الخميس، 20 أكتوبر 2022

أبونا آدم رجل وحيد .. في مواجهة الحياة



مَنْ منا إذا سمع اسم أبينا آدم عَقّب قائلًا: "صلى الله عليه وسلم؟".

مّنْ منا إذ ذكرت أمنا حواء تمتم قائلًا: "رضى الله عن أمنا حواء" أو "عليها السلام؟".

أليس تجاهل  السلام على هذين الأبوين الكريمين يعد من العقوق؟ 

بل الأمر يتجاوز العقوق ليذهب إلى سوء الأدب مع هذين الأبوين الكريمين الجليلين، ألا تسمع أحدهم وهو يصب اللعنات على حواء وبناتها، ثم ألم يأتك صوت الجهول وهو يتحدث عن الأب الكريم الجليل آدم عليه الصلاة والسلام حديثه عن جليسه في المقهى.

لماذا خف عند أكثرنا وزن هذين الكريمين؟

ربما تكون الألفة هي السبب، فكل ألفة تهدر شيئًا من المهابة، وربما تكون السنوات بل القرون المتطاولة هي السبب، فتباعد الزمان يفعل فعله في النفوس.

على كل حال، يجب أن نعيد النظر في قلوبنا لكي ننزل أبانا آدم عليه صلى الله وعليه وسلم وأمنا حواء عليها الرضوان والسلام منزلة تليق بهما.

عندما نتحدث عن الأب آدم عليه السلام فنحن نتحدث عن البدايات المتعلقة بالبشر، البدايات الحاكمة لكل سلوك ولكل سبيل، شاء ربنا عز وجل أن يخلق الأرض فخلقها، ثم شاء أن يعمرها لا بالوحوش ولا بالملائكة ولا بالجن، لقد شاءت إرادته أن يعمرها بالإنسان، مخلوق اسمه الإنسان، سيخلقه الله من مادة هي بين المواد في المرتبة الدنيا، سيخلقه من التراب، ليصبح سيد الكائنات، ثم سيسخر له الله كل ما يصلح شأنه، وسيجعله يغلب الأرض بجبالها وبحورها وسهولها وصخورها ووديانها، ثم سيجعله يرقى إلى السماء حتى يصل إلى القمر، ثم سيجعله يكتشف الكواكب المجهولة والقارات المنسية، فأي معجزة تلك؟ وأي نعمة أنعم الله بها على الإنسان؟ 

الإنسان الأول الذي علمه الله كل شيء كان أبونا آدم عليه السلام، ولكي نستشعر النعمة التي أنعم بها الله عليه، نقرأ قول الحق عز وجل وهو يوبخ ويبكت إبليس اللعين : "يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ".




آدم خلقه الله بيديه المباركتين وقد نص سبحانه على مراحل وترتيب  عملية الخلق، وقد أحسن العلامة الأستاذ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله  عندما قال:"اعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم، فبين أنه أولاً تراب، بقوله: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) ثم أشار إلى أن ذلك التراب بُلَّ فصار طيناً يعلق بالأيدي (إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لازِبٍ) وبيَّن أن ذلك الطين أسودَّ، وأنه متغير بقوله: (حَمَأٍ مَسْنُونٍ).

وبيَّن أيضاً أنه يبس حتى صار صلصالاً، أي تسمع له صلصلة من يبسه (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ).

وجاء في الحديث الشريف  الذي رواه الترمذي وصححه الألباني: "إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ مِنْ قَبْضَةٍ قَبَضَهَا مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ، فَجَاءَ بَنُو آدَمَ عَلَى قَدْرِ الْأَرْضِ، جَاءَ مِنْهُمْ الأَحْمَرُ وَالأَبْيَضُ وَالْأَسْوَدُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، وَالسَّهْلُ وَالْحَزْنُ، وَالْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَبَيْنَ ذَلِكَ".

ثم كانت النفخة الإلهية فكان آدم ولم يكن قبله إنسان، ودع عنك ما قاله الدكتور عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم" من وجود بشر قبل آدم، فما ذهب إليه الدكتور شاهين غفر الله له يعارض منطق آيات كثيرة تحدثت عن فرادة أبينا آدم، ويعارض أحاديث شريفة هي في أعلى درجات الصحة تقطع بأن آدم هو أب البشر ولا أب له ولا أم.

وقد شاهدت قبل سنوات مناظرة تليفزيونية بين الدكتور زغلول النجار والدكتور شاهين، وفيها فنّد النجار منطق شاهين حتى أنه سأله سؤالا مباشرًا: "ألم تقل لتلاميذك إن آدم كان له بابا وماما مثلكم؟".

فلم يرد الدكتور شاهين وتهرب من الإجابة.

إذن الكلام عن أولية آدم مقطوع به، أما غيره من كلام عن السلالة الأولى التي تطورت فأصبحت بشرًا فلا شأن لنا به ولا بقائليه ولا بمصدقيه.

خلق الله أبانا آدم عليه الصلاة والسلام فأصبح الرجل الأول الوحيد الفرد الذي بلا أهل ولا ولد، المتصدي بمفرده لكل صعوبات الحياة.




ضع في قلبك دائمًا أن آدم مخلوق للأرض وليس للجنة، ومهمته أثقل من أي مهمة، مهمته هى خلافة الله في الأرض، مهمته كانت حمل الأمانة التي أبت أن تحملها الجبال والسموات والأرض، لقد خافت تلك الكائنات العملاقة العظيمة من حمل الأمانة وأشفقن على أنفسهن منها، ولكن قدر آدم كان أن يحمل هو الأمانة.

وتحمله للأمانة يؤكد بأنه كان نبيًا ورسولًا،  فعن أَبُي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ رَجُلا  قَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَنَبِيًّا كَانَ آدَمُ؟ قَالَ: نَعَمْ، مُعَلَّمٌ مُكَلَّمٌ" أخرجه ابن حبان وصححه الألباني.

هذا عن كونه عليه السلام نبيًا أما عن كونه رسولًا فقد قال جمهور العلماء: "إن آدم وشيث عليهما السلام، كانا نبيين مرسلين قبل نوح عليه السلام إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفاراً بل أمرهم بتعليم الإيمان وطاعة الله، وأما شيث فكان خلفا له فيهم بعده، بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض".

وبعد آدم كانت الأم العظيمة الجليلة حواء عليها السلام، وتلك البعدية ليست مقدرة بزمن فلا يليق بنا الخوض في تحديد الفترة الفاصلة بين خلقه عليه السلام وخلقها عليها السلام، ولكن عملية خلق أمنا حواء جاء فيها كلام كثير يمكن اختصاره إلى ثلاثة أقوال.

القول الأول ما قاله جمهور العلماء ومن بينهم الشيخ الشعراوي رحمه الله.

وملخصه أن أمنا حواء قد خلقها الله من ذات الطينة التي خلق منها أبانا آدم، وفي هذا السياق قال الشيخ الشعراوي في كتابه "قصص الأنبياء" كلامًا غاية في اللطف والدقة عن سبب "التنافس" الذي بين الرجل والمرأة ، فكلاهما من أصل واحد فلا يسمح أحدهما للآخر أن يستطيل عليه بشيء ولا أن يمن عليه بمنة.

القول الثاني يقول به بنو إسرائيل وبعض علماء الإسلام، وهو أن الله خلق حواء من ضلع آدم يعني من جسد آدم.

لبني إسرائيل أن يقولوا كما شاءوا، فلسنا في سياق مناقشتهم، أما علماء الإسلام فقد اعتمدوا في كلامهم على حديث شريف تعسفوا في التعامل معه، الحديث رواه الإمام البخاري ونصه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ".

كل علماء الحديث أصحاب البصيرة بهذا العلم الصعب المتين قالوا: إن معنى الحديث قائم على المجاز وليس الحقيقة، فالرسول الكريم كأنه يقول استوصوا بالنساء لأنهن مخلوقات مختلفات عن الرجل فكأنهن خلق من ضلع، الكلام هنا مجازي وليس حقيقي، وليس به أدني درجة من درجات التهوين من شأن المرأة بل العكس هو الصحيح، فالمنطوق النبوي الشريف يوصي بالنساء ويؤكد أنهن مختلفات على الرجال ويجب على الرجل أن يعامل المرأة لا كما يعامل أخاه الرجل.




ثم تبقي منطقة ملتبسة في النشأة الأولى، وهى الخاصة بالجنة التي عاش فيها الأبوان الكريمان.

بعضهم يقول: هي جنة الخلد التي وعد الله بها عباده المتقين، والكثرة من العلماء تقول: بل هي جنة أرضية، وقد أحسن الأستاذ أبو سعيد الغامدي عندما اختصر لنا أهم ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه "مفتاح دار السعادة"، ولدواعي المساحة سأقوم باختصار للاختصار، ومن شاء الاستزادة فعليه بالرجوع إلى كتاب الإمام ابن القيم. 

يقول الإمام ابن القيم :

1 ـ  الجنة التي تدخل بعد القيامة هي من حيز الآخرة وفي اليوم الأخر تدخل ولم يأت بعد.

2 -  وصف الله عز وجل الجنة في كتابه بصفات لم تكن موجودة في جنة آدم، من تلك الصفات، وصفه لها بأنها دار المقامة ولم يقم آدم فيها.

3 ـ  ووصفها بأنها جنة الخلد ولم يخلد آدم فيها.

4 ـ ووصفها بأنها دار جزاء ولم يقل إنها دار ابتلاء وقد ابتلى آدم فيها بالمعصية والفتنة.

5 ـ ووصفها بأنها ليس فيها حزن وأن الداخلين إليها يقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن وقد حزن فيها آدم.

6 ـ ووجدناه سماها دار السلام ولم يسلم فيها آدم من الآفات التي تكون في الدنيا.

7ـ وسماها دار القرار ولم يستقر فيها آدم.

8 ـ وقال فيمن يدخلها وما هم منها بمخرجين وقد اخرج منها آدم بمعصيته.

9 ـ وقال لا يمسهم فيها نصب وقد ند آدم فيها هاربا فارا عند إصابته المعصية وطفق يخصف ورق الجنة على نفسه وهذا النصب بعينه الذي نفاه الله عنها.

10 ـ وأخبر انه لا يسمع فيها لغو ولا تأثيم وقد أثم فيها آدم واسمع فيها ما هو اكبر من اللغو وهو انه أمر فيها بمعصية ربه وأخبر أنه لا يسمع فيها لغو ولا كذب وقد اسمعه فيها إبليس الكذب وغره وقاسمه عليه أيضا بعد أن اسمعه إياه. 

11 ـ وقد شرب آدم من شرابها الذي سماه في كتابه شرابا طهورا أي مطهرا من جميع الآفات المذمومة وآدم لم يطهر من تلك الآفات.

12ـ  وسماها الله تعالى مقعد صدق وقد كذب إبليس فيها آدم ومقعد الصدق لا كذب فيه.

وعلى ما سبق  فجمهور العلماء يؤكدون أن جنة آدم عليه السلام ليست جنة الخلد. 

ثم تأتي مرحلة الذرية البشرية، وفيها قتل أحد ابني آدم شقيقه، وأنت إذا نظرت إلى حجم ونوعية الابتلاء الذي تعرضه له الأب الكريم آدم عليه السلام ستحمد الله على أنك لم تكن آدم.

نحن أمام الرجل الأول بكل ما تعنيه الأولية من متاعب، ثم هذا الرجل الأول يتعامل مع المرأة الأولى، ثم  يتربص به إبليس اللعين ويكاد يفسد عليه حياته ، ثم يمن الله عليه بالذرية، ثم يأتي اثنان من أولاده فيقتل أحدهما الآخر.

أي قلب يتحمل كل هذا الابتلاء؟

اقرأ معي الآيات الكريمة التي تقص قصة ابني آدم: "وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ  قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ  إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ  قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي  فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ".

ستشعر بحرارة المأساة، شقيقان يقتل أحدهما الآخر ظلمًا وعدوانًا، والشقيقان هما ابنان لنبي مرسل، فلو لم يكن سيدنا آدم مرسلًا فمن أين عرف ابنه الصالح كلمات مثل (يتقبل الله من المتقين، أخاف الله رب العالمين، أصحاب الجنة، أصحاب النار، جزاء الظالمين؟) هذه كلمات تعلمها من رسول أُرسل إليه فدعاه الرسول فصدقه وامن به وبرسالته.

هذا أولًا، أما ثانيًا فالآيات الكريمة تؤكد بوضوح أن المتحاربين هما من صلب آدم وليس من ذريته، فلو كانا من ذريته لكانا قد شاهدا مرارًا وتكرارًا عملية الدفن، ولكن كونهما من صلبه عليه السلام يفسر كيف لم يعرف القاتل كيف يدفن شقيقه القتيل، وعلى ذلك فقد تعجبت وأنا أسمع الشيخ الأستاذ خالد الجندي وهو يحاول إثبات أن ابني آدم الوارد ذكرهما في القرآن ليس من صلبه وإنما هما من ذريته.

لا يتبقى من المساحة سوى أن نرفع العقوق عن قلوبنا ونقول: اللهم صل وسلم وبارك على أبينا آدم وعلى زوجه أمنا حواء وعلى ذريتهما من الرسل والأنبياء والصالحين والعلماء والشهداء وسلم تسليمًا كثيرًا.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة صوت الأمة أغسطس  2017


الخميس، 13 أكتوبر 2022

هل يخاف مجتمعنا من الصادقين ؟




إذا قُدّر لك قراءة كتب مثل "البداية والنهاية" لابن كثير و"الفهرست" لابن النديم و"حلية الأولياء" لأبي نعيم و"وفيات الأعيان" لابن خلّكان و"العبر في خبر من غبر" للذهبي، ستجد كل هؤلاء العلماء يقدمون ترجمة وافية لعبد الرحمن بن عمرو بن يُحْمَد الأَوْزَاعِيُّ، ويشيدون بعلمه وفضله وتقواه، ويؤكدون أنه قد انفرد بمكانة لم ينافسه عليها منافس.

بعد القراءة قد تسأل نفسك: أين ذهب كل هذا العلم؟

بل ستسأل أين هو الأوزاعي الآن بين علماء الدين؟ 

تقول ترجمة الأوزاعي المختصرة إنه ولد في بعلبك بلبنان في العام 88 هجرية، ومات ببيروت في العام 157 هجرية، وما بين مولده وإلى موته ملأ الدنيا وشغل الناس بفقه ومواقفه.

 لقد ولد الأوزاعي يتيمًا فقيرًا، وكانت أمه تنتقل به بين البلدان لضروريات الحياة، ثم علّم نفسه بنفسه وجالس علماء زمانه، فما مضت سنوات كثيرة حتى دخل مكة للحج، وسفيان الثوري آخذ بزمام جمله، ومالك بن أنس يسوق به، والثوري يقول: "أفسحوا للشيخ"، حتى أجلساه عند الكعبة، وجلسا بين يديه يأخذان عنه. 

يعني رجل يسير في موكبه، بل في خدمته أمثال سفيان الثوري ومالك بن أنس كيف يكون؟

الرجل لم يكن فقيهًا محليًا يفتي لأهل بيروت والبقاع، لقد طار صيت فقهه حتى سيطر على الشام كله وأصبح الأوزاعي الفقيه المعتمد لكل الشام لأكثر من مئتين وعشرين سنة، ومن الشام انطلق فقهه إلى الأندلس وأصبح مذهبًا لأهل الأندلس لعقود طويلة.

 ولكن في معمعة هذا الصعود وقع أمر عجيب جدًا، بدأ مذهب الأوزاعي يتراجع بل يتقهقر حتى أصبح أثرًا بعد عين أمام مذهب الشافعي في الشام ومالك في اليمن.

فهل العيب كان في الفقه الذي لم يصمد أمام المذاهب الجديدة، أم في الفقيه الذي لم يحشد لنفسه التلاميذ والمؤيدين، أم في السياسة؟

في سياق الإجابة سنجد أن فقه الأوزاعي ما زال يملًا بطون الكتب، وقل أن تجد كتابًا جادًا يخلو من ذكر فتوى أفتى بها الأوزاعي أو رأي قاله، أما مسألة حشد التلاميذ وتنظيم صفوفهم ليكونوا درعًا لشيخهم حتى بعد موته، فهذه المسألة لم يتعمدها الأوزاعي لكنها وقعت بحكم الظرف التاريخي والعلمي فما أكثر تلاميذه الذين عرفوا فضله ونوهوا بذكره.

إذًا بقي الاحتمال الثالث ألا وهو السياسة، الأوزاعي لم يكن يشتغل بالسياسة بمعناها العام ولكنه كان لا يهاب الساسة خاصة الحكام الطواغيت منهم، نعم لم يكن يتعمد الاصطدام بهم ولكنه لم يكن يتلجلج إذا تحدث أمامهم.




 مشكلة الأوزاعي الرئيسية هي أنه كان يمد الخيط إلى منتهاه، وأمثاله لا يرحب بهم الحكام، ويحدث أن يخشاهم المجتمع، خاصة إذا كان المجتمع ميالًا لنوع من أنواع نفاق الحكام ومداهنتهم تحت أي شعار كان النفاق ولغرض أي هدف كانت المداهنة، وعندما يكون الحال كذلك، يبدأ المجتمع نفسه في إزاحة العالم من هؤلاء من فوق قمته ويظل يواصل إزاحته إلى أن يسقط في السفح ويتوارى عن الأنظار فيرتاح الحاكم والمجتمع من صوت الضمير المؤنب والموبخ.

أظن، من خلال تتبعي لسيرة الإمام الأوزاعي أن أمر إزاحته وإسقاطه قد تم بعد محادثة شديدة جرت بينه وبين الأمير العباسي عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس، كان الأمير من سفاكي الدماء وكان جبارًا لا يلين، وقاسيًا لا يلتفت لرحم أو ذمة وقد قامت دولة بني العباس تحت ظلال سيفه ، فهذا الأمير قتل في يوم واحد خمسين ألف أثناء معركته مع أخر حكام بني أمية.

أمير بهذه الصفات يستدعي الأوزاعي ويسأله:"يا أوزاعي، ما ترى فيما صنعنا من إزالة أيدي أولئك الظلمة عن العباد والبلاد؟ أجهادًا ورباطًا هو؟ 

فيجيبه الأوزاعي: أيها الأمير، لقد قال الرسول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".

يغضب الأمير من إجابة الأوزاعي فيعود لسؤاله ما تقول في دماء بني أمية؟

فيرد الأوزاعي: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة".

يشتد غضب الأمير الذي يصر على أن ينتزع تأييدًا ولو باهتًا لأفعاله من إمام الشام فيسأله: ما تقول في أموالهم؟ 

يرد الأوزاعي: إن كانت في أيديهم حرامًا فهي حرام عليك، وإن كانت لهم حلالاً فلا تحل لك إلا بطريق شرعي.

 تأكد الأمير السفاح أن الأوزاعي ليس من الذين يبيعون فتواهم خوفًا من العصا، فلجأ الأمير إلى الجزرة وأمر بصرف عطية للأوزاعي، الذي أخذها وتصدّق بها .

ثم لو نظرت حولك ستجد تصديقًا لكلامي، عندما ترى فلانًا وفلانًا يتصدرون المشهد بينما يفرض التعتيم على فلان وفلان حتى تنساهم الناس فيرتاح الحاكم والمحكوم من صوت الضمير.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال - الخميس 9 سبتمبر 2016

الخميس، 29 سبتمبر 2022

من أوراق مشرفة تعليم


 

تلتقطني سيارة العمل من أمام بيتي في السابعة صباحًا، ثم تعيدني في الثالثة عصرًا، ما بين الوقتين هو يوم عملي. بدأت غربتي في اليوم الأول لعملي بالمدرسة الخاصة، هذه ليست مدرسة أنا الآن في فندق سبع نجوم، كل شيء لامع نظيف مرتب، لكنه بارد، لا دفء لا حميمية، لا وجود لأي صورة ذهنية تظهر على سطح ذاكرتك عندما تسمع كلمة مدرسة.


أين رائحة الطباشير؟ أين السبورة؟ أين التختة؟ أين أبلة الناظرة؟ أين السيد المربي الفاضل ناظر المدرسة؟ أنا الآن في مدرسة افتراضية مثلها مثل الفيس بوك، حيث كل شيء على خلاف حقيقته.


المدرس أو الإداري المصري اسمه "مستر"، المدرسة أو الإدارية  المتزوجة اسمها "مسز"، والآنسة اسمها "مس". قالت لي رئيستي: راتبك سيكون ألف وخمسمائة جنيه مصري ثم لا حقوق لك فوقها.


الورقة الثانية

كان بدء عملي في شهر أغسطس الحارق، دخلت المدرسة فرأيت حديقتها قد أصبحت "بلاج" نعم بلاج بلباس بحر يرتديه أطفال، أصغرهم في عامه الثالث وأكبرهم في عامه الثامن. تركت البلاج وتفرغت لتأمل الأمهات اللاتي يقذفن بأولادهن إلى حديقة المدرسة، الأم منهن صحت لتوها من نوم مغشوش، ترتدي شيئًا لا أعرف له اسمًا، وفوق هذا الذي لا أعرفه ترتدي ما يشبه "الروب"، ما تلبسه يظهر مساحات شاسعة من جسدها، تهبط الأم من سيارتها الفاخرة متأففة، هي لم تشبع من نومها بعد، بين أصابع يدها اليسرى سيجارة، وتقبض بيمناها على "مج" نسكافيه، حتمًا هو بدون سكر، للحفاظ على وزنها المثالي، لا تمنح طفلها حضنًا ولا حتى قبلة في الهواء، تتركه لنا وتغادر.


قالت لي رئيستي: هذا ليس "بلاج"، هذا معسكر صيفي summer camp، إدارة المدرسة تحصل على ألف وثمانمائة جنيه أسبوعيًا من ولي أمر الطفل المشارك في المعسكر.




سألت نفسي: ما الذي سيتعلمه الصغار مقابل كل هذا المال؟ حصلت بنفسي على الإجابة: هم هنا لكي تتخلص منهم أمهاتهم المتأففات المدخنات، يغرق أحدهم صاحبه  بفقاعات الصابون، ثم تأتي معلمة مهيبة لكي تقص عليهم بالإنجليزية قصة عن الديناصور الذي يطير ويساعد الفراشة في النجاة من اللهب. كنت أشعر بغربة شجرة صفصاف وجدت نفسها في بهو فندق أوربي.


في اليوم الثالث للمعسكر، قذف صبي صاحبه بزجاجة ماء، طلبت منه بوصفي المشرفة الاعتذار لصاحبه، رفض بعناد بغل استرالي، شكوته للرئيسة، تحدثت إليه الرئيسة طويلًا إلا أن الصبي ابن السنوات الأربع صرخ في وجوهنا جميعًا:"لن أعتذر، وسأقول لمامي، وهى تستطيع ضربكم جميعًا بالجزمة"! إنها نظرية "بفلوسي يا كلاب".


في اليوم التالي لتلك الواقعة شكوت الصبي لأمه المتأففة فقالت: "نعم هو عصبي بعض الشيء لأن أباه مسافر دائمًا". الأم تدفع شهريًا سبعة آلاف ومائتي جنيه لكي يهددنا ابنها بضربنا بالحذاء.


الورقة الثالثة

كنت حريصة على معرفة مصاريف المدرسة التي هي فندق. مصاريف  KG، ستكون مصيبة لو قلت الحضانة أو الروضة، ستة وسبعين ألف جنيه يضاف إليها عشرة آلاف للباص وسبعة آلاف لوجبة الغداء. هذه خمسة وتسعون ألف جنيه مصاريف طفل دون الخامسة من عمره. مصاريف الابتدائي مثلها، ومصاريف الإعدادي تصل إلى مائة وسبعة آلاف جنيه. هل قلت لكم أن راتبي هو ألف وخمسمائة جنيه؟




الورقة الرابعة

كنت أنتظر على أحر من الجمر بدء العام الدراسي لكي أتخلص من عبء الإشراف على المعسكر الصيفي. مع نسمات سبتمبر اللطيفة بدأ العام الدراسي الذي لا يستمر لأكثر من ثمانية شهور من العام. ليس في كل هذا العالم ما هو أبهج من الأطفال، حتى هذا الذي هددنا بحذاء أمه، هو أيضًا مبهج.


جاء صناع البهجة، ولكن كيف ترتدي ناهدة الصدر من طالبات الإعدادي "شورت" يكاد يحترق من فرط سخونته، فوق الشورت قميص قصير وضيق، ما علينا، لست مشرفة على لباس الطالبات.


المعلمات يلبسن ملابس تصلح للسهرة، أليست هناك ملابس للعمل وأخرى للسهرات ؟ من الواضح أن ذلك الفرق هو في عقلي أنا فقط.


وقفت مع المشرفات في طابور أول يوم دراسي. كل شيء نظيف لامع منظم ولكنه بارد. كل ما أعرفه عن طابور الصباح لا وجود له هنا، لا كلمة صباح، ولا دعاء بالتوفيق، ولا أغنية وطنية تثير الحماس، الشيء الوحيد الذي سجل حضوره كان الحديث بالإنجليزية.


قلت في نفسي: حتمًا لن تفوتهم تحية العلم، ففي النهاية هذه مدرسة مصرية مقامة على أرض مصر، فليس أقل من "تحيا جمهورية مصر العربية" نرددها ثلاث مرات. نعم أنا قديمة عتيقة، لكن ما الحداثة في تجاهل تحية العلم؟.


موسيقى غربية صاخبة أعادتني إلى أرض الواقع، طابور أول يوم مدرسي تزفه موسيقى صاخبة بينما علم ناحل يرفرف في حزن فوق سطح المدرسة.


الورقة الأخيرة

غادرت طابور الصباح، صعدت السلم إلى سطح المدرسة، وقفت انتباه أمام سارية العلم، ضربت الأرض بقدمي اليمنى، قدمت لعلمي "تعظيم سلام"، سلّطت عيني عليه وهتفت: "تحيا جمهورية مصر العربية"، ثم مسحت دموعي.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر فى موقع "أصوات أونلاين"

الخميس، 22 سبتمبر 2022

هل أتاك حديث العفاريت؟



قبل سنوات بعيدة ظهر الفنان العربي الكبير محمد عبده على الناس بأغنيته الشهيرة "الأماكن"، كانت الأغنية رغم حزن لحنها وكلماتها تُغنى من المحيط إلى الخليج في كل المناسبات، حتى لو كانت المناسبة مناسبة زفاف!

وكان عبده على شهرته الفائقة نادر الظهور في اللقاءات التلفزيونية، وذات مساء صرح الإعلامي الكبير محمود سعد بأن عبده سيكون ضيفه في حلقة خاصة، للحديث عن مجمل أعماله عامة وعن أغنية الأماكن بصفة خاصة.

انتظر محبو عبده الحلقة على أحر من الجمر، وعند بثها تحلق المحبون حولها، للحق كان محمد عبده متألقًا وهو يسرد ذكريات طفولته القاسية وأول شبابه، وتذكر كيف أنه كان يعيش مع السيدة والدته في بيت من غرفة واحدة لا وجود فيها للكهرباء أو للمياه النقية، ليلتها كسب محمد عبده محبين جددًا، ثم فجأة وبدون أي مناسبة قال:"رأيت العفريت يقفز أمامي و..".

قاطعه محمود سعد لكي يغير مجرى الحديث، ولكن الرجل أصر على سرد قصته مع العفاريت!

كان الإحراج باديًا على وجه الإعلامي الكبير وهو يحاول لملمة الموضوع وستر القصة التي يورط فيها الفنان نفسه لوجه العفاريت!

فشل سعد في إسكات عبده الذي حكي كثيرًا عن العفريت الذي كان يظهر في ظلام الصحراء!

أظن أن تلك الحلقة من البرنامج الخاص، كانت تدشينًا قاسيًا لظاهرة العفاريت في الإعلام العربي، بعدها أصبح المتحدث عن العفاريت لا يعاني من أدنى درجات الحرج أو غياب المصداقية عن كلامه فيروح الواحد منهم يفسر حياته بل وحياتنا بتفسيرين، إما تدخل العفاريت وإما عيون الحساد!

أذكر أن فنانة شابة كانت تعد بالكثير في مجال التمثيل، أساءت اختيار أدوراها فبدأ نجمها يرتعش تلك الرعشة التي تنذر بظلام قادم، أيامها قالت النجمة الشابة: إن فلانة النجمة الكبيرة قد سلطت عليها عفريتًا يجعل دورتها الشهرية متى بدأت لا تتوقف إلا بعد تدخل طبي!

كانت الشابة تبث هذا التفسير في كل مكان تذهب إليه، فوسوس لها بعض أولاد الحلال، بأن تحرر محضرًا ضد النجمة الكبيرة، وكادت الشابة تفعل لولا تدخل منتج كبير محترم، كشف للشابة عن الأسباب الحقيقة لتراجع مستواها وحذرها من هذا الكلام الذي يشبه الفضيحة، لم تذهب النجمة الشابة إلى قسم البوليس ولكن ظلت تدور في فلك ذلك التفسير المضلل حتى كادت تتوارى عن الأنظار!

هذا العبث تواصل وتوغل وسيطر وهيمن على عقول وقلوب كثيرين، وأنت وأنا نعرف ذلك الرجل الذي لا يتورع عن حشر العفاريت في كل جملة يقولها، فإن ربح فلأنه جاء بمن يبطل سحر العفاريت، وإن خسر فإن خصمه قد جاء بمن فعّل سحر العفاريت بحيث لم يتمكن من إبطالها!

وقبل أيام ظهرت نجمة شابة محبوبة ولطيفة لتحكي عن العفاريت التي كانت تقيم معها في مسكنها، فهي أي العفاريت تفتح خزينة الملابس وتشعل التلفزيون، والحمد لله أنها لم تنسب للعفاريت تقشير البطاطس وغسل أطباق الطعام.

كانت النجمة تحكي وبيسر وسهولة ويقين، وكان النجم الذي يستضيفها يصغي بأدب جم، وكأن كلامها حقيقة لا تقبل الشك ولا المراجعة.



كل ما سبق يؤكد أن السكوت عن مواجهة هذا الكلام خطير جدًا، لأن السكوت يعني الرضا والقبول أو على الأقل ترك الباب مفتوحًا لمحاولة التصديق، إن شيوع هذا التفسير سيؤدي إلى ضرب قيم عظمى في مقتل، مثل قيمة العمل والجد والنشاط والسعي المخلص لبناء مجتمع يعرف التعقل في تناول أمور حياته.

قبل عام وقف النائب طارق متولي، نائب السويس وعضو لجنة الصناعة بالبرلمان تحت قبة البرلمان وقال كلامًا في غاية الخطورة ولكن لم يلتفت إليه أحد، قال النائب: إن المركز القومي للبحوث قد أشار في دراسة من دراساته إلى أن عدد الذين يقومون بأعمال ما يسمى السحر والشعوذة يتجاوز الخمسمائة ألف نصاب، وأن المصريين ينفقون سنويًا فوق الخمسة وعشرين مليار جنيه على هذه الخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

وختم النائب كلامه بقوله: إن القانون المصري لا يجرم أعمال السحر والشعوذة إلا بضمها لجرائم النصب والاحتيال، وأن أقسى عقوبة توقع على المشعوذ النصاب هي حبسه لثلاث سنوات فقط.

أعلم علم اليقين أن هذه الأمراض موجودة في أي تجمع بشري، ولكن الحديث يجب ان يكون عن النسبة والتناسب وعن حال المجتمعات، فهناك مترفون لا يشغلهم كثيرًا إهدار كل هذه المليارات على صناعة الخرافة، ولكن نحن بلد يحتاج لكل جنيه لكي يبدأ في النهوض، فكيف نسمح لصناعة الخرافة بالسيادة وباستنزاف الموارد المالية الشحيحة أصلًا؟.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ

صوت الأمة 12 سبتمبر 2020

 

الخميس، 15 سبتمبر 2022

قل الإنجاز الكوري ولا تقل المعجزة الكورية

 


المعجزة لغة: هي الأمر  النادر الذي يعجز البشر أن يأتوا بمثله، والتاء في معجزة ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة.

والمعجزة اصطلاحًا: أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعى النبوة تصديقا له فى دعواه مقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة. 

فهل ـ وفق هذين التعريفين اللغوي والاصطلاحي ـ تعد النهضة التي نهضتها كوريا الجنوبية معجزة؟

ولكي نجيب لابد أولًا أن نذكر شيئًا عن ماضي  كوريا.

كانت كوريا الجنوبية قد خرجت من قبضة الاحتلال الياباني لتدخل في حرب شعواء مع شقيقتها كوريا الشمالية، بلغ عدد ضحايا تلك الحرب المجنونة ما يزيد على الأربعة ملايين ضحية، غير ملايين المصابين بعاهات مقعدة.

بلد بهذه الحالة لا يمكن أن تأمل في اقتصادها أدنى درجات الأمل، ففي مطلع الستينيات وبعد سنوات من انتهاء الحرب كان الدخل السنوي للكوري الجنوبي ليس أكثر من 82 دولارا.

لك أن تعلم أن الجنيه المصري في تلك الأيام كان يساوي دولارين ونصف الدولار !!

وهذا يعني أن دخل الكوري الشهري كان أقل من جنيهين مصريين!

هذا التردي جعل عباقرة الاقتصاد خاصة الأمريكان منهم يقسمون على أن: " كوريا هوة بلا قرار".

 يعني لا يمكن إصلاح أحوالها.

الأمة الكورية الجنوبية كان لها رأي آخر، وهذا ما يقصه بالتفصيل كتاب "السامريون الأشرار" لمؤلفه الكوري "هاـ جوون تشانج"، وقد ترجمه إلى العربية المترجم الأستاذ أحمد الشافعي ونشرته دار نشر "الكتب خان.

العنوان مأخوذ من قصة إنجيلية يقول ملخصها: إن يهوديًا كان مسافرًا على طريق موحش، وقع في يد قطاع الطرق الذين سلبوه ما يملك وضربوه حتى تركوه بين الحياة والموت.

بالصدفة مر كاهن فخاف من تقديم المساعدة للمضروب الذي ينزف، ثم مر رجل دين من شريعة النازف، فتركه  لنزيفه، ثم مر سامري، وكان بين السامريين واليهود ما صنع الحداد، لكن السامري الصالح  داوى جراح اليهودي، وأخذه إلى فندق وأسكنه في مكان مريح.

 وفي صباح اليوم التالي أخرج قطعتين من الفضة وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: "اعتني به وإذا صرفت عليه أكثر فأضفها على حسابي وعندما أعود سأدفع لك المبلغ".

السامريون الذين في الكتاب هم الأشرار الذين يقنعون النازف أنهم يقدمون له العلاج بينما هم يقطعون ما بقي له من شرايين.

السامريون هم رباعي مخرّب  مكوّن من الدول الكبري بقيادة أمريكا ومعها بريطانيا ثم صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.




هذا الرباعي القاتل وقف يتلمظ منتظرًا افتراس ما بقي من كوريا ولكن حاكم كوريا "بارك" كان لهم بالمرصاد.

بارك كان جنرالًا يراهن على أن الجذر الكوري ما يزال سليمًا عفيًا رغم آيات الفقر المدقع والخراب الذي عم كل شيء.

أيامها في العام 1961 كانت شركة سامسونج الكورية لا تعمل إلا في مجال تصدير السمك والفواكه، وكان الحديث عن أي تقدم تكنولوجي ضربًا من الخرافات أو المستحيل، ولكن الجنرال بارك فعلها وقرر.

1ـ  عدم استيراد أي شيء إلا المكونات الصناعية.

2ـ غلق البلد فى وجوه المستثمرين أو إجبارهم على الاستثمار وفق خريطة الاستثمار الكوري.

3ـ الفضح الاجتماعي الذي يقترب من حدود النبذ بل والتخوين لكل من يضبط مستوردًا أو مهربًا لأي بضاعة أجنبية، خاصة البضائع المترفة مثل السجائر.

4ـ فرض جمارك وضرائب جنونية بل تعجيزية على أي سلعة لا تستوردها الدولة.

5ـ غض الطرف عن القرصنة الكورية تجاه الآلات الحديثة التي بدأ الكوريون في فكها ثم إعادة تصنيعها ولو بطريقة بدائية.

6ـ غلق الأذان تمامًا في وجه نصائح الرباعي المخرّب، الذين كانوا يرون حتمية فتح الأسواق أمام التجارة الحرة وهو يعلمون يقنيًا أن أي سلعة كورية لن تصمد أمام سلعهم وستنهار ولن تقوى على تطوير نفسها ومن ثمّ دخول حلبة المنافسة.

إياك أخي القارئ الكريم أن تظن أن رجلًا مثل حسني مبارك عندما باع مصانعنا ومؤسساتنا كان يبيعها من تلقاء نفسه أو لأنه رجل شرير، لقد باعها تنفيذًا لنصائح الرباعي القاتل الذي وسوس له بأن لا نهضة لمصر سوى بالتخلي عن قطاعها العام وفتح أسواقها للتجارة الحرة.

وها قد باعت مصر مصانعها وفتحت أسواقها فأين اقتصادها؟

خطة الجنرال بارك لا تقدرها حق قدرها إلا بقراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، وذلك لأن مؤلفه وهو اقتصادي كوري كبير سرد وقائع النهضة الكورية من خلال سيرته الذاتية، كأنه جلال أمين في سفره الرائع "ماذا حدث للمصريين؟".

مؤلفنا يقول: إن الأمريكان والانجليز وصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال حماية صناعتهم وغلق أسواقهم، ولكن عندما وصلوا إلى القمة كسروا السلم لكي لا يصعد خلفهم أحد وراحوا يزينون للدول الفقيرة شريعة الاقتصاد الحر بوصفها الدين الجديد للإنسانية !!

مؤلفنا من واقع كونه رجل اقتصاد عالمي تصله أحدث التقارير وأخطرها يؤكد أن جيوشًا من الاقتصاديين والصحفيين والكُتّاب والإعلاميين، ليس لهم من شاغل سوى الترويج لدين الإنسانية الجديد!

وقف بارك أمام شعبه وتعهد لهم بأنه في العام 1981 سيصبح دخل الفرد ألف دولار.

هل تذكر أننا بدأنا الكلام بـ 82 دولارًا ؟

لقد فعلها بارك ووصل الدخل إلى 1647 دولارًا قبل الميعاد بثلاث سنوات.

أين المعجزة في ذلك؟

ليس ثمة معجزات، قل هو الإنجاز وليس الإعجاز.





أراد بارك أن يحكم إلى الأبد خاصة بعد النجاح الأسطوري الذي حققه ولكن رئيس مخابراته تولى اغتياله، لتدخل البلاد في دوامة من الصراعات حول الديمقراطية دفع تكاليفها طلاب الجامعة الذين كانوا يتظاهرون بيد ويعملون بالثانية.

سامسونج تركت زفارة السمك ودخلت عالم الالكترونيات، وكان هذا من ضروب الخيال، فحتى العام 1977 لم تكن سامسونج قد قامت بتصنيع تليفزيون ملون واحد، لكن بعدها بأقل من عشر سنوات أصبحت سامسونج أيقونة الالكترونيات على مستوى العالم.

يقول مؤلف الكتاب وهو من مواليد العام 1963 إنه عاش في حياته طفرة اقتصادية حققها البريطاني بعد مائتي عام من العمل وحققها الأمريكي بعد مائة وخمسين عامًا من العمل !!

وفي متن الكتاب وليس في هامشه يذكر المؤلف قصة شديدة الدلالة، عن دولة خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي أشلاء دولة أو "أشباه دولة" كما وصف أحدهم دولته، الدولة المقصودة بدأت في تصنيع سيارة، وهي التي لا تستطيع ضمان قوت شعبها ولو لشهر واحد، الشعب والحكومة دعما صناعة السيارة الوطنية على مدار سنوات ثم في العام 1959 قررت تلك الدولة أن تغزو الأسواق الأمريكية بسيارتها، طبعًا كانت السيارة فضيحة وأقرب إلى العربة الكارو المصرية، الأمريكان أوسعوا السيارة سخرية وأعادوها إلى بلد منشأها.

بلد المنشأ حزن الحزن كله وانقسم الشعب إلى فريقين، الأغلبية تقول: مالنا والصناعة ولنوقف فورًا هذا الخيال المترف.

وأقلية بقيادة الحكومة تصمم على المضي في تصنيع السيارات وتطويرها.

برشاقة سيناريست مخضرم يكشف المؤلف عن أن الدولة المنهارة هي اليابان وأن السيارة هي تويوتا التي أصبحت منذ منتصف السبعينيات رمزًا للجودة والإبهار.

يسأل المؤلف كيف حققت اليابان إنجازها ؟

يجيب: بحماية صناعتها الوطنية وبالصبر على تطويرها وتحديثها وبطرد غيلان وضباع السوق، لقد طردت اليابان شركة جينرال موتورز لكي تحمى سيارتها التويوتا وتفسح لها مجالًا في السوق المحلي.

وبالعودة إلى كوريا نجد أن متوسط دخل الكوري حسب إحصائيات 2013  يبلغ 24000 دولار.

وبالنظر إلى مصرنا التي كانت تتفوق على كوريا بمئات الدرجات في كل شيء، نجدها قد ظلت تستمع لترهات الحكام ولتعليمات الرباعي المخرّب  حتى قال جهازها المركزي للتعبئة والإحصاء في العام الماضي إن متوسط الدخل السنوي للفرد على مستوى الجمهورية 7 آلاف جنيه، ويرتفع متوسط الدخل في الحضر إلى 8 آلاف جنيه، وفي المقابل ينخفض في الريف إلى 5.8 ألف جنيه.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال

  

الخميس، 18 أغسطس 2022

محمود يونس.. بطل معركة تأميم القناة



وهبت مصر للقناة الأرض والعمال ورأس المال، ثم وهبت لها الدم الطاهر الزكي، ومع كل ذلك لم تكن القناة في خدمة مصر، بل كانت في بادىء أمرها نقمة على الوطن، ولم تصبح نعمة إلا بعزم الرجال ودمائهم.


كلمة السر

لا يجوز الكلام عن القناة إلا بذكر فرديناند ديليسبس الذي يظن البعض أنه هبط فوق الأرض المصرية من السماء.

 فالحقيقة التاريخية تؤكد أن ديليسبس كان يعرف مصر جيدًا حتى يجوز لنا القول بأنه عرفها قبل أن يولد وذلك بحكم «الجين» فوالده  ماتيو ديليسبس كان المبعوث الشخصي لنابليون إلى مصر، وكانت بعثته في العام 1803، أي قبل ميلاد ديليسبس بعامين فقط، في مصر تقرب ماتيو من شيوخ الأزهر الذين كانت لهم اليد الطولي أيامها في رسم السياسة المصرية، ثم تعرف علي شخص الزعيم القادم وهو محمد علي باشا، وسرعان من أصبح من أصدقائه المقربين.

تلك الصداقة ستجعل من الابن فرديناند ديليسبس صديقًا مقربًا من أولاد محمد علي وبخاصة من ابنه سعيد باشا أصغر أولاد الأسرة العلوية آنذاك.

 فى بدايات شبابه عمل ديليسبس مساعدًا لقنصل فرنسا في تونس، كان القنصل العام هو والده ماتيو ، وكان الأمر طبيعيا لأن عائلة ديليسبس كانت من أعرق العائلات العاملة في السلك الدبلوماسي الفرنسي.

ومن تونس جاء إلى الإسكندرية ليكون مساعد قنصل وكان ذلك في العام  1832.

بعدها بسنة واحدة جرى تعيينه قنصلا فى القاهرة، وبعدها بفترة  وجيزة أصبح قنصلًا عامًا لفرنسا في مصر وظل كذلك حتى العام 1837.

ثم عاد إلى بلاده وبقي بها سنوات إلى أن عاد إلى مصر مرة ثانية، في عودته الجديدة كان صديقه القديم محمد سعيد باشا قد أصبح واليًا على مصر، هنا جاءته الفرصة التي من الواضح أنه كان يحلم بها ليل نهار، مشروع قناة السويس.




المشروع قديم جدًا بدأ مع الفراعنة ثم العرب الذي فتحوا مصر وتواصل مع أمراء البندقية الإيطاليين، حتى وصل إلى نابليون الذي أمر بحفر القناة التي ستضمن له السيطرة على التجارة العالمية، المهندس الذي كلفه نابليون بالدراسات الهندسية أكد أن المشروع سيؤدي إلي غرق مصر لأن منسوب البحر الأحمر أعلى من المتوسط، هذا التأكيد لم يجعل الفرنسيين ييأسون، فقد عادوا لدراسة المشروع وتبين لهم خطأ تقديرات مهندس نابليون، وعلى ذلك فقد تسلم ديليسبس الفكرة مكتملة من ناحية الدراسات والجدوى الاقتصادية، ديليسبس كان صاحب طموح مبني على دراسات علمية ولذا فلم يبذل مجهودًا سوى في إقناع الوالي محمد سعيد بالفكرة، اقتنع سعيد بالمشروع وفي 25 أبريل 1859 بدأ العمل في إنشاء القناة تحت الإشراف المباشر من ديليسبس الذي  ضمن لشركته أن تكون لها كل المغانم  على أن تكون كل المغارم على مصر، يكفي أن نذكر أن أكثر من مئة وعشرين ألف مصري سيقعون ضحايا القناة في العشر سنوات التي استغرقها الحفر.

لقد كان ديليبسبس هو كلمة السر في خراب مصر ثم أصبح كلمة السر في رخائها.

سيظل ديليسبس ملكًا متوجًا إلى أن يموت موته الأول في العام 1894، أما موته الثاني فكان يوم أعلن ناصر استرجاع مصر للقناة ، ولسوف يموت ديليسبس ميتة  الأبد عندما هدم المصريون تمثاله الذي كان يتحدى -في غطرسة – أحلامهم في الحرية والاستقلال.





نحن نستطيع

عندما تولى الزعيم جمال عبد الناصر المسئولية كان قد مضى علي حفل افتتاح القناة الأسطوري سبعة وثمانون عامًا، وكانت القناة خلال عمرها الماضي سببًا رئيسيًا من أسباب احتلال مصر من الانجليز، كانت خنجرًا في الخاصرة المصرية وشوكة في الحلق. فشركة القناة العالمية، أو شركة القناة الأوربية، تكاد تكون إلهية، فلا تملك مصر، التي هي أم القناة، حق رفع ولو أصغر أصابعها في وجه مدير من مديريها.

المتفق عليه في كتابات المؤرخين والسياسيين أن عبد الناصر كان يبحث عن تمويل لبناء السد العالي، رفضت أمريكا والبنك الدولي وكل أوربا الغربية الثرية منحه التمويل، فما كان من ناصر إلا أن رد الصاع صاعين وقام بتأميم القناة لكي يستخدم إيرادها في بناء السد.

لا أنا ولا غيري نملك تكذيب هذا الإجماع ، لكن أين غيرة الأسد على حرمة عرينه؟ أين حلم الحرية والاستقلال؟ أين زهو المظلوم باسترجاع حقه بيديه؟.

لن أتقول علي التاريخ كذبًا، لكن عبد الناصر كان سيفعلها حتى لو مولوا السد، فلم تكن ثورته لتكتمل دون تلك الخطوة، لم تكن جمهورية مصر العربية ستعلن عن ميلادها الحقيقي بدون تأميم القناة، وكأن عبد الناصر كان يصيح: نحن مصر، نحن نستطيع.

 جاء يوم 26 يوليو 1956 حين وقف ناصر  خطيبًا في حشد خرافي من جماهير الشعب، وكان قد اتفق مع مساعديه علي أنه  فور نطقه بكلمة «ديليسبس» عليهم أن ينطلقوا  ليستعيدوا قناتهم من يدي غاصبيها، خاف ناصر من حدوث أي سوء فهم، فظل يردد بين جملة وأخري كلمة «ديليسبس» لكي ينطلق البطل محمود يونس ورفاقه ليحرروا القناة ويستردوها.




أسرة من حديد

إن كان ديلسبس قد قاد المشروع، فإن محمود يونس هو الذي حرره ليكون مشروعًا مصريًا كامل المصرية. ومحمود  هذا هو ابن أحمد بن يونس ولد في شارع الأربعين بحى السيدة زينب لأب يعمل موظفا في السكة الحديد في ١١ أبريل عام ١٩١١. عمل الأب بين آلات من حديد سيلقي بظله على مستقبل الابن الذي سيتمتع بعقلية هندسية وبعزم حديدي وبشجاعة نادرة.

في طفولة يونس لم يكن هناك سوى الكُتّاب، فالتحق بكتاب بحي السيدة وحفظ بعض سور القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب.

 ثم حصل على الابتدائية من مدرسة محمد علي عام ١٩٢٤، والتحق بالمدرسة الخديوية ونال الكفاءة في ١٩٢٨ ثم البكالوريا عام ١٩٣٠ والتحق بمدرسة الهندسة الملكية وفى هذه المدرسة (الكلية) كان زعيما للطلبة وخرج في مظاهرات كوبرى عباس، وبعد معاهدة ١٩٣٦ التحق يونس بمدرسة الهندسة العسكرية وكان ضمن أول دفعة مهندسين مصريين في الجيش المصري.

وفى ١٩٤٣ عمل في إدارة العمليات الحربية وكان زميلا للملازم أنور السادات ثم تعرف على جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وشارك في حرب فلسطين. ولما قامت الثورة أسند إليه المكتب الفنى ورئاسة لجان جرد قصور الملك وفى نوفمبر ١٩٥٣ انتخب نقيبا للمهندسين لدورتين.


مهمة سرية

تاريخ محمود يونس مع المهمات السرية الخطيرة بدأ منذ اللحظات الأولى لقيام ثورة يوليو.

كانت الثورة تفاوض المحتل لكي يرحل عن البلاد، وكانت المفاوضات متعثرة، وكان منهج زعيم الثورة جمال عبد الناصر أن يفاوض بيد ويقاوم بالثانية، لأنه كان مؤمنًا أن التفاوض وحده لن يفضي إلى إنجاز حقيقي. فكر عبد الناصر في حرمان المحتل من مصادر الطاقة فجلس مع محمود يونس لوضع خطة للضغط على المحتل.

انتهى الاجتماع برسم خطة خطيرة، سيقوم يونس ومعه صاحباه المهندسان عزت عادل، وعبد الحميد أبو بكر، بتدمير معملين لتكرير البترول لا يوجد غيرهما فى مصر، معمل التكرير الحكومى، ومعمل شركة شل، والمعملان فى السويس، بحيث يحرم الإنجليز من الوقود اللازم لمعداتهم.

قام يونس بتجهيز كل ما يلزم لنجاح العملية، ولكن فجأة تقدمت المفاوضات بل ونجحت فتم إلغاء العملية.




الرؤية أولًا

عملية معمل التكرير التي لم تنفذ جعلت عبد الناصر يلتفت بشكل خاص ليونس، فقد عرف أصالة معدنه ونقاء رؤيته.

الانجازات الكبرى الخطيرة إن كانت تحتاج إلى شجاعة فائقة، فهى أحوج إلى فكر ورؤية، فلا تضع السيف موضع الندى ولا تضع الندى موضع السيف كما قال أبو الطيب المتنبي.

نحن الآن نهتم بتطوير القناة ونحلم بتنمية كل مدن القناة، ونجلس هادئين ونحن نحصي عدد البواخر والسفن وناقلات البترول التي تعبر القناة، ونحصي أرباحنا، ونحلم بتحطيم كل الأرقام القياسية العالمية، لكي تتربع قناتنا على عرش النقل البحري، نفعل كل ذلك وننسى جبروت خطوة تحرير القناة، تلك الخطوة التي تعني -أول ما تعني – جلب عداوة دول عظمى، عداوة وصلت إلى عودة الاستعمار القديم لاحتلال مصر، ولكن بفضل الله ثم بعزيمة الرجال تحطمت محاولتهم وباءت بالفشل.

رجل تحرير القناة كان محمود يونس ضابط المهمات السرية الخطيرة، وعن دوره في ذلك الحدث التاريخي يقول: «في ليلة التأميم كنا ثلاث مجموعات إحداهن رئيسية في الإسماعيلية والثانية في السويس والثالثة في بورسعيد وكنت على رأس مجموعة الإسماعيلية ولم يكن أحد يعلم سر المهمة في المجموعات الثلاث غيرى وعبد الحميد أبوبكر وعادل عزت ووصلنا الإسماعيلية بعد ظهر يوم التأميم فلما خطب ناصر في الإسكندرية وقال كلمة ديليسبس ثم قال: «والآن أقول لكم»، دخلت مع المجموعة مبنى الشركة واستدعيت المسئولين وأبلغتهم قرار التأميم بالعربية وانهاروا أمامى وطلبوا منى تأمين حياتهم».




معركة المرشدين

بالدم تستطيع التحرر، ولكن قد لا تستطيع الإدارة، لأن الإدارة علم قائم بذاته، فهى  تحتاج إلى كفاءات نادرة، الآن عادت القناة مصرية، ولكن مَنْ يتصدى لإدارة هذا المرفق الذي يهتم به العالم؟.

كان عبد الناصر قد درس خطوات تحرير القناة خطوة خطوة ولذا قام وهو يشكل مجلس إدارة هيئة القناة باختيار اسم مدني لكي يتولى رئاسة مجلس إدارة القناة فعين الأستاذ الدكتور حلمي بهجت بدوي أستاذ القانون رئيسًا لمجلس الإدارة، وكان بهجت اسمًا مرموقًا على الساحة العالمية فقد درس في باريس وتعرف على عواصم الغرب الكبرى، ثم حدث وأن توفى  الدكتور بهجت فحل محله  محمود يونس الذي سيخوض معركة كبرى مع المرشدين.

كان مرشدو السفن من الأجانب وكانوا متأكدين أن القيادات المصرية غير قادرة علي إدارة القناة.

يقول مؤرخو تلك الأيام العظيمة: بدأت مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب عندما قام مسيو بول ريموند نائبا عن موظفي القناة ومرشديها الفرنسيين بمقابلة محمود يونس الذي كان يقوم بدور رئيس هيئة قناة السويس بشكل عاجل كان ذلك في ليلة 13 سبتمبر 1956.

وقال ريموند ليونس إنه قرر هو وزملاؤه من المرشدين والموظفين الأجانب البالغ عددهم 206 من المرشدين و154 موظفا أن يتركوا أعمالهم في القناة لعدم استطاعتهم التعاون مع يونس بحجة عدم رضائهم عن معاملته لهم، وفي خلال اللقاء ألمح ريموند إلي أن ثمة تعليمات قد وصلته من باريس بهذا التوقف وأن الشركة المنحلة بقرار عبد الناصر ضمنت لهم مرتباتهم وأعمالهم بل وأعلنت عن مكافأة مرتب عام لمن يترك العمل في القناة منهم.

وبالفعل وفي الليلة الثانية مباشرة، ترك المرشدون الفرنسيون أعمالهم و جلسوا في نواديهم يطلون علي مياه القناة ويحتسون الويسكي وبجوارهم كان مراسلو الصحف الأمريكية قد تجمعوا ليشهدوا الفضيحة المتوقعة لتوقف الملاحة في القناة.

عندما تأكد يونس من انسحاب المرشدين الأجانب في منتصف ليلة 15 سبتمبر 1956 لم يهتز ولم يرتبك كان واثقًا بالله ثم بسواعد وهمم المصريين كعادته.

لقد رد على انسحاب المرشدين قائلًا: «مع السلامة ونحن مستعدون لتقديم أية تسهيلات لخروجكم فورا».

أخبر يونس ناصرًا بما حدث فقال له ناصر: قل لهم: إنني أعطيت تعليماتي بتيسير حصولهم علي تأشيرات الخروج و بأن تعزف الفرقة الموسيقية لهم عند رحيلهم نشيد( حفظ الله الملكة) آو "المارسيلييز».




توقف القناة لساعة واحدة عن العمل كان يعني فضيحة عالمية لن تقوم للقناة قائمة بعدها، الموقف صعب جدًا وخطير جدًا ولا يحتاج إلى خطب رنانة ومواقف جوفاء وشجاعة متهورة رعناء، إنه يحتاج لعقول فذة وهمم عالية، وهذا ما كان يتمتع به البطل يونس.

منذ البداية كان يونس يتوقع أن المرشدين الأجانب ومعظمهم من الإنجليز والفرنسيين سيغدرون وسيعملون على تعطيل القناة لفضح نظام ثورة يوليو وإظهار عجزه عن إدارة القناة، ولذا أعد يونس خطة لتعويض انسحاب المرشدين، كان البديل جاهزا ففي يوم 10 سبتمبر 1956 وقبل الانسحاب بخمسة أيام تم تعيين 46 مرشدا منهم 28 أجنبيا من جنسيات مختلفة أغلبهم كانوا من اليونانيين والقبارصة واليوغوسلاف، وكان عبد الناصر بعد التأميم مباشرة قد قام بالاتصال بالدول الصديقة وطلب مساعدتها لإيفاد مرشدين للعمل في القناة وقد سارعت هذه الدول وفي مقدمتها اليونان وقبرص بإيفاد الأعداد المطلوبة في أقل من24 ساعة من طلبهم.

عاش يونس تلك الأيام العظيمة العصيبة وقد أطلق عليها «أيام الامتحان» لقد أستطاع بأربعة وثلاثين مرشدًا فقط، إرشاد أربعين سفينة، وهذا كان متوسط عدد السفن العابرة للقناة في ذلك الزمن.

وظل محمود يونس حارسًا أمينًا على القناة حتى جاء شهر أكتوبر من العام 1965، وفيه قرر عبد الناصر تعيينه نائبا لرئيس الوزراء لشؤون النقل والمواصلات ثم وزيرا للبترول. 

لم يكن محمود يونس منفذًا عبقريًا فقط، بل كان رجل سياسة يستطيع طرح الأفكار ومناقشتها، ولذا فقد أصبح عضوًا بالبرلمان عن دائرة البستان ببور سعيد، وظل عضوًا له صولات وجولات تحت قبة البرلمان إلى أن لقي ربه فى١٨ أبريل عام 1976.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر فى موقع "أصوات أونلاين" 25 نوفمبر 2019

الأربعاء، 20 يوليو 2022

مؤنس طه حسين.. السقوط في جب النسيان





كيف سيكون شعورك، عندما تفتح عينيك على الحياة فتجد أن والدك هو الدكتور عميد الأدب العربي طه حسين؟ ستقول: سأكون سعيدًا بدون أي شك.

أنت محق في شعورك بالسعادة، ولكن هل لديك فكرة عن مصيرك عندما يكون أبوك هو طه حسين؟

 أرجوك لا تجب الآن، ولتكن إجابتك بعد معرفتك بقصة الدكتور مؤنس طه حسين.

ولد مؤنس في الثامن من سبتمبر من العام 1922. وعند ميلاده كان أبوه رجلًا صاحب سمعة وصيت، فهو كاتب مرموق وأستاذ جامعي قدير، ينشر علمه على تلاميذه وما فاض منه ينشره على قراء الجرائد والمجلات.

في طفولة مؤنس أصبح أبوه يملأ الدنيا ويشغل الناس، فقد أصدر كتابه الصادم «في الشعر الجاهلي» وهو الكتاب الذي وإن جلب له أزمات طاحنة إلا أنه جلب له شهرة ومكانة قلما تمتع بها كاتب.


                                     المأساة

أم مؤنس هي السيدة سوزان، الفرنسية قلبًا ولغة، كان أبوه في شغل دائم على مدار ساعات الليل والنهار، فهو يؤسس لمجده في زمن كان منافسوه فيه أمثال العقاد، باختصار نقول: طه حسين لم يكن رجلًا فردًا، لقد كان في تلك السنوات مؤسسة، يديرها هو بنفسه ولنفسه، فعن أي ساعات فراغ نتحدث.

مؤنس لم تكن له سوى شقيقة واحدة هي السيدة أمينة (لاحظ عروبة طه حسين في اختيار أسماء أولاده).

فمع من سيلهو مؤنس، ومع من سيتحدث، والأهم مَنْ سيعلمه فنون الحياة؟

 ليس أمامه سوى أمه الفرنسية، فتلقى عنها الفرنسية التي هي ليست اللغة فحسب، بل معها التفكير والوجدان.

نام العميد وصحا، فرأى أن يختبر ابنه في العربية التي هو عميد أدبها. لم نعرف وظني أننا لن نعرف طبيعة الاختبار وأسئلته، ولكن سنعرف أن مؤنس تلجلج ولم يجب على شيء من أسئلة أبيه. 

وظني أن العميد قد سمع جرسًا أعجميًا ولكنة مستهجنة، وتعثرًا واضحًا في النطق، واضطرابًا في مخارج الحروف. 

لقد عرف العميد على وجه القطع واليقين أن ابنه فرنسي باسم عربي.

الآن أنا مشفق على العميد وظني أنه زفر زفرة ذهبت بنصف قلبه وهو يقول لنفسه: أنا طه حسين ابن فصاحة القرآن وبلاغته، ربيب أروقة الأزهر، عميد أدب العرب يولد لي هذا الذي يرطن فلا أعرف لكلامه رأسًا من قدمين؟


الصحوة

قرر العميد إنقاذ ما يمكن إنقاذه فجاء بمدرس عربي ينقذ عروبة ابنه، ولكن هيهات، لقد كان قلب مؤنس، قد أُشرب الفرنسية وانتهى الأمر. تحرك مؤنس في دوائر الفرنسيين المقيمين في القاهرة، ونفض العميد يديه من أمر تعليمه العربية، ثم بعد قليل وبقلب الأب وفّر لابنه أرقى تعليم فرنسي، بل أحاطه بمناخ ثقافي عظيم، فضيوف الأب من أمثال توفيق الحكيم وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل كانوا في مقام أعمام مؤنس الذين يبشون في وجهه ويمدون له يد العون متى طلب معونة على أمر من الأمور.

من ناحيته لم يكن مؤنسًا عالة على سمعة والده، لقد كان وهو في سنوات مراهقته من أولئك الفتيان الأذكياء الشجعان الذين يشعرون بحرارة المصيبة، نعم كان مؤنسًا يدرك وضعه، فهو العربي ابن عميد الأدب العربي الذي لا يعرف كيف يقرأ مقالًا لوالده.

تلك النقمة جعلها مؤنس نعمة، لقد قرر أن يكون فارسًا من فرسان الفرنسية التي رضعها من ثدي أمه. الجينات تلعب دورًا لا شك في هذا، فطه حسين هو أديب عظيم والأم مثقفة تعرف كيف تتذوق الآداب والفنون، ثم قلب مؤنس مترع بتلك الرهافة التي تتيح لصاحبها التأمل والقراءة المختلفة للحياة.

كل تلك العوامل جعلت من المراهق مؤنس شاعرًا فرنسيًا لا يشق له غبار فقد نشر ديوان شعره الأول «شاحباً كان الفجر» وهو في السادسة عشرة من عمره.

مضت السنون ثم تذكر مؤنس أيام طفولته وصباه، فنقلت عنه الكاتبة لوتس عبد الكريم ما قاله عن والده: «ابتسم مؤنس وهو يتذكر أن والده كان يسرح أحيانا ويبدو أنه قد ابتعد بفكره عن أسرته فيسألونه: أين أنت؟


 فيرد بأنه فى سورية خلال القرن الرابع الهجري يسمع أبا العلاء المعرى، أو كان فى الحجاز فى المئة الأولى للإسلام، يستنشق الهواء الذي استنشقه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتابع مسيرته فى هجرته، أو كان فى تونس مع ابن خلدون وهكذا، وفى كل حالة من هذه الحالات كان يعرفنا بأسلوبٍ بسيطٍ عن المكان والزمان والشخص الذي يقول إنه كان معه.



الازدهار

تلك لعمري لعبة مزدوجة كان العميد يلعبها، لقد أفلت منه ابنه وأصبح فرنسي اللسان، ولكنه بتلك اللعبة جعل فكره عربيًا وذكرياته إسلامية. ساعد العميد ولده على النبوغ فترك له حرية الدراسة، فدرس مؤنس الفرنسية في الجامعة المصرية وحصل على مؤهله الجامعي في العام 1939.

ثم كان لابد من السفر، الابن سينطلق إلى باريس ليحصل على الدكتوراه، ليعيد سيرة الأب، والأب تحجرت دموعه في عينيه، ولكنه ملك من ملوك البيان، فيقدم الجزء الثاني من «أيامه» الشهيرة إلى مؤنس كاتبًا: «ها أنت تهجر وطنك لتطلب العلم فى باريس وحيدًا فدعني أهدى إليك هذا الحديث عن أيام طلب الوالد العلم فى الأزهر، لعلك ترتاح إليه كلما أجهدك درسك بين الحين والحين، هناك ترى لونًا لم تعرفه من ألوان الحياة فى مصر وتذكر شخصًا طالما ارتاح إلى قربك منه، وطالما وجد فى جدك وهزلك لذة لا تعدلها لذة ومتاعًا لا يعدله متاع"

حصل مؤنس على الدكتوراه من باريس، فعن أي شيء كانت رسالته؟ 

ابن العميد هو ابن العميد، لقد جعل رسالته عن تأثير الآداب الإسلامية في الأدب الفرنسي.

لم يكتف العميد بحصول ولده على الدكتوراه فنصحه بمواصلة الدراسة، قال مؤنس للوتس عبد الكريم: «وفيما يخصني فقد اقترح أبي عليَّ ألا أكتفى بالدراسة للحصول على درجة الدكتوراه من فرنسا، بل بالدراسة للحصول على شهادة الأجريجاسيون فى اللغة والآداب الفرنسية وهى من أصعب الدراسات"


وقال غير واحد من الأدباء: «إن مؤنسًا كان أول مصري يحصل على شهادة الاجريجاسيون». وعندما عاد مؤنس إلى مصر بعد رحلته الفرنسية، عاش سنوات ازدهاره.




الثمار

نشر مؤنس في بدايات الستينيات كتابه المهم «ملامح رومانسية» وعنه يقول الكاتب عبد الحميد صبحي ناصف: «لقد صدر كتاب «ملامح رومانسية» لمؤنس عن دار المعارف المصرية بدون تاريخ محدد؛ إلا أنه في أغلب الظن قد نُشر بعد ظهور دراسته المطولة عن «الرومانسية الفرنسية والإسلام» الصادرة عن دار المعارف اللبنانية عام 1962".

وينص مؤنس صراحة في مقدمته «ملامح رومانسية»: بأنه لا يرمي بها إلى تقديم عمل أكاديمي صارم مثقل بالوثائق والمراجع. بل أرادها أشبه ما تكون بعرض محرر من القيود لأهم ما عنّ له من تصورات وتأملات حول رواد الحركة الرومانسية الفرنسية في إطار علاقتهم بالمؤثرات الإسلامية بالإضافة إلى ما تأتّى له من خطوات حول بعض الرموز الأخرى لهذه الحركة ولغيرها من التيارات الأدبية الموازية لها خلال القرن التاسع عشر.


وعلى هذا النحو تضم هذه الدراسة تسعة فصول يتناول فيها بالدرس والتحليل السمات الفارقة في الخطاب الرومانسي فى الأدب الفرنسي ويقدم مجموعة من «البورتريهات» لكل من فيكتور هوجو في ديوانه «الشرقيات» ولشاعر «الليالي» الفريدي موسيه ولجورج صاند وتمردها على المجتمع التقليدي ولجرادي نوفال 

في ما يخص تصويره لليالي رمضان في القسطنطينية"

كان من الطبيعي أن يعمل مؤنس بالجامعة فهو يجيد الفرنسية واللاتينية واليونانية القديمة، وعن سنواته في الجامعة يقول الناقد الكبير الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي في كتابه «أدباء ومفكرون": أخبرنا بعض طلابه في قسم اللغة الفرنسية بآداب القاهرة أمثال أمينة رشيد وآمال الروبي. كيف كان مؤنس يفتح لهم أبواب الثقافة الرفيعة ويعلمهم الاهتمام بالموسيقى وتاريخ الفن حتى أنه كان يخرج عروضاً مسرحية يمثل فيها طلابه وكان يحضر تلك العروض كبار المثقفين أمثال: طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل".


ثم ترجم إلى الفرنسية بالتعاون مع أخته أمينة كتابيّ والده «أُديب» و«شجرة البؤس»، ثم نشر ثلاثة دواوين ومسرحية.

في تلك السنوات كان مؤنس يعد اسمًا مرموقًا بين أساتذة الجامعة وبين الأدباء.


قرار عجيب

في النصف الأول من الستينيات ترك مؤنس الجامعة.. لا أحد يقطع برأي في هذا القرار العجيب، بعضهم يقول: لقد شعر مؤنس بالظلم لأنه لم ينل ترقية كان يرى أنه يستحقها. آخرون يقولون: كانت الدائرة الفرنسية التي يعيش مؤنس في قلبها تتقلص بفعل التمصير الذي شهدته تلك السنوات، فقرر ترك الجامعة والهجرة الأبدية إلى فرنسا.

عن نفسي لم يقنعني أي من الرأيين، هناك أمر لا نعرفه أدى إلى هجرة مؤنس الذي ذهب إلى فرنسا فلم يعمل فى جامعة من جامعاتها، وهذا أمر عجيب يضاف إلى عجائب مؤنس، لقد عمل في هيئة اليونسكو في وظيفة تلتهم وقته وتقلل من ساحات إبداعه، فهو منذ هجرته لم ينشر شيئًا بل لم يكتب شيئًا، وكأنه لم يغادر الوطن فحسب، بل غادر الإبداع كله.

في باريس سيلتقي الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي بمؤنس وسيكتب محمودي عن مؤنس كما لم يكتب أحد.

لقد كشف له مؤنس أسرار حياته، قال له: إنه يكتب يومياته بانتظام وإنه ينوي استكمال رواية كان قد بدأ كتابتها قبل سنوات. ثم كشف له عن عذابه بعد فقدانه لزوجته التي لم يحب أحدًا كما أحبها. كان مؤنس قد تزوج ليلى العلايلي وهي مثقفة مثله وتتقن الفرنسية مثله، إضافة لكونها حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي. رحلت الزوجة الحبيبة وتركت له ابنته الوحيدة التي أطلق عليها اسم أخته الشقيقة أمينة.

بعد رحيل الزوجة نشر مؤنس بعد طول انقطاع عن النشر بل عن الكتابة ذاتها ديوانه الرابع الذي جعله في رثاء زوجته وقد صدر في العام 1995 تحت عنوان «سوف ينحسر البحر".


ولكي تكتمل دائرة مفارقات حياة مؤنس، فإن ابنته الوحيدة قد تزوجت من أستاذ أكاديمي ياباني متخصص فى تدريس اللغات الشرقية، ويعمل فى إحدى جامعات باريس، وأنجبت منه ولدين!


النهاية

مرض مؤنس بمرض جعله يكاد يفقد صوته، فكان يكتب لصديقه المحمودي عوضَا عن الكلام. ولم يكن يقوم بأمره إلا ابنته التي كانت تزوره مع حفيديه، وفي اليوم السابع والعشرين من نوفمبر من العام 2004 لفظ مؤنس أنفاسه الأخيرة.

بعد موته تحدثت ابنته عن يومياته فقالت: إنها من أربعة أجزاء ومكونة من 800 صفحة من القطع الكبير. ثم قال وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني: إن وزارته قد حصلت على موافقة أمينة بنت مؤنس على شراء حقوق ترجمة المذكرات، وقد بدأ فريق من الوزارة في ترجمة الجزء الأول. ثم مرت السنوات ولم تظهر المذكرات، ليسقط الأستاذ المرموق والشاعر الكبير وابن عميد الأدب العربي في جب النسيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بموقع أصوات 16 سبتمبر 2019


الأربعاء، 6 يوليو 2022

لا تصلوا من أجل القاتل




 أحدث مقتل الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير الأنبا مقار بوادي النطرون هزة عنيفة في المجتمع المصري بمسيحييه ومسلميه.


الحادث الذي انتهى باغتيال الأنبا إبيفانيوس، ليس لنا ولا لغيرنا الخوض فيه لأنه منظور الآن أمام جهات التحقيق التي أصدرت بيانًا رسميًا جاء فيه: "تواصل نيابة استئناف الإسكندرية التحقيق في أحداث مقتل الأنبا إبيفانيوس حيث أدلى الراهب المشلوح أشعياء المقارى باعترافات تفصيلية أمام ضباط المباحث ونيابة استئناف الإسكندرية، معترفًا بمسئوليته عن قتل إبيفانيوس بالاشتراك مع الراهب فلتاؤس المقارى الذي يعالج حاليا بمستشفى مايكل أنجلو بالزمالك عقب محاولته الانتحار".

الهزة العنيفة التي أشرت إليها يمكن تسميها بالهزة الثقافية، فبعيدًا عن مجريات التحقيق الذي لم تعلن نتائجه الرسمية بعد، يجب علينا التوقف عند تفاعلات الحادثة غير المسبوقة.

ظهر واضحًا استنكار عوام المجتمع لتلك الحادثة، وهذا الاستنكار يعد من محامد الشخصية المصرية التي لم يلحق التخريب جذرها بعد، بفضل الله ثم بفضل نضالها ومقاومتها لكل عوامل التخريب التي تتكاثر عليها.

فريق ضخم من المسيحيين والمسلمين تعامل مع الحادث بفطرته المستقيمة فقال: هذا حادث اغتيال عن عمد وقصد، فلنترحم على الضحية ثم ننتظر نتائج التحقيق، ثم نوجه دعوة للكنيسة بوصفها مؤسسة مصرية عريقة ومهمة جدًا لإعادة ترتيب بيتها من داخلها، لأن الحادث أكد أن هناك خللًا ما يستوجب العلاج العاجل العادل.

في مواجهة وضوح موقف العوام كان موقف بعض النخبة مرتبكًا جدًا فقد رأينا فريقًا لا يستهان به يدعو للصلاة من أجل القاتل!

تلك الدعوة العجيبة، بل المريبة، هي ما عنيته بالهزة الثقافية، ولا أريد وصفها بالهزة "العقائدية".

 منذ متى يصلي المصريون من أجل رجل اعترف بأنه قتل عن عمد وسبق إصرار؟

أي حديث عن خصوصية الحادثة هو حديث إفك لا أكثر ولا أقل، فالدير أو المسجد أمام القانون مجرد مبنى، والقاتل مواطن وكذا القتيل، وهناك قانون عقوبات تنظر الجرائم وفق نصوصه، وعلى ذلك فالحديث عن الخصوصية هو قنبلة دخان لصرف الأنظار عن كارثة ضربت المجتمع كله.

مَنْ أين جاء دعاة الصلاة بدعوتهم المريبة؟ لقد طالعوا كغيرهم حوارًا قصيرًا جدًا أجراه الصحفي محمود العجمي مع الأنبا يؤانس أسقف أسيوط ونشره موقع اليوم السابع.

 سأله الصحفي: ما تعليقكم على واقعة مقتل الأنبا إبيفانيوس التي تشغل الرأى العام فى مصر؟ 

فقال الأنبا يؤانس: "الأحداث الجارية حاليا نصلي لها من قلوبنا، وندعو ربنا بأن يعطى الحكمة لقداسة البابا تواضروس الثاني، وأنا أقول إنها سحابة صيف ونصلي من أجل هذه المحنة، وهي محنة عابرة سوف تعبر، ويجب علينا أن نصبر شوية لحد ما كل حاجة تتضح للجميع، للأسف الناس مستعجلة علشان تعرف الحقيقة، فأنا أدعوهم للصلاة والصبر إلى أن تصدر الكنيسة بيانا، رسالتي هي الصلاة والصبر".




انتهى كلام الأنبا يؤانس فتلقفه الذين يزعمون لأنفسهم درجة من الإنسانية والرحمة تفوق تلك التي يتمتع بها مجتمعهم، فتعسفوا في تأويل كلام الرجل وفي تحميله فوق ما يحتمل، فليس في إجابته أدنى إشارة لصلاته من أجل القاتل. كلام الرجل واضح جدًا وهو يتحدث عن عموم الحالة وليس عن خصوص الواقعة.

وبعد تعسفهم في تأويل كلام الأنبا يؤانس، نبشوا الأناجيل حتى وقعوا على آية جاءت في إنجيل متى على لسان سيدنا المسيح، نصها يقول: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ".

تشبثوا بتلك الآية وفق تفسيرهم لها تشبث الغريق بطوق النجاة وراحوا يطلقون الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للصلاة العلنية من أجل القاتل.

إذا قلت إن هذا الفريق من المسيحيين والمسلمين قد "تدعشن" هل أكون مخطئًا؟

 داعش وأخواتها من فرق القتل والإرهاب التي تزعم الإسلام لا تفعل أكثر من هذا، تأتي بآية وتنتزعها من سياقها وتفسرها كما شاء لها هواها ثم تتخذها ركيزة وقاعدة فقهية تمارس تحت حمايتها أخس أنواع القتل.

هؤلاء صنعوا صنيع داعش معكوسًا، داعش تقتل وهؤلاء يرحمون. والنتيجة في الحالتين واحدة وهي ضياع حقوق المجتمع والدولة.

إن منطق هؤلاء آية من آيات الالتواء، فهم يبررون موقفهم بأنهم ضد أحكام الإعدام من حيث المبدأ. 

هل ذكر أحد سيرة الإعدام؟ 

ثم هل قال القضاء كلمته النهائية حتى يتكلم المتكلم منهم عن رفضه للإعدام؟

ثم بعد أن يسرفوا في إعلان رفضهم لإعدام لم يتحدث عنه أحد يخرقون في المجتمع خرقًا جديدًا، يقولون: باب التوبة مفتوح. 

هل قال أحد أن باب التوبة قد أغلق؟ 

ثم ما علاقة التوبة بحادث جنائي دفع رجل أعزل حياته ثمنًا له؟

التوبة من أفعال القلوب لا الجوارح والذي يقبلها أو يرمي بها في وجه فاعلها هو الله عز وجل وحده لا شريك له. 

نحن أمام حادثة قتل عمد ولسنا أمام صلاة في محراب، فكل تعاطف مع معترف بالقتل هو من تلبيس إبليس ومن صنع جماعة في قلوبهم مرض.

إضافة للفريقين السابق ذكرهما ظهر فريق ثالث يستهجن علانية قيام الصحفيين المسلمين بتغطية الحادث إخباريًا، بدعوى أن الحادث شأن مسيحيي داخلي.

هل أعلن أحد ـ ولم يصلنا الخبر ـ أن الأديرة المقامة على أرض مصر والتي بناها مصريون ويسكنها مصريون قد تم إعلانها دولة ذات سيادة وعلم؟ 

الأديرة والكنائس مثل المساجد، جميعها مؤسسات مصرية يجب أن تخضع تمام الخضوع لأحكام القانون، أما الكلام خارج هذه الرؤية المركزية فهراء لن يجلب إلا المزيد من تخريب الشخصية.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت فى موقع "أصوات أونلاين" 20 أغسطس 2018