء، وبعد أن يرحل الأب ويصبح الطفل رجلاً وقورًا في الأربعين من عمره يلتقي مصادفة بمدام زتا التي أصبحت الآن عجوزاً وحيدة يحاول الرجل تذكيرها بنفسه وبالأيام التي ولت وعندما تتذكره مدام زتا تشب على أطراف قدميها لتطبع قبلة على رأسه.
 
أما المحور الآخر فهو ما يمكن تسميته بـ "التقمص" ولكي يتقمص الكاتب "حيوات" أبطاله فلابد أن يكون قد عايشها معايشة صادقة إذ إن المعرفة العابرة لا تكفي هنا.
 
ولعل قصة "أختي الحبيبة مكارم" هي أبرز القصص التي ترشدنا إلى "موهبة" الكاتب في التقمص. بطل القصة هو "حسن محمد نجاتي" مصري يعمل بالسعودية، أنانيته مسخت روحه فتحول إلى "كائن" منافق لا هم له إلا جمع المال مضحيًا بأمه العجوز المريضة وبأخته التي يلقي عليها عبء الاهتمام بأمه كاملاً، تبدأ القصة التي اختار لها الكاتب شكل رسالة مرسلة من حسن لأخته بالبسملة ثم حمد الله والصلاة على نبيه، بهذه المقدمة "الإيمانية" يحاول حسن أن يقنعنا ويقنع أخته أنه رجل مسلم مؤمن صادق في كل ما سيقوله بعد قليل.
 
ماذا قال حسن؟ قال إن الحياة في الغربة صعبة والمال قليل، إضافة إلي ما يعانيه من اضطهاد "الكفيل" له لأن الكفيل يفتح أذنيه لوشاية الحساد الذين يقولون إن حسنًا يعطي دروسًا خصوصية لابن أحد الأثرياء علمًا ــ هكذا يؤكد حسن لأخته الحبيبة مكارم ــ إن ما يربطه بهذا الثري هو الحب لله وفي الله! وبعد أن طرحنا حسن وطرح أخته أرضًا بـ "عواطفه الإيمانية" يصل إلى "مربط الفرس" أي إلى الهدف الحقيقي من إرساله للخطاب فيقول لأخته:
 
مكارم أرجوك.. سوف تجدين في هذا الخطاب خطابًا آخر صغيرًا مرسل إلي الحاج غريب السمسار.. اذهبي إليه على مقهى الأمانة وأعطيه الخطاب فورًا وقولي له أن يتصل بي هاتفيًا للضرورة، وإن لم يجدني يتصل بحضرة الشيخ فهد الربيعي رقم هاتف 5821465 (06).. هذا الموضوع مهم جدًا يا مكارم جزاك الله خيرًا يا أختي الحبيبة والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أخوك
حسن محمد نجاتي
القصيم في 5 من محرم عام 1413
_________________________
نشرت بجريدة العربي ــ 9 مايو 2004

الأربعاء، 26 مارس 2003

استودع الله فى بغداد لي قمرا

                                                   

كان ابن زريق يعيش مع زوجته حياة هادئة في حي الكرخ ببغداد ولما عضه الفقر قرر الهجرة إلى الأندلس لعله هناك يكسب مالاً ينجيه من فخاخ الفقر القاتلة، كانت زوجته تحبه وهو أيضاً كان يحبها .
عارضت الزوجة قرار هجرته كل المعارضة ولكنها في النهاية رضخت خاصة وقد أقنعها أنه سيتغرب عاماً أو عامين ثم يعود محملاً بثراء يكفل لهما حياة كريمة.
سيسجل ابن زريق فيما بعد مشهد الوداع قائلاً:
ودعته وبودي لو يودعني
صفو الحياة وأني لا أودعه
وكم تشبث بي يوم الرحيل ضحى
وأدمعى مستهلات وأدمعه
سافر ابن زريق وهناك في الأندلس البعيد تكالبت عليه الغربة والأشواق والأمراض وجاء قضاء الله فمات بأرض بعيدة البعد كله عن أرض صباه وحبه وشبابه وذلك كان في العام أربعمائة وعشرين من الهجرة.
وقبيل لفظه لأنفاسه الأخيرة سجل مأساته في قصيدة وجهها لزوجته المحبة المنتظرة.
بقيت القصيدة من يوم كتبها ابن زريق إلى يومنا هذا وستبقي ما بقي محبون تغتالهم الأيام ومحبات يغتالهن الانتظار.
أكتب كلماتي هذه فجر الخميس السابع عشر من محرم 1424 هجرية العشرين من آذار "مارس" 2003 ميلادية الحادي عشر من برمهات 1719 قبطية، نعم علينا حفظ هذا اليوم بكل تاريخ وتقويم.. إنه يوم الفصل.. صواريخ الأعداء همج أمريكا وبريطانيا وعملائهم تقصف بغداد الحبيبة، نعم رأيت صواريخ الأعداء تمزق جسد هالة ، هيفاء ، ليلي ،عبلة ،هند ،لبني ،عزة ،بثينة .
من منهن كانت زوجتك يا ابن زريق؟
ورأيتك يا ابن زريق تخرج من قبرك تصرخ بأعلى صوتك وبأصفى قطرة من دمك..
استودع الله في بغداد لي قمرا
بالكرخ من فلك الأزرار مطلعة
ما أسعدك يا ابن زريق استودعت الله قمرا واحدا تعني به زوجتك المحبة المنتظرة.
وما أتعسني وأشقاني وأنا أستودع الله قمرا وأرضا وحضارة وتاريخا وشعرا وماءً وسماءً وجبالاً وديناً.
استودع الله رجالاً بشوارب وبنات بضفائر وأطفالاً لم يغادروا بعد فجر طهرهم.
استودع الله في بغداد لى أحبة لم أرهم ولم يروني ولكنهم أحبتى.
استودع الله في بغداد دماء الحسين وعلي بن الحسين وأصحاب الحسين والأرواح الطاهرة التي حلت بفناء الحسين.
استودع الله في بغداد المثنى وسعد بن أبي وقاص والقادسية وجيوش خالد. 
استودع الله المتنبي وشعره والأصمعي وعلمه وأبا حنيفة وفقهه وسيبويه ونحوه.
استودع الله أمهات يلوحن بمناديلهن لأولادهن الذاهبين إلى الجبهة.
استودع الله أباءً ينتظرون عودة أولادهم ليزفوهم إلى حبيباتهم.
استودع الله تمر العراق ومواويل العراق وشاي العراق وشوارع العراق وغناء العراق ودموع العراق وأحزان العراق.
ويا عراق واثق أنا أن الله سيردك لى نعم ستعود يا عراق نظيفًا لامعًا منتصرًا ستقاتل يا عراق الهمج وستنتصر هذا وعد الله ولن يخلف الله وعده. 
وسنقاتل معك عاما عامين، جيلاً جيلين، قرناً قرنين، دهرًا دهرين، زمناً زمنين لكي نحظي بشرف مشاركتك في نصر آت لا محالة. ويا أيها المسلمون يا أيها المسيحيون يا أيها الناس أينما كنتم وبأي عقيدة تؤمنون: ارضعوا أولادكم كراهية الأعداء الهمج، الكراهية سلاح لا يهزم أبداً اكرهوا الهمج وحرضوا على كرههم.
ويا أيها الكتاب والصحفيون: ابن ( ........)  من كتب منكم كلمة أمريكا أو بريطانيا ولم يسبقها بكلمة العدو.
_________________
الصدى - 26 مارس 2003