الخميس، 4 أبريل 1996

فتاوى الريموت كنترول





سريعًا كشر صاحب الفضيلة عن أنياب فتاويه وصفعنا بفتوى جديدة كانت – مرة أخرى – عن دم شهداء حماس وحزب الله والجهاد هؤلاء الذين ضاقت عليهم الأرض فلم يجدوا إلا أجسادهم يلغمونها لتبقى في الأذهان قضية فلسطين.. في مجمل تصريحاته الصحفية التي نشرتها الجرائد صباح الاثنين 1/4/1996 قال شيخ الأزهر الجديد إن صانعي العمليات الفدائية ليسوا شهداء لأنهم يقتلون أنفسهم ويقتلون الأبرياء "الأبرياء في نظر الشيخ هم الصهاينة"!! 

يا صاحب الفضيلة لماذا بدأت المعركة مبكرًا ولماذا دم الشهداء هو أول الفتاوى؟ لن نطيل معك النقاش.. بل لن نناقشك أصلاً.. فالموضوع بديهي ولا يحتاج إلى أدلة.. إن الفلسطينيين ولعلكم تعلمون ذلك – قوم محتلون جربوا كل وكافة وسائل الحلول السلمية ولكنهم لم يحصلوا إلا على وعود زائفة فلم يجدوا أمامهم غير تفجير أنفسهم.. فهل هذا حرام؟ 

يا صاحب الفضيلة اليوم دنيا وغدًا آخرة ستسأل عن كل كلامك فاتق الله في فتاويك ولا تكن من أصحاب الفتاوى سابقة التجهيز.. فدم الشهداء سيطالب بالقصاص الإلهي من كل الذين لا يحترمونه. 

ونحن أمة المستضعفين في الأرض لن نحترم ولن نؤمن بغير الدم مفتاحًا لحل قضية فلسطين, أما فتاويك وفتاوي الألباني فلن تقدم ولن تؤخر. 

وأخيرًا عاش يحيي عياش وسناء محدلي وهاني العبد وكل الشهداء الأبرار. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الأحرار - 4 أبريل 1996 

الاثنين، 11 مارس 1996

هل عادت نهى إلى بيتها؟







لماذا تكره إسرائيل؟
سؤال طرحه الصديق الكاتب خالد محمود، فتح علىّ بوابات من جحيم الذكريات التي ترسبت في قرار طينة القلب ولم تغادره.

اسمع يا صديقي! في طفولتي لم أر أمي إلا باكية خوفًا على حياة أخي الذي "يعارك" إسرائيل.. وإسرائيل كما علمتني أمي هي "أس" كل "المصائب" فهي التي قتلت حمادة عبدالحافظ نعمان زينة شباب قريتى التمساحية ، الذي لم يفرح بعروسه غير أربعين يومًا.. هذا البكاء اليومي لأمي مازالت ملوحته في حلقي.. تشنجات وجهها.. وارتعاشات يديها وهي تدعو بالخراب على إسرائيل مازالت هناك في أصفى نقطة من دمي مقيمة وعندما ذهبت إلى الأزهر لم يكن شيوخي يتركون مناسبة تمر إلا وحاضرونا عن يهود خيبر وبني قينقاع وبني النضير وكيف أوقعوا العداوة بين الأوس والخزرج وكل قبائل العرب لتروج تجارة السلاح التي تخصصوا فيها ثم ينطلق الشيخ من هؤلاء ليربط بين الماضي والحاضر ويذكر كيف أحرق أحفاد بني النضير أكباد كل العرب.. وكنت يا صديقي أسمع كلامهم وأتشربه على مهل وأفتح له أبواب القلب ليدخل من أيها شاء.



لماذا نسيت "نهى" بطلة رواية يوسف السباعي "الساذجة" "طريق العودة" كانت نهى يا خالد سمراء وشاحبة هي من لاجئي 1984 تجلس على قارعة الطريق ترقب طريق العودة للقدس.. قرأت الرواية وأنا طفل ومازلت مشغولاً بنهى.. هل تزوجت؟ هل أنجبت؟ في أي غارة قتل أولادها؟ هل عادت للقدس أصلاً أم أنها مازالت على قارعة الطريق؟

خالد نحن الصعايدة نؤمن بالثأر ونحافظ على جمرته حارقة لكل حرير النسيان.. وطاردة لذباب يتحلق فوق القلوب التي تنسى.

هل يصلح أن أذكر أغاني الشيخ إمام عيسى ودموع "أبو كامل" طالب الشريعة بجامعة الأزهر الذي استمع معي للشيخ إمام وهو ينشد.


ودا قبر مين اللي البقر داسه

دا قبر الغريب اللي ترك ناسه

ودا قبر مين اللي البقر هده

دا قبر الغريب اللي ترك أرضه


انتهت الحفلة وبعدها بشهر قرأت في جريدة الأهالي خبرًا عن طالب الأزهر الفلسطيني "أبو كامل عيسى" الذي صرعته رصاصات الصهاينة وهو يحاول التسلل إلى داخل فلسطين.

خالد أيها الصديق هل أذكر أشعار محمود درويش وأمل دنقل ومعين بسيسو؟
هل رواية بهاء طاهر "الحب في المنفى" التي تؤرخ لمذبحة "صبرا وشاتيلا" لها دخل بموضوعنا؟



هل أنسى وصايا "حنظلة" ابن ناجي العلي الذي فضح الجميع وحارب حتى النفس الأخير, ما أشبه الأمر يا صديقي بنهر دافق لا تستطيع أن تحدد أول قطرة ماء نزلت فيه.. نعم أكره إسرائيل وعهدًا سأظل أكرهها حتى ترد على ندائنا عظام ماجد أبو شرار وأبو جهاد وسعد إدريس حلاوة وسليمان خاطر.

عم خالد متى ستفرح البنت " سناء محيدلى " بابن الحلال و " لولا عبده " متى ستلبس الطرحة البيضاء و" دلال المغربي " هل "ستعزمنا" على "ليلة حنتها" و" نهى " هل وجدت طريق عودتها؟

إن حدث هذا سأقول وداعًا للكره, أما الآن فالكره هو آخر أسلحتنا وإن كُسر ضعنا.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت بجريدة الأحرار - 11 مارس 1996
*الصورة للشهيدة اللبنانية سناء محيدلي

الاثنين، 22 يناير 1996

من أقوال السيدة فيفي عبده: السوستة ما بتقفلش!!







قبل أن تقرأ.. نؤكد لك أننا ضد – وبمنتهى الحسم – جميع أشكال المنع أو المصادرة ونؤكد في الوقت ذاته أننا مع كل ما يمكث في الأرض وينفع الناس. 
فهل برنامج سمير صبري ( هذا المساء ) مما يمكث في الأرض وينفع الناس؟! 
وهل يجوز لنا أن نطرح سؤالاً حول استمرارية هذا البرنامج في الشهر الكريم؟! 
ولأنك مثلي تأكل الفول ( طعام حيوانات أوروبا) وتدوخ من الحاجة الساقعة وتمز بمية الطرشي وتبحث عن شقة أوضة وصالة وجوازة بالتقسيط , لأنك مثلي في أسوان كنت أم في الإسكندرية لم "تهوب" ناحية أي فندق ولو نجمة واحدة أو حتى نصف هلال، لكل هذه الأسباب ولأسباب أخرى غيرها لا يبقى أمامك وأمامي إلا الجلوس إلى التليفزيون اللي جدتي تسميه "المفسديون" تشاهد إعلاناته وتتحسر وتشاهد أفلامه وتشكو من التخلف العقلي وتشاهد برامجه وتفكر في الهجرة إلى الآخرة, ويطاردك سمير صبري ببرنامجه فاحش وفاجر السواد فتصرخ "استر علي ولايانا يا رب". 

وليلة رأس السنة ( لن تكون أحسن من التي قبلها ) كان ميعادنا نحن أسري البيوت ( من الفلس) لنشاهد آخر إنجازات سمير صبري التاريخية بعد حملة دعاية بدأ البرنامج وكان أول لقاء يجريه الأستاذ سمير صبري "مالك البرنامج" مع السيدة فيفي عبده التي تفضلت – جزاها الله خيرًا – فقالت ما سأقوم بتسجيله في نقاط محددة لتعميم الفائدة, قالت – بارك الله فيها -: 

أولاً: "السوستة ما بتقفلش". 

ثانيًا: "الست الحلوة لازم تكون زي المغماطيس لجوزها" – المغماطيس – هذا هو نطقها للكلمة. 

ثالثاً: "دحديرة إيه يا بابا دانا فيفي عبده". 

رابعًا: "مال شكلك عامل زي الضمير". 

ولأن كلمات السيدة فيفي عبده من "الدرر" فيجب أن أشرح لمن لا يعلم النقطة الرابعة "مال شكلك عامل زي الضمير" الجملة "تصريح" لا "تلميح" جنسي صارخ يقوله "الشوارعيون" في لحظات "الفرفشة". 

خامسًا: "إيه يا حبيبتي أنت كاتمة علي نفس جوزك كدا ليه". 

سادسًا: "هما خلقوا العيون ليه.. علشان تبصبص يا حبيبتي". 

سابعًا: "الراجل لازم يدلع نفسه". 

ولأن النصائح "النظري" لا تجدي مع "الغلابة" أمثالنا فقد قامت السيدة فيفي عبده بتقديم وصلة من الرقص "اللي قلبك يحبه" وأهو كله بثوابه والليلة ليلة مفترجة". 

طبعًا كان من العيب أن يلفت الأستاذ سمير صبري نظر السيدة فيفي إلى أن البرنامج يذاع على التليفزيون وليس في أماكن عملها الرسمية" لأن الأستاذ سمير يعلم – بحكم الزمالة – آداب حديث السيدة فيفي وقاموس لغتها الذي يبدأ "بهوبا" ولا ينتهي "بكخه". 

وبعد أن شاهدنا نحن الغلابة رقص السيدة فيفي "ببلاش" قدم لنا الأستاذ سمير امرأة أجنبية أخذت هي الأخرى تستعرض مواهبها الراقصة "يعني قال إحنا ناقصين رقاصات". 

ولأن مساء الأستاذ سمير الأسود من الغراب النوحي مثل "الكشري" "كله على بعضه", فقد استضاف الدكتور علي السمان وما أدراك ما علي السمان, إنه مثقف مصري بارز يعيش في باريس منذ سنوات ويشارك بفاعلية في مؤتمر "حوار الأديان" وهو حتماً يعلم الكثير عن المجتمع الفرنسي والأوروبي ولأنه يتمتع بكل هذه القدرات فقد سأله الأستاذ سمير عن "الإر" أو "الإغ" وهل الراجل اللي في باريس بينده على ابنه ويقول له ولد يا "مرسي" تعالى هنا ولا بيقوله ولد يا "مغسي" تعالى هنا. 

ولكي لا تكتم الثقافة على أنفاس ضيوف البرنامج وتتحول "قعدة الفرفشة" إلى ندوة ثقافية فقد عاد الأستاذ سمير إلى قواعده سالماً فقدم حوارًا سريعًا مع صحفية كبيرة قالت لنا فيه ذكرياتها عن اليوم الذي نسيت فيه عيد ميلاد جوزها.. ثم "استفرد" الأستاذ سمير برجل محترم يعمل في الهندسة الزراعية "وقام طالق عليه امرأة صاروخية" أخذت تغني للرجل وتداعبه بـ "يالآهات و النظرات والصمت الرهيب ا" وهو الأمر الذي جعل زوجة الرجل المحترم تكاد تفقد أعصابها ولولا لطف المولى عز وجل لشاهدنا "خناقة حريمي آخر جمال". 

ولكي "يلم الأستاذ الدور" ولأنه يتقن كل شيء من "الإغ" إلى الرقص فقد قام بغناء مقاطع من أشهر الأغاني لأعظم المطربين. وطبعاً لم يعترض أحد على غنائه ولن يعترض أحد, ومن ناحيتنا "هروح فين من سمير صبري ونحن نعيش أيامًا من "البرد والفلس". 

وبعد أن "أوسعنا طربًا" استضاف امرأة غربية "وهات يا رطن معها بالإنجليزي" ويا عيني علينا نحن الذين لم ندخل مدارس اللغات.. وطبعًا جلسنا "نخمن" "يا ترى بيقول لها إيه"؟ 

وبعد هذا الاستعراض السريع لأهم فقرات البرنامج تعال معي نحصي إنجازاته: 

أولاً: نجح البرنامج في أن ينقل لنا أجواء الكباريهات وذلك لأجل أن ننسى "شوية" من همومنا. 

ثانيًا: شاهدنا فيفي عبده وهي ترقص "ببلاش" علمًا أن هناك من يمتطي صهوة طائرته الجامبو لكي يشاهد السيدة فيفي وهي تغني لأخيها "الزواوي بيه". 

ثالثًا: شاهدنا نحن الغلابة الذين تصلي أمهاتنا العشاء ثم ينمن "حبة استرتش على شوية قمصان نوم "بيسموها فساتين سهرة" "سواريه" وكل ذلك "ببلاش" أيضًا. 

رابعًا: عرفنا لماذا "السوستة مبتقفلش". 

هذه هي الإنجازات "التاريخية" قدمها لنا الأستاذ سمير صبري صاحب أحدث أنواع "البارفانات" وصاحب الفرقة الاستعراضية التي تضم بنات روسيات "إلهي يخرب بيتك يا جورباتشوف" وصاحب السطوة التي تسمح له أن يدخل الكباريه إلى بيوت أكلي الفول والطعمية المحشورين في أتوبيسات ق. ع الباحثين عن أوضة وصالة الحالمين "بجوازة بالتقسيط". 

وماذا في أيدينا سوى أن "نمسح" إن استطعنا ما يرمونه على "عقولنا من بصاق" نحن هنا وهم هناك في عالم آخر وبلد آخر "وعيشة هنية".. إنه القهر بل قل إنها غطرسة القهر.. أن تظل أنت مصلوباً طوال اليوم لكي تعود "لأم العيال" بنصف كيلو "عظم" بينما هم هناك حيث كل ما لا يخطر على بالك المصاب بكل "فقر أحلام الفقراء". 

إنها ليست قضية الأستاذ سمير صبرى وفرقته وضيوفه.. إنها قضية من يصرون على أننا "آخر فل" ولا ينقصنا سوى معرفة هل الحب مسئولية القلب أم المخ أم المعدة "باعتبار أن أقصر طريق إلى قلب الرجل معدته". 

ولأننا – ولله الحمد – قد سددنا ديوننا أو بالأصح "ديونهم".. ولأننا قد حققنا طفرة في كل شيء من كرة القدم حتى ملابس البحر, فقد طلع علينا الأستاذ سمير ببرنامجه الأسود ليجعلنا نقسم "والله العظيم مفيش فايدة".. سادتنا في ماسبيرو يعلمون أحوالنا أكثر منا.. وعلينا أن نصدق ذلك. 

ثم استضاف البرنامج السيدة يسرا "الكلام عن يسرا ليس مجاله الآن أو هنا" كانت ترتدي فستانًا يقال إن فتحة صدره حوالي 1500 ميل بحري "ما علينا فالدنيا حر" غنت يسرا وتمايلت "مفيش مشاكل" وتمنت العثور على رجل يمنحها طفلاً "ده.. حقها" وبعد يسرا جاء إلينا "الجراد" من كل مائدة أناس مرتاحون على وجوههم "نضرة أكل الكافيار" تراهم فيحرق دمك "موال السيول والزلزال ودماء الأسرى ومخطط الشرق أوسطية و".. أين هؤلاء منا؟". 

ومن قال إن هؤلاء منا؟ 

لا نريد أن يتحول التليفزيون إلى "مندبة" ولكننا نرفض أن يتحول إلى "كباريه". 

إنهم يقولون تطرف وإرهاب وتشنج ثم لا ينظرون إلى ما يصنعه هذا البرنامج في نفوس "أكل الفول صباحًا وغشى". 

ويا سادتنا في ماسبيرو المهيب.. قليلاً من الإحساس بما نحن فيه.. اضحكوا علينا وقولوا لنا نحن نحس بأوجاعكم.. اخدعونا وقولوا لنا إنكم معنا. 

أما أن "تطلقوا" علينا إعلاناتكم وأفلامكم ومساء سمير صبري فهذا كثير, بل كثير جدًا. 

ما الذي يقدمه هذا البرنامج "الكباريه"؟ هل يقدم ما ينفع الناس ويمكث في الأرض؟ سؤال أجابت عنه حادثة يسرا. 

وأخيرًا لا نملك إلا أن نقول "استر عرض ولايانا يا حليم يا ستار". 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى الأحرار – 22 يناير 1996 

السبت، 6 يناير 1996

إلى أطفال العرب.. قصة عمو سليمان خاطر



لم تعرفوا بعد ما كامب ديفيد وما هي أوسلو, أنتم مازلتم في طهارة الندى ولذا سأحكي لكم عن الشاطر حسن واسمه في حكايتنا عمو سليمان خاطر.

عصر السبت 5/10/1985
لم يكن هناك سوى الله والأرض والسماء وزرقة البحر وقسوة الجبال وأنين دماء الشهداء التي تشكو الظمأ. وكانت الشمس تلقي على المشهد الكوني نظرتها الأخيرة قبل أن تسقط في جب الظلام.. ولد فلاح من قرية اسمها أكياد مركز فاقوس محافظة الشرقية اسمه سليمان محمد عبدالحميد خاطر, أكمل بالكاد الخامسة والعشرين من عمره, فهو مولود في سبتمبر من العام 1960, وجه أسمر وسيم ويبدو عفيًا رغم إصابته بالمرض القومي ( البلهارسيا ) .

حول عنقه تتدلى قلادة تنتهي بأية الكرسي وتحت إبطه الأيمن يرقد ( حجاب سيدنا الشيخ) في جيب سترته الكاكي حافظة بها "ربع جنيه جديد" مكتوب عليه بالقلم الكوبيا "للذكرى الخالدة أخوك عبدالمنعم" وصورة منفردة لأمه وأخرى جماعية تجمعه بوالده الذي توفي في العام 1979 وأمه وأخويه وأختيه.


في هذه اللحظة ( الخارجة عن السياق ) كان سليمان يقف على نقطة ترتفع عن أرض سيناء بمائة وخمسين متراً. وكانت بدايات الليل قد ألقت ستائرها على المكان.. فجأة وجد سليمان تسعة من الصهاينة يصعدون إلى حيث يقف.. ماذا حدث لكي يضغط سليمان على زناد رشاشه وتنهمر الطلقات مخترقة صدور الصهاينة؟

لا أحد يعرف الإجابة على وجه اليقين.. فلم يكن هناك سوى الله والأرض والسماء وزرقة البحر وقسوة الجبال وأنين دماء الشهداء التي تشكو الظمأ ألقى نظرة فاحصة على المكان.. كانت هناك جثث سبعة صهاينة إضافة لرجلين جريحين يحاولان الفرار. صنع سليمان من كفيه بوقًا وراح يصرخ "اقفلوا الطريق علشان محدش يبلغ إسرائيل والبلد تنضر".

الأحد 6 أكتوبر 1985

صدرت من القاهرة ثلاثة بيانات رسمية. كان الأول يقضي بإلغاء احتفالات أكتوبر حدادًا على أرواح شهداء منظمة التحرير الفلسطينية الذين أغارت على مقر إقامتهم في تونس الطائرات الصهيونية يوم الثلاثاء الأول من أكتوبر 1985 وحمل البيان الثاني اعتذارًا عن حادث سيناء. كما وصف وزير الخارجية عصمت عبدالمجيد الجندي سليمان خاطر بأنه مجنون. أما البيان الثالث فقد أكد أن جندي سيناء مختل عقليًا وسيحاكم .

ترون معي أن سليمان قد فتح على نفسه بوابات الجحيم عندما "اقترف" البطولة في زمن الذل..

فلماذا فعلها سليمان؟

وقد كانت القرارات الرسمية توصي المصريين بنسيان الماضي وتجاوز بحور الدم ورفع صور الشهداء من صالونات البيوت.. فلماذا خرج سيمان عن النص الرسمي وأفرغ رصاصاته في صدور الصهاينة؟

كان سليمان أحد تلاميذ مدرسة بحر البقر الابتدائية التي عجنت طائرات صهيون لحوم أولادها وبناتها وقد قيل إنه في عصر السبت جاءته دماء زملائه تلاميذ المدرسة تسعى وقالت له أجساد الأولاد محمد وجرجس وأحمد والبنات مريم وفاطمة وسعاد: "هل نسيتنا يا سليمان؟".

وقيل أيضاً أن من "ملأ" خزينة رشاشة بالطلقات كان أحد شهداء غارة إسرائيل على حمام الشط وأقسم البعض إن الذي أوحي لسليمان بأن يطلق الرصاص على الصهاينة لم يكن سوى سمية سليمان الحلبي الذي ذبح كليبر يوم السبت 21 محرم 1215 هجرية يونيو 1800 ميلادية. ترون أن هذه أسباب تتعلق بعالم الأرواح "الفسيح" فماذا عن أسباب الأرض "الضيقة"؟

هل صوب سليمان رشاشه نحو الصهاينة لأنهم قالوا له "شالوم"؟! أم لأنهم بصقوا على علم مصر؟ أم لأنهم جواسيس كانوا يريدون تصوير الموقع وما به من أجهزة عسكرية؟ أم لأنهم صهاينة وهذا يكفي؟

الأربعاء 9 أكتوبر 1985

كانت مصر قد تأكدت أن ولدها فلاح الشرقية ليس مجنونًا وإنما هو عاشق لمواويل الحرية والكرامة. فبعثت من "الفجرية" ببرقية إلى أولاد وبنات الجامعة كان نصها "أولادي وبناتي أيها الورد الصابح ، ابني سليمان منكم ومريض مثلكم بالوطن والبلهارسيا والكرامة ، فلا تتركوه وحيدًا يلوث المستسلمون بطولته" ، وكان طلاب جامعة عين شمس أول من استجاب لبرقية مصر, فخرجت مظاهراتهم تهتف بكل ما في القلب من حزن وكرامة.

سليمان خاطر مش مجنون

قولوا عليه مقدرش يخون

ولقد كانت مصر تبحث عن "شمعة" "تكنس" عتمة دهاليز الاستسلام للصهاينة. وجاء سليمان قمرًا مكتملاً. وكلما توغل "النص الرسمي" في فجوره ووصف سليمان بالجنون كلما ارتفع النشيد الشعبي عاليًا:

قولوا لساسون الكلب بره

مصر بلدنا هتعيش حرة

الشعب ارتفع بسليمان وبطولته ووضعه في القلب ذاته الذي يحمل أسماء زهران بطل دنشواي وإبراهيم الورداني قاتل بطرس غالي وسعد إدريس حلاوة القمر النازف الذي كان أول من قال لا بدمه للتطبيع.

ما فعله سليمان جعل الوطن العربي يعود واحدًا مرة أخرى.. في الكويت اجتمع مجلس الأمة وأصدر بيانًا مؤيدًا لسليمان خاطر, كما فتح الباب أمام تلقي تبرعات مالية لإعانة أسرته وفي بيروت وضعت صور سليمان بجوار صور شهداء حرب بيروت 1982 وفي دمشق صنع شاعر سوريا الكبير ممدوح عدوان زفة شعبية للعريس سليمان خاطر

أوقف غناءك يا ولد

ردد معي.. وأنا أقول

سنزف في هذا المساء ابن البلد للصبح سهرتنا تطول

ألف الصلاة على النبي وسلامنا المقرون بالبركات

للسيف المورث للصحابة ولغضبة كبرت كطفل حكاية بين الغلابة

سليمان كالنبوت في كف الفتوة إذ يعارك وهو صداح كناي عب من تنهيدة الأنفار ألحانا.

طويل مثل أوف رافقت وجع الربابة

هذا سليمان الذي عرف الأصول عاش تعرفه الأصول

دقي إذن مزيكة الحرب البهيجة

واضربي في القلب وحدك يا طبول تصيح الأرض بالعربية الفصحى

سليمان الذي بالفاس انطقها وعربها

سليمان الذي بالقهر أيقظها فقالت كل ما تبغي النفوس

السبت 28 ديسمبر 1985

صدر الحكم على سليمان خاطر بالسجن خمسة وعشرين عاماً. وانفجر الشارع المصري خاصة وقد تبنت صحف المعارضة الأهالي والشعب والوفد والأحرار قضية سليمان وقدمته بما يليق ببطولته واستمعت العواصم العربية كلها لصوت شاعر العراق مظفر النواب وهي يغني لسليمان.

هذا الهرم الطفل

احتوى أسرار مصر كلها وأقانيم الروح والخلود

أما كان كليم الله في رابية الطود

وناداه: سليمان بن خاطر طهر البيت من الأرجاس وانزل أرض مصر

حذر الأحزاب من دوامة السلطة والنصفية العاهر

بلغها بأن الله لا يقبل إلا بالبواريد السلاما

الأربعاء 1 يناير 1986

عرف المصريون ما في الأمر فأطلقوا حديثًا يدور حول اعتداء مصور تليفزيوني صهيوني على سليمان أثناء مقابلة له معه وأن سليمان قد نقل إلى المستشفي للعلاج من إصابته وبهذا الحديث رشح المصريون الصهاينة كأول من سيحاول قتل سليمان وما جاء صباح الخميس حتي تفجرت مظاهرات الجامعات المصرية وكان شعارها:

صحوا مصر يا شبان

الصهاينة على البيبان

الأحد 5 يناير 1986

طلب سليمان من أمه التي زارته في مستشفي السجن الحربي حيث كان يعالج من البلهارسيا أن تحضر له في الزيارة القادمة ملابس جديدة وكتبه الدراسية ليؤدي امتحان السنة الثالثة لكلية الحقوق التي انتسب لها وهو في الخدمة العسكرية وقد وصف رئيس تحرير المصور مكرم محمد أحمد الذي زار سليمان في اليوم نفسه أن حالته النفسية جيدة وأنه يأمل تخفيف الحكم الصادر ضده.

الاثنين 6 يناير 1986

في تل أبيب صدر قرار بالعفو عن "إلن هاري جودمان" الذي أطلق الرصاص على المصلين بالمسجد الأقصى صباح أول أيام عيد الفطر عام 1982 فأصاب مائة وقتل اثنين وجاء في قرار العفو إن جودمان سيطلق صراحه صباح اليوم التالي الموافق الثلاثاء 7 يناير 1986.

صباح الثلاثاء 7 يناير 1986

مات سرب من الفراشات وتوقف النحل عن إفراز العسل.. كما كف النسيم عن وشوشة شواشي الكافور ورفعت صفصافة ضفائرها من ماء النيل.. كما سأل أحمس من يجاوره في القبر هل عاد الهكسوس إلى مصر؟!

صباح الثلاثاء 7 يناير 1986

ظهر جمال عبدالناصر وهو يمشي مرهقًا حاملاً على ذراعيه جثمان عبدالمنعم رياض النازف واستمع الناس في حي السيدة إلى صوت عبد الحليم حافظ يغني "عدى النهار والمغربية جاية تتخفي وراء ظهر الشجر", أما في حي الحسين فقد كان الشيخ إمام يغني "الجدع جدع والجبان جبان" وجاءت الأنباء من قنا بأن أعمدة الكرنك قد اهتزت وأن السكر قد جف في عيدان القصب.

صباح الثلاثاء 7 يناير 1986

نسى صوفي ورد الصباح وتمزقت أوتار عود كان يدندن عليه عازف من سنباط.. كما بكت أرملة في أسيوط لما تذكرت فجأة ابنها الذي استشهد وهو يعبر القناة.. وشهدت حديقة الأورمان لقاء الوداع بين حبيبين.

صباح الثلاثاء 7 يناير1986
التقطت إذن مصر فحيح مذيعة رمادية النبرات تقرأ خبراً رسمياً عاجلاً كان نصه : " في صباح الثلاثاء السابع من يناير 1986 حوالي الساعة العاشرة وأثناء مرور الحارس على الرقيب المسجون سليمان محمد عبد الحميد خاطر المحكوم عليه في القضية 142 لسنة 1985 جنايات عسكرية وجد الرقيب المذكور معلقًا من رقبته بمشمع الفراش الخاص به بالقضبان الحديدية بشباك غرفته بالمستشفى فأبلغ الحارس طبيب المستشفى الذي قام بإجراء التنفس الصناعي وتدليك عضلة القلب إلا أن المذكور كان قد فارق الحياة.

لم تصدق مصر كلمة واحدة من بيانهم الرسمي فأولادها لا ينتحرون إنهم ينتصرون أو يستشهدون. ومن قبلها أطلقت مصر صرختها "قتلوك يا ضنايا" كيف ينتحر من كل جملة هاربة من كتاب الهزائم؟

ومصر التي أنجبت سليمان خاطر هي نفسها التي كلفت الصعيدي عبدالرحمن الأبنودي بإبداع قصيدة تليق بكل الشهداء في الماضي والمستقبل:

يا أمي إن يسألوكي

لا يترعش لك حضن

ولا تردي بحزن

وتقولي: مات في السجن

ساعتها يبقي الحزن بلا موضوع

والسجن بلا موضوع

والموت بلا أكفان

وكفاية جربنا سنين الموت بالمجان والتافه المتهان

أهاننا بالمجموع

يا أمي كل ما يهتفوا بموتي

اتذكري صوتي

بذمتك مش كان عظيم الشأن

قالت له "صوتك نشان"

طالع يقول موجود

ياسمر يا أبو عيون سود

فكيت طلاسم سحرنا المرصود

وعدلت وش الزمن

كان لي ولد.. مات

صحيت الأوطان

ويا أطفال العرب.. توتة.. توتة.. ولن تنتهي الحدوتة.. إلا يوم خلاصنا من قتلة سليمان والأنبياء.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الأحرار - 6 يناير 1996

الثلاثاء، 12 ديسمبر 1995

أوصيكي لما أموت تسيبي دبلتك في صباعي





عندما يكون أول خبر تسمعه على "ريق النوم" أن التي منحتها دمك وأناشيدك قد هجرتك, فأنت أمام خيارين, إما أن "تجننك.. لماذا " أو تبدع.. وقد اختار الشاعر طارق هاشم الإبداع يبدأ ديوانه "احتمالات غموض الورد " بصلاة في محراب من ذهبت : " أوصيكي لما أموت تسيبي دبلتك في صباعي / لجلن تعديني من الحراس وأقدر أخش الجنة / لجلن تحولني لملاك وأشوف برغم الهلاك / لون الغيوم حنة / يا اللي أنتي عشقك فرض على قلبي مش سنة / قطعوا عليه الحلم.. ما لحقتش أتمنى " بهذه الصلاة فتح الشاعر على نفسه بوابات جحيم الذاكرة التي تحتفي بل وتحنط تفاصيل المحبوبة "أنا واد بهلوان طيب.. قالتلي إمبارح بس إنها بتحبني بجنون.. قلتلها إمبارح بس ".

وبعد نشوة المكاشفة يأتي زمان الخوف من "الفراق" وكأن "البعاد" جنين يتخلق داخل رحم كل لقاء حب, وشاعرنا يرصد طائرات تريد قصف قلبه المضيء توا بلذة "أحبك".. "الطيارات عينها عليكي ابعدي.. الطيارات قاصداك يا عشقي.. الطيارات بتخشنا من غير بيبان.. في الجلد.. في عروق اللغة.. في الحلم " . ولأنه زمان الخوف فقد كثرت المطاردات وبعد القصف الجوي تقدمت أرتال من الدبابات لتضع كلمة الختام لقصة لم تبدأ بعد "وكأني طير أتقطف من بين ضفايرها.. واقف بيرسم شعرها على حد سيفه.. جريت عليه الدبابات.. فجأة صوت الطيارات بيخش القمصان.. وخوف بيعرق الحواديت".

إنه حب "كوني" القضاء عليه يستلزم استخدام الطائرات والدبابات إضافة إلى حس مبكر أن أحد الحبيبين فجأة سيخون "..قلتلها الشوق مقدور.. والعشق كمان مقدور.. إنها لازم هتخون هتخون" وهذا الحكم النهائي بأنها ستخون يقودنا إلى لحظة النهاية

" قالت معادنا 12/5/1993.. من يومها وشريط أم كلثوم أغداً ألقاك في الكاسيت.. يأتي غداً.. ووراه بيجي غداً.. وأنا قاعد أرسم وشها وأضحك.. وأحضن وشها في الرسمة وأضحك.. لكن ع الورق " .

إنها لحظة النهاية وبدلاً من "أغداً ألقاك" تأتي رعشة الموت "حسيت برعشة جريت.. كان ياسر هاشم بيسمع غنواية فات الميعاد.. وصورة جمال عبدالناصر بتبكي فوق الحيطان فبكيت".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة الأحرار - 12 ديسمبر 1995

الثلاثاء، 28 نوفمبر 1995

صادق شرشر وقصائد لها طعم السيجارة فى البرد




مستترين تحت جناح «الحداثة» وملثمين بغبار «الحساسية» دخلوا «المعمل» وضعوا قليلاً من ماغنيسيوم أدونيس + هيدروكلوريك خليل حاوى + أكسيد عفيفى مطر + نتريك رامبو ليخرجوا علينا شاهرين فى وجوهنا قصائد بيضاء من «غير شعر» إن «سولت» لنا أنفسنا قراءة بعضها تلوثت أيدينا بأحماضها .

 وفى خلفية هذا المشهد الشعرى الفقير كان صادق شرشر يراقب جمعهم البائس مخاصماً معاملهم «داخلا» إلى ذاته يجالس مواجعها ويقرأ أفراحها النادرة ويصغى مزهوًا لأصداء أصوات شعراء يتعلم من تجاربهم، وعندما رضى شرشر عن قصائده دفع بها إلى سلسلة الكتاب الأول التى تصدر عن المجلس الأعلى للثقافة لتلمس أيدينا - أخيراً - مجموعة شعرية تنتمى لذات صاحبها وليس لمعامل الشعر المعلب من منطقة البساطة تنطلق قصائد صادق شرشر، هذه البساطة التى تعتمد «الفرد» ومشاهداته وتجاربه موضوعاً للشعر..

 ولعل أوضح الأمثلة على بساطة الشاعر تتجلى فى قصيدة «العميان»، فموضوع القصيدة ليس أكثر من وصف لجلسة مكفوفين على أحد المقاهى، ولكن الشاعر استطاع أن يحول هذه الجلسة إلى مشهد شعرى زاخر بالدلالات التى تنطلق من «ذات الفرد» لتمثل ضمير «الجميع» من خلال رصد دواخل المكفوفين وتصرفاتهم بمزاج مصرى رائق يجنح كالعادة إلى السخرية من هذا العالم الظالم المظلم.

«الليل نهار والنهار ضلمة
تلات عميان على سهوة قعدوا فى آخر دكة
آخر ركن.. آخر خن فى القهوة ".

ثم يسجل الشاعر تصرفاتهم الساخرة «زعق الكوماندا اللى فيهم: تلاتة قرفة.. تلاتة شيشة وطاولة»!!
ولم يقف الأمر على «طلب الطاولة» فما يلبث أحدهم أن يصرخ فى وجه القهوجى «الفيلم مش عربى حول لنا على الكورة.. اضبط لنا الإريال واعدل لنا الصورة»، هذه السخرية المصرية «ستقلب مواجع» الشاعر فيفر إلى داخله ويصرخ «كام قمر فى السكة مش طالعين..
 
 وكام إيدين نخت فى الفراق؟! فاكر أول قلم علم. وأول عشق.. وأول بوسة طبعاً.. ومش فاكر.. غير إنى ماشى.. وسايب.. تلاتة قاعدين شايفهم.. ويشايفنى.. ومش شايفين».

بهذه البساطة التى تخلو تماماً من الاستسهال والمباشرة يستفيد الشاعر من الموروث الشعبى الذى يصور المحب عاشقاً لتراب أقدام المحبوبة فعندما يكتب الشاعر عن لحظة حبه يقفز إلى خارج الدائرة المألوفة ويتتبع رحلة حبات التراب التى علقت بحذاء حبيبته يقول فى قصيدة «البعد الثالث» «كل اللى فاكره.. إنى ماشى مسحور.. وجوايا ضوء رقيق.. ورغبة فى فعل الخير.. وزعت على الشحاتين اللى كانوا نايمين على الكوبرى.. حوالى 12.25 اللى كانوا معايا»
 ويترك لنا الشاعر ساحة تخيل تفاصيل هذا المشهد خالية من أي حضور له لينطلق هو وراء تراب حذائها «شىء واحد كان بيتملكنى.. هو التفكير فى القوى الغامضة اللي جمعتنا.. وحبات التراب الصغيرة اللي اتعلقت فى جزمتها.. زمانها وقعت في شوارع تانية.. أو على الأقل.. فضلت تناضل لحد ما نزلت من فوق الرصيف.. حبات التراب اللي قدرت توصل معاها الأوتيل.. وتركب الأسانسير وتعمل علامة فوق الموكيت.. وهي بتفتح الأودة» نحن والحبيبة خارج المشهد تماماً والعلاقة الآن بين حبات التراب والشاعر أنه يأسى لها «الحبات الرقيقة شوهتها عجلات الهوم سرفيس.. ونظرات الاستنكار من المدير المسئول عن الدور الـ 15 وغرفة 1505.. علامة فوق السجادة كانت نتيجة مشاوير عظيمة.. استمرت 4 ساعات من الحب المتواصل.. والمشي البطىء داخل حدود الغبار».
إنه نهر البساطة الصافي الذي يتيح للشاعر الغوص حتى يشتبك وطين القرار بحيث تبوح الأشياء بأسرارها.. ولذا فليس غريباً أن يكتشف أنك عندما «تغني لنفسك.. أغنية ليها علاقة بالحياة ولو من بعيد.. أن صوتك بقى أجمل.. وبعنف أكبر من حجم الكوارث.. هتقفل الراديو» بعد أن تكون قد حصلت على «أغنية لها طعم السيجارة في البرد».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت فى جريدة الأحرار - 28 نوفمبر 1995

الأحد، 26 نوفمبر 1995

بقع قلب عبدالمنعم الباز -- سآوى إلى بلد يعصمنى من الفول







عندما يصحو الولد من نوم الظهيرة يجد الأب قد استبدل الجزء الأخير من معاشه. ويرى الأم قد رهنت الرنين الأخير لخلخالها. ويلمح أخته "تكوم" ملابسها فى حقيبتها لتلحق بأول طائرة تقلها لعريسها النفطى العجوز. يحصى الولد ما فات من عمره فيؤلمه أنه يعيش فى "المنطقة الضيقة الحرجة" ما بين الثلاثين والأربعين يفتح الراديو فيأتيه صوت قارئ النشرة الإخبارية "غلبت الروس فى أقصى الأرض وساد اليهود أدنى الأرض" يفتش الولد دهاليز ذاكرته باحثاً عن تاريخ آخر فرصة رطبت صحراء قلبه، فلا يظفر سوى بأفراح ممرورة كذوب.. تداعبه ذكري بنات الجامعة ذوات الصوت المبحوح من الهتاف فى المظاهرات.. يضيق الآن كل الكون.. ويعلن الخراب اكتمال حضوره وتمام سيطرته.. يلبس الولد الذى هو الآن فوق الثلاثين وتحت الأربعين "بنطلونه" الجينز وقميصه الواسع ويدس يديه فى جيوبه "ويشوط" طوب الأرض. وفجأة ينفجر بركان المرارة داخله.. وتتقلص ملامحه ومن بين أسنانه يقول: ما الذى يبقينى فى هذا البلد وقد أصبح غابة من صبار ترعى فيه جيوش اليأس.. لا مفر.. "الآن سآوى إلى بلد يعصمنى من الفول" وما كان الولد يعرف أن غيره يسمعه لذا فاجأه صوت الأولاد وهم يصيحون به "لا عاصم اليوم من البنك الدولى والأسطول السادس. ولن تعود بدر ولا فيتنام ولا حتى أفغانستان".

من منطقة "المرارة" هذه كتب عبدالمنعم الباز ثلاثا وعشرين قصة هى ما تحتويه مجموعته بقع القلب.. ناثراً فيها بقع قلبه وقلب الأولاد والبنات الذين هم فوق الثلاثين وتحت الأربعين.. يكتب الباز معتمداً على لغة مكثفة تكشف عما يعرفه تماماً ويؤلمه تماماً ويريد قوله تماماً مبتعداً عن خلق بطل "هو بالفعل غير موجود" لاجئاً إلى تراث من المرارة يبدأ باحتراق جمال حمدان ولا ينتهى بالبنت "سوسن" التي يكتب عنها "حين تميل فتاة ما برأسها إلي اليمين وهى تضع يدها فى خصرها، سأتذكر سوسن حين تختلط الدهشة واللامبالاة فى عينين خضراوين سأتذكر سوسن وحين أتبادل حديثاً عادياً جداً مع فتاة وأمسك فجأة فمى كى لا أقول لها "أحبك" سأتذكر سوسن.. سوسن يا إحباط القلب الرابع، أستطيع أن أصنع بعض الضوضاء وأنسى".

يتجول الباز بلغته البسيطة الشفافة فى حياة الأولاد راصداً "زمتة ظهيرتهم" وصداع آخر الليل.. جيوبهم الخاوية.. وحبيباتهم اللاتى تغضن بين عشية وضحاها.. وهو فى تجواله لا ينسى أنه كاتب قصة.. فلم تأخذه أبداً شهوة الكتابة.. فلا إطالة ولا ترهل.. هناك فقط جمل حادة تحوى ما فى القلب من وجع.. والباز خلال مجموعته يواصل رحلة البحث عن لغة لا تخص سواه تليق بكابوس هزيمة الروس وسيادة اليهود.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الملايين - 26 نوفمبر 1995


الثلاثاء، 24 أكتوبر 1995

إلى عماد أبو صالح.. العمر المديد لزوج نيرمين




كلما قرأت قصيدة نثرية قفز إلى ذاكرتى البصرية المشهد السينمائى «الغابر» لامرأة تستند إلى عمود إضاءة ووجهها يئن تحت وطأة أطنان من المساحيق تنفث دخان سيجارتها وتداعب بأصابع مرهقة خصلات شعرها التى جعدها المطر.. امرأة مستباحة «لا ترد يد لامس».. تدعو من رغب لإحياء ذكرى جمالها الراحل. وما أشبه قصيدة النثر «بخرابة» «يفك» فيها المضطر «حصرة» مشاعره.. وسرعان ما يتركها ويمشي غير مكلف نفسه عناء إلقاء حفنة من تراب يوارى بها «سوأة ما أفرز» من كوابيس وخبل وطلاسم وتهاويم.

والذى رسم هذه الصورة لقصيدة النثر ليس أنا بالتأكيد وإنما كاتبوها الذين يمارس معظمهم سطواً علنيًا على ما تيسر لهم من أشعار «رامبو» و«أدونيس» و«يمصرون» ما ينهبونه ويسمون أنفسهم شعراء.
ولكن يبقي هناك من «يتعب» نفسه وتحمله موهبته نحو فضاء الشعر ليعود محملاً بالأقمار والشموس والعصافير وقبساً من نور يضىء بها عتمة دمنا.
ومن هؤلاء عماد أبو صالح الذي أصدر عن نفقته الخاصة مؤخراً مجموعته «أمور منتهية أصلاً» التي وإن انتمت لقصيدة النثر إلا أن الشاعر حافظ فيها علي قدسية كينونة الشعر من حيث هي «تعبير مدهش عن تجربة حارقة».

كرس أبو صالح مجموعته لأحلام وأشواق وتجارب الواقفين - مثله - بساحة الشيخوخة المبكرة محتفيً بالولد الذي «حينما يعيرونه بساقه.. ويمنعونه من اللعب معهم.. كان يفرغ عجلة أقرب عربة ثم يقف مبتسماً.. وهي تسح من كشافيها قطرات نور حار.. وتعرج على ثلاث عجلات»

ويتمهل عند لحظة وداع محبين فيقول: "عند الوداع تتشبث كفه بكفها.. بالتأكيد سيتقابلان ثانية.. ليسترد كل منهما.. أصابعه"

و"نفض" أبو صالح "غبار" اليومي والعادي عن اللحظات الرتيبة التي تقتلنا ويعيد هندستها "بصرامة" "نافخًا" فيها روح الشاعر المقدسة ويجعل من عينيه "كاميرا" يقتنص بها المشاهد وتتكفل روحه الشاعرة بالحفاظ عليها "طازجة" ومن ذلك قوله: "مشبك في الشرفة.. يمنع ثوب امرأة وحيدة.. من أن يطير.. لجلباب رجل وحيد", ويسجل في تكثيف جميل احتفاء أم بجمال بنتها فيقول: "حينما ينطفئ المصباح فجأة.. تقول لها أمها: - التي نهرتها مراراً - عري ساقيك.. لنهتدي لمكان الثقاب"
ويبلغ التكثيف مداه عندما يسجل عماد أبو صالح انبهاره بامرأة جميلة في سطر واحد "حين تنفض قميص نومها.. تمتلئ الحجرة بفراشات بيضاء" وكأنما أغرته صورة الفراشة والمرأة فعاد إليها مرة أخرى "الفراشات الجميلة.. سيصنعن ثوب زفافك يذهبن.. فراشة.. فراشة.. ويتركنك عارية لي" وعلى هذا النسق تمضي المجموعة صانعة "نفحة" من الاندهاش الذي غاب عنا طويلاً فالشاعر يعتمد اعتمادًا شبه كلي على المقطوعات الصغيرة "المدببة" في إقامة علاقة حميمة مع قارئ نصوصه ناجيًا بنفسه ويشعره من الوقوع في "فخ" الأساطير الإغريقية والرومانية التي تخنق روح قصائد  أترابه التي لا تتماس ووجدان القارئ العربي إلا بشق الأنفس فليس في قصائد أبو صالح  إلا ما يعرفه هو ويؤلمه هو محددًا بذلك ملامح دمه الذي يشبه دمنا كثيراً إن لم يكن قطرة منه نحن الأولاد الصغار الذين يأسف لهم عماد قائلاً: "بكل أسف عملنا قوادين - نحن الأولاد القرويين الصغار - الذين حملنا بطاتنا.. ليضاجعها ذكور بطات الجيران".

والمقطوعات الصغيرة "المدببة" التي هي نواة المجموعة الصلبة أشبه ما تكون بالمشي فوق جمرات صغيرة تمهيدًا لأن يلقي الشاعر بجسده الأخضر في فوهة بركان اسمه "نيرمين وزوجها" عن الكتابة عن "محرقة" نيرمين يبطئ إيقاع الشاعر وكأنه يدعونا "للفرجة" على جرحه المفتوح, ويمطرنا بسيل من أسئلة العشاق الساذجة الطيبة المدهشة وكلها عن نيرمين شأنه في ذلك شأن أي محب يقسم أن محبوبته كائن نوراني لم يمسها من غبار الآدمية شيء
 يقف "الملدوغ" بنيرمين أمامها ويقول: "أهي امرأة كالنساء؟! لها مساحيق, وجارة تغار منها, ومطبخ صغير! هل تداهمها الإنفلونزا؟ وهل تتسخ ملابسها الداخلية؟ أكان لها - وهي طفلة - أبوان يتشاجران كل مساء؟ هل ضربها مرة مدرس الرياضيات؟ وهل سيحاسبها الله مهما ارتكبت من آثام؟ "إن ارتكبت أصلاً" وهذه الأسئلة كانت الوجه المضيء من القمر ولا مهرب من الوجه الآخر, فعندما تنفض نيرمين يديها منه يعمد إلى تعريتها من أثوابها النورانية التي كساها بها..
ومثل الأطفال عندما يغضبون يقولون كل شيء يصرخ "الملدوغ" بنيرمين  : "تداهمها الدورة الشهرية.. ولها زوج قذر يضاجعها مرتين أسبوعيًا.. وأبوان قذران لايزالان يضربان بعضهما.. لولا المساحيق لبدت بشعة جدًا نيرمين ثم إن مطبخها الصغير به بقايا فاصوليا.. وأوان كثيرة "وسخة" وهي - كذلك - شهوانية جدًا.. ييوهو هووه.. فتحت الباب فجأة وجدتها قريبة جدًا.. من رئيس العمل ويقال إنها تفعل أشياء.. ـ لو لم يكن للواحد أخوات بنات لذكرتها لكم كاملة ـ  والله - حتمًا - سيقذف نيرمين في جهنم يا إخواني
" وبعد "تعرية" نيرمين ظننا أنه قد "تاب" عنها ولن يعود لذكرها ولكنه فاجأنا بقصيدة أخرى كلها اشتهاء "لمجرد وجودها في الحياة" تمنى فيها أن يموت زوج نيرمين لكي تعود له ونسى أنها تفعل أشياء "استغفر الله العظيم" مع رئيسها في العمل.. بل مضى يرسم وبدقة كيفية موت الزوج ويوم موته بالتحديد :  "سيموت مساء الأربعاء القادم.. حين يضغط مفتاح الإضاءة ويده مبتلة بالماء.. إن منظرة مضحك جدًا.. والأباجورة ملقاة على مؤخرته.. والزبد على شفتيه اللتين قبل نيرمين بهما.. الأطباء وجدوا كرات ثلجية وهم يشرحونه بالمقصات والمشارط" . وتقوده الأماني بعد موت الزوج إلى الزواج بنيرمين : "سيكون شكل نيرمين رائعًا في الأسود.. أرملة صغيرة تستقبل المعزين.. منديلها عليها دمعة صغيرة. سرادق عزاء أم حفل عرسنا"؟!
ها قد مات المسكين وها هي نيرمين يلقي إليها "الملدوغ" بأوامره:

"أريد فاصوليا على الغداء يوميًا
يا نيرمين قلت لا تطلي من الشرفة, سأسمح أن تناديني أسبوعًا باسمه".
وقبل أن يكمل إملاء باقي شروطه يتذكر محسورًا أن زوج نيرمين لم يمت بعد فيعاود "الابتهال" "يموت يوم الخميس على أكثر تقدير".
ويا أيها الملدوغ بنيرمين،  زوجها لن يموت وإن مات فلن تكون لك, وإن أصبحت لك فستكون قد "شاخت" لا تقوى حتى على صنع طبق من الفاصوليا, ادع معي أيها "الملدوغ": العمر المديد لزوج نيرمين لتظل محترقًا بها ويتدفق دمك عليها شعرًا مدببًا مدهشًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الأحرار - الثلاثاء 24 أكتوبر 1995

الأربعاء، 11 أكتوبر 1995

هيكل وحمودة وأسئلة من الوزن الثقيل






لحظة حدوث محاولة اغتيال الرئيس مبارك تلفت عادل حمودة نائب رئيس تحرير روزاليوسف يبحث عمن يفتش معه عن بقعة ضوء في ظلام لحظة ارتجف لها بدن الوطن لم يكن حمودة يبحث عن «هتيف» يصرخ سيسقط الخونة» كما لم يكن يبحث عن «حاوي» يخرج من قبعة التاريخ «كتكوتًا» ملونًا يلهى به الأبصار ويضلل البصائر وينتزع «بصوصوته» التصفيق.. كما لم يكن حرج اللحظة يسمح بترف الجلوس إلى أكاديمي يغوص في «برك» الأكاديمية راميًا علينا طالب مصطلحات كذوب لا يفهمها هو ولا نحن.


ولأن اللحظة استثنائية فلابد من الذهاب إلي رجل استثنائى لايزال يعمل عقله ويقدر لرجله قبل الخطو موضعها.. ولم يكن الرجل سوي إمام كتاب عصرنا محمد حسنين هيكل.. وعليه فقد حمل حمودة منصبه كنائب لرئيس تحرير روزاليوسف «على كفه» وذهب لمحاورة هيكل.. لا مبالغة هناك.. فما أن بدأت روزاليوسف تنشر أولى حلقات الحوار الثلاث حتى هبت العواصف من كل جانب فكتب عبدالعظيم رمضان مقالات «ردح» فيها كعادته لهيكل وعبدالناصر وكل شىء وكل أحد وقامت «أكتوبر» و«الأهرام» بنشر المقالات ثم أخرجتها الهيئة العامة للكتاب في كتاب فخم قبل أن تنتهى «أكتوبر» و«الأهرام» من نشرها!!

وتوالت ردود الأفعال من داخل الوطن وخارجه كل حسب موقعه.. فالذين «مع» الجمود أقلقهم «عقل إجابات «هيكل» و«مشرط أسئلة حمودة» وأزعجتهم محاولة حمودة وهيكل صياغة موقف عقلاني يليق بقوة ما حدث في أديس أبابا والذين هم «ضد» الجمود والثبات وبقاء الوضع كما هو عليه جدد الحوار آمالهم في استيقاظ ضمير الأمة لتعرف كيف كانت وإلى ما صارت ولم يكن غريباً في هذا السياق أن يكتب الإرهابى شمعون بيريز وزير خارجية العدو الصهيونى رداً على الحوار.. وما أن جاءت الحلقة الثالثة والأخيرة من الحوار حتى انتشرت في الوسط الصحفى شائعة عن اقتراب ميعاد رحيل حمودة عن مؤسسته عززها ما نشرته جريدتا العربي والأهالى عن الموضوع نفسه، فقد قالتا إن ثمة مسئولين أغضبهم الحوار لما به من جرأة فى الأسئلة والإجابات معاً.. ولأنهم أي المسئولين لا يملكون تحجيم «عقل هيكل» فإنهم يستطيعون إقصاء «مشرط حمودة» عن مجلة «روزاليوسف».


والآن.. ماذا جاء في الحوار الذي أزعج الجميع وأصدره مؤخراً حمودة في كتاب مضافاً إليه ما سبقه من حوارات مع هيكل؟
في الحقيقة نظلم الرجلين لو أسمينا ما كان بينهما «حواراً»، فقد كبر كلاهما عن ثوب الحوار الضيق.. وامتد ليصبح محاولة جادة للفهم ولتقييم ما جري ولاستشراف آفاق تبدو ضبابية كانت أسئلة حمودة من نوع «الوزن الثقيل» فهو يسأل هيكل: هل يمكن أن تتخيل شكل السيناريو لو قدر الله ونجحت محاولة أديس أبابا؟ سؤال كهذا لم يطرحه قبل حمودة أحد.. ولم يجب عنه أحد قبل هيكل الذي قال في إجابته: سيدخل الجيش ويأخذ السلطة.. فليس هناك نائب رئيس.. والحكومة الموجودة لا تتمتع بمصداقية.. الوضع المتوقع أن يمد الجيش ذراعه ويأخذ السلطة.. والجيش منطقة محرمة لا نتكلم فيها ولا نعرف ما فيها، ومن ثم صورة الحكم القادمة في هذه الحالة.. مجهولة.. وهذه هي الكارثة.

ويعود عادل حمودة للسؤال: المثير للدهشة أن نتيجة الهزيمة في 1967 كانت التحدي، نتيجة الانتصار في 1973 السلبية والانكسار.. ويجيب هيكل: لأننا ببساطة غيرنا مجموعة القيم التي كانت تحكمنا ولأننا لا نتوقف للفرز ولا للقراءة.

وترتفع حرارة الأسئلة ويبحث حمودة عن مواقف «مصر الرسمية» من حكومة السودان وعن توصيف دقيق لمن دقوا طبول الحرب.. ويجيبه هيكل: الذين يطالبون بأن نقاتل السودان ألا يعرفون أنك حتي تقترب من الخرطوم ستقطع حوالي 1500 كيلو متر في العراء على مجري النيل.. وتصبح عرضة لحرب عصابات ليس لها حل.. ثم.. دم بينك وبين السودانيين.. مستحيل.. ثم هناك شروط للحرب مع السودان أولاً: الشعب المصرى لن يقبل أخلاقياً بالحرب مع السودان ولا الشعب السودانى سيقبل - ثانياً: العالم لن يتركك.. وستكون كارثة - ثالثاً: هذه حرب فوق وسائلك لأنه ببساطة أراضى السودان شاسعة جداً والسيطرة عليها وتأمينها مسألة مستحيلة وإذا قررت أن تضرب ضربة عقابية وتعود فهذا سيؤدي إلي تهديد دائم لمصالحك.. رابعاً: ما الذي تريده من هذه الحرب؟.. إذا تصورنا أن الحرب فرقعة سلاح فهذا خطأ وإذا كانت الحرب انتقاماً للكرامة فالثمن سيكون فادحاً هل تستطيع احتلال السودان؟.. هل تستطيع الوصول للخرطوم وتمسك به هو والبشير.. لا أحد يعرف ما الذي يمكن أن نجنيه من هذه الحرب.. ومن ثم فهي حرب تفتقد شروطها.


ويواصل هيكل إجابته عن السؤال المؤلم: لقد كانت مصر قادرة بتأثيرها ونفوذها المعنوى علي الوصول لكل قلب في الخرطوم.. فماذا جرى لنا؟ إجابة هيكل فتحت الباب أمام سؤال طرحناه جميعاً عن دور الصهاينة فيما جري ويجري ومرة أخرى يحلل هيكل الموقف نفسه دون الوقوع في فخ الإجابات الجاهزة. يقول هيكل: في كتابي «الحل والحرب» قلت إن موشى ديان كان يرى أن الحفاظ علي أمن إسرائيل لا يتحقق إلا بدخول العرب في تناقضات أمنية بعيداً عن إسرائيل وهذا ما حدث.. مصر الآن مشغولة بالسودان، وسوريا مشغولة بالعراق، والعراق مشغولة بالكويت، والكويت مشغولة بالأردن، والأردن مشغولة بقطر، وقطر مشغولة بالسعودية، والسعودية مشغولة باليمن، وهكذا...



 ويبقي من «الحوار الكتاب» الكثير من القضايا التي فجرها حمودة مع هيكل في رحلة بحثهما عن إجابة لأسئلة من نوع «الوزن الثقيل» على نفوس بعض المسئولين!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الأحرار - 11 أكتوبر 1995

الثلاثاء، 19 سبتمبر 1995

سيولد من يلبس الدرع كاملة





في الساعة التي تسقط فيها حصونك وتنهار قلاعك وتمحى سدودك ويأتيك العدو من فوقك ومن أسفل منك وتصبح يداك فارغتين من أي سلاح. تريث قبل أن تعلن تمام استسلامك وقاوم اكتمال دائرة هزيمتك وفتش داخلك. وحتماً ستجد السلاح القاطع لليل هزيمتك. إنه سلاح مخبوء لا يظهر إلا ساعة اليأس المحض. إنه سلاح الكراهية وهبه الله لكل البشر يستخدمونه فلا تنهار أرواحهم وما عليك وقد تخلى الرفاق وسقطت القلاع إلا أن تشهر سلاحك السرى في وجه قاتلك أجعل بدنك كله صخرة من جحيم الكره والبغضاء وارم عدوك بها. قل له لن أسامح، لن أغفر، وسأرضع أولادى تفاصيل تاريخك الدموى ويوما ما.

سيولد من يلبس الدرع كاملة

يوقد النار شاملة

يستولد الحق

من أضلع المستحيل *

.. وكنا نظن نحن الذين ماتزال عروقهم تجرى بها الدماء لا الماء. إن الأمة ستحافظ على مخزونها الاستراتيجي من سلاح الكراهية وقلنا فليفاوض من يفاوض وليهادن من يهادن وليستسلم من يستسلم ولكن روح الأمة ستبقى معبأة محتشدة بسلاحها حتى يأتى يوم النصر لا ريب فيه. ظننا أن «جمال بخيت» عندما صرخ:

ابن الصهاينة مايخدش من ليلك قمر

ابن الصهاينة ما يخدش من شجرك ثمر ولا تبتسم له في مؤتمر

كان يعبر عن روح أمة صامدة لا يمسها دنس النسيان محافظة علي توهج جمر الكراهية المقدس لاعنة من اغتصب أرضها وقتل أولادها وسرت في أجسادنا قناعة تقول «روح الأمة لن يطولها رجس النسيان» فعمينا عن حقيقة أخرى تقرر أن الأمة، أي أمة، شأنها شأن أي كائن حي لا تعيش بدون هواء وماء وطعام وقد نجح أعداؤنا يساندهم بعض عملاء الداخل في تسميم عناصر حياة الأمة، بل نجحوا فى زعزعة كل يقين وألقوا برمادهم على الأشياء، فما عادت الأمة تعرف خيطها الأبيض من الأسود. فأخذت تنسى وتصمت بل «وتصهين» ويوم الأربعاء 30/8/1995 جاءنا النذير العريان متمثلاً في رسالة نشرها بريد الأهرام لكاتبها الدكتور سراج الدين الحلفاوى وقد بلغت قسوة ما كشفت عنه الرسالة من حقائق حداً جعل الكاتب حسين كروم يصرخ فى عموده خواطر «الأحرار السبت 3/9/1995» هل هذا بلد؟ ورسالة الحلفاوى كان عنوانها «حج غير مقدس وحجاج غير مأجورين» وجاء فيها أن الحلفاوى مكث أسبوعًا على شاطئ الشيخ زويد شرقي العريش وهناك رأى كتلة خرسانية ضخمة يتجاوز ارتفاعها العشرين مترًا على أحد جوانبها نقش رمز سلاح الطيران الصهيونى وعلى الجانب الآخر عشرة أسماء لقتلى من هذا السلاح كانوا قد قاموا بغارة علي جيشنا غربى قناة السويس في معارك يونيه 1967 واستطاعت قوات دفاعنا الجوى إسقاط طائراتهم فهوت فى البحر ولم يعثر على أي أثر للطائرات أو الطيارين فأقام الكيان الصهيونى هذا النصب التذكارى على أرض سيناء تخليدًا وتكريمًا لهم!!

ويواصل الدكتور الحلفاوى تسجيل وقائع رحلته الفاجعة فيقول: يومياً ومن السابعة صباحًا وحتى غروب الشمس تتوافد عشرات من «أتوبيسات» السياحة المصرية حاملة آلاف المصريين الذين يصعدون بكل همة إلى حيث هذا الصنم الصهيونى ويأخذون في الطواف حوله «منبهرين» مسجلين هذه اللحظات بكاميراتهم.

ولم يجد الحلفاوى أمامه سوى القيام باستطلاع حول هذه الكارثة فقام بتوجيه ستة أسئلة إلى عينات عشوائية من هؤلاء «الحجيج الأنطاع» وقد جاءت إجابات 95٪ من «الأنطاع» كالآتى:

س: هل تعرف حقيقة هذه الصخرة؟

ج: نعم هي نصب تذكارى لضباط سلاح الطيران الإسرائيلى الذين سقطت طائراتهم فى البحر.

س: هل زرت النصب التذكارى لشهدائنا المقام فى مدينة نصر؟

ج: لا.

س: هل زرت النقطة الحصينة الباقية من خط بارليف الذي اجتاحه أبطالنا فى حرب 1973؟

ج: لا.

س: هل زرت بانوراما حرب أكتوبر المقامة بجوار استاد القاهرة؟

ج: لا.

س: هل زرع المتحف الحربى بالقلعة؟

ج: لا، ولا أعرف أين هو.

س: مش مكسوف من نفسك؟

ج: لا.

عند هذا الحد لم يعد بمقدور الرجل توجيه أي سؤال، فهؤلاء مصريون لا شك أن لهم قريب أو صديق أو جار أو حتى «معرفة» قد سفك الصهاينة دمه ومع ذلك يقومون «منبهرين» بالحج إلى صنم صهيونى يمجد ويخلد ذكرى السفاحين القتلة.

وهذا - وللأسف - لا يعني سوي أمر واحد فقط وهو أن دائرة الهزيمة قد اكتملت، فها هو «الشعب» يحج إلى صنم قاتليه «آلاف من الشعب» يمثلون بلا شك جميع عناصره وكل طبقاته وليت الأمر قد اقتصر على هذا الحج، فقد فجعنا الأستاذ مصطفى بكرى في عموده «بالعقل» الأحرار السبت 2/9/1995 عندما فضح الاتفاق الذي وقعته شركة مصر للطيران والعديد من شركات التصدير المصرية مع شركات تصدير المنتجات الزراعية الإسرائيلية ويتم بمقتضى هذا الاتفاق قيام الشركات المصرية بنقل المنتجات الصهيونية إلى منطقة الخليج العربى، أليس هؤلاء مصريين؟ ألم يسمعوا بمذابح الأسرى المصريين؟ وأخيرًا هل بقى شيء لم يسقط؟ والسؤال كيف نعيد تعبئة الأمة ضد القتلة؟! وأزعم أن النقطة الأولى فى الإجابة على هذا السؤال هى:

أن ننشأ إدارة لعموم الخيانة تكون أولى مهامها تنظيم أمور الخونة ودفع رواتبهم وإقامة السباقات بينهم حول من يخون أكثر حتى يأتى يوم حسابهم على أيدى رجال سيلبسون الدرع كاملة يوقدون النار شاملة يستولدون الحق من أضلع المستحيل.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من أشعار أمل دنقل 
الأحرار - الثلاثاء 19 سبتمبر 1995