الخميس، 15 سبتمبر 2022

قل الإنجاز الكوري ولا تقل المعجزة الكورية

 


المعجزة لغة: هي الأمر  النادر الذي يعجز البشر أن يأتوا بمثله، والتاء في معجزة ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة.

والمعجزة اصطلاحًا: أمر خارق للعادة يظهره الله على يد مدعى النبوة تصديقا له فى دعواه مقرونة بالتحدي مع عدم المعارضة. 

فهل ـ وفق هذين التعريفين اللغوي والاصطلاحي ـ تعد النهضة التي نهضتها كوريا الجنوبية معجزة؟

ولكي نجيب لابد أولًا أن نذكر شيئًا عن ماضي  كوريا.

كانت كوريا الجنوبية قد خرجت من قبضة الاحتلال الياباني لتدخل في حرب شعواء مع شقيقتها كوريا الشمالية، بلغ عدد ضحايا تلك الحرب المجنونة ما يزيد على الأربعة ملايين ضحية، غير ملايين المصابين بعاهات مقعدة.

بلد بهذه الحالة لا يمكن أن تأمل في اقتصادها أدنى درجات الأمل، ففي مطلع الستينيات وبعد سنوات من انتهاء الحرب كان الدخل السنوي للكوري الجنوبي ليس أكثر من 82 دولارا.

لك أن تعلم أن الجنيه المصري في تلك الأيام كان يساوي دولارين ونصف الدولار !!

وهذا يعني أن دخل الكوري الشهري كان أقل من جنيهين مصريين!

هذا التردي جعل عباقرة الاقتصاد خاصة الأمريكان منهم يقسمون على أن: " كوريا هوة بلا قرار".

 يعني لا يمكن إصلاح أحوالها.

الأمة الكورية الجنوبية كان لها رأي آخر، وهذا ما يقصه بالتفصيل كتاب "السامريون الأشرار" لمؤلفه الكوري "هاـ جوون تشانج"، وقد ترجمه إلى العربية المترجم الأستاذ أحمد الشافعي ونشرته دار نشر "الكتب خان.

العنوان مأخوذ من قصة إنجيلية يقول ملخصها: إن يهوديًا كان مسافرًا على طريق موحش، وقع في يد قطاع الطرق الذين سلبوه ما يملك وضربوه حتى تركوه بين الحياة والموت.

بالصدفة مر كاهن فخاف من تقديم المساعدة للمضروب الذي ينزف، ثم مر رجل دين من شريعة النازف، فتركه  لنزيفه، ثم مر سامري، وكان بين السامريين واليهود ما صنع الحداد، لكن السامري الصالح  داوى جراح اليهودي، وأخذه إلى فندق وأسكنه في مكان مريح.

 وفي صباح اليوم التالي أخرج قطعتين من الفضة وأعطاهما لصاحب الفندق وقال له: "اعتني به وإذا صرفت عليه أكثر فأضفها على حسابي وعندما أعود سأدفع لك المبلغ".

السامريون الذين في الكتاب هم الأشرار الذين يقنعون النازف أنهم يقدمون له العلاج بينما هم يقطعون ما بقي له من شرايين.

السامريون هم رباعي مخرّب  مكوّن من الدول الكبري بقيادة أمريكا ومعها بريطانيا ثم صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية.




هذا الرباعي القاتل وقف يتلمظ منتظرًا افتراس ما بقي من كوريا ولكن حاكم كوريا "بارك" كان لهم بالمرصاد.

بارك كان جنرالًا يراهن على أن الجذر الكوري ما يزال سليمًا عفيًا رغم آيات الفقر المدقع والخراب الذي عم كل شيء.

أيامها في العام 1961 كانت شركة سامسونج الكورية لا تعمل إلا في مجال تصدير السمك والفواكه، وكان الحديث عن أي تقدم تكنولوجي ضربًا من الخرافات أو المستحيل، ولكن الجنرال بارك فعلها وقرر.

1ـ  عدم استيراد أي شيء إلا المكونات الصناعية.

2ـ غلق البلد فى وجوه المستثمرين أو إجبارهم على الاستثمار وفق خريطة الاستثمار الكوري.

3ـ الفضح الاجتماعي الذي يقترب من حدود النبذ بل والتخوين لكل من يضبط مستوردًا أو مهربًا لأي بضاعة أجنبية، خاصة البضائع المترفة مثل السجائر.

4ـ فرض جمارك وضرائب جنونية بل تعجيزية على أي سلعة لا تستوردها الدولة.

5ـ غض الطرف عن القرصنة الكورية تجاه الآلات الحديثة التي بدأ الكوريون في فكها ثم إعادة تصنيعها ولو بطريقة بدائية.

6ـ غلق الأذان تمامًا في وجه نصائح الرباعي المخرّب، الذين كانوا يرون حتمية فتح الأسواق أمام التجارة الحرة وهو يعلمون يقنيًا أن أي سلعة كورية لن تصمد أمام سلعهم وستنهار ولن تقوى على تطوير نفسها ومن ثمّ دخول حلبة المنافسة.

إياك أخي القارئ الكريم أن تظن أن رجلًا مثل حسني مبارك عندما باع مصانعنا ومؤسساتنا كان يبيعها من تلقاء نفسه أو لأنه رجل شرير، لقد باعها تنفيذًا لنصائح الرباعي القاتل الذي وسوس له بأن لا نهضة لمصر سوى بالتخلي عن قطاعها العام وفتح أسواقها للتجارة الحرة.

وها قد باعت مصر مصانعها وفتحت أسواقها فأين اقتصادها؟

خطة الجنرال بارك لا تقدرها حق قدرها إلا بقراءة الكتاب من الغلاف إلى الغلاف، وذلك لأن مؤلفه وهو اقتصادي كوري كبير سرد وقائع النهضة الكورية من خلال سيرته الذاتية، كأنه جلال أمين في سفره الرائع "ماذا حدث للمصريين؟".

مؤلفنا يقول: إن الأمريكان والانجليز وصلوا إلى ما وصلوا إليه من خلال حماية صناعتهم وغلق أسواقهم، ولكن عندما وصلوا إلى القمة كسروا السلم لكي لا يصعد خلفهم أحد وراحوا يزينون للدول الفقيرة شريعة الاقتصاد الحر بوصفها الدين الجديد للإنسانية !!

مؤلفنا من واقع كونه رجل اقتصاد عالمي تصله أحدث التقارير وأخطرها يؤكد أن جيوشًا من الاقتصاديين والصحفيين والكُتّاب والإعلاميين، ليس لهم من شاغل سوى الترويج لدين الإنسانية الجديد!

وقف بارك أمام شعبه وتعهد لهم بأنه في العام 1981 سيصبح دخل الفرد ألف دولار.

هل تذكر أننا بدأنا الكلام بـ 82 دولارًا ؟

لقد فعلها بارك ووصل الدخل إلى 1647 دولارًا قبل الميعاد بثلاث سنوات.

أين المعجزة في ذلك؟

ليس ثمة معجزات، قل هو الإنجاز وليس الإعجاز.





أراد بارك أن يحكم إلى الأبد خاصة بعد النجاح الأسطوري الذي حققه ولكن رئيس مخابراته تولى اغتياله، لتدخل البلاد في دوامة من الصراعات حول الديمقراطية دفع تكاليفها طلاب الجامعة الذين كانوا يتظاهرون بيد ويعملون بالثانية.

سامسونج تركت زفارة السمك ودخلت عالم الالكترونيات، وكان هذا من ضروب الخيال، فحتى العام 1977 لم تكن سامسونج قد قامت بتصنيع تليفزيون ملون واحد، لكن بعدها بأقل من عشر سنوات أصبحت سامسونج أيقونة الالكترونيات على مستوى العالم.

يقول مؤلف الكتاب وهو من مواليد العام 1963 إنه عاش في حياته طفرة اقتصادية حققها البريطاني بعد مائتي عام من العمل وحققها الأمريكي بعد مائة وخمسين عامًا من العمل !!

وفي متن الكتاب وليس في هامشه يذكر المؤلف قصة شديدة الدلالة، عن دولة خرجت من الحرب العالمية الثانية وهي أشلاء دولة أو "أشباه دولة" كما وصف أحدهم دولته، الدولة المقصودة بدأت في تصنيع سيارة، وهي التي لا تستطيع ضمان قوت شعبها ولو لشهر واحد، الشعب والحكومة دعما صناعة السيارة الوطنية على مدار سنوات ثم في العام 1959 قررت تلك الدولة أن تغزو الأسواق الأمريكية بسيارتها، طبعًا كانت السيارة فضيحة وأقرب إلى العربة الكارو المصرية، الأمريكان أوسعوا السيارة سخرية وأعادوها إلى بلد منشأها.

بلد المنشأ حزن الحزن كله وانقسم الشعب إلى فريقين، الأغلبية تقول: مالنا والصناعة ولنوقف فورًا هذا الخيال المترف.

وأقلية بقيادة الحكومة تصمم على المضي في تصنيع السيارات وتطويرها.

برشاقة سيناريست مخضرم يكشف المؤلف عن أن الدولة المنهارة هي اليابان وأن السيارة هي تويوتا التي أصبحت منذ منتصف السبعينيات رمزًا للجودة والإبهار.

يسأل المؤلف كيف حققت اليابان إنجازها ؟

يجيب: بحماية صناعتها الوطنية وبالصبر على تطويرها وتحديثها وبطرد غيلان وضباع السوق، لقد طردت اليابان شركة جينرال موتورز لكي تحمى سيارتها التويوتا وتفسح لها مجالًا في السوق المحلي.

وبالعودة إلى كوريا نجد أن متوسط دخل الكوري حسب إحصائيات 2013  يبلغ 24000 دولار.

وبالنظر إلى مصرنا التي كانت تتفوق على كوريا بمئات الدرجات في كل شيء، نجدها قد ظلت تستمع لترهات الحكام ولتعليمات الرباعي المخرّب  حتى قال جهازها المركزي للتعبئة والإحصاء في العام الماضي إن متوسط الدخل السنوي للفرد على مستوى الجمهورية 7 آلاف جنيه، ويرتفع متوسط الدخل في الحضر إلى 8 آلاف جنيه، وفي المقابل ينخفض في الريف إلى 5.8 ألف جنيه.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

منشور بجريدة المقال

  

الخميس، 18 أغسطس 2022

محمود يونس.. بطل معركة تأميم القناة



وهبت مصر للقناة الأرض والعمال ورأس المال، ثم وهبت لها الدم الطاهر الزكي، ومع كل ذلك لم تكن القناة في خدمة مصر، بل كانت في بادىء أمرها نقمة على الوطن، ولم تصبح نعمة إلا بعزم الرجال ودمائهم.


كلمة السر

لا يجوز الكلام عن القناة إلا بذكر فرديناند ديليسبس الذي يظن البعض أنه هبط فوق الأرض المصرية من السماء.

 فالحقيقة التاريخية تؤكد أن ديليسبس كان يعرف مصر جيدًا حتى يجوز لنا القول بأنه عرفها قبل أن يولد وذلك بحكم «الجين» فوالده  ماتيو ديليسبس كان المبعوث الشخصي لنابليون إلى مصر، وكانت بعثته في العام 1803، أي قبل ميلاد ديليسبس بعامين فقط، في مصر تقرب ماتيو من شيوخ الأزهر الذين كانت لهم اليد الطولي أيامها في رسم السياسة المصرية، ثم تعرف علي شخص الزعيم القادم وهو محمد علي باشا، وسرعان من أصبح من أصدقائه المقربين.

تلك الصداقة ستجعل من الابن فرديناند ديليسبس صديقًا مقربًا من أولاد محمد علي وبخاصة من ابنه سعيد باشا أصغر أولاد الأسرة العلوية آنذاك.

 فى بدايات شبابه عمل ديليسبس مساعدًا لقنصل فرنسا في تونس، كان القنصل العام هو والده ماتيو ، وكان الأمر طبيعيا لأن عائلة ديليسبس كانت من أعرق العائلات العاملة في السلك الدبلوماسي الفرنسي.

ومن تونس جاء إلى الإسكندرية ليكون مساعد قنصل وكان ذلك في العام  1832.

بعدها بسنة واحدة جرى تعيينه قنصلا فى القاهرة، وبعدها بفترة  وجيزة أصبح قنصلًا عامًا لفرنسا في مصر وظل كذلك حتى العام 1837.

ثم عاد إلى بلاده وبقي بها سنوات إلى أن عاد إلى مصر مرة ثانية، في عودته الجديدة كان صديقه القديم محمد سعيد باشا قد أصبح واليًا على مصر، هنا جاءته الفرصة التي من الواضح أنه كان يحلم بها ليل نهار، مشروع قناة السويس.




المشروع قديم جدًا بدأ مع الفراعنة ثم العرب الذي فتحوا مصر وتواصل مع أمراء البندقية الإيطاليين، حتى وصل إلى نابليون الذي أمر بحفر القناة التي ستضمن له السيطرة على التجارة العالمية، المهندس الذي كلفه نابليون بالدراسات الهندسية أكد أن المشروع سيؤدي إلي غرق مصر لأن منسوب البحر الأحمر أعلى من المتوسط، هذا التأكيد لم يجعل الفرنسيين ييأسون، فقد عادوا لدراسة المشروع وتبين لهم خطأ تقديرات مهندس نابليون، وعلى ذلك فقد تسلم ديليسبس الفكرة مكتملة من ناحية الدراسات والجدوى الاقتصادية، ديليسبس كان صاحب طموح مبني على دراسات علمية ولذا فلم يبذل مجهودًا سوى في إقناع الوالي محمد سعيد بالفكرة، اقتنع سعيد بالمشروع وفي 25 أبريل 1859 بدأ العمل في إنشاء القناة تحت الإشراف المباشر من ديليسبس الذي  ضمن لشركته أن تكون لها كل المغانم  على أن تكون كل المغارم على مصر، يكفي أن نذكر أن أكثر من مئة وعشرين ألف مصري سيقعون ضحايا القناة في العشر سنوات التي استغرقها الحفر.

لقد كان ديليبسبس هو كلمة السر في خراب مصر ثم أصبح كلمة السر في رخائها.

سيظل ديليسبس ملكًا متوجًا إلى أن يموت موته الأول في العام 1894، أما موته الثاني فكان يوم أعلن ناصر استرجاع مصر للقناة ، ولسوف يموت ديليسبس ميتة  الأبد عندما هدم المصريون تمثاله الذي كان يتحدى -في غطرسة – أحلامهم في الحرية والاستقلال.





نحن نستطيع

عندما تولى الزعيم جمال عبد الناصر المسئولية كان قد مضى علي حفل افتتاح القناة الأسطوري سبعة وثمانون عامًا، وكانت القناة خلال عمرها الماضي سببًا رئيسيًا من أسباب احتلال مصر من الانجليز، كانت خنجرًا في الخاصرة المصرية وشوكة في الحلق. فشركة القناة العالمية، أو شركة القناة الأوربية، تكاد تكون إلهية، فلا تملك مصر، التي هي أم القناة، حق رفع ولو أصغر أصابعها في وجه مدير من مديريها.

المتفق عليه في كتابات المؤرخين والسياسيين أن عبد الناصر كان يبحث عن تمويل لبناء السد العالي، رفضت أمريكا والبنك الدولي وكل أوربا الغربية الثرية منحه التمويل، فما كان من ناصر إلا أن رد الصاع صاعين وقام بتأميم القناة لكي يستخدم إيرادها في بناء السد.

لا أنا ولا غيري نملك تكذيب هذا الإجماع ، لكن أين غيرة الأسد على حرمة عرينه؟ أين حلم الحرية والاستقلال؟ أين زهو المظلوم باسترجاع حقه بيديه؟.

لن أتقول علي التاريخ كذبًا، لكن عبد الناصر كان سيفعلها حتى لو مولوا السد، فلم تكن ثورته لتكتمل دون تلك الخطوة، لم تكن جمهورية مصر العربية ستعلن عن ميلادها الحقيقي بدون تأميم القناة، وكأن عبد الناصر كان يصيح: نحن مصر، نحن نستطيع.

 جاء يوم 26 يوليو 1956 حين وقف ناصر  خطيبًا في حشد خرافي من جماهير الشعب، وكان قد اتفق مع مساعديه علي أنه  فور نطقه بكلمة «ديليسبس» عليهم أن ينطلقوا  ليستعيدوا قناتهم من يدي غاصبيها، خاف ناصر من حدوث أي سوء فهم، فظل يردد بين جملة وأخري كلمة «ديليسبس» لكي ينطلق البطل محمود يونس ورفاقه ليحرروا القناة ويستردوها.




أسرة من حديد

إن كان ديلسبس قد قاد المشروع، فإن محمود يونس هو الذي حرره ليكون مشروعًا مصريًا كامل المصرية. ومحمود  هذا هو ابن أحمد بن يونس ولد في شارع الأربعين بحى السيدة زينب لأب يعمل موظفا في السكة الحديد في ١١ أبريل عام ١٩١١. عمل الأب بين آلات من حديد سيلقي بظله على مستقبل الابن الذي سيتمتع بعقلية هندسية وبعزم حديدي وبشجاعة نادرة.

في طفولة يونس لم يكن هناك سوى الكُتّاب، فالتحق بكتاب بحي السيدة وحفظ بعض سور القرآن الكريم وتعلم مبادئ القراءة والكتابة والحساب.

 ثم حصل على الابتدائية من مدرسة محمد علي عام ١٩٢٤، والتحق بالمدرسة الخديوية ونال الكفاءة في ١٩٢٨ ثم البكالوريا عام ١٩٣٠ والتحق بمدرسة الهندسة الملكية وفى هذه المدرسة (الكلية) كان زعيما للطلبة وخرج في مظاهرات كوبرى عباس، وبعد معاهدة ١٩٣٦ التحق يونس بمدرسة الهندسة العسكرية وكان ضمن أول دفعة مهندسين مصريين في الجيش المصري.

وفى ١٩٤٣ عمل في إدارة العمليات الحربية وكان زميلا للملازم أنور السادات ثم تعرف على جمال عبد الناصر وعبد الحكيم عامر، وشارك في حرب فلسطين. ولما قامت الثورة أسند إليه المكتب الفنى ورئاسة لجان جرد قصور الملك وفى نوفمبر ١٩٥٣ انتخب نقيبا للمهندسين لدورتين.


مهمة سرية

تاريخ محمود يونس مع المهمات السرية الخطيرة بدأ منذ اللحظات الأولى لقيام ثورة يوليو.

كانت الثورة تفاوض المحتل لكي يرحل عن البلاد، وكانت المفاوضات متعثرة، وكان منهج زعيم الثورة جمال عبد الناصر أن يفاوض بيد ويقاوم بالثانية، لأنه كان مؤمنًا أن التفاوض وحده لن يفضي إلى إنجاز حقيقي. فكر عبد الناصر في حرمان المحتل من مصادر الطاقة فجلس مع محمود يونس لوضع خطة للضغط على المحتل.

انتهى الاجتماع برسم خطة خطيرة، سيقوم يونس ومعه صاحباه المهندسان عزت عادل، وعبد الحميد أبو بكر، بتدمير معملين لتكرير البترول لا يوجد غيرهما فى مصر، معمل التكرير الحكومى، ومعمل شركة شل، والمعملان فى السويس، بحيث يحرم الإنجليز من الوقود اللازم لمعداتهم.

قام يونس بتجهيز كل ما يلزم لنجاح العملية، ولكن فجأة تقدمت المفاوضات بل ونجحت فتم إلغاء العملية.




الرؤية أولًا

عملية معمل التكرير التي لم تنفذ جعلت عبد الناصر يلتفت بشكل خاص ليونس، فقد عرف أصالة معدنه ونقاء رؤيته.

الانجازات الكبرى الخطيرة إن كانت تحتاج إلى شجاعة فائقة، فهى أحوج إلى فكر ورؤية، فلا تضع السيف موضع الندى ولا تضع الندى موضع السيف كما قال أبو الطيب المتنبي.

نحن الآن نهتم بتطوير القناة ونحلم بتنمية كل مدن القناة، ونجلس هادئين ونحن نحصي عدد البواخر والسفن وناقلات البترول التي تعبر القناة، ونحصي أرباحنا، ونحلم بتحطيم كل الأرقام القياسية العالمية، لكي تتربع قناتنا على عرش النقل البحري، نفعل كل ذلك وننسى جبروت خطوة تحرير القناة، تلك الخطوة التي تعني -أول ما تعني – جلب عداوة دول عظمى، عداوة وصلت إلى عودة الاستعمار القديم لاحتلال مصر، ولكن بفضل الله ثم بعزيمة الرجال تحطمت محاولتهم وباءت بالفشل.

رجل تحرير القناة كان محمود يونس ضابط المهمات السرية الخطيرة، وعن دوره في ذلك الحدث التاريخي يقول: «في ليلة التأميم كنا ثلاث مجموعات إحداهن رئيسية في الإسماعيلية والثانية في السويس والثالثة في بورسعيد وكنت على رأس مجموعة الإسماعيلية ولم يكن أحد يعلم سر المهمة في المجموعات الثلاث غيرى وعبد الحميد أبوبكر وعادل عزت ووصلنا الإسماعيلية بعد ظهر يوم التأميم فلما خطب ناصر في الإسكندرية وقال كلمة ديليسبس ثم قال: «والآن أقول لكم»، دخلت مع المجموعة مبنى الشركة واستدعيت المسئولين وأبلغتهم قرار التأميم بالعربية وانهاروا أمامى وطلبوا منى تأمين حياتهم».




معركة المرشدين

بالدم تستطيع التحرر، ولكن قد لا تستطيع الإدارة، لأن الإدارة علم قائم بذاته، فهى  تحتاج إلى كفاءات نادرة، الآن عادت القناة مصرية، ولكن مَنْ يتصدى لإدارة هذا المرفق الذي يهتم به العالم؟.

كان عبد الناصر قد درس خطوات تحرير القناة خطوة خطوة ولذا قام وهو يشكل مجلس إدارة هيئة القناة باختيار اسم مدني لكي يتولى رئاسة مجلس إدارة القناة فعين الأستاذ الدكتور حلمي بهجت بدوي أستاذ القانون رئيسًا لمجلس الإدارة، وكان بهجت اسمًا مرموقًا على الساحة العالمية فقد درس في باريس وتعرف على عواصم الغرب الكبرى، ثم حدث وأن توفى  الدكتور بهجت فحل محله  محمود يونس الذي سيخوض معركة كبرى مع المرشدين.

كان مرشدو السفن من الأجانب وكانوا متأكدين أن القيادات المصرية غير قادرة علي إدارة القناة.

يقول مؤرخو تلك الأيام العظيمة: بدأت مؤامرة انسحاب المرشدين الأجانب عندما قام مسيو بول ريموند نائبا عن موظفي القناة ومرشديها الفرنسيين بمقابلة محمود يونس الذي كان يقوم بدور رئيس هيئة قناة السويس بشكل عاجل كان ذلك في ليلة 13 سبتمبر 1956.

وقال ريموند ليونس إنه قرر هو وزملاؤه من المرشدين والموظفين الأجانب البالغ عددهم 206 من المرشدين و154 موظفا أن يتركوا أعمالهم في القناة لعدم استطاعتهم التعاون مع يونس بحجة عدم رضائهم عن معاملته لهم، وفي خلال اللقاء ألمح ريموند إلي أن ثمة تعليمات قد وصلته من باريس بهذا التوقف وأن الشركة المنحلة بقرار عبد الناصر ضمنت لهم مرتباتهم وأعمالهم بل وأعلنت عن مكافأة مرتب عام لمن يترك العمل في القناة منهم.

وبالفعل وفي الليلة الثانية مباشرة، ترك المرشدون الفرنسيون أعمالهم و جلسوا في نواديهم يطلون علي مياه القناة ويحتسون الويسكي وبجوارهم كان مراسلو الصحف الأمريكية قد تجمعوا ليشهدوا الفضيحة المتوقعة لتوقف الملاحة في القناة.

عندما تأكد يونس من انسحاب المرشدين الأجانب في منتصف ليلة 15 سبتمبر 1956 لم يهتز ولم يرتبك كان واثقًا بالله ثم بسواعد وهمم المصريين كعادته.

لقد رد على انسحاب المرشدين قائلًا: «مع السلامة ونحن مستعدون لتقديم أية تسهيلات لخروجكم فورا».

أخبر يونس ناصرًا بما حدث فقال له ناصر: قل لهم: إنني أعطيت تعليماتي بتيسير حصولهم علي تأشيرات الخروج و بأن تعزف الفرقة الموسيقية لهم عند رحيلهم نشيد( حفظ الله الملكة) آو "المارسيلييز».




توقف القناة لساعة واحدة عن العمل كان يعني فضيحة عالمية لن تقوم للقناة قائمة بعدها، الموقف صعب جدًا وخطير جدًا ولا يحتاج إلى خطب رنانة ومواقف جوفاء وشجاعة متهورة رعناء، إنه يحتاج لعقول فذة وهمم عالية، وهذا ما كان يتمتع به البطل يونس.

منذ البداية كان يونس يتوقع أن المرشدين الأجانب ومعظمهم من الإنجليز والفرنسيين سيغدرون وسيعملون على تعطيل القناة لفضح نظام ثورة يوليو وإظهار عجزه عن إدارة القناة، ولذا أعد يونس خطة لتعويض انسحاب المرشدين، كان البديل جاهزا ففي يوم 10 سبتمبر 1956 وقبل الانسحاب بخمسة أيام تم تعيين 46 مرشدا منهم 28 أجنبيا من جنسيات مختلفة أغلبهم كانوا من اليونانيين والقبارصة واليوغوسلاف، وكان عبد الناصر بعد التأميم مباشرة قد قام بالاتصال بالدول الصديقة وطلب مساعدتها لإيفاد مرشدين للعمل في القناة وقد سارعت هذه الدول وفي مقدمتها اليونان وقبرص بإيفاد الأعداد المطلوبة في أقل من24 ساعة من طلبهم.

عاش يونس تلك الأيام العظيمة العصيبة وقد أطلق عليها «أيام الامتحان» لقد أستطاع بأربعة وثلاثين مرشدًا فقط، إرشاد أربعين سفينة، وهذا كان متوسط عدد السفن العابرة للقناة في ذلك الزمن.

وظل محمود يونس حارسًا أمينًا على القناة حتى جاء شهر أكتوبر من العام 1965، وفيه قرر عبد الناصر تعيينه نائبا لرئيس الوزراء لشؤون النقل والمواصلات ثم وزيرا للبترول. 

لم يكن محمود يونس منفذًا عبقريًا فقط، بل كان رجل سياسة يستطيع طرح الأفكار ومناقشتها، ولذا فقد أصبح عضوًا بالبرلمان عن دائرة البستان ببور سعيد، وظل عضوًا له صولات وجولات تحت قبة البرلمان إلى أن لقي ربه فى١٨ أبريل عام 1976.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر فى موقع "أصوات أونلاين" 25 نوفمبر 2019

الأربعاء، 20 يوليو 2022

مؤنس طه حسين.. السقوط في جب النسيان





كيف سيكون شعورك، عندما تفتح عينيك على الحياة فتجد أن والدك هو الدكتور عميد الأدب العربي طه حسين؟ ستقول: سأكون سعيدًا بدون أي شك.

أنت محق في شعورك بالسعادة، ولكن هل لديك فكرة عن مصيرك عندما يكون أبوك هو طه حسين؟

 أرجوك لا تجب الآن، ولتكن إجابتك بعد معرفتك بقصة الدكتور مؤنس طه حسين.

ولد مؤنس في الثامن من سبتمبر من العام 1922. وعند ميلاده كان أبوه رجلًا صاحب سمعة وصيت، فهو كاتب مرموق وأستاذ جامعي قدير، ينشر علمه على تلاميذه وما فاض منه ينشره على قراء الجرائد والمجلات.

في طفولة مؤنس أصبح أبوه يملأ الدنيا ويشغل الناس، فقد أصدر كتابه الصادم «في الشعر الجاهلي» وهو الكتاب الذي وإن جلب له أزمات طاحنة إلا أنه جلب له شهرة ومكانة قلما تمتع بها كاتب.


                                     المأساة

أم مؤنس هي السيدة سوزان، الفرنسية قلبًا ولغة، كان أبوه في شغل دائم على مدار ساعات الليل والنهار، فهو يؤسس لمجده في زمن كان منافسوه فيه أمثال العقاد، باختصار نقول: طه حسين لم يكن رجلًا فردًا، لقد كان في تلك السنوات مؤسسة، يديرها هو بنفسه ولنفسه، فعن أي ساعات فراغ نتحدث.

مؤنس لم تكن له سوى شقيقة واحدة هي السيدة أمينة (لاحظ عروبة طه حسين في اختيار أسماء أولاده).

فمع من سيلهو مؤنس، ومع من سيتحدث، والأهم مَنْ سيعلمه فنون الحياة؟

 ليس أمامه سوى أمه الفرنسية، فتلقى عنها الفرنسية التي هي ليست اللغة فحسب، بل معها التفكير والوجدان.

نام العميد وصحا، فرأى أن يختبر ابنه في العربية التي هو عميد أدبها. لم نعرف وظني أننا لن نعرف طبيعة الاختبار وأسئلته، ولكن سنعرف أن مؤنس تلجلج ولم يجب على شيء من أسئلة أبيه. 

وظني أن العميد قد سمع جرسًا أعجميًا ولكنة مستهجنة، وتعثرًا واضحًا في النطق، واضطرابًا في مخارج الحروف. 

لقد عرف العميد على وجه القطع واليقين أن ابنه فرنسي باسم عربي.

الآن أنا مشفق على العميد وظني أنه زفر زفرة ذهبت بنصف قلبه وهو يقول لنفسه: أنا طه حسين ابن فصاحة القرآن وبلاغته، ربيب أروقة الأزهر، عميد أدب العرب يولد لي هذا الذي يرطن فلا أعرف لكلامه رأسًا من قدمين؟


الصحوة

قرر العميد إنقاذ ما يمكن إنقاذه فجاء بمدرس عربي ينقذ عروبة ابنه، ولكن هيهات، لقد كان قلب مؤنس، قد أُشرب الفرنسية وانتهى الأمر. تحرك مؤنس في دوائر الفرنسيين المقيمين في القاهرة، ونفض العميد يديه من أمر تعليمه العربية، ثم بعد قليل وبقلب الأب وفّر لابنه أرقى تعليم فرنسي، بل أحاطه بمناخ ثقافي عظيم، فضيوف الأب من أمثال توفيق الحكيم وأحمد لطفي السيد ومحمد حسين هيكل كانوا في مقام أعمام مؤنس الذين يبشون في وجهه ويمدون له يد العون متى طلب معونة على أمر من الأمور.

من ناحيته لم يكن مؤنسًا عالة على سمعة والده، لقد كان وهو في سنوات مراهقته من أولئك الفتيان الأذكياء الشجعان الذين يشعرون بحرارة المصيبة، نعم كان مؤنسًا يدرك وضعه، فهو العربي ابن عميد الأدب العربي الذي لا يعرف كيف يقرأ مقالًا لوالده.

تلك النقمة جعلها مؤنس نعمة، لقد قرر أن يكون فارسًا من فرسان الفرنسية التي رضعها من ثدي أمه. الجينات تلعب دورًا لا شك في هذا، فطه حسين هو أديب عظيم والأم مثقفة تعرف كيف تتذوق الآداب والفنون، ثم قلب مؤنس مترع بتلك الرهافة التي تتيح لصاحبها التأمل والقراءة المختلفة للحياة.

كل تلك العوامل جعلت من المراهق مؤنس شاعرًا فرنسيًا لا يشق له غبار فقد نشر ديوان شعره الأول «شاحباً كان الفجر» وهو في السادسة عشرة من عمره.

مضت السنون ثم تذكر مؤنس أيام طفولته وصباه، فنقلت عنه الكاتبة لوتس عبد الكريم ما قاله عن والده: «ابتسم مؤنس وهو يتذكر أن والده كان يسرح أحيانا ويبدو أنه قد ابتعد بفكره عن أسرته فيسألونه: أين أنت؟


 فيرد بأنه فى سورية خلال القرن الرابع الهجري يسمع أبا العلاء المعرى، أو كان فى الحجاز فى المئة الأولى للإسلام، يستنشق الهواء الذي استنشقه الرسول صلى الله عليه وسلم، ويتابع مسيرته فى هجرته، أو كان فى تونس مع ابن خلدون وهكذا، وفى كل حالة من هذه الحالات كان يعرفنا بأسلوبٍ بسيطٍ عن المكان والزمان والشخص الذي يقول إنه كان معه.



الازدهار

تلك لعمري لعبة مزدوجة كان العميد يلعبها، لقد أفلت منه ابنه وأصبح فرنسي اللسان، ولكنه بتلك اللعبة جعل فكره عربيًا وذكرياته إسلامية. ساعد العميد ولده على النبوغ فترك له حرية الدراسة، فدرس مؤنس الفرنسية في الجامعة المصرية وحصل على مؤهله الجامعي في العام 1939.

ثم كان لابد من السفر، الابن سينطلق إلى باريس ليحصل على الدكتوراه، ليعيد سيرة الأب، والأب تحجرت دموعه في عينيه، ولكنه ملك من ملوك البيان، فيقدم الجزء الثاني من «أيامه» الشهيرة إلى مؤنس كاتبًا: «ها أنت تهجر وطنك لتطلب العلم فى باريس وحيدًا فدعني أهدى إليك هذا الحديث عن أيام طلب الوالد العلم فى الأزهر، لعلك ترتاح إليه كلما أجهدك درسك بين الحين والحين، هناك ترى لونًا لم تعرفه من ألوان الحياة فى مصر وتذكر شخصًا طالما ارتاح إلى قربك منه، وطالما وجد فى جدك وهزلك لذة لا تعدلها لذة ومتاعًا لا يعدله متاع"

حصل مؤنس على الدكتوراه من باريس، فعن أي شيء كانت رسالته؟ 

ابن العميد هو ابن العميد، لقد جعل رسالته عن تأثير الآداب الإسلامية في الأدب الفرنسي.

لم يكتف العميد بحصول ولده على الدكتوراه فنصحه بمواصلة الدراسة، قال مؤنس للوتس عبد الكريم: «وفيما يخصني فقد اقترح أبي عليَّ ألا أكتفى بالدراسة للحصول على درجة الدكتوراه من فرنسا، بل بالدراسة للحصول على شهادة الأجريجاسيون فى اللغة والآداب الفرنسية وهى من أصعب الدراسات"


وقال غير واحد من الأدباء: «إن مؤنسًا كان أول مصري يحصل على شهادة الاجريجاسيون». وعندما عاد مؤنس إلى مصر بعد رحلته الفرنسية، عاش سنوات ازدهاره.




الثمار

نشر مؤنس في بدايات الستينيات كتابه المهم «ملامح رومانسية» وعنه يقول الكاتب عبد الحميد صبحي ناصف: «لقد صدر كتاب «ملامح رومانسية» لمؤنس عن دار المعارف المصرية بدون تاريخ محدد؛ إلا أنه في أغلب الظن قد نُشر بعد ظهور دراسته المطولة عن «الرومانسية الفرنسية والإسلام» الصادرة عن دار المعارف اللبنانية عام 1962".

وينص مؤنس صراحة في مقدمته «ملامح رومانسية»: بأنه لا يرمي بها إلى تقديم عمل أكاديمي صارم مثقل بالوثائق والمراجع. بل أرادها أشبه ما تكون بعرض محرر من القيود لأهم ما عنّ له من تصورات وتأملات حول رواد الحركة الرومانسية الفرنسية في إطار علاقتهم بالمؤثرات الإسلامية بالإضافة إلى ما تأتّى له من خطوات حول بعض الرموز الأخرى لهذه الحركة ولغيرها من التيارات الأدبية الموازية لها خلال القرن التاسع عشر.


وعلى هذا النحو تضم هذه الدراسة تسعة فصول يتناول فيها بالدرس والتحليل السمات الفارقة في الخطاب الرومانسي فى الأدب الفرنسي ويقدم مجموعة من «البورتريهات» لكل من فيكتور هوجو في ديوانه «الشرقيات» ولشاعر «الليالي» الفريدي موسيه ولجورج صاند وتمردها على المجتمع التقليدي ولجرادي نوفال 

في ما يخص تصويره لليالي رمضان في القسطنطينية"

كان من الطبيعي أن يعمل مؤنس بالجامعة فهو يجيد الفرنسية واللاتينية واليونانية القديمة، وعن سنواته في الجامعة يقول الناقد الكبير الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي في كتابه «أدباء ومفكرون": أخبرنا بعض طلابه في قسم اللغة الفرنسية بآداب القاهرة أمثال أمينة رشيد وآمال الروبي. كيف كان مؤنس يفتح لهم أبواب الثقافة الرفيعة ويعلمهم الاهتمام بالموسيقى وتاريخ الفن حتى أنه كان يخرج عروضاً مسرحية يمثل فيها طلابه وكان يحضر تلك العروض كبار المثقفين أمثال: طه حسين وتوفيق الحكيم ومحمد حسين هيكل".


ثم ترجم إلى الفرنسية بالتعاون مع أخته أمينة كتابيّ والده «أُديب» و«شجرة البؤس»، ثم نشر ثلاثة دواوين ومسرحية.

في تلك السنوات كان مؤنس يعد اسمًا مرموقًا بين أساتذة الجامعة وبين الأدباء.


قرار عجيب

في النصف الأول من الستينيات ترك مؤنس الجامعة.. لا أحد يقطع برأي في هذا القرار العجيب، بعضهم يقول: لقد شعر مؤنس بالظلم لأنه لم ينل ترقية كان يرى أنه يستحقها. آخرون يقولون: كانت الدائرة الفرنسية التي يعيش مؤنس في قلبها تتقلص بفعل التمصير الذي شهدته تلك السنوات، فقرر ترك الجامعة والهجرة الأبدية إلى فرنسا.

عن نفسي لم يقنعني أي من الرأيين، هناك أمر لا نعرفه أدى إلى هجرة مؤنس الذي ذهب إلى فرنسا فلم يعمل فى جامعة من جامعاتها، وهذا أمر عجيب يضاف إلى عجائب مؤنس، لقد عمل في هيئة اليونسكو في وظيفة تلتهم وقته وتقلل من ساحات إبداعه، فهو منذ هجرته لم ينشر شيئًا بل لم يكتب شيئًا، وكأنه لم يغادر الوطن فحسب، بل غادر الإبداع كله.

في باريس سيلتقي الدكتور عبد الرشيد الصادق محمودي بمؤنس وسيكتب محمودي عن مؤنس كما لم يكتب أحد.

لقد كشف له مؤنس أسرار حياته، قال له: إنه يكتب يومياته بانتظام وإنه ينوي استكمال رواية كان قد بدأ كتابتها قبل سنوات. ثم كشف له عن عذابه بعد فقدانه لزوجته التي لم يحب أحدًا كما أحبها. كان مؤنس قد تزوج ليلى العلايلي وهي مثقفة مثله وتتقن الفرنسية مثله، إضافة لكونها حفيدة أمير الشعراء أحمد شوقي. رحلت الزوجة الحبيبة وتركت له ابنته الوحيدة التي أطلق عليها اسم أخته الشقيقة أمينة.

بعد رحيل الزوجة نشر مؤنس بعد طول انقطاع عن النشر بل عن الكتابة ذاتها ديوانه الرابع الذي جعله في رثاء زوجته وقد صدر في العام 1995 تحت عنوان «سوف ينحسر البحر".


ولكي تكتمل دائرة مفارقات حياة مؤنس، فإن ابنته الوحيدة قد تزوجت من أستاذ أكاديمي ياباني متخصص فى تدريس اللغات الشرقية، ويعمل فى إحدى جامعات باريس، وأنجبت منه ولدين!


النهاية

مرض مؤنس بمرض جعله يكاد يفقد صوته، فكان يكتب لصديقه المحمودي عوضَا عن الكلام. ولم يكن يقوم بأمره إلا ابنته التي كانت تزوره مع حفيديه، وفي اليوم السابع والعشرين من نوفمبر من العام 2004 لفظ مؤنس أنفاسه الأخيرة.

بعد موته تحدثت ابنته عن يومياته فقالت: إنها من أربعة أجزاء ومكونة من 800 صفحة من القطع الكبير. ثم قال وزير الثقافة المصري الأسبق فاروق حسني: إن وزارته قد حصلت على موافقة أمينة بنت مؤنس على شراء حقوق ترجمة المذكرات، وقد بدأ فريق من الوزارة في ترجمة الجزء الأول. ثم مرت السنوات ولم تظهر المذكرات، ليسقط الأستاذ المرموق والشاعر الكبير وابن عميد الأدب العربي في جب النسيان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشر بموقع أصوات 16 سبتمبر 2019


الأربعاء، 6 يوليو 2022

لا تصلوا من أجل القاتل




 أحدث مقتل الأنبا إبيفانيوس أسقف ورئيس دير الأنبا مقار بوادي النطرون هزة عنيفة في المجتمع المصري بمسيحييه ومسلميه.


الحادث الذي انتهى باغتيال الأنبا إبيفانيوس، ليس لنا ولا لغيرنا الخوض فيه لأنه منظور الآن أمام جهات التحقيق التي أصدرت بيانًا رسميًا جاء فيه: "تواصل نيابة استئناف الإسكندرية التحقيق في أحداث مقتل الأنبا إبيفانيوس حيث أدلى الراهب المشلوح أشعياء المقارى باعترافات تفصيلية أمام ضباط المباحث ونيابة استئناف الإسكندرية، معترفًا بمسئوليته عن قتل إبيفانيوس بالاشتراك مع الراهب فلتاؤس المقارى الذي يعالج حاليا بمستشفى مايكل أنجلو بالزمالك عقب محاولته الانتحار".

الهزة العنيفة التي أشرت إليها يمكن تسميها بالهزة الثقافية، فبعيدًا عن مجريات التحقيق الذي لم تعلن نتائجه الرسمية بعد، يجب علينا التوقف عند تفاعلات الحادثة غير المسبوقة.

ظهر واضحًا استنكار عوام المجتمع لتلك الحادثة، وهذا الاستنكار يعد من محامد الشخصية المصرية التي لم يلحق التخريب جذرها بعد، بفضل الله ثم بفضل نضالها ومقاومتها لكل عوامل التخريب التي تتكاثر عليها.

فريق ضخم من المسيحيين والمسلمين تعامل مع الحادث بفطرته المستقيمة فقال: هذا حادث اغتيال عن عمد وقصد، فلنترحم على الضحية ثم ننتظر نتائج التحقيق، ثم نوجه دعوة للكنيسة بوصفها مؤسسة مصرية عريقة ومهمة جدًا لإعادة ترتيب بيتها من داخلها، لأن الحادث أكد أن هناك خللًا ما يستوجب العلاج العاجل العادل.

في مواجهة وضوح موقف العوام كان موقف بعض النخبة مرتبكًا جدًا فقد رأينا فريقًا لا يستهان به يدعو للصلاة من أجل القاتل!

تلك الدعوة العجيبة، بل المريبة، هي ما عنيته بالهزة الثقافية، ولا أريد وصفها بالهزة "العقائدية".

 منذ متى يصلي المصريون من أجل رجل اعترف بأنه قتل عن عمد وسبق إصرار؟

أي حديث عن خصوصية الحادثة هو حديث إفك لا أكثر ولا أقل، فالدير أو المسجد أمام القانون مجرد مبنى، والقاتل مواطن وكذا القتيل، وهناك قانون عقوبات تنظر الجرائم وفق نصوصه، وعلى ذلك فالحديث عن الخصوصية هو قنبلة دخان لصرف الأنظار عن كارثة ضربت المجتمع كله.

مَنْ أين جاء دعاة الصلاة بدعوتهم المريبة؟ لقد طالعوا كغيرهم حوارًا قصيرًا جدًا أجراه الصحفي محمود العجمي مع الأنبا يؤانس أسقف أسيوط ونشره موقع اليوم السابع.

 سأله الصحفي: ما تعليقكم على واقعة مقتل الأنبا إبيفانيوس التي تشغل الرأى العام فى مصر؟ 

فقال الأنبا يؤانس: "الأحداث الجارية حاليا نصلي لها من قلوبنا، وندعو ربنا بأن يعطى الحكمة لقداسة البابا تواضروس الثاني، وأنا أقول إنها سحابة صيف ونصلي من أجل هذه المحنة، وهي محنة عابرة سوف تعبر، ويجب علينا أن نصبر شوية لحد ما كل حاجة تتضح للجميع، للأسف الناس مستعجلة علشان تعرف الحقيقة، فأنا أدعوهم للصلاة والصبر إلى أن تصدر الكنيسة بيانا، رسالتي هي الصلاة والصبر".




انتهى كلام الأنبا يؤانس فتلقفه الذين يزعمون لأنفسهم درجة من الإنسانية والرحمة تفوق تلك التي يتمتع بها مجتمعهم، فتعسفوا في تأويل كلام الرجل وفي تحميله فوق ما يحتمل، فليس في إجابته أدنى إشارة لصلاته من أجل القاتل. كلام الرجل واضح جدًا وهو يتحدث عن عموم الحالة وليس عن خصوص الواقعة.

وبعد تعسفهم في تأويل كلام الأنبا يؤانس، نبشوا الأناجيل حتى وقعوا على آية جاءت في إنجيل متى على لسان سيدنا المسيح، نصها يقول: "وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ، بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ، أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ".

تشبثوا بتلك الآية وفق تفسيرهم لها تشبث الغريق بطوق النجاة وراحوا يطلقون الصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي للصلاة العلنية من أجل القاتل.

إذا قلت إن هذا الفريق من المسيحيين والمسلمين قد "تدعشن" هل أكون مخطئًا؟

 داعش وأخواتها من فرق القتل والإرهاب التي تزعم الإسلام لا تفعل أكثر من هذا، تأتي بآية وتنتزعها من سياقها وتفسرها كما شاء لها هواها ثم تتخذها ركيزة وقاعدة فقهية تمارس تحت حمايتها أخس أنواع القتل.

هؤلاء صنعوا صنيع داعش معكوسًا، داعش تقتل وهؤلاء يرحمون. والنتيجة في الحالتين واحدة وهي ضياع حقوق المجتمع والدولة.

إن منطق هؤلاء آية من آيات الالتواء، فهم يبررون موقفهم بأنهم ضد أحكام الإعدام من حيث المبدأ. 

هل ذكر أحد سيرة الإعدام؟ 

ثم هل قال القضاء كلمته النهائية حتى يتكلم المتكلم منهم عن رفضه للإعدام؟

ثم بعد أن يسرفوا في إعلان رفضهم لإعدام لم يتحدث عنه أحد يخرقون في المجتمع خرقًا جديدًا، يقولون: باب التوبة مفتوح. 

هل قال أحد أن باب التوبة قد أغلق؟ 

ثم ما علاقة التوبة بحادث جنائي دفع رجل أعزل حياته ثمنًا له؟

التوبة من أفعال القلوب لا الجوارح والذي يقبلها أو يرمي بها في وجه فاعلها هو الله عز وجل وحده لا شريك له. 

نحن أمام حادثة قتل عمد ولسنا أمام صلاة في محراب، فكل تعاطف مع معترف بالقتل هو من تلبيس إبليس ومن صنع جماعة في قلوبهم مرض.

إضافة للفريقين السابق ذكرهما ظهر فريق ثالث يستهجن علانية قيام الصحفيين المسلمين بتغطية الحادث إخباريًا، بدعوى أن الحادث شأن مسيحيي داخلي.

هل أعلن أحد ـ ولم يصلنا الخبر ـ أن الأديرة المقامة على أرض مصر والتي بناها مصريون ويسكنها مصريون قد تم إعلانها دولة ذات سيادة وعلم؟ 

الأديرة والكنائس مثل المساجد، جميعها مؤسسات مصرية يجب أن تخضع تمام الخضوع لأحكام القانون، أما الكلام خارج هذه الرؤية المركزية فهراء لن يجلب إلا المزيد من تخريب الشخصية.


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نشرت فى موقع "أصوات أونلاين" 20 أغسطس 2018

الخميس، 30 يونيو 2022

المخزنجي.. فتوة في السبعين

                                                      



المخزنجي بلغ السبعين لكنه لم يفقد شغف الشباب ولم يهدر طاقته فيما لا يفيد كأنه ثابت لا يتحول وكاتب تربطه بالكلمات علاقة خاصة.

كنت ضيف الكاتب الراحل الأستاذ عبد الله الطوخي، رحمه الله، تعجبت لظهور علامات الحسرة على وجهه، فسألته عن سبب حسرته فقال: جاءتني فكرة ولكن صحتي لا تساعدني على كتابتها.

كنت في مطلع شبابي فلم أفهم كلامه على وجهه الصحيح، أدرك هو عدم تفهمي لحالته فأكمل كلامه قائلًا: في زمن قادم ستعرف أن الكتابة مثل "العتالة" تحتاج إلى بنيان قوي مدرب، وإلى لياقة عالية، لياقة شعورية ونفسية وجسدية، هذا لن تفهمه الآن ولكن عندما تصبح شيخًا ستعرف أن من أهم منجزات الكاتب حفاظه على صحته ولياقته، وعدم إهدار شبابه فيما لا يفيد.

ثم قرأت أن أديب سوريا الكبير، الأستاذ حنا مينا، رحمه الله، كان لا يكف عن ملء الصفحة البيضاء التي أمامه بكتابات ورسومات أو حتى بشخبطة، وعندما سألوه عن السبب، قال: يجب عليّ الحفاظ على لياقة وحساسية أصابعي.

تذكرت تلك النماذج وأنا أقرأ مجموعة "رق الحبيب" التي نشرتها دار الشروق للدكتور محمد المخزنجي.

المخزنجي بلغ السبعين، ولكنه لم يفقد شغف الشباب ولم يهدر طاقته فيما لا يفيد، كأن هذا المحزنجي ثابت لا يتحول، كاتب تربطه بالكلمات علاقة خاصة، فهو يداعبها مرة ويشاكسها مرة، وقد يغضبها مرات، ولكنه دائمًا يتقدم صفوف محبيها فتلين له الكلمات لأنها تعرف مكانتها في قلبه.




كتب المخزنجي مجموعته من منطقة إتقان المحترفين وشغف الهواة، فجاءت طازجة حارة صادقة منضبطة.

أرى أن مفتاح المجموعة، خبأه المخزنجي بين سطور قصة "شهيق عميق.. زفير مرتاح".

راوي القصة هو بطلها، والاثنان هما المخزنجي نفسه، فتوة وضاحك وراقص ومبتهج في السبعين من عمره.

غاب ابن بطل القصة عن أرض الوطن وها هو يعود، وفي صالة المطار تقف أسرته المكونة من الأب والأم والشقيق في استقباله.

الأب متمرد يسأل نفسه: كيف لوباء سخيف يدعى كورونا أن يحول بيني وبين لمس ابني وشمه وتقبيله؟

ما كل هذه الوحشية التي تفرض علينا السلام بالكوع، أين الحضن وأين المشاعر المتدفقة؟

تمرد الأب يدفعه لاختراع لعبة مشاعر تعويضية.

يصيح الأب: "1ـ شهيق عميق 2ـ كتم النفس 3ـ حضن جامد مع كتم النفس 4ـ تباعد سريع 5ـ زفير مرتاح.

كان الأب يصيح بتلك الكلمات رافعًا ذراعيه، كأنه مدرب يعطي، لاعبه المفضل تعليمات مهمة لأداء لعبة، وكأن فرحه برؤية ابنه العائد يجعله غير مكترث بما يمكن أن يقوله الناس من حوله، وقد توقف بعضهم ليرى ما يحدث.

أسرعت الأم نحو زوجها، لتوقفه عن ما يمكن أن يكون فلتة من فلتات تصرفاته المفاجئة الغريبة التي لا تليق بمقامه وسنه.

شقيق الابن العائد يمنع أمه من إيقاف الأب لأنه يقرأ خريطة أباه الداخلية جيدًا، إنه الأب نفسه الذي كان يخترع لهم الأحضان الجديدة في كل مناسبة، تحلق جمهور المنتظرين حول الأب وولده العائد، وسمع كلمات الأب المدرب ورأى كيف تم تنفيذ اللعبة التي تفرج عن الأشواق المحبوسة، بعد قليل أصبحت اللعبة كأنها الكرنفال، الكل يلعبها ويشارك فيها، لقد أصبح هناك أكثر من مدرب ضاحك ينظم خطوات الأحضان.

تلك القصة تكشف عن الأعمدة الثلاثة التي أقام عليها المخزنجي بنيان مجموعته.

العمود الأول: هو حضور صوت أم كلثوم وما يحمله من موسيقى. 

العمود الثاني: هو الاحتيال، كل أبطال قصص المجموعة هم جماعة فقدوا أثمن ما لديهم، ولكي لا يقتلهم قهر الفقد وحسرته لجأوا إلى الاحتيال، ليس احتيال اللصوص الأخساء ولكن احتيال المنذورين للحياة الحريصين على تدفق نهرها، رغم أنف آلاف الصخور الجبارة التي تعيق تيار النهر.

 العمود الثالث: هو المقاومة، كل الأبطال يقاومون بطرق استثنائية حتى أن العاديين قد يظنون أن هؤلاء الأبطال قد ذهب عقلهم، إن أبطال المجموعة أثناء احتيالهم يقاومون، وأثناء مقاومتهم يحتالون، فلا نعرف متى تبدأ المقاومة ومتى يبدأ الاحتيال.

لقد رأينا الأعمدة الثلاثة راسخة في قصة" شهيق عميق" هناك موسيقى هتاف الأب الذي احتال بعد أن فقد حرارة حضن ولده العائد من الغربة، ثم قاوم الوباء بتلك اللعبة المبهجة لكي يكتب له في النهاية النصر المبين.




ثم سنرى الأعمدة برسوخها وشموخها في القصص العشر التي تضمها المجموعة، ففي قصة "من بعد ما طال السفر" نحن أمام مغترب مصري، ترك دفء الوطن لكي يَدرس ويُدرس أمراض العقول في بلد تهوي فيه درجة الحرارة إلى عشرين درجة تحت الصفر.

البطل فقد الدفء والحب معًا، فثمة حبيبة كانت قد وعدت بأنها في يوم ستعرف طريقها إليه عابرة البحار وقافزة فوق ألف مانع، يومًا ما سيدخل غرفته فيجدها تنتظره.

هذا هو الفقد الذي سيأتي بعده الاحتيال، يغادر البطل مقر عمله ودراسته يحاول التماسك لكي لا ينزلق فوق تلال الجليد التي تحتل نهر الشارع، وهو على تلك الحال يرى نافذة غرفته مضيئة ويصله واضحًا صوت أم كلثوم يغني: "فاكر لما كنت جنبي/ والنسيم/ لاعب غصون الشجر/ والغصن مال/ ع الغصن قال / ما أحلى الوصال / للي انتظر".

وهل هناك من انتظر أكثر من مغترب يعيش فقدان الدفء والوطن والحبيبة؟

يطير، حقًا لا مجازًا بطل القصة لكي ينعم بدفء حضور الحبيبة، نحن القراء نصدقه ونظن أن الحبيبة قد حضرت حقًا وصدقًا، ألم تعد بالحضور وإن طال السفر؟

ما الذي يمنع الحياة من تقديم مكافآت استثنائية؟

غرق البطل فأغرقنا في الاحتيال، حتى ظننا أن الأوهام حقائق، نعم النافذة مضيئة، وهذا لأن البطل نسى إغلاقها، نعم صوت أم كلثوم يذيب كل هذا الجليد، وذلك لأن البطل ليلة أمس كان يبحث عن إذاعة عربية تبث غناءً يستعين به على توحش الغربة، ثم نسى إغلاق المذياع.

انهار عمود الاحتيال وبقى عمودا المقاومة وصوت أم كلثوم وموسيقاه.

قرر البطل أن يسهر الليلة أيضًا مع غناء يستدرجه من جديد إلى أحلام منام، يستعيد بها ما يحب ويفتقد، يهفو لو يسمع أم كلثوم لتطيب له هذا الوجود من جديد .. بهذه الأغنية التي يدندن منها بتكرار وجذل، بينما يمضي في طرقة الطابق، المدفأة إلى غرفته، الأكثر دفئًا: "والموجة بتجري ورا الموجة: عايزة تطولها / تضمها وتشتكي حالها/ من بعد ما طال السفر".

وبعدُ فإن إخلاص المحزنجي لفن القصة القصيرة يقدم لنا دروسًا عظيمة، فلعلنا نتعلم.

الخميس، 2 يونيو 2022

عن حسام فخر ووردته الغائبة

 


لا ينشر القاص الكبير الأستاذ حسام فخر، إلا إذا فاضت كأسه، ولم يعد بها متسع لقطرة إضافية، وظني أنه يدرك - وإن لم يصرح أو حتى يلمح - أن كتاباته مثل عصا موسى، عندما تنزل إلى ساحة التحدي ستلقف مَا يَأْفِكُونَ.

حسام ليس مشغولًا بتهليل ناقد، أو بالسعي المحموم خلف جائزة، هو مشغول دائمًا بالقبض على جملة واحدة صادقة، ومنها ينطلق ليحكي ويقص نبأ الأحياء والراحلين.

حسام مؤمن جدا بتلك النصيحة الخالدة «اكتب عما تعرف»، وهو يعرف الكثير، ولذا لا ترى عرقه وهو يحفر الصخر بأظافره بحثًا عن فكرة.

لكلٍ وجهة هو موليها، ووجهة «حسام» هي الصرامة، هو يحدد -بدقة-  زمان ومكان قصته، ويشحن هواء القصة بعبق معانيها العميقة البعيدة، ثم لا ينسى الظل والنور، ولا يغفل عن الربى والقيعان، تقرأ القصة من قصصه فتقبض - بيديك الاثنتين-  على معنى الكتابة الخالصة لوجه الفن، وتعرف الفارق بينها وبين الشعوذة التي يحتال بها بعضهم على جماهير القراء تساندهم فى شعوذتهم طائفة من النقاد الذين لا يرقبون فى قارئ إِلّا وَلَا ذِمَّة.

فى مجموعته الجديدة «بالصدفة والمواعيد» الصادرة عن دار العين، يؤكد حسام خلود بيت المتنبي" لِكُلِّ اِمرِئٍ مِن دَهرِهِ ما تَعَوَّدا".

 فعادات حسام لم تتبدل ولم تتحول، إنه يكتب عما يعرف، ولذا فهو يكتب عن عالمه الخاص، ولكنه بقدرة الفن الحقيقي يورط قارئه في دهاليز هذا العالم، فلا يتأفف القارئ من كاتب يكتب عن عالمه الخاص، بل يجد لذة المشاركة في الوجع الإنساني، وفى حرقة الفقد ومرارة الهجران، فنصبح كلنا حسام فخر، أو كأنه صوتنا الصارخ فى البرية.

منذ ضربة البداية، يعلن الكاتب الكبير هوية مجموعته، مستعينًا بكلمة للكاتب الأمريكي بول أوستر "القصص لا تحدث إلا لمن يعرف كيف يحكيها".

هل الأمر كما قال السيد أوستر؟

كلنا تحدث لنا القصص، وكلنا تقع القصص على قلوبنا، ولكن لسنا فى الحكاية سواء، فليت السيد أوستر قال: "الذين يعرفون كيف يحكون هم فقط الذين تحدث لهم القصص".

قصص حسام مرت علينا جميعا، فلماذا لم نكتبها؟

لأننا ببساطة لا نعرف كيف نحكى الحكاية.




حسام يعرف كيف يحكى الحكاية، ولذا يجعل من حادثة عابرة قصة تهز أعماقك وتنبهك إلى حقيقة الحياة التي هى  «الوعد والمكتوب» و«المقدر والنصيب»، أو «بالصدفة والمواعيد»، ففي قصة» عربية التين الشوكي»، مفتاح سحري نلج - بفضله - إلى أعماق المجموعة ومعناها البعيد.

فى قصة التين الشوكي، نعيش لحظات مع أسرة، من أب وأم وولدين، لا يشترون الخبز الفينو، إلا من مخبز بعينه، يقع فى ضاحية مصر الجديدة، هنا تبز موهبة حسام فى تقديم تفاصيل جد صغيرة، لكنها مؤثرة، فلا يفوته وصف رائحة الفينو الخارج توا من نيران الفرن، وكيف كان بطل القصة وشقيقه يسارعان بالتهام أكبر عدد ممكن من أصابع الفينو، وذات ليلة، لم يذهب إلى المخبز سوى بطل القصة ووالده، فرح بطل القصة لأنه سيلتهم بمفرده نصيبه ونصيب شقيقه من أرغفة الفينو، فجأة وقعت عين الأب على بائع تين شوكي يقف مع طفله ليبيعا ثمار التين للعابرين، أوقف الأب سيارته وتوجه نحو بائع التين، وعندما عاد كانت أنفاسه متهدجة وصوته مختنقا، ثم بنبرة أسى قال لولده: الليلة لن نذهب إلى المخبز.

كانت مفاجأة تعيسة للصبى، وعندما سأل أباه عن السبب، قال الأب: لقد قدمت لبائع التين كل ما معي من نقود، زكاة عن الصدفة وضربة الحظ.

كان من الوارد أن أكون أنا مكان البائع وتكون أنت مكان ولده، ولكنها الصدفة.

من باب الصدفة يمكننا الدخول إلى المجموعة ومعايشة كل قصصها، فتلك الصدفة وتلك المواعيد هى الخيط الذى يربط حبات المجموعة، ويلملم أجزاءها فتصبح كيانا واحدا وإن تعددت وجوهه.

الصدفة نفسها ستلعب دورا محوريا فى قصة "مع الضوء المشع"

كان بطل القصة - الذى هو الكاتب نفسه - مع والده والأسرة يعيشون فى الاتحاد السوفيتي، ولأن الوالد هو اللواء أحمد فخر، أسطورة سلاح المدفعية المصري، والأم هى شقيقة شاعر الشعب صلاح جاهين، فقد تعامل السوفييت مع الأسرة تعاملا متميزا.

زار الأسرة شاعر روسيا الأكبر ،يفجينى يوفتيشنكو، أنشد الشاعر - تلبية لطلب الأب - شيئا من شعره، وكان بطل القصة يعامل الضيف الكبير معاملة رسمية، إلا أن الشاعر طلب منه أن يناديه بـ«دياديا يفجينى»، أي  عمى يفجينى.

ثم مرت السنون، ومات الأب والأم، وتفرقت الأسرة، ومات شاعر السوفييت فى مستشفى أمريكي!

وعرف البطل بموت الشاعر من جريدة أمريكية، فتذكر ما كان بينه وبين الشاعر، فقرر إرسال ورد، تعبيرا عن مواساته، ولكنه اصطدم بتقليد روسي راسخ، يقضى بأن يكون عدد الأزهار المقدمة فى المناسبات السعيدة فرديا وعدد أزهار الحزن زوجيا.

قال البطل: «اخترت أن أبعث بأربع وردات حمراء قضيت وقتا طويلا ومُضنيا أملى على عاملة تلقّى الطلبات رسالة مطولة تكتب على البطاقة المرفقة دياديا يفجيني، إليك فى رحلتك الأخيرة أربع وردات.

 واحدة لذكرى لقائنا الوحيد.

 وواحدة لتربيتك الحنون على كتفي.

 وواحدة للنور الساطع المٌشع منم وجهك الوسيم.

 والأخيرة للشعر الجميل الذى كان يمكنك أن تكتب".

وللحق فقد خان «حسام» منهجه فى تلك القصة، فقد كان يجب عليه كسر التقليد الروسي بأن يرسل خمس أزهار، ولتكون الخامسة هدية زكاة عن الصدفة والمواعيد التي جمعته بشاعر كبير، كما فعلها أبوه من قبل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جريدة صوت الأمة / السبت 28 مايو 2022