الخميس، 10 أغسطس 2023

محمد رشدي.. موال مصري ( 1 - 2)

 حاور الكاتب الصحفي الأستاذ سعيد الشحات الفنان الكبير محمد رشدي رحمه الله في النصف الأول من الثمانينات، ومنذ ذلك الحوار القديم وقلب الشحات يتوق لتسجيل مذكرات محمد رشدي، راحت سنون وجاءت غيرها والمشروع قائم لا ينام في قلب سعيد، ثم جاءت اللحظة وحصل الشحات على تسجيلات غاص فيها رشدي في أدق تفاصيل حياته، وكان الشحات ينوي نشر المذكرات قبل العام 2005 وهو العام الذي شهد رحيل رشدي، ولكنه تهرب من النشر رغم مطاردة كثيرين له، سيذكر الشحات في مقدمة المذكرات التي نشرها أخيرًا عن دار نشر ” ريشة ” تحت عنوان ” مذكرات محمد رشدي / موال أهل البلد غنوة ” أسبابًا عن تهربه، وعندي أنا أن أسباب الشحات رغم ما تحلت به من منطق إلا أنها تلك القمة المدببة التي تخفي تحتها سفحًا عريضًا ضخمًا مُهيبًا.

الحق أن شحنات الصدق التي ضمتها المذكرات قد أرهقت الشحات، لقد سمع الشحات ولكن السماع شيء وتدوينه شيء آخر مختلف تمامًا ومرهق غاية الإرهاق.

رشدي للذين عرفوه يمثل عالمًا شاسعًا من القصص الموجعة والحكايات النادرة ويمثل مرحلة في تاريخ الغناء العربي تعد بكل المقاييس أسطورية، الشحات أدرك تلك المعاني فنفر من الابتذال،والابتذال كان سيتحقق لو أنه ترك الحبل على الغارب لرشدي يحكي كما شاء، الشحات أراد قالبًا صارمًا ينزل الحقائق حق منزلتها، لا مجاملة ولا نفاق ولا ترخص، ولا أكاذيب يطلقها حاملو المباخر، كان رشدي يتكلم ولكن الشحات كان جاهزًا للقيام بدور المونتير الذي له رهافة عازف البيانو وحسم الجراح، يقطع الحكاية ليذكر خلفياتها التاريخية ويفك خيوطها ليصفيها من خداع الذاكرة التي تنحاز دائمًا وأبدًا لصاحبها.

هذا القالب أرهق الشحات ففرضه على قارئه، فأنت تقرأ عن صراع ساخن جدًا ولكنه بين عبد الحليم ورشدي وعبد الوهاب وأم كلثوم، فتسأل نفسك عن الصراعات الدائرة الآن وعن الأسماء المتورطة فيها!

ثم كان الصراع عن الفن وحول الفن ولا شيء غيره، فعلام يتصارع القوم اليوم، ستحلق مع الكتاب حتى تلامس سماء الفن الصافية، وما أن تنتهي من القراءة حتى تسقط من شاهق إلى هاوية أغنيات الهلوسة!

                                 مذبحة القلعة

سأورد مثلًا واحدًا يكشف صرامة القالب الذي صب فيه الشحات كتابه، تحدث رشدي عن دور فريد باشا زعلوك في حياته ومدح الرجل ومواقفه، واحد غير الشحات كان سيكتفي بما قاله رشدي وهو طيب ويكفي، ولكن الشحات فتش دفاتر التاريخ التي تحتوي على ذكر آل زعلوك ليتحف قارئه بقصة هي أقرب للكارثة التي تدمي القلوب.

تقول سجلات التاريخ التي كشفها الشحات: إن إبراهيم باشا ،ابن محمد علي باشا، كان خارجًا في حملة عسكرية قاصدًا شبه الجزيرة العربية، في ذلك اليوم كان من بين مودعيه كبير آل زعلوك إسماعيل زعلوك عمدة دسوق بكفر الشيخ، لسبب ما لم يغادر إسماعيل القلعة فور خروج الحملة، جاء صباح الثاني من مارس من العام 1811 ليأمر محمد علي بإغلاق أبواب القلعة، فاللحظة هي لحظة إبادة الأمراء المماليك، إسماعيل بن زعلوك المصري الذي لا علاقة تربطه بالمماليك ذبح مع الذين ذبحوا، وبعد الذبح صدر فرمان الباشا بالاستيلاء على كل أملاك المذبوحين، لقد ضاعت ثروات آل زعلوك لأن كبيرهم كان بالقلعة في تلك اللحظة، ثم بعد جهاد عفا الباشا عن آل زعلوك وعادت إليهم بعض ثرواتهم، كل جميل سيقدمه فريد باشا زعلوك لمحمد شدي سينطلق من تلك اللحظة المفصلية.

وقديمًا قال أبو الطيب:” أفْعَالُ مَن تَلِدُ الكِرامُ كَريمَةٌ “.

أم حنون

ولد رشدي في العام 1928لأسرة بسيطة كثيرة العيال، وتعرض رشدي في طفولته لحادث أليم فقد أنفصل أبواه، وتزوج الأب لمرة ثانية، أم رشدي راهنت عليه بوصفه جوادها الرابح، فحرصت وهى السيدة الأمية على تعليمه، الأب كان كأنه زوربا المصري، فنان تلقائي، جميل الصوت حافظ للتراث، صاحب خبرات عريضة بالحياة، ولكنه يظل النسخة المصرية من زوربا اليوناني .لا يفكر لأبعد من لحظته، يمتص رحيق الحياة، ثم الأرزاق بيد الله.

تأثر رشدي (اسمه الحقيقي رشدي محمد وليس محمد رشدي) بأبيه فقد جمع بينهما الفن وورث رشدي عنه الصوت الحسن، الأم من ناحيتها قاتلت قتال الأبطال لكي لا يجرف الفن وحيدها فهو ذكر على ثلاث بنات.

عندما وصل رشدي إلى قمته كان يسأل إحدى شقيقاته : هل سمعتني أمي يومًا ؟.

فترد الأخت:" لا، لم تسمعك ولو مرة " لحظتها كانت الحسرة تأكل قلب رشدي، فقد كان يتمنى لو سمعته أمه وأصبحت من معجباته فهي سيدة قلبه بلا منازع.

صراع رشدي مع أمه جعله يتوقف عند الحصول على الشهادة الإعدادية، ثم يضرب في الأرض باحثًا عن الرزق فعمل في حقول القطن والأرز ثم في مضارب الأرز وعمل في كل عمل شريف يدر عليه قروشًا يساعد بها أمه التي ظل يحبها بطريقة جنونية حتى وهى تقف بينه وبين الفن.

خلف قناع الصرامة الذي كانت أمه تتقنع به لمح رشدي قلبًا ذهبيًا يتدفق بالمحبة غير المشروطة وبالحنان الغامر، ولعل تلك المفارقة هي التي جعلت صوت رشدي مزيجًا من الدموع والضحكات.

شهادة أم كلثوم

يبرع الكاتب الأستاذ سعيد الشحات في تصوير المرحلة الانتقالية في حياة رشدي، وهى تلك المرحلة التي شهدته صبيًا حتى مغادرته إلى العاصمة القاهرة.

القصة كما يصورها الشحات لم تكن قصة رشدي أو غيره، لقد كانت قصة الفن المصري كله.

في ذلك الزمان لم يكن مسموحًا لك أن تقدم فنًا أي فن ما لم يقدم لك المجتمع جواز المرور، كان للأمر قانون في غاية الصرامة لا يفلت منه أحد، ستغني أولًا أمام الأصدقاء فإن أعجبوا بك ستنطلق لدائرة أوسع، ستطارد كل الراسخين تسعى خلفهم بين القرى والكفور والنجوع، ستتعلم  منهم وتتشرب سر الصناعة، نعم كان الفن صناعة ثقيلة، فإن تعلمت سمح لك أحدهم بأن تكون من بطانته، تظل واقفًا على قدميك لساعات لكي تردد خلف المغني جملة أو جملتين، ذلك التدريب القاسي، يجعل عود الفنان صلبًا لا ينحني لعواصف قادمة لا محالة، وتجعله يدرك أن الفن رسالة وليس لهوًا ولا عبثًا من العبث.

ذاق رشدي كل مرارة هذه التجارب حتى قيض الله له رجلًا يدعى أحمد الدفراوي، والدفراوي هذا هو عم الفنان الكبير محمد الدفراوي، وقد أعجب الرجل برشدي وبخصوصية صوته فحرضه على المغادرة إلى القاهرة.

مربك أن فريد باشا زعلوك قد قتل محمد على جده إسماعيل زعلوك، ومن يومها وآل زعلوك يصرون على تقديم شيء لأمتهم كان فريد ثوريًا من الطراز الأول محبًا لوطنه معاديًا للاحتلال البريطاني، وقطبًا من أقطاب الوفد عندما كان الوفد حزبًا للأمة.

رأي فريد خوض انتخابات مجلس النواب عن دائرة دسوق، وكان قد سمع عن جمال صوت رشدي فعقد معه صفقة تاريخية، قال له فريد باشا: ستتولى الدعاية لي بصوتك، وإن أنا نجحت سأجعلك تدرس الموسيقى في القاهرة.

نجح فريد باكتساح بمساعدة صادقة من صوت رشدي الذي كان يرتجل غناء الهتافات الانتخابية، وجاءت أم كلثوم لتغني في حفل نجاح فريد، ليلتها قامر رشدي بكل شيء ، نستمع لرشدي وهو يروي الواقعة العجيبة:"

جاءت أم كلثوم إلى دسوق مع “الحسينى” شقيق “فريد” وكان رئيسا للسكة الحديد فى القاهرة، ومقربا من مصطفى باشا النحاس زعيم حزب الوفد، كان حضور أم كلثوم إلى دسوق حدثا كبيرا فى المدينة وكبيرا لى أنا شخصيا، كان السرادق فى قصر فريد زعلوك، وكانت السيدات فى الحرملك للاستماع إلى أم كلثوم، وأثناء عشاء فرقتها الموسيقية، صعدت على المسرح ومعى طبيب الوحدة الصحية الدكتور لطفى.. وقف لطفي وكأنه قائدا لفرقة موسيقية، فأمسك بمشط ووقف بجواري، وقدمت أغنية “أنا فى انتظارك” لأم كلثوم: “أنا فى انتظارك خليت/نارى فى ضلوعى وحطيت/إيدى على خدي وعديت /بالثانية غيابك ولاجيت/ياريتنى عمري ماحبيت”.

انتهيت من الأغنية، صفق الناس، نزلت من على المسرح، وجهوني إلى أم كلثوم، كانت فى حجرة انتظار كبيرة، سلمت عليها، مسكت إيدى، وسألتنى: “انت بتغنى فين ياواد؟. كانت كلمة “ياواد” دليلا منها على الانبساط والتبسط.. قلت لها: “هنا فى دسوق، فى الأفراح”.. التفتت إلى فريد زعلوك: “الولد ده صوته يجنن، هيبقى مهم، خد بالك منه يا فريد”..رد فريد: “أنا وعدته يدرس فى القاهرة فى معهد الموسيقي”، هزت أم كلثوم رأسها: “لازم، لازم، يا فريد تنفذ وعدك”.

سرقة عبد الوهاب

أوفى فريد باشا بوعده وطلب من رشدي الحضور إلى القاهرة، على رصيف المحطة سيلتقي رشدي بعبد الحليم حافظ الذي كان اسمه عبد الحليم شبانه، سيصعدان إلى نفس القطار وسيقطعان المسافة في الغناء، وسيدرك رشدي أن صوت عبد الحليم من خامة خاصة.

دخل رشدي معهد الموسيقي، ولا تظن أن الأمر قد مر على أهله مرور الكرام، لقد خاض رشدي معارك طاحنة لكي يحصل على موافقتهم لكي يتعلم الموسيقى، كان ينجح في الدراسة فيزداد فقرًا، فكل دخله ليس أكثر من ثلاثة جنيهات شهريًا، فكان يقضي يومه في النوم والتدريب لكي لا ينفق قرشًا أزيد من اللازم.

ثم رأى أن يذهب إلى واحد من أهل دسوق كان يعمل فراشَا في مكتب الموسيقار محمد عبد الوهاب، عمل رشدي في مكتب عبد الوهاب الذي لم يسأله قط:" من أنت؟"

كان عبد الوهاب فاتنًا وكان رشدي يبحث عن طوق نجاة، وقد وجد الطوق في سلة مهملات عبد الوهاب، فبعد مغادرة عبد الوهاب لمكتبه كان رشدي يفتش السلة بحثًا عن أي شيء ينقذه من فقره، وجد رشدي غنيمته، لقد وجد كلمات أغنية عبد الوهاب الشهيرة” أنت أنت ولا أنتش داري “.

كان رشدي قد سمع الأستاذ يدندن لحنها فأخذ الكلمات واللحن وراح يغني الأغنية في الأفراح والحفلات الشعبية وعلى المقاهي بوصفها أغنيته الخاصة، نجحت الأغنية نجاحًا ساحقًا وعرف الجميع أن مطربًا شابًا مغمورًا يدعى محمد رشدي يمتلك صوتًا جبارًا وأغنية عظيمة.

وفي ليلة من الليالي كان عبد الوهاب نجم حفل وفدي، وقدمه للجمهور أحد أعظم وزراء خارجية مصر محمد صلاح الدين، وبدأ عبد الوهاب في غناء لحنه الجديد” أنت أنت” وهنا صاح الجمهور متهمًا عبد الوهاب بسرقة أغنية فنان شاب!

هنا جن عبد الوهاب وأدرك أن جاسوسًا في مكتبه فقام بطرد كل العاملين تخلصًا من الجاسوس.

بعد تلك الواقعة سقط رشدي في الضياع، كان يستهلك عمره في لعب الورق على المقاهي وتدخين السجائر، وفي تلك السنوات كان عبد الحليم رفيق رحلة القطار يصعد بسرعة الصاروخ.

سقوط رشدي كان خلفه سؤال وجودي لا يخطر إلا على بال فنان حقيقي، كان رشدي يسأل نفسه صباح مساء:” مَنْ أنا وماذا أريد؟ “.

كان رشدي يجيب على سؤاله قائلًا لنفسه:” أنا رجل كذاب”.

هذه إجابة مؤلمة جدًا ولا ينطق بها إلا صادق مع نفسه باحث عن طريق نجاة.

منذ البداية عرف رشدي أن الغناء المصري بل العربي هو على قسمين لا ثالث لهما، غناء صالونات وغناء شوارع.

كل الناس تغني غناء الصالونات وهو غناء طيب وجيد ولا غبار عليه ولكنه ليس غناء الناس، وغناء الشوارع له ضريبة باهظة، فعندما تنتمي لناس الشوارع لا بد أن تكون صادقًا.

كان رشدي يريد الغناء للحبيبة ولكن الحبيبة التي يعرفها، ستكون بنتًا من النجوع وليكن اسمها ” ست أبوها ” ولتكن زينتها ملاحة وجهها فقط، ولتكن ملابسها الجلباب البلدي والمنديل المشغول، أما الحبيبة المعطرة المترفة فرشدي لا يعرفها وعندما يغني لها يشعر بأنه يكذب وبأن صوته يذهب أدراج الرياح.

تواصلت سنوات الضياع إلى أن وقعت الواقعة وأصبح الشاب الوسيم محمد رشدي مقعدًا لا يقوى على الحركة.


الخميس، 27 يوليو 2023

سعاد حسني.. فراشة أحرقتها الأحزان (1ـ2)

 


عاش الكاتب الصحفي الكبير عبد النور خليل حياته بين الفنانين، مستشارًا أو صديقًا، وفي الحالتين حرص الرجل على تنقية ثوبه من الشوائب فلم يُعرف عنه حب الغيبة أو النميمة، فاستحق عن جدارة لقب مؤرخ الفنانين. وقد ربطته بالسندريلا سعاد حسني رابطة صداقة متينة للغاية تواصلت منذ عرفها في منتصف الخمسينات حتى رحيلها الملغز في العام 2001.

وبعد رحيل سعاد كتب عبد النور كتابه «سعاد حسني.. ضحية اغتالها المثقفون» والذي اعتمد فيه على تاريخ صحبته لسعاد، ثم على معرفته الوثيقة بآل حسني وبعضهم عمل معه في دار الهلال التي كان عبد النور من قياداتها.

 العجيب أن كتاب عبد النور الذي نفدت طبعته الأولى فور ظهورها، لم يقدم أحد على إعادة طبعه مجددا، فأصبح نادرًا لا يعرف به كثيرون رغم التفرد الذي تناول به حياة سعاد.

سأعتمد في تناولي للكتاب على مصادر إضافية وذلك لرسم صورة أكثر وضوحًا لسيدة كانت تملأ الدنيا وتشغل الناس، وظني إنها ما زالت كذلك.

بداية المأساة

هل لا يكون الفنان فنانًا إلا إذا ضربتْ مأساة ما قلبه؟ السيدة آمال العمدة وكانت إعلامية متميزة قدمت للإذاعة برنامجًا شهيرًا تحت عنوان «عقدتي» كان ضيوفها فوق الحصر، وباحوا جميعًا بـ «عقدة» ما فجّرت بداخلهم ينابيع الفن.

أما عقدة سعاد أو مأساتها التي ستكون مأساة آل حسني جميعًا، فكانت هي شخص الوالد محمد حسني البابا. كان الرجل فنان خط عربي لا يُشق له غبار، جاء من سوريا إلى مصر في العام 1912 فتربع على عرش فن الخط العربي، ولم يكن له من منافس سوى الأستاذ محمد إبراهيم كاظم والد الكاتبة الكبيرة صافي ناز كاظم.

 حسني البابا كان مزواجًا مطلاقًا كثير العيال بطريقة مرعبة، وكان من أخلاقه العجيبة عدم الاهتمام بأولاده فهو يهبهم للحياة، ولم يحدث مرة واحدة أن حرص على تعليم أولاده ولو مبادئ القراءة والكتابة، وليس بين أولاده إلا ولد واحد تلقى تعليمًا منتظمًا، أما الباقون فعلموا أنفسهم بأنفسهم في ظروف شاقة جدًا.

أولاد وبنات حسني البابا جميعًا كانوا فنانين بالفطرة، تقول الأستاذة رحاب خالد كاتبة سيرة الفنانة «نجاة» في كتابها «نجاة الصغيرة»: «كانت نجاة شأن الأطفال تغنى دائمًا فى بيت أبيها، وذات مرة أنصت إليها شقيقها عز الدين، فوجدها لا تخرج عن اللحن الذي تترنم به. عز الدين هذا هو الوحيد بين آل حسنى الذي عرف التعليم النظامي فالتحق بمعهد فؤاد الأول للموسيقى العربية وأصبح فيما بعد ملحنًا يشار إليه بالبنان. وإلى جانب عز كان هناك سامي محمد حسنى يجيد العزف على الكمان والرق، ومعه فاروق يعزف على القانون والعود ويجيد الرسم، ومعهما سميرة تجيد العزف على القانون والعود والكمنجة، ومن هؤلاء جميعًا وبقيادة الكبير عز تألف أول تخت للمطربة نجاة الصغيرة".

في بيت الفن الفوضوي هذا ولدت سعاد في يناير من العام 1942، ومثل أخوتها لم تذهب سعاد إلى المدرسة أو حتى إلى الكُتّاب، فالأب لا يؤمن بقيمة التعليم. فقدت سعاد حضن الأب في سن مبكرة جدا، فهو حاضر بجسده فقط، أما روحه واهتمامه فلا وجود لهما.

كان افتقادها لحضور الأب هو بداية دوامات من الحزن الثقيل القاسي الذي لم تجد سعاد منه نجاة، حتى وهي تتصنع الفرح والانطلاق بقدرة تمثيلية عالية جدًا، تجعل من ينظر إليها يظنها منعمة لم تعرف البؤس قط.

حصلت أمها على الطلاق لتتزوج من ناظر مدرسة ابتدائية هو عبد المنعم حافظ، الذي كان محبًا للفن وحريصًا على حضور محاضرات في التذوق الموسيقى كان يلقيها الفنان الكبير عبد الرحمن الخميسي.

 الأم زادت طينة المأساة بلة عندما راحت تلد لزوجها الجديد مولودًا كل عام حتى بلغ عدد أولادها من الزيجتين سبعة عشر ولدًا وبنتًا. هذا التكوين الأسري العجيب هو ما سيجعل من سعاد طفلة لا تنضج أبدًا، فهي دائمًا تبحث عن الاهتمام وعن دفء وحضور الأب.

مكتشفو سعاد

لم تكن سعاد طفلة كغيرها من الأطفال، شيء ما في تكوينها كان يغري الفنانين بأن يلتفتوا إليها، وقد حدث ان ألتقط هذا الشيء الملحن والشاعر أحمد خيرت، الذي كان زوجًا لسميحة أخت سعاد، وكان خيرت يتعاون مع الإذاعي العملاق بابا شارو صاحب أعظم وأشهر برنامج قدمته الإذاعة المصرية للأطفال.

قدم خيرت سعاد الطفلة لبابا شارو فغنت في برنامج كلمات كأنها تخبر عن مستقبل حياتها، تقول كلمات الأغنية: «طولي شبر .. وجهي بدر.. صوتي سحر.. كلي بشر». ثم غنت أغنيتها الشهيرة «أنا سعاد أخت القمر بين العباد حسني أشتهر".

لكن مرحلة بابا شارو انتهت سريعا لتعود سعاد إلى الظل، لكن دائمًا هناك ضوء في آخر النفق، وقد كان زوج الأم الأستاذ عبد المنعم حافظ هو ذلك الضوء، نعم هو لم يعلم سعاد ولم يلحقها بمدرسة، لكنه كان يمتلك جهاز راديو ستتعلم سعاد من برامجه وأغنياته ومسلسلاته الكثير.

كان عبد المنعم حافظ يعرف الشاعر الكاتب عبد الرحمن الخميسى وحدث أن ألتقي به صدفة ليطرق الحظ باب سعاد. يروى لنا الكاتب أحمد الخميسى تلك الواقعة النادرة فيقول: «كنت أسير ذات يوم مع والدي الشاعر الفنان عبد الرحمن الخميسى، وكان يسكن فى عمارة فى نهاية شارع الجمهورية قرب قصر عابدين، وكنا عائدين من مشوار حين استوقفنا شخص فى الشارع وذكّر والدي باسمه وبأنه كان ممن يستمعون إلى محاضراته عن التذوق الموسيقى فى «جماعة الجرامفون» بكلية الآداب".

يضيف أحمد الخميسي: «تذكره والدي.. هذا كان عبد المنعم حافظ الذي اتضح أنه زوج الست جوهرة والدة سعاد حسنى. دعانا الرجل إلى الغداء فى بيته مع أسرته فى حي الفوالة القريب، دخلنا عمارة متواضعة ثم شقة بسيطة الأثاث. وعرفنا عبد المنعم حافظ بزوجته الست «جوهرة» والدة سعاد. جلسنا وأكلنا ثم ظهرت سعاد ونحن نوشك على الانصراف. دخلت بصينية شاى صغيرة، نحيفة، خجولة.

 ابتسمت ووضعت الصينية وجلست ولم تنطق بحرف. فقط كانت تنظر إلينا. تأملها والدي طويلا لا أعرف لماذا ثم قال: هذه البنت نجمة.

 كنت معتادا على أن والدي مجامل فسألته فى الشارع بعد انصرافنا: أكنت تقصد بالفعل ما قلته من أن هذه البنت نجمة؟ أم هى مجاملة منك؟ توقف وتنهد بعمق قائلا: لا والله يا ابني. إنها نجمة. نجمة كبيرة».

حتى الآن ثلاثة اكتشفوا نجومية سعاد، وهم أحمد خيرت وبابا شارو والخميسى، ثم جاء الرابع وهو المخرج الكبير أحمد بدرخان.

يروى الأستاذ عبد النور خليل تلك الواقعة فيقول: كانت نجاة قد اعتادت أن تصطحب سعاد الى الاستديو إذا كانت تمثل فيلما وذهبت معها سعاد وهى تقوم بدور البطولة فى فيلم يخرجه أحمد بدرخان هو: «غريبة» وكان النجم أحمد مظهر يشارك نجاة بطولة الفيلم المسمى باسم أغنية لحنها عبد الوهاب لنجاة يقول مطلعها «أما غريبة» توقف أحمد بدرخان طويلا أمام وجه الشابة الصغيرة سعاد حسنى وهى فى الاستديو بصحبة بطلته نجاة وعندما عرف أنها أختها قال لنجاة: أريد ان يظهر هذا الوجه الطعم التقاطيع فى الفيلم وصورها فى لقطة واحدة دون أن تنطق حرفا أى «كومبارس» ولم يكن يدرى أنه سينتج ويخرج لها أحد أفلامه وهو فيلم «نادية» عن قصة يوسف السباعي بل لم يكن يدرك ولا يعلم أنها ستنضم إلى أسرته ذات يوم زوجة لابنه وامتداده فى السينما المصرية علي بدرخان".

أما المكتشف الخامس فكان ضابط الجيش الفنان جمال الليثي وعنه يقول عبد النور: «رأى جمال الليثي سعاد تجلس بجوار شقيقها عز الدين حسنى فى سيارته الصغيرة وكان عز الدين يعمل عازفا فى الفرق التي أحيت حفلات الأندلس احتفالا بالثورة، وكان جمال يعمل فى إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة تحت قيادة قائد الجناح وجيه أباظة وسأل جمال: مين البنت الحلوة اللى جنبك دى يا عز؟ وأجاب عز الدين: «دى أختى الصغيرة سعاد» وطلب منه جمال الليثي أن يحضرها معه إلى مكتبه ليجري لها اختبارا سينمائيا ولكن هذا الاختبار لم يحدث".

لكن هذه التقلبات التي مرت بها مسيرة سعاد حسني الأولى ستنتهي على يد عبد الرحمن الخميسي الذي كان مؤمنًا بأن سعاد استثنائية منذ شاهدها لأول مرة. يقول عبد النور عن ذلك: «كوّن الخميسي فرقة مسرحية، وقام بتمصير رائعة شكسبير «هاملت» وجعل عنوانها «نجفة بولاق» وأراد الخميسى أن تكون سعاد هى بطلة المسرحية مؤدية دور «أوفيليا»، لكن سعاد بكت لأنها لا تستطيع أن تفهم أو تستوعب دورها، فحرمانها من التعليم النظامي المنتظم جعلها أمية، تستطيع الحفظ فقط".

من حسن حظ سعاد ان فرقة الخميسي أفلست فأغلقت أبوابها، لكن إيمان الخميسي بموهبة سعاد لم يتزحزح، فعهد إلى الفنانين إبراهيم سعفان وإنعام سالوسة بتعليمها القراءة والكتابة وتدريبها على الإلقاء والتمثيل. على يد سعفان وإنعام ستكتسب سعاد المزيد من ثقتها بنفسها، فهي الآن أصبحت تعرف مبادئ القراءة والكتابة مع تمتعها بقدرة خارقة على الحفظ.

ضربة بركات

كان عبد النور قريبًا جدًا من الخميسي ورأى بعينيه كم كان متعلقًا بسعاد ومؤمنًا بموهبتها، فعندما فكّر في تحويل مسلسله الإذاعي «حسن ونعيمة» إلى فيلم سينمائي قرر أن تكون سعاد ابنة السابعة عشرة هى البطلة، وقد وافق هنري بركات المخرج الشهير الخميسي على رأيه.

الوجهان الجديدان سعاد حسني ومحرم فؤاد هما بطلا الفيلم، لكن منتج الفيلم الموسيقار محمد عبد الوهاب تخوّف من فشل الوجهين وتكبده خسائر مالية فادحة، إلا أن إصرار الخميسي وبركات جعل عبد الوهاب يوافق على مضض.

في ذلك العام 1958 تقرّبت سعاد من عبد النور الذي أصبح يلازمها لكي يرشدها إلى ما لا تعرف، سعاد الآن عرفت الكثير، فقد بدأت تتذوق الشعر وكثيرًا ما سمعها عبد النور تنشد لصلاح عبد الصبور: «إن أتيت الروض يومًا لا تلمني فأنا أهوى الضياء".

من الأمية الكاملة إلى شعر عبد الصبور رحلة شاقة قطعتها سعاد حسني بعزيمة من حديد. ومع تلك العزيمة على تعويض ما فات، كان للأمر وجه آخر يرويه عبد النور فيقول: «ثلاثة من أبناء محافظة الشرقية كانوا قريبين من بعضهم البعض، وهم عبد الحليم حافظ وصلاح عبد الصبور ومرسي جميل عزيز، والثلاثة كانوا أصدقاء لعبد النور وللخميسي، ومن خلالهما عرفت سعاد الثلاثة وأصبحت متيمة بفنان عصره عبد الحليم الذي كان يشعر تجاهها بمسئولية ما، حتى أنه جاء لها بشقة في حي الزمالك لكي تنجو من زحام بيت أمها، ومن خلال عبد الحليم عرفت سعاد شعر صلاح عبد الصبور وتقربت من الشاعر الذي كان حكيمًا في التعامل مع فتاة فنانة مراهقة، فوضع علاقته بها في إطار الملهمة الساحرة ولا شيء آخر".

نجح فيلم بركات والخميس وسعاد «حسن ونعيمة» نجاحًا ساحقًا، وأخيرًا عرفت سعاد طعم النجاح والشهرة ولكن كان للقدر رأي آخر.

حزن جديد

كانت لسعاد شقيقة هى صباح، التي لها الوجه الجميل والحضور الفاتن، وكثيرون قالوا إن صباح متى عرفت طريق الفن ستنافس سعاد ونجاة، وقد كانت صباح رفيقة سعاد وراعيتها، وكانت كما يروى عبد النور في كتابه: «أطول قامة وأكثر سمرة من سعاد، لكنها كانت تتمتع أيضاً بطعامة الملامح، ودائما وأبدا تحتل عيون صباح نظرة حزن دفين، وكانت قليلة الحديث لا تسترسل فيه، بل تجيب باقتضاب واختصار ثم تنصرف لشأن من شئون البيت، وكنت دائما ألمح نظرة الحزن العميقة فى عينيها وأشاهد على وجهها علامات انكسار كنت أفسره عادة بأنها دائما فى الظل بجوار شقيقة مشهورة تنطلق إلى قمة المجد كالصاروخ، وكم سعدت ذات يوم وهى تخبرني برنة فرح فى صوتها أنها قد خُطبت لشاب جاد ناجح من قطر عربي، على أن هذه الفرحة خُنقت بقسوة وقُضى عليها عندما كانت مسافرة رفقة خطيبها فى سيارته إلى الإسكندرية وتعرضا لحادثة ولقيا مصرعهما».. وبرحيل الشقيقة الصديقة ستدخل سعادة مرحلة جديدة من الأحزان.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور في موقع أصوات 16ديسمبر 2019


الجمعة، 21 يوليو 2023

بيرم التونسي .. لم يكسره عدو ولم يحمه حبيب ( 3ـ 3 )


لجأ  بيرم للتلاعب في اسمه ، وتمكن من الحصول على جواز سفر باسمه الجديد ، وصعد بهويته المزورة إلى سطح السفينة المتجهة إلى مصر .

هبط من سفينته في اليوم السابع والعشرين من شهر مارس من العام 1922 .

 خلال العامين الذي قضاهما بيرم في المنفى  كانت مصر قد تغيرت ، لقد أصبحت الثورة التي راهن عليها بيرم تراهن على المفاوضات مع المحتل ،وكان فؤاد عدو بيرم الأول قد أصبح ملكًا ، وكان بيرم قد هجاه قائلًا :

"ولما عدمنا بمصر الملوك

جابوك الانجليز يا فؤاد قعدوك

تمثل على العرش دور الملوك

وفين يلقوا مجرم نظيرك ودون

بذلنا ولسة بنبذل نفوس   

وقلنا عسى الله يزول الكابوس

ما نابنا إلا عرشك يا تيس التيوس

لا مصر استقلت ولا يحزنون ".

مصر العظيمة عرفت بوجود بيرم وكتمت سره ، فراح رغم الخوف من اكتشاف القصر والاحتلال لوجوده يكتب شعره الحاد الساخن الساخر متناولًا كل أوجه الحياة في مصر ، وكان ينشر أشعاره في جريدة الشباب ولكن بدون توقيع ، ولكن الذين لهم بصر بالشعر كانوا يشمون رائحة بيرم الفواحة بالمقاومة  .

عاش بيرم متخفيًا في حضن مصر أربعة عشر شهرًا ، ولكنه لم يفلت من من هؤلاء الذين لا يقاومون ولا يحبون لغيرهم أن يقاوم .

يقول بيرم في مذكراته :" إذا كان أهل السياسة لم يشعروا بوجودى حينئذ، فقد شعر بى الزملاء من أهل الأدب، فقاموا بإبلاغ السلطات عنى وعن أمكنة وجودى وحركاتى وسكناتى، فرحلونى من جديد خارج مصر".

غاد بيرم إلى منفاه في اليوم الخامس والعشرين من مايو من العام 1923.

هبط بيرم ميناء مارسيليا ليعمل حامل حقائب ، ثم يتفجر شعره قائلًا

الأوله: آه .. والثانية آه .. والثالثة آه

الأوله: مصر .. قالوا تونسي ونفوني

والثانية: تونس .. وفيها الأهل جحدوني

والثالثة: باريس .. وفي باريس جهلوني

الأوله: مصر .. قالوا تونسي ونفوني جزاه الخير

والثانية: تونس .. وفيها الأهل جحدوني وحتى الغير

والثالثة: باريس .. وفي باريس جهلوني وأنا موليير

الأوله: مصر .. قالوا تونسي ونفوني جزاه الخير وإحساني

والثانية: تونس .. وفيها الأهل جحدوني وحتى الغير ما صافاني

والثالثة: باريس .. وفي باريس جهلوني وأنا موليير في زماني

الأوله اشتكيها للي أجرى النيل

والثانية دمعي عليها غرق الباستيل

والثالثة لطشت فيها ممتثل وذليل

الأوله آه .. والثانية آه .. والثالثة آه.

السؤال الآن أين يذهب شعر بيرم الذي كان يؤرخ به لحياة مصر ؟.

قلتُ من البداية أن الأحباب لم يحموا بيرم، فقد قامت جهة يفترض أنها محبة لبيرم وهى الهيئة العامة للكتاب بإصدار الأعمال الكاملة لبيرم ، وقد جمعت أنا منها اثنى عشر جزءًا ثم تركت جمعها غير أسف ، وذلك لأن الموجود بالأعمال هو صمغ وعجين وليس شعر بيرم ، فما أكثر القصائد الغائبة ، ثم القصائد المنشورة لا ترتيب لها يوضح سياقها ومناسبتها ، ثم ترتيب أبيات القصائد نفسه مختل ، وكثيرًا ما تتداخل الأبيات فلا يعرف القارئ أي شعر هذا ؟.

سيكتب بيرم كثيرًا عن مارسيليا ونسائها ، إنه رجل محب للحياة شأن كل مقاوم ، لا يصرفه عن تأمل الجمال شيء.

من النفي سيراسل بيرم الصحف المصرية ويرسل إليها بأشعاره وتنشرها الصحف بدون توقيع ولا تدفع إليه أدنى مقابل مادي ، مع أن أشعاره كانت تجعل الصحف رائجة ، وبعضها حقق من وراء أشعار بيرم ثروات طائلة.

الانقاذ اسمه عزيز

في تلك المتاهة يلتقي بيرم بالمخرج والممثل المسرحي الشهير عزيز عيد ، الذي طلب منه تأليف مسرحية يعرضها في مصر على أن تكون مقتبسة من أصل أجنبي ، فورًا يستجيب بيرم ويقدم لعزيز مسرحية " ليلة من ألف ليلة " فيقدم له عزيز عشرين جنيهًا مقدمة للاتفاق بينهما .

كانت تلك العشرون جنيهًا هى أعظم مبلغ لمسته يد بيرم ، وقد أرسل جزءًا منها لأولاده في مصر !

عرضت المسرحية وحققت نجاحًا كبيرًا أغرى عزيز بأن يطلب من بيرم التفرغ لكتابة المسرحيات على أن يقدم له دفعات تحت الحساب .

كان عزيز قد وعد بأن يبذل قصارى جهده لإعادة بيرم إلى مصر ، وهو الأمر ذاته الذي وعد به الموسيقار زكريا أحمد عندما زار فرنسا وقابله بيرم ، وزاد زكريا بأن تعهد بإرسال نقود لبيرم لكي يعيش عليها .

هذان حبيبان حميا بيرم قبل أن يسطع نجم حبيب ثالث ، سنعرض له في قادم السطور .

جرح جديد

مر مصطفى باشا النحاس بباريس في طريقه إلى لندن لتوقيع اتفاقية 1936 ، وعرف بيرم بوجود النحاس ، فذهب إليه وشرح له قضيته كاملة فوعده النحاس باشا خيرًا ، وطلب منه الحضور إلى مقر السفارة المصرية لكي يسهل له الباشا العودة إلى مصر .

فرح بيرم الفرح كله ، وعندما توجه إلى مقر السفارة وجد الأمن الفرنسي في انتظاره !

يقول بيرم في مذكراته :" قام الأمن بتفتيشي بحثًا عن سلاح معي ، وأخبرني أن هناك بلاغًا من النحاس برغبتي في اغتياله ".

لماذا تخلى النحاس عن بيرم وهو يعرفه حق المعرفة ؟.

سبق لزغلول باشا أن فعلها ، ولكن النحاس أوغل في عداوة بيرم ، ثم النحاس باشا ذاته هو الذي حمى أحمد ماهر والنقراشي وقد كان الاحتلال يتهمهما بقتل قواد إنجليز، فلماذا تخلى عن بيرم بل وشى به في فعل هو خارج سياق النحاس باشا ؟.

كان النحاس يغازل الملك فاروق من خلال التنكيل ببيرم عدو أسرته ، ثم شاء ربك أن يقوم فاروق بإقالة وزارة النحاس ، ليصبح النحاس باشا كالمنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى !

ظل الأمن الفرنسي يضيق على بيرم حتى جاءت الضربة من أعلى ، لقد كانت فرنسا تستعد للحرب العالمية الثانية فرأت التخفف من عبء الأجانب فصدر قرار يطالب الأجانب بالعودة إلى مواطنهم في أسرع وقت ، وهكذا وجد بيرم نفسه في تونس مرة ثانية !

في تونس أنشأ بيرم جريدة الزمان ، فراجت رواجًا شديدًا في كل بلاد المغرب العربي  ، فتأكد الاحتلال الفرنسي الذي كان يحكم تونس أن رجلًا مثل بيرم لم يخلق للصمت ، فقرر الفرنسيون طرده من تونس !

كان الاحتلال الفرنسي رحيمًا هذه المرة ببيرم فقد خيره بين البلاد فوقع اختيار بيرم على سوريا ، فاشترط عليه الاحتلال عدم المشاركة في أي نشاط سياسي !

وافق بيرم على شرط هو خلق أصلًا ضده ، فكل شعر بيرم لا يمكن فصله عن السياسة بمفهومها العام .

   ضاق الفرنسيون الذين كانوا يحتلون سوريا ببيرم فقرروا نفيه إلى بلد من بلدان وسط إفريقيا حيث لا عرب ولا عربية !

صعد بيرم إلى السفينة التي ستنقله إلى وسط أفريقيا ولكن قلبه كان قد قرر قرارًا لا رجعة فيه .

ثمن العودة

صباح يوم الثامن من أبريل من العام 1938 توقفت السفينة في ميناء بور سعيد فقرر بيرم الهبوط منها وكأنه ليس مطاردًا ولا منفيًا .

عاد بيرم بعد رحلة المنافي التي أخذت من عمره ثمانية عشرة سنة كاملة ، وبعد السكرة جاءت الفكرة ، لقد قرر بيرم عدم العودة للمنفى ثانية ، فكتب خطابًا يحمل قصيدة إلى صديقه الشاعر الكبير كامل الشناوي الذي قدم الخطاب والقصيدة لرئيس تحرير الأهرام أنطوان الجميل .

قال الجميل للشناوي : إن محمد محمود رئيس الوزراء ومحمود فهمي النقراشي وزير الداخلية ، وأحمد حسنين باشا الأمين الأول في القصر، من أشد المعجبين ببيرم، وسأتصل بهم وأستأذنهم في نشر زجله .

حصل الجميل على الموافقات اللازمة لنشر قصيدة بيرم وفي الصفحة الأولى من الأهرام ، وكانت تلك سابقة !

بعد نشر القصيدة بساعات جاء الأمر من وزير الداخلية بتجاهل عودة بيرم ،  الحق أن بيرم كان قد قبل بدفع ثمن عودته ، كانت قصيدة عن شوقه وغربته ثم ختمها بكلمتين عن الملك الحالي فاروق الأول .

لا أدافع عن بيرم عندما أقول إن الملك الشاب كان أيامها محبوبًا من المصريين الذين كانوا يراهنون عليه لكي يخلصهم من تركة والده المثقلة بالجراح .

قال بيرم في قصيدته :

" غُلُبْتِ أقْطعْ تذاكرْ

وِشْبِعْتِ يا ربِّ غربةْ

بين الشطوط والبواخرْ

ومنْ بلادنا لأوروبا

وأقول لكمْ بالصراحةْ

إللي فْ زَمَنّا قليلةْ

ما شفت يا قلبي راحةْ

في دي السنين الطويلةْ

إلا لما شفت الطوافي واللبدة والجلابية

يا مصر يا نور الوسامة

ساطع وباين شروقك

لحن السلام والسلامة

الدنيا سامعاه في بوقِك

والجو فوقه ابتسامة

زي ابتسامة فاروقك ".

ورود كلمة فاروق في قصيدة لبيرم في سياق المدح كان هو الثمن الذي دفعه الشاعر الفذ لكي يعود إلى أحضان أمه .

ثم كان هناك ثمن هامشي وقع موقع الرضا من قلب بيرم ، لقد طلبت منه دوائر القصر أن يتكلم في حق النحاس باشا ، لكي يواصلوا غض البصر عن عودته .

وجدتها بيرم فرصة ليشفى صدره من النحاس فهجاه ، أو داعبه حسب وصف بيرم ، ثم سكت عنه عندما أخذ بثأره منه .

حد السيف

ثم كفاك الله شر معيشة الخائف المترقب الذي يحسب كل صيحة عليه ، وكفاك الله شر العيش على حافة الهاوية ، وكفاك الله شر المشي على حد السيف .

كل ما سبق تجرعه بيرم قطرة قطرة ، فهو لم يعد منفيًا ولكنه لم يصبح مواطنًا ينعم بالأمان ، فاروق لم يصدر عفوًا عن بيرم ، فقط غض بصره عن عودته ، هل جربت أن تكون حياتك معلقة بكلمة ينطق بها حاكم في أي ساعة من ساعاته ؟.

بيرم تجرع هذه الحالة حتى الثمالة ، ومع ذلك تدفق شعره ليطوف به كل أرجاء الوطن العربي ، فهو مع المقاومة أينما كانت وهو مع الشعوب المقهورة التي تقاتل من أجل غد أفضل ، وهو مع المرأة بدون قيد أو شرط ، ومناصرته للمرأة ستكون بوابة عبوره إلى الهرم الكلثومي ، كانت أم كلثوم عند بيرم رمزًا للمرأة المتحدية صاحبة الفهم والكبرياء ، فتعرف عليها وقدم لها عصارة فنه بداية من العام 1940 وحتى قبل شهر من رحيله ، نجاحه المدوي مع أم كلثوم جر عليه حربًا كادت تقتلعه .

لقمة العيش

قبل عودة بيرم كان كبار المطربين يعتمدون اعتمادًا شبه كلي على كلمات رامي وفتحي قورة وأبو بثينة وحسين السيد وقصائد شوقي وحافظ ، وبعودة بيرم حصل بمفرده على نصف الكعكة ، وهنا جاءت مواجع لقمة العيش ، فقد شن عليه أبو بثينة وفتحي قورة حربًا صليبية لا تهدف إلا إلى الاستئصال ، نحن أو بيرم !

أصبح الوسط الثقافي والفني موزعًا بين الطرفين فهناك من يدافع عن بيرم مثل زكريا أحمد ، بينما الأغلبية تعاديه وتكاد تقول بنفيه مرة أخرى .

لم تكن المعركة شريفة بأي حال من الأحوال، فقد كتب الشاعر الكبير المهم فتحي قورة مقالًا يتهم فيه بيرم بأنه كتب أغنية " جنسية " لأم كلثوم يعني رائعة بيرم " أنا في انتظارك " هل يمكن لمتذوق الشعر ان يوافق على ما كتبه قورة ؟.

سكت بيرم ولم يرد لأنه يعرف ثمن كلامه ، فقد يعود للمنفى ثالثة ، ولكن شيطانه الشعري لم يصبر ، فعندما منح مهرجان للزجل العربي اقيم في لبنان أبا بثينة إمارة الزجل العربي قال بيرم :

" خراب ما يحتاج لمعاينة

وفن باير وأهى باينة

 أميرى جوز أم بثينة

 وأنا الرعية أنا وعيالها".

هذان البيتان كانا المدفعية الثقيلة التي انهت المعركة فقد عرفوا أن بيرم عندما يهجو فإنه يوجع .

الحبيب الحامي

ثم جاء أبو خالد ، عبد الناصر الذي رفع كل السيوف عن رقبة بيرم ، ومنحه في فجر الثورة الجنسية المصرية ، وفتح أمامه أبواب صحيفة الثورة الجمهورية ، ثم منحه جائزة الدولة التقديرية ، وكانت أرفع الجوائز المصرية ، ثم عندما كتب بيرم ملحمة " الظاهر بيبرس " وكانت الإذاعة تبث حلقاتها ، ثم توقفت بزعم أن الملحمة لا تمثل الحقيقة التاريخية ، تدخل عبد الناصر وأمر باستئناف إذاعة الحلقات .

غني عن الذكر أن بيرم كان من أوائل المؤيدين لثورة يوليو ، وراهن عليها كما راهن على ثورة 1919 ، ولكن الفارق أن عبد الناصر لم يخذله كما فعل زغلول والنحاس ، غفر الله لهما .

الوداع

منذ بدايته وبيرم يعرف نهايته لقد قال في زمن شبابه  :

" قال: إيه مراد ابن آدم؟

قلت له: طقه

قال: إيه يكفي منامه؟

قلت له: شقّه

قال: إيه يعجّل بموته؟

قلت له: زقه

قال: حـد فيها مخلّد؟.

قلت له : لأه ".

نظر والد الشعراء فؤاد حداد حوله ثم قال :

" فين بيرم التونسي اللي علمنا

نلف ونقلوظ عمايمنا  ".

بكى صلاح جاهين على بيرم ثم قال :

" النعـش عـايم في الدموع في عينيا

فـايت فـى قـلب القـاهرة ومـعدى

هـو عـارفها وهـى مـش عـارفاه

عـلى كـل حـاره وكل عطفة يهدى

كـأنـه راجـع لـسـه مـن منـفاه

بيــبوس بعـيـنه اللِـبْـدَة والجلابيه "

وقفت أم كلثوم على مسرحها الشامخ في الليلة الخامسة من شهر يناير من العام 1961لتغنى رائعة بيرم " هو صحيح الهوى غلاب " ولكنها قبل الغناء نظرت للجماهير وقالت :" شاعر الشعب محمود بيرم التونسي مات قبل قليل ".

مصر العظيمة قبلت جبين ابنها بيرم الفرد الفذ الذي لم يخنها قط .

ــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بموقع أصوات ، الاثنين 22 يوليو 2019