الاثنين، 4 مايو 2020

الطلقة الأخيرة (3)




 كان يجلس عصرًا في حديقة بيت أبيه يرسم واحدًا من مشاريعه التي لن تنفذ، وينشد بصوت خافت شعرًا صعد من قاع ذاكرته حتى طفا على سطحها:
        من جديد ها أنا ألقاك
        في عصف الذهول المر 
        تجتاز الفجاج السود، مخبولًا شقيًا
        وبعينيك سؤال  أخرس الدمعة مازال عصيًا
        ما الذي سدد في قلبك سكينًا؟
        وفي عينيك حزنًا أبديًا

    دخلت عليه منى فقطعت عليه إنشاده ورسمه، نظر إليها، لقد أصبح لها وجه كوجه المرأة التي تكرهه.
   هل هذه منى التي عمدها بحبه على مدار سنوات عمرها؟
  أنزل عينيه من على وجهها وسألها: أي شيء تريد السيدة الصغيرة؟
  جلست في مواجهته وردت على سؤاله بسؤال: هل الباشا يسخر الآن مني؟ 
   رد قائلًا: ليست سخرية،  أنا أضع قليلًا من السخافة على ًطبق الحديث لكي أستطيع تناوله، ولكي لا أنفجر في وجه كل هذا الكون، السخيف.
   قالت: هل أنت غاضب منا؟
   قال: لا، أنا غاضب من نفسي، فعندما يلدغ أحدهم من الجحر ذاته مئة مرة يكون مغفلًا لا يحق له الغضب من الآخرين، عليه أن يوجه سهام غضبه إلى قلبه هو.
   قالت: نحن لم نقاطعك، لقد تركناك لفترة، حتى تلتقط أنفاسك، فقد تعيد التفكير في الموقف، بابا أنت لم تقدم لنا تفسيرًا منطقيًا لرفضك.
    تنهد مصطفى قبل أن يقول: تتحدثين عن المنطق، إذًا اسمعي، كل هذه الحياة يحكمها منطقان لا ثالث لهما، منطق الشهداء ومنطق الناس، في منطق الناس، الشهداء جماعة من المتهورين الحالمين الذين أضاعوا  أعمارهم جريًا وراء سراب.
  وفي منطق الشهداء، الناس ما هم إلا حفنة من الجبناء الذين لا يقدرون  المعنى ولا يفهمون الرمز.
   أنا أيتها السيدة الصغيرة من الشهداء، وأنت وشقيقاك وأمك من الناس، فلن  نجتمع قط على كلمة.
   أشارت إليه بكل يدها اليسرى وقالت: بابا لا تغضب لو قلت لك أنا لم أفهم شيئًا.
  شرد مصطفى وراء يسرى ابنته، لقد حزنت المرأة التي تكرهه عندما علمت أن ابنتها عسراء، ولكنه أحب اختلاف ابنته، وتوقع لها مستقبلًا محتلفًا عن قريناتها، طبعًا لم يتوقع أن تكون عاقة، كان يسرف في تقبيل أصابع يسراها وباطن كفها وظاهره، كان يقبل اليد التي ترفعها الآن في وجهه.
  جاءه صوتها: بابا، هل أنت معي؟ 
  قال: كنت معك، وها قد عدت إليك، أنت لم تفهمي شيئًا وهذا أمر طبيعي، فالناس لن تفهم لغة الشهداء، اسمعيني جيًدا: قبل جلسة خطة شقيقك، كنت أعلم أنني خسرت كل شيء، إلا شيئين، أنت وشقيقيك ونفسي، ثم خسرتكم فلم يعد لي سوى نفسي وطلقتي الأخيرة.
  هذا البيت هو نفسي، وأنا لن أسمح لأحد أن يرغمني على خسارة نفسي، دعوني أقابل ربي بربح ما.
   هذه الحديقة بأشجارها وحشائشها هى أنا، هذا البيت هو أنا، طرقاته هى أنا  غرفه هى أنا، حيطانه وسقفه، شرفاته ونوافذه، موضع مقعدي الهزاز، مكان تخزين البصل والثوم، غرفة غسيل الملابس، هذه الأشياء هى أنا، هل فهمت شيئًا الآن؟
  أمد يدي وأمررها برقة على جذع شجرة التمر حنة فتهز أغصانها شاكرة أقول للنخلة: سأرسمك حتى أحبسك في ورقة بيضاء، فتشمخ بأنفها وترد قائلة: لن تستطيع فأنا بنت الصحاري البكر ولدت حرة وكذا سأموت.
  أيتها السيدة الصغيرة، لقد مرت أمي من هنا، وأبي مر من هنا، أسمع همسهما، وأشم رائحتهما، وعندما تهدمون هذا البيت سيموتان، ولن أسمح لأحد بقتل أبي وأمي أمام عيني.
   تريدون حرماني من حديقتي وشرفتي وسريري لكي تصبحوا أثرياء عندما تنقلون سريري وخزانة ملابسي من غرفتي إلى غرفة جديدة لن يكون السرير سريري ولا الخزانة خزانتي. 
   قاطعته: حتى لو تفهمت أسباب رفضك، فأين ذهبت حقوقنا عليك؟
    رد بهدوء: ليس لأحدكم عندي أي حق، لقد تكفلت بكم قدر جهدي حتى بلغتم جميعًا سن الرشد، اعملوا وادخروا وأصبحوا أثرياء ولكن بعيدًا عن  بيت أبي.
    قالت: هل لن تساعدنا؟ 
  ابتسم ابتسامة خفيفة ثم قال: لو ربحت مالًا فسأساعدكم، وستكون مساعدتي من باب التصدق على روح مشاعر كانت وماتت.


     ***


   مرت الأيام ومصطفى يعيش منتشيًا بانتصار مبدأه: كل مشكلة ولها حل، وها هو قد حل مشكلة أولاده بهزيمة خطتهم التي رسمتها لهم المرأة التي تكرهه، نعم خسر أولاده ولكنه لم يخسر نفسه، سيموت عندما تأتي ساعته، ولكن لن يسمح لأحد بأن يقتله.
   تلك النشوة التي تليق برجل غريب الأطوار حالت بينه وبين جلد ظهره على فرص الثراء التي أضاعها، كل ميسر لما خلق له، وهو ليس مخلوقًا لأن يمتطي أحد ظهره.
    يتذكر عندما عمل شهرًا واحدًا في مكتب أستاذ من أساتذته.
   دار نقاش بينه وبين أستاذه، قال فيه الأستاذ: يا أخي فلقت رأسي بحسن فتحي، حسن فتحي هذا هراء وعمارته أكذوبة صحفية.
    يومها رد مصطفى بحسم: الرجل الهراء هو ذلك الرجل الذي كان يقول لتلاميذه: لقد أصبحنا مسخًا عندما تبنينا عمارة الحديد والزجاج، ثم عندما أشاروا بطرف أصغر أصابعهم إليه لبى إشارتهم وراح يجمع تلاميذه ليشاركوه جريمة بناء عمارات الزجاج والحديد.
   لم يحدث أكثر من أن الأستاذ أشار إلى باب الخروج، ثم قال لظهر مصطفى: اذهب إلى المحاسب وخذ حقك، ثم لن أراك في الشارع الذي يقع فيه مكتبي مرة ثانية  ً
   من بعد تلك الواقعة لم يستعن به مكتب هندسي واحد كأنهم جميعًا اتفقوا على طرده من ملكوتهم. 
   قطع رنين هاتفه المحمول حبل ذكرياته التي لم يعد يرى أنها سوداء، تناول  المحمول، نظر إلى شاشته فقرأ اسم ماري صاح بمرح: البرديسي هانم تتصل بعبد الله الفقير إليه مصطفى فوزي، ما الذي حدث في الدنيا؟ 
  ردت من الطرف الآخر: أنت أسخف موهوب عرفته، لكن ما علينا، عندي  لك عرض، وكم أنا حزينة لأنني لم أجد غيرك لينفذه. 
   ضحك وقال: سبحان المعز المذل، قولي عرضك، مع احتفاظي بحقي في التعجب من الحدأة التي ترمي الناس بالكتاكيت. 
  ضحكت وقالت: حدأة في عينك، لسانك أطول من قامتك، اسمعني: دول المتوسط من الاتحاد الأوروبي، إيطاليا وفرنسا، وهذه الدول التي تعرفها قررت إنشاء جائزة لعمارة المتوسط على أن يعبر كل متسابق عن عمارة بلده مع ملمح يشير للإقليم كله، لن يصعب عليك وضع خازوق روماني أو عمود إغريقي في جانب من جوانب مشروعك.
    قاطعها سائلًا: وما علاقتك أنت بهذه القصة كلها؟
   قالت بتأفف: دائمًا أنت هكذا تريد معرفة كل شيء وأين بدأ وكيف انتهى، يا سيدي أنا لي مكتبي، وبعلاقات المكتب عرفت القصة كلها، وعرفت أن أولى دورات انعقاد الجائزة ستكون في القاهرة، من باب تكريم اسم مصر أنت ستتسابق باسم مكتبي، وستفوز، لأنك ـ وهذا أعترف به كأني أتجرع  السم ـ موهوب، ثم لأن مكتبي سيدعمك.
  عادت إليه روح السخافة التي بدأ يعتمدها في حواراته فسألها: مكتبك أم مكتب البرديسي، ثم أنا لم أسمع باسم مكتبك هذا، ثم ما المقابل الذي ستطلبينه مقابل العمل تحت اسمك أو اسم مكتبك؟
   ردت بنبرة غضب: أنت مهندس أم ضابط مباحث؟
  مئة مرة قلت إن الحاج البرديسي لروحه السلام كان يعاملني كما يعامل الأب ابنته، ويرعى موهبتي لوجه الله، تصدق أم لا فهذه مشكلتك، حلها بعيًدا عني، لم تسمع باسم مكتبي لأنه ليس مكتبًا من مكاتب بئر السلم، مكتبي دولي يا زميلي العزيز، أعماله أهم من إعلاناته، نحن نعمل في أوروبا يا أخ، لدى جهات حساسة، عندما تفوز، وأنا قلت لك إنك ستفوز، فلمكتبي ثلث قيمة الجائز، نسيت أن أخبرك بأن صاحب المركز الأول  سيحصل على ثلاثمائة ألف يورو، كم سعر اليورو اليوم؟
    ضحك وقال : أنت الدولية التي تعرفين هذه الأشياء الغامضة.
   ردت: سخيف كعادتك، اليورو اليوم يساوي سبعة عشر جنيهًا وثلاثين قرشًا، لا أظن أنه سيعلو أو يهبط عن هذه القيمة خلال ستة أشهر، يعني نحن نتحدث عن خمسة ملايين ومئة وتسعين ألف جنيه، لي منها ثلثها والباقي لك، الاتحاد الأوروبي سيتحمل الضرائب.
    دفقة أمل لم يجربها منذ زمن نوال ضربته من أخمص قدميه حتى منابت شعره، دفعته لأن يسأل بصوت متشكك: وإن لم أفز بالمركز الأول هل سأخرج من المولد بلا حمص كالعادة؟
  ردت ماري نافدة الصبر: هناك عشر جوائز للعشرة الأوائل، صاحب المركز العاشر سيحصل على خمسين ألفًا، وأنا قلت لك: أنت ستفوز بالمركز الأول، سأنتظرك غًدا في فندق الغزالة لمزيد من الشرح، كن مطمئنًا سأدعوك للغداء والجلسة كلها ستكون على حسابي، سلام.


***

  عندما جلس مصطفى مع ماري في الفندق الشهير سألته: هل يعجبك تصميم الفندق؟
  قال: فندق باسم عربي وبمواصفات أوروبية في قلب القاهرة الحارة المتربة المزدحمة، مشكلتي معكم جميعًا أنكم لا تريدون الاعتراف بأن العمارة هى قلب الأشياء، وعندما يكون القلب معطوبًا  أو غريبًا عن الجسد فلا حديث عن سلامة البنيان.
  قالت باستهانة: أفكارك هذه هى التي جعلتك ما أنت عليه الآن، يا زميلي أنت موهوب بل أعظمنا موهبة ولكنك دفنت نفسك. 
   جملتها أوجعت مصطفى فقرر رد الطعنة فسألها: بأي حق ستحصلين على ثلث الجائزة إن فزت بها؟
  ردت ببساطة: بحق البيزنس يا درش، المسابقة مقصورة على المكاتب فقط، يعني أنك بمفردك لا تستطيع التقدم، ثم مكتبي سيوفر لك الخدمات التي تريدها في تصميمك الذي ستنافس به، اسمع يا مصطفى:الحياة كلها إما بيزنس أو أوهام.
    قاطعها متعجبًا: والمعاني يا ماري؟
    قالت بذات البساطة :المعاني هى أوهام المثقفين أصحابك، البيزنس هو حقيقة العالم الوحيدة إضافة إلى الموت، غير ذلك أوهام.
   شرد مصطفى موبخًا نفسه: عن أي معان تتحدث مع واحدة باعت شبابها لرجل تقول إنه كان يرعاها كما يرعى الأب ابنته؟
   صاحت ماري: نحن هنا، أين ذهبت؟
  رد مصطفى: لماذا لا تقولين لي نكتة، فأنا أعتبر الضحك حقيقة من الحقائق.
   ابتسمت ماري ابتسامة عريضة كشفت لمصطفى أنها قد أنفقت عشرات آلاف الجنيهات لتحصل على أسنان كأسنانها هذه.
   قالت ماري: هى نكتة لن تضحك غيرك، هل تعرف من التي ستنافسك؟
    قال: لا أعرف.
    قالت: حياة عيسى. 
   ما أن نطقت ماري باسم حياة حتى أطلق مصطفى واحدة من ضحكاته التي  تلًابت بوقار الفندق الشهير.
   المضحك أن ماري شاركت بتلقائية مصطفى الضحك حتى أن دموعًا طفرت من عينيها، ثم عندما هدأت نوبة الضحك سألته بصوت متقطع: يقولون إنك تعرف النحو وهذا الكلام، فهل تكرمت وشرحت لي لماذا توقع حياة كتاباتها باسم امرأت شعبان، وليس امرأة كما نكتبها ونعرفها؟
   ضرب مصطفى كفًا بكف ثم قال: هى تريد التميز بأي شيء، قد لا تعرفين أن اسمها الحقيقي هو حياة أحمد خليل العيسوي، هى رأت أن العيسوي لا يتوافق مع رنين اسم حياة، فجعلته عيسى وعندما تزوجت اختارت رجلًا اسمه شعبان، انظروا إلى تواضعي، أنا حياة عيسى تزوجت من شعبان.
   الذين يتحدثون عن الفرق بين امرأة وامرأت قالوا: إن امرأت  تطلق على امرأة مقصودة على وجه التحديد، في القرآن (إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم) 
   قال مصطفى: هل فهمت شيئًا؟
   ردت ماري ضاحكة: وأم النور ولا كلمة.


 ***

...... وغدًا الجزء الأخير

الأحد، 3 مايو 2020

الطلقة الأخيرة (2)





  عاش مصطفى مع المرأة التي ستكرهه سنوات زواجهما الأولى في هدوء يغلفه الرضا، لم يكن مصطفى يطلب أكثر من هذا. ثم حملت زوجته وجاءت له بمنى، التي بمجيئها انهارت معظم السدود التي أقامها مصطفى بينه وبين الناس.
   قال لنفسه وهو يرى تدفقه تجاه طفلته: ابنتي ليست من الناس، إنها المستقبل فإن كنت قد خسرت الماضي ومعه الحاضر فكيف أخسر المستقبل؟
  بعد منى بعام واحد فقط وفي بطن واحد جاء شقيقاها بلال ويحيي، بلال سبق يحيي بخمس دقائق كاملة، جعلته الكبير المطاع! وبمجيئهما انهارت  السدود.
   لقد عاد مصطفى إلى زمنه مع نوال، حيث التعلق بأدق تفاصيل المحبوب، كان إن مرض أحدهم يكاد يجن، كان إذا جاء من عمله يبدأ بمداعبتهم قبل أي شيء.
   لقد أخلى لهم أكبر وأطهر غرف قلبه لكي يقيموا بها إقامة دائمة غير مشروطة.
  عاش مصطفى سنوات اعتصر فيها دماغه لكي يصل إلى تلك النقطة التي بدأ منها نشع كراهية زوجته له يضرب أساس البناء.
   هو لم يكن من الذين يؤمنون بالتبدل الفجائي، هناك نقطة سم سقطت في الكأس ثم تراكمت النقاط حتى فاضت الكأس، كان يسأل نفسه: هل بدأ الأمر في تلك الليلة التي قالت فيها كذا فرددت أنا بكذا؟
   أم بدأ في ذلك الضحى الذي فعلت فيه كذا ففعلت أنا كذا؟
   أين نقطة البداية؟
   بدون تحديدها بصرامة وحسم لن يصل إلى شيء.
  ثم أخيرًا رحمه الله من وعثاء التفكير وهداه لتأمل وقراءة شخصية زوجته.
   المرأة لم تكن طيبة في يوم من الأيام، لطف السنوات الأولى لم يكن لطفًا.  
   كانت سعيدة وهى ترى أحلامها تتحقق، فها قد تزوجت بشاب مرموق ثم ها هي في فترة وجيزة تصبح أمًا لبنت وولدين، سعادتها بتحقيق أحلامها جعلها تبدو لطيفة هادئة راضية، ثم كان افتعال اللطف ضروريًا، فكيف كانت ستسوق له نفسها بدونه؟ 
   أما وقد تحققت الأحلام فقد حان وقت خلع الأقنعة، ظهر له أن المرأة تعاني من  إحساس مقيم راسخ بالضآلة، حاول البحث عن سبب لذلك الإحساس فلم يظفر بشيء، هى ضئيلة وانتهى الأمر. 
  كانت تحاول دفع الضآلة عنها، فبدأت بالتنمر ثم لم تجده نافعًا، فراحت تكتئب، ثم لم تجد الكآبة ترفع لها ذكرًا، فقذفت بنفسها إلى قاع التوحش.
   نامت ثم صحت فوجدته سخيفًا متعاليًا متغطرسًا ماديًا يعبد القرش ويسجد لمنفعته الخاصة، خياليًا، خائبًا، بليدًا، هو بالجملة الشيطان الرجيم، الذي ليس بأرضه ولو بقعة واحدة تصلح لزراعة أي شيء نافع، فكل أرضه نجسة عاقر.

 *** 

   أدرك مصطفى أن تخلصه منها لا يعني سوى حرمانه إلى الأبد من أولاده، فهى متوحشة ولن تقيم وزنًا لشيء أو لأحد، إنها من ذلك الصنف الذي يقطع أنفه ليغيظ جاره.
   ثم أدرك أن حرمانه من أولاده يعني موته البطيء، وهو لا يريد الموت البطيء، إنه يتمنى أن يموت مرة واحدة، دفعة واحدة.
   على ما سبق فقد اعتصم بأمور حياته السرية شديدة العلًنية!
   فهو يقرأ وينهل من أصفى ينابيع المعرفة التي تحتويها كتب مكتبة أسسها هو وأبوه، ثم هو يواصل تعلمه فنون العمارة، كأن أئمة ذلك الفن سيمتحنونه بعد ساعة، لقد وقع في غواية حسن فتحي. 
   كان طالباً عندما كان حسن فتحي في سنواته الأخيرة، لم يسع للقائه، ظنًا منه أن الرجل لن يموت إلا بعد أن يعيش عمر نوح!
  وعندما عرف بخبر رحيله ضربه ألم من ذلك الألم الذي كان يضربه في زمن نوال، اعتذر عن تقصيره في حق المهندس العبقري وراح يتتبع لمساته حتى عرف بين أبناء جيله بأنه أنجب تلاميذ مدرسة حسن فتحي الهندسية.
   لقد نجا مصطفى من فخاخ كراهية زوجته له لأن كل ما كان يفعله كان يفعله بروح ذلك الصوفي الذي يراه الناس يصلي ولكن لا يعرف أحد حقيقة مشاعره وقت صلاته.
    لم يسمح مصطفى لأحد بأن يفسد عليه مشاريعه التي أنفق عليها عمره، مشاريعه تلك تبدأ من عنايته الفائقة بأشجار حديقته اللطيفة وتنتهى برسوماته التي كانت زوجته تؤمن أنها تعاويذ تجلب شياطين الخراب والنكد!

 ***   

  من مأمنه يؤتي الحذر، ولم يكن لمصطفى مأمن سوى أولاده، لقد كشف لهم ظهره ليقينه بأنهم سيحمونه، وعرى لهم صدره ليقينه بأنه سيدافعون عن قلبه، ولكن كان لزوجته رأي آخر، فقد بذرت البذرة وتعهدتها بالعناية والرعاية لسنوات في هدوء وسرية، حتى أصبحت البذرة شجرة سامقة لا يمكن اقتلاعها إلا بتضحيات جسيمة.
   كان من قراءات مصطفى أنه قرأ ذات ليلة أن النمل يتمتع بثلاث صفات.
    أولا :الواقعية والتفكير الجيد في المستقبل؛ حيث إنه يجمع في الصيف غذاء الشتاء.
  ثانيًا: عدم الانسحاب أو الاستسلام أبدا لأن النمل إن حاولنا حجزه في مكان محدد سيبحث عن وسيلة ليخرج من المأزق بتسلق الحاجز أو بالمرور من جوانبه. 
  ثالثًا: التفاني في العمل، مع الحرص على التمسك بالهدوء الكامل، لكي لا يشعر بوجوده أحد.
   لقد كانت زوجته ضئيلة كنملة وقوية كنملة، لقد أخذت منه عياله، كانت تنسج خيوط شباكها خيطًا فخيطًا وعقدة فعقدة في هدوء وحرص، فلم يشعر أبًدا بأن هناك مؤامرة قد وقع في فخاخها.
   لقد دبرت المرأة فأحسنت التدبير وكادت فأحسنت المكيدة، صنعت ذلك على مدار الأيام والليالي والأسابيع والشهور والسنين، وعندما جاءت ساعة الجد، تحطم  كل شيء.




   كان مصطفى جالسًا تحت شجرة نوال، عندما وجد أولاده يتجهون نحوه بمشية عسكرية كانوا يمشونها بقصد إضحاكه، وكان هو يضحك صادقًا من كل قلبه عندما يمشون تلك المشية.
   تحلقوا حوله جالسين على مقاعد البامبو العتيقة التي يحرص الحرص كله على صيانتها فتبدو متماسكة متينة رغم مرور السنوات.
    سألهم مبتسمًا: ماذا تريدون يا عصابة الخير؟ 
    ردت منى: نريد الخير، لنا وللآخرين.
    سألها:عن أي آخرين تتحدثين؟
    رد بلال: حضرتك وماما.
   جاءت المرأة وجلست خلف أولادها ولكن في مواجهة مصطفى بحيث يتمكن من رؤيتها بوضوح تام.
    قالت أم عياله: أنا لا ناقة لي ولا جمل في هذا الموضوع، وما ستتفقون عليه مع أبيكم سأرضى به.
    شعر مصطفى بنمل التوتر يزحف في عروقه فقال: هل ندخل إلى صلب الموضوع مباشرة؟
    رد يحيي بهدوء قاتل: سنبيع البيت.
   
   تدخلت يد القدرة الإلهية لكي لا يسقط مصطفى من فوق مقعده، لقد ضربه الألم الذي سحقه يوم تسلم خطاب نوال.
   هو نفس الألم يهاجم بنفس سيوفه التي سقاها السم حتى ارتوت.
    لقد استنكر صوته وهو يسأل أولاده: أي بيت؟
  ردت منى وكأنها لا تقود جيوش الألم: هذا البيت الذي نسكنه. 
  أحس مصطفى بما لم يحس به على مدار عمره، لقد شعر وكأن أحدهم قرب جمرة متقدة من خديه، نعم الجمرة لم تحرق جلد خديه ولكنه شعر بسخونتها تلفحه، نظر باتجاه زوجته فرأى ابتسامة لعينة تتراقص على  شفتيها.
   كانت تلك الابتسامة هى الجمرة التي كادت تحرق جلد خديه، والتي جعلته يدرك حقيقة الموقف، لقد كانت ابتسامة النصر النهائي.
   كانت ابتسامتها تقول له: كنت تظن نفسك شجرة وتظن أولادك عصافيرها، لا يا زوجي العزيز، لقد ربيتهم أنا على عيني حتى جعلتهم الوحوش الكاسرة، وها أنا أطلقهم عليك، فلترني كيف ستخلص لحمك من بين أنيابهم؟
    ابتسم مصطفى في وجوه أولاده، ابتسامة الذي  يعلم أنه قد هزم، ثم سأل بلالًا: لماذا أنت صامت؟
   رد بلال كأنه لا يذبح أباه: سكت لأن الخطة كلها عندي.
  هز مصطفى رأسه كأنه معجب بكلام ابنه: هل تتكرم بالكشف عن خطتك؟
   قال بلال: بعد بحث ومفاوضات ومساومات ولقاءات، توصلت إلى اتفاق مع المقاول صادق السبع، حضرتك تعرفه طبعًا، سنعطيه كامل مساحة البيت، المباني والحديقة، سيوفر لنا هو شقة من خمس غرف وحمامين ومطبخ كبير، وسيدفع هو إيجارها، ثم سيقوم بهدم البيت، مع إزالة الحديقة طبعًا، ستكون بين يديه قطعة أرض مساحتها الصافية تساوي ثمانمائة متر، سيبني عمارة شاهقة من عشرة طوابق، كل طابق يضم أربع شقق، لك ولماما شقة مساحتها مائتي متر، وثلاث شقق واحدة لكل واحد منا، يعني كلنا سنجتمع في طابق واحد، وبعد أن أزهق روحي من المساومات، قبل أن يحصل لنفسه على أربعة طوابق تكون ملكه يفعل بشققها ما يشاء، الخمسة طوابق المتبقية تكون بيننا وبينه، نؤجر شقق تلك الطوابق ونتقاسم  الإيجار، ولا أظن أن هناك عرضًا أحسن من هذا؟ 
   وكأن صوته يأتي من جوف قبر سأل مصطفى بلالًا: ومتى يبدأ تنفيذ الخطة ومتى تنتهي؟
   رد بلال بثقة: لو حضرتك وقعت معه العقد اليوم سيبدأ غًدا، وهو قال إن العمارة ستكون جاهزة للسكن بعد ثمانية أو تسعة أشهر من يوم توقيع العقد.
   أغمض مصطفى عينيه للحظات حاول خلالها استحضار طيف أبيه، ولكن الطيف لم يأت فمسح على وجهه وقال بهدوء: الخطة عظيمة لا شك في عظمتها ولكن لماذا أبيع بيت أبي؟ 
  هنا لم تتمالك المرأة التي تكرهه نفسها فقالت بصوتها الذكوري المتحشرج من أثر السخط الذي يسكن قلبها: عن أي ماذا تتحدث؟
   صدق الذي قال: الأعمى هو الذي لا يرى من الغربال، ابنتك مخطوبة ولابد من تجهيزها، كيف ستجهزها؟.لا تقل لي: الفرج عند الله.
    وولداك هذان كيف سيواجهان الحياة وليس بين أيديهما لا مال ولا سكن؟
   خطة بلال باركه الله، ستضمن لكل واحد شقة يجري فيها الخيل، ثم سنربح  الكثير من تأجير شقق الطوابق المتبقية، وهذا الكثير سيجعلنا نصعد إلى سطح الدنيا.
   أشار إليها مصطفى بكامل كفه لكي تسكت فسكتت، فقال: كيف سترونني، عندما أقول لكم بملء فمي: لن أبيع بيت أبي؟
  ران الصمت على الجميع للحظات، ثم اندفعت التي تكرهه قائلة: وما الجديد في أنانيتك وغطرستك وعشقك للفقر؟
  رفضك هدم البيت لا يعني سوى أنك تكره أولادك وتقف في وجه مستقبلهم، رفضك لا يعني سوى أنك تفضل هذه الأشجار البائسة التي تملأ حياتنا  بالنمل والحشرات على أولادك، هل تفهم أصلًا معنى كلمة أولاد؟ 
  صدعتنا من كثرة ما قلت: أنا راهب في محراب أولادي، كل حياتك كلام في كلام، ولكن ساعة الجد تخلع قناع الراهب وتظهر وحوش الأنانية التي تجرى في عروقك.
  عاد مصطفى بظهره للخلف ومد ساقيه ثم صفق برتابة وقال للتي تكرهه: الله ! ما أحسنك، أداء مسرحي مبهر يا هانم.
  اعتدل وتأمل عيون أولاده ليعرف موقفهم من كلام أمهم، لقد جاءه اليقين، أولاده موافقون، يا الله ! أهو عند أولاده أناني كذاب عاشق للفقر يفضل الأشجار عليهم؟
   لقد تحطم المعبد، كل الكلام بدون جدوى، كل الصراخ بدون جدوى، كل البكاء بدون جدوى، كل الصمت بدون جدوى، وحدها السخافة يجب أن تتربع على عرش هذا المشهد الجهنمي.
   قال مصطفى موجهًا حديثه لأولاد: لو قلنا إن كل كلام أمكم عني صحيح تمامُا، فهل أشجار حديقة بيت أبي تملأ حياتكم بالنمل وبالحشرات الطائر منها والزاحف؟ 
  سكت الأولاد فواصل مصطفى كلامه قائلًا: لن أصف أمكم بالكذب، لأنها لم تكذب، أنا في عينيها وقلبها كما قالت، وهى تراني كما وصفتني، وفي ختام هذه الجلسة اللطيفة سأقول لكم كلمة واحدة: هذا بيت أبي أنا، وليس بيت أبيكم أنتم، لن أبيع ولن تهدموا بيت أبي إلا إذا حجرتم علي، وأحذركم من أن تقودكم هذه المرأة لتلك الخطوة لأن ردي سيكون مدمرًا.
   بقيت كلمة ثانية، أنا مؤمن بأن بداخلي طلقة وحيدة وأخيرة سأطلقها يوم على رأس كل هذا القبح الذي يحيط بي، لا أريد أن تكون رأس أحدكم مستقرًا لطلقتي.

*** 

  بعد تلك الجلسة اعتمد مصطفى على ظاهره المخادع، إنه رجل طبيعي تمامًا، يعيش حياة طبيعية تمامًا، ليس هناك أي شيء يعكر المزاج أو ينغص الحياة أو ينكد المعيشة، أما في باطنه فقد كانت خناجر الجلسة قد استقرت في قلبه، حاول مرة نزع خنجر منها فكاد الدم أن يتدفق، فترك الخناجر على حالها قائلًا: عندما أموت سيراها حفار القبور وسينتزعها، سيربح كثيرًا عندما يبيعها لأنها من هزائم ذهبية نادرة.
    بعد جلسة الخناجر، لم يحدث جديد مع المرأة التي تكرهه، لقد مات كل تواصل بينهما من زمن بعيد، الجديد كان مع أولاده، يضحك ساخرًا عندما يقفز إلى ذهنه تعبير: أولادنا فلذات أكبادنا تمشي على الأرض.
   ها هم فلذات كبده يقاطعونه، مقاطعة تامة، يتهربون حتى من إلقاء السلام عليه، فإن تعذر على أحدهم التهرب، لم يبادر بإلقاء السلام، ينتظر حتى يلقي أبوه التحية فيغمغم برد غامض، ثم يهرول ليختفي في أول غرفة تصادفه.
   مر شهر على جلسة الخناجر، حاسب فيه مصطفى نفسه أعسر حساب، وخلص إلى أنه قد أخطأ مرتين، مرة في اختيار الحبيبة والأخيرة في اختيار الزوجة.
   ولكن كيف كان سيحسن الاختيار؟ 
   كيف كان سيعرف ما في الغد؟
  لقد مكثت نوال خمس سنوات تسبح بحبه، ثم غدرت في لحظة، ومكثت المرأة التي تكرهه ثلاث سنوات ترتدي قناع اللطف، ثم  أصبحت وحشًا كاسرًا بين عشية وضحاها.
  كان من تمام محاسبة مصطفى لنفسه أن سألها: لماذا أنا تحديًدا الذي يقع في هذه الفخاخ؟ 
  رد على سؤاله قائلًا: اعلم يا مهندس تراخيص الحي الشهير بفساده، أنهم جميعًا لم يحطموا قلاعك، لقد تسربوا إليك من ثغور عيوبك، أنت يا سيد مصطفى مثل الفاكهة ولكنها فاكهة معطوبة، فمن الطبيعي أن يجتمع عليها  الذباب، هناك عيوب ما في شخصيتك تجعلك هدفًا سهلًا لسهامهم، أنت لم تضع يديك بعد على عيوبك، وأغلب الظن أنك لن تضع يديك عليها، فقد  اشتعل رأسك شيبًا، ومضت سنوات تصحيح المسار، فستظل على حالك وسيظلون على حالهم، رفعت الأقلام وجفت الصحف.

 *** 

...........وغدًا جزء جديد 

السبت، 2 مايو 2020

الطلقة الأخيرة

  


يبدو المهندس مصطفى كأنه كتلة من المشاكل والمآزق والأزمات، يخرج من واحدة فيجد أختها تطرق بابه، العجيب في أمره أنه عاش عمره مؤمناً بأن كل مشكلة لها حل، وأن المشكلة التي تجعل صاحبها يقف متأرجحاً بين الموت والحياة صارخ: "أكون أو لا أكون". لم ولن تخلق. 

 *** 

 مصطفى فوزي، مهندس التراخيص في الحي الشهير جدًا بفساده، هبطت على قلبه، بل سحقت كيانه مشكلة. لقد تجاوز ما أهو أشد منها، لكنه الآن يقف مكتوف اليدين وقد تزعزع  إيمانه القديم الذي كان يرعاه ويحنو عليه كأن ذلك الإيمان طفل وهو الأم التي لا تحتمل أن يمس الهواء شعر وحيدها. مصطفي في الخمسين من عمره، يعني ما مضى أكثر مما بقى، متزوج من امرأة تكرهه وتتفنن في تقديم أدلة كرهها له، يعول نفسه والمرأة التي  تكرهه وولدين وبنتاً.
 يحب أن يكون نظيفاً لامعاً مهندماً، وهو لا يبخل على نفسه بالعطور الأصلية، كما ـ وهذه إحدي مشاكله ـ يدمن تدخين السجائر الأجنبية، مصاب بأنواع عديدة من الإدمان، فهو يدمن الشرود، ويدمن الاهتمام بحديقة منزله والرسوم الهندسية والقراءة وسماع الموسيقى، كل هذا، إضافة إلى إدمانه المزمن لتقديم حلول منطقية جًدا لأي مشكلة يطرحها صاحبها عليه! 


***
 ما هى مشكلة مصطفى الكبرى؟ 
  
مشكلته الكبرى، هى تحليه بصورة خارجية تجعله يبدو رجلاً بدون مشاكل، ليس لأنه حلال العقد ولكن لأنه لم يتحدث قط عن واحدة من مشاكله، وتكتمه هذا يعود لسبب يتوافق مع شخصيته.
 إنه يعرف كل ما يمكن أن تطرحه عليه بوصفه حلاً لمشكلته، هو لا يشكك في نيتك، بل يعلم أنك جاد ومخلص وعاقل، ولكنه لن يعمل بحرف من كلامك، ليس كبرا أو غطرسة، ولكن لأن حلولك المنطقية العاقلة لا تتوافق مع شخصية مصطفى! 
ولكي لا يخسرك فهو لن يهمس لك أبًدا: أنا في مشكلة.

 *** 

كان المنطق يحتم أن يبدأ مصطفى رحلته العملية وهو في غاية الاكتئاب والتشكك في كل شيء، فقبل التحاقه بالعمل بشهور، كان قد خسر قلبه.
 خمس سنوات قضاها مصطفى ليس في دراسة الهندسة ولكن في حب نوال، من إعدادي هندسة إلى سنة التخرج والجميع يعلم أن نوال لمصطفى ومصطفى لنوال، كانت أمه وقتها على قيد الحياة وكانت ترسل لعروس الغالي المنتظرة ليس السلامات فقط، ولكن مرة ترسل شالاً من الحرير، ومرة ترسل بلوزة من القطن المصري، وفي مرة أرسلت كيس ممتلئاً بليمون لم ير مصطفى خضرة كخضرته ولم يشم رائحة كرائحته.
 كان الأب عاقلاً ولذا كان متحرراً، كبر ابنه فاتخذه أخاً، في ساعات صفو مزاجه كان الأب يشاكس ولده ويسأله "كيف هى عيون الجو يا درش ؟".
 الجو كلمة غزل قديمة تنتمي لزمن الأستاذ فوزي أستاذ العربي في مدرسة ثانوية مغمورة، والجو هى نوال فلا جو، بل لا أرض سواها، ويوم بثت " الإذاعة مسلسلًا بعنوان "فين عيونك يا نوال؟" أصبح المسلسل وعنوانه رسائل مشفرة بين الولد وأبيه، تضحكهما مرة وتجذبهما مرات للحديث الجاد عن مسئولية الحب وعن نعمه وعن بركاته التي لا يحدها حد.
 إذن كانت قصة مصطفى ونوال شرعية تماماً وعلنية جداً، نعم مصطفى لم يكن يعرف عن نوال سوى أن اسمها نوال عامر علي سعيد، وأنها من مدينة قويسنا، فكثيرا ما انتظر لحظة هبوطها من القطار الصباحي الذي يحمل العمال وطلاب الجامعة.
 كيف هم أهل نوال؟
 هى قالت له: هم ناس طيبون.
 غير طيبة أهلها واسمها الرباعي واسم مدينتها لم يشغل مصطفى نفسه مرة بسؤالها، كما لم تكن هى تتحدث عن نفسها إلا بكلًم عام لا يقدم ولا يؤخر.
  لم يلم مصطفى نفسه مرة لأنه لم يسأل ولم يعرف ولم يكشف عن الجذور، لقد كانت قمره وكانت تغمره بضيائها، فما معنى البحث والتقصي؟

 *** 

يوم إعلان نتيجة البكالوريوس كانا معا في فناء كلية الهندسة بجامعة عين شمس، كانت أقصر منه فكانت تصعد بعينيها إلى حيث وجهه، وكانت تلك النظرة تذيبه وكان صعود عينيها يفتنه بل يفتته ويحيله إلى ذرات من ضوء شفاف نادر.
 يومها سألته بكل دلال عرفته البشرية: ها قد تخرجنا فماذا بعد؟.
 أجابها مصطفى بيقين الأنبياء والمرسلين: غداً الأحد ستكون القاهرة رحيمة، ستصحين مبكراً كعادتك، وسأنتظرك على رصيف القطار، ثم سنذهب إلى بيتنا، سيكون أمي وأبي في انتظارك لمنحك هدايا النجاح، ثم نأكل أحلى ملوخية خضراء من يد أحلى أم في الكون، ثم نهبط معاً إلى حيث شجرة المانجو التي أطلقت عليها اسمك، وتحت ظلها ورائحتها نتفق  على ميعاد أزورك فيه بصحبة أبي وأمي لطلب يدك الكريمة، لا تحسبي حساب شيء فأبي متكفل بكل تكاليف الخطوبة، هل رأيت كم هى سهلة أمورنا؟ عليك الافتخار بحبيبك الذي يهندس كل خطوة يخطوها. 
 في الصباح القاهري الرحيم، وقف مصطفى على الرصيف وجاء القطار لكن نوال لم تهبط منه. 
  
 عشرون يوما مضت ولم يظهر قمره، سأل عنها طوب الأرض وكلاب السكك، ذهب إلى قويسنا، وسأل كل المارة عن نوال عامر علي سعيد التي كانت طالبة في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، البنت التي لها غمازتان، البنت التي لها شعر أسود غزير ناعم لامع، أقصد نوال التي تصعد بعينيها إلى أن تستقر نظراتها على صفحة وجهي، نوال التي .... 
 بعضهم سبوه، آخرون ظنوه مجنوناً، الرحماء قالوا له: أنت تبحث عن إبرة في كومة قش.
 مضت عشرون يوماً على غياب القمر، لم يكن مصطفى يأكل أو يشرب أو ينام أو يصحو أو يمشي أو يجلس أو يتكلم أو يصمت، الحق إنه كان  يسقط، كان يسقط في طبق الطعام أو في كوب الماء، قوة قاهرة كانت تسقطه في الضروريات، لكي يظل على قيد الحياة.
 في اليوم الواحد والعشرين على غياب القمر، دخل عليه أبوه غرفته، رآه ساقطاً في حالة الصحو، أخذه من يده وهبط إلى حيث مجلسهما تحت ظل ورائحة شجرة نوال.
  قال الأب: اسمع يا درش ما لن تسمعه من غيري، أنت ابني الوحيد، ولكن أخلاقك رفعتك إلى مقام الأخوة، أنت أخي يا ولد. 
  بداية أنت أخطأت وقد شاركتك أنا الخطأ عندما اكتفيت بمداعبات وحوارات لا تخص غيرنا، اسمع يا حبيبي: هى نوال عامر علي سعيد، ثم ماذا؟ 
  أنت لا تعرف رقم هاتفها، صدقتها عندما قالت لك: ليس لدينا هاتف.
 أنت لا تعرف عنوانها، ولا تعرف عمل أبيها ولا لقب عائلتها،  يا أخي أنا  الآن متشكك في صحة اسمها ما لم تكن قد رأيته بعينيك في ورق رسمي، لقد غاب عن المهندس عقله الهندسي الذي يحسب المسافات ويقيس الأبعاد.
  كل مشكلة يا ولدي ولها حل، لكن من المروءة ألا يبحث الرجل عن حل لبعض مشاكله، لأن الحل سيكون ملوثاً بأدران المذلة، نستطيع الوصول إلى ضابط في قسم شرطة  قويسنا، وسنقدم له مبررات بحثنا عنها، وسيقتنع عطفاً أو قانوناً، وسيستطيع الضابط بإمكانياته الوصول إليها، وجلبها إلى حيث تجلس، ثم ماذا؟ 
  هل ترضى بحب تحت هراوة البوليس؟
  الحب يا أخي الحبيب هو في كينونته نوع  من الرزق، وأنت لم ترزق حبها، ثم الحب من أوله لآخره ليس له معنى سوى العطاء، فماذا قدمت لك؟ أراهنك بما بقى من عمري أنك قدمت لها كل شيء من قلبك إلى هداياك، بينما هي لم تقدم شيئ يصح الكلام عنه.
 هى طعنة يا ولدي تهد جبلاً ولكن من قال لك: إنك لست أقوى من الجبل.

 *** 



  في اليوم الثاني والعشرين على غيابها كانت لا تزال قمراً بداخل مصطفى، في بقعة ما من قلبه، كانت تشع بهجتها.
  ولكن في ظهيرة ذلك اليوم دخلت عليه أمه غرفته، كان ساقطاً في نومه، أيقظته بلطفها المعهود، جلست على حافة سريره، قالت بصوت مختنق: ليس لي ولأبيك بعد الله سواك، فعاهدني على أن تعود الابن الذي أعرفه قبل قليل تسلمت من البوسطجي خطاباً لك، على غلافه اسمها، خذ الخطاب، اقرأه على مهل، ثم خذ القرار الذي به تحفظ لقلبك شرفه.
 لا قبل تلك الظهيرة، ولا بعدها جرب مصطفى ألماً كالذي سحق قلبه وهو يقرأ كلمات خطابها: "... مصطفى، أكتب لك من أمستردام، حيث كل شيء أجمل من مثيله في مصر  ، هنا الحياة، كما يجب أن تكون، ما علينا، منذ عرفتك وأنا ألفت نظرك إلى عيوبك ولكنك لم تكن تنتبه لكلامي، أنت أناني يا مصطفى، وبخيل، وأنت لا تعرف شيئاً عن الحب، وثقتك بنفسك تساوي صفراً كبيراً، ثم أنت فقير، ثم أنت متكبر قاس غليظ فظ متغطرس، تظن أن حياتك حياة وأن معيشتك معيشة، لقد سافرت لأعيش كما أحب أنا وليس كما يحب لي الآخرون، لن تقع عيناك علي ثانية، وحاول إصلاح عيوبك هذا لو كانت حياتك تهمك". 
  
***

   ما هذا؟ أهو بكل هذه البشاعة؟ متى لفتت نظره إلى عيوبه؟
   في كل مقابلة كانت تقول له وعيناها تصعد إلى وجهه: أنت فوق الإنسانية بشبرين، أنت المسطرة التي أقيس عليها أفعال الآخرين.
   لم تذكر له أبدأ عيباً من تلك العيوب التي ملأت بها رسالتها، كانت تعيب عليه إفراطه في السخاء، كانت تقول له: عيبك أنك تريد أن تصبح من يهب الآخرين أسماكه الملونة.
  أسئلة كأنها الخناجر كانت تمزق بهمجية كل جسده، ثم تتحول الخناجر إلى أحجار صلدة تطحن رأسه، ثم تتحول الأحجار إلى ثعابين تلتف حول عنقه وتغرس أنيابها في قلبه.
 يد قادرة قوية رفعته من فوق سريره، وقادته إلى حيث شجرتها.
 كانت يد أبيه، الرجل عاد من دوامه المدرسي فعرف بخبر الرسالة من زوجته، فلم يمهل نفسه حتى يبدل ملابسه، وقرر فتح كل جراح ولده بل وكيها لكي يخلصه من عذابه.
 بهدوء حاسم قال له أبوه: هات الرسالة يا ولدي.
 أخرج مصطفى الرسالة من جيبه، قدمها لأبيه، جرت عيون الأب على السطور ثم أعاد له الرسالة وثمة ابتسامة عجيبة تتراقص على شفتيه.
  قال الأب: لن أقسم لك بالله، سأقسم لك بعذابك، فأنت الآن لا تؤمن سوى بعذابك، أخشى أن يكون إيمانك قد رفع عنك هذه الأيام.
   لقد كنت متأكدًا أنها ستتصل بك بطريقة ما، وكنت متأكدًا من أنها ستقول عنك ما قالت.
   اسمع يا غالي: أظنك تعرف المثل الذي يتحدث عن العاهرة التي ترميك بعيوبها، استغفر الله ربي، صاحبتك واحدة منهن، حتى وإن كان جسدها لم يمسسه بشر، العهر هناك يا مصطفى في منطقة عميقة من القلب، قد لا يعرف بوجوده سوى مولانا عز وجل، وهى ليست معوجة كغيرها، لقد بلغت الدرك الأسفل من العوج، أفسدت عليك خمس سنوات، ثم تريد أن تدمر ما بقى لك من عمر، كيف يا مصطفى تكون فقيراً، وثقتك بنفسك صفراً، ثم تكون متكبراً قاسياً فظاً غليظاً متغطرساً؟
  الأمر واضح يا ولدي وأخي وضوح شمس الظهيرة، هى تريد تشويش رؤيتك لنفسك، تريد أن تلقي بك فريسة للإحساس بالذنب، ستنجح في تحقيق أهدافها عندما تستسلم أنت لها.
  أخيراً عادت لمصطفى إرادته فاكتشف أنه لا يزال قادراً على الكلام فقال:  لماذا فعلت ما فعلت، كان بمقدورها هجري عبر ألف طريقة غير الطريقة  التي اختارتها؟
 علت علامات الحزن وجه الأب وقال: كلمة لماذا هذه هى أول الخراب، لن تحصل على إجابة، فتظل لماذا هذه تكبر وتتمدد حتى تسد عليك الأفق،   فتنام عليها وتصحو عليها، تلك البنت هى  مصاصة دماء لا أكثر ولا أقل، مصت دمك خمس سنوات، وعندما تأكدت من نفاد ما لديك، بحثت عن آخر تمتص دمه، ثم ستبحث عن ثالث ورابع، وستظل هكذا تتخبط في دماء ضحاياها إلى أن يهلكها الله، فمثلها لا يعرف الشبع أبدًا، ثم يا أخي تسمعهم يقولون: اتق شر من أحسنت إليه.
  عندما تحسن إلى خسيس وضيع فكأنك تطعنه في قلبه، لأن إحسانك يذكره دائمًا بخسته ووضاعته، هو يرى إحسانك بوصفه ذنبًا عظيمًا ترتكبه في حقه فلا يغفره لك أبًدا.         ستسألني: لماذا؟
  يا أخي ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها، إن أعقد شيء في خلق الله هو النفس البشرية، فقم وبارك لنفسك خروجها من حياتك، كانت ستقودك إلى الجنون، ثم يا أخي ألا تخجل من جلوسك كتلميذ بين يدي رجل عجوز يعمل بتدريس اللغة العربية في مدرسة مغمورة؟

  أنا لم أتعلم كما تعلمت، ولم أشاهد كما شاهدت، ولم أسمع كما سمعت، ولم أقرأ كما قرأت، فكيف تسمح لنفسك بأن أنصحك؟
   قم يا درش فاغتسل وتطهر واجعلها تنزلق مع ماء غسلك إلى البلاعة، هذا هو المكان الوحيد الذي يليق بها وتليق به. 

*** 
  
مرت سبع وعشرون سنة على تلك الجلسة، ماتت فيها أمه ولحق بها أبوه وتزوج فيها المرأة التي ستكرهه، ومع كرهها فقد ولدت له بنتًا  وولدين.
 عندما خارت قواه تحت وطأة فشله في إصلاح الأمور بينه وبين زوجته جاءه صوت أبيه: "اسمع يا درش هل قصر نوح ولوط في الإحسان إلى امرأتيهما؟ إنهما من المعصومين  يا ولد، لقد ابتلاهما الله بامرأتين نعوذ بالله من شر الشيطان الرجيم".
  ذهب عنه صوت أبيه فكف عن محاولة الإصلاح وأراح رأسه على جدار الاستسلام.
 لم تفسد قصة نوال علاقاته بالناس، ولكنها صنعت للعلاقة  إطارًا جديدًا لا يمكنه تجاوزه، يقول له أحدهم: "صباح الخير" فيرد "صباح الخير"، بعد نوال لم يرد قط مبتهجًا: "صباح الخير صباح الهناء صباح السرور"، هي  كلمة وردها ، يقول له أحدهم: "خذ" فيرد: "هات".
 نبع التدفق والمبالغات اللطيفة جف بداخله، لم يعد يبادر بالإحسان ولا بالإساءة، أصبح محتميًا بكهف رد الفعل.


 *** 




  عندما حصل مصطفى على شهادة الهندسة قسم عمارة، كانت الحكومة تقوم بتعيين الخريجين، ومع ذلك لم يتقدم من أبناء دفعته للعمل الحكومي سوى قلة لا تكاد تذكر، كان هو من تلك القلة.
  الكثرة سافرت إلى الخليج فور تخرجها، وبعضهم ذهب إلى الشركات والمكاتب الهندسية الخاصة، حيث المال الوفير، والمستقبل اللامع. 
  لماذا قبل بالعمل الحكومي، كان يراهن على أن عمل الحكومة سيتيح له الأمان الوظيفي والهدوء والوقت الذي يجعله يواصل رحلة تعلمه لفنون العمارة.
 رهان عجيب يليق وشخصيته العجيبة، سرعان ما نسفته حقائق الواقع.
 دخل مصطفى إلى مكتبه في الحي الشهير بفساده متسلحًا بتاريخ أبيه الوظيفي، فمن خلال أبيه عرف مصطفى أن الفساد والعمل الرسمي توأم ملتصق لا حياة لأحدهما بدون الآخر.
  إدارة التراخيص كانت أفسد إدارات الحي، يحكم مصطفى اللوائح والقوانين في كل ورقة تعرض عليه، فيرفض أو يقبل بناءً على ما قاله المشرع الحكيم، ثم يفاجأ بأن ما قبله أصبح مرفوضًا، وما رفضه أصبح مقبولاً! 
  كان يهمس لرئيسه المباشر: كيف هذا سيدي الرئيس؟     فيرد رئيسه: لكل عمله، أنت قمت بعملك ورفضت، وغيرك قام بعمله ووافق، إذن ليس هناك مقصر.
 كان مصطفى في تلك الأيام البعيدة يقول لنفسه: نعم ليس هناك مقصر، هنا جريمة تخريب تحدث عن عمد وعن قصد وعن نية مبيتة، اللائحة واحدة، وكذا القانون فلماذا يحضران مع هذا ويغيبان عن ذاك؟
  الجريمة تبدو آثارها واضحة على هيئة ونفوذ وثروات زملاء العمل، المهندسة سناء أصبح لقبها هو الحاجة، تعتمر أكثر من مرة كل عام، وتحج مرة كل عامين وتقرض الناس بالربا الفاحش. 
   أما ماري جرجس فأصبح لا يشار إليها إلا بلقب الهانم.      كانت ماري جارته في حي الوايلي، ولدت هى في شقة من شققه وولد هو في بيت من بيوته.
 ذهبت ماري إلى المعادي، واقتنت سيارة مرسيدس، أما عن ملابسها وحليّها فحدث ولا حرج. 
  
كان مصطفى يبتسم عندما يسمع أحدهم يتحدث عن ماري بوصفها ماري البرديسي!
 أي برديسي! إنها ماري جرجس إسحاق رفيقة طفولته وشبابه وزميلة دفعته، فمن أين جاء البرديسي هذه؟
  ثم تتحول ابتسامة مصطفى إلى ضحكة مريرة عندما يتذكر أن البرديسي هو مختار إبراهيم البرديسي المقاول الشهير الذي تربطه بماري علاقة  جعلتها ترفض كل خاطب حتى أصبح عمرها نصف قرن!
   الباشا أصبح اللقب الرسمي لحاتم الذي يسبق  مصطفى بدفعة واحدة، كان هو يوم عيد لصغار الموظفين وكبارهم، يوم وجود حاتم باشا في المكتب على حد سواء، ففي حقيبته يوجد حل لكل المشاكل، عقد عمل داخلي أو خارجي، قرض حسن، فرصة سفر ولو للتنزه، تأشيرة عمرة أو حج، أين  يعمل حاتم نادر الوجود في المكتب؟
  لا أحد يعلم على وجه القطع واليقين، يقولون: يعمل مع الخلايجة في مصر أو خارجها، ويقولون: يعمل مع جهة غامضة قادرة على جعل التراب ذهبًا، ويقولون: هو لا يعمل، مكتفيًا بقيامه بإنهاء المعقد من الإجراءات لناس لا يجدون وقتًا ولاطاقةً للسعي خلف أوراق تتوه عن عمد في دهاليز إدارات الحكومة.
  كل تلك التطورات حدثت في أول خمس سنوات من تاريخ عمل مصطفى وتلك التطورات رصدها بدقة وحفرها على جدران ذاكرته لكى لا تضيع منه بفعل مرور الزمان.
 بعد سنوات الرصد تلك، كف عن رصد أي شيء، فلم يعد هناك جديد، لقد أصبحت تضاريس خريطة المكان بقممه وسفوحه وتعقد طرقاته وغموض أوديتهم أوضح من أن يعتني بها واحد مثله.
 كانت المعادلة بسيطة جًدا ولكنها في غاية الحسم، كن فاسًدا تربح متع الدنيا، كن شريفًا وعش حياة تبدو كالحياة.

  ***

..... وإلى الجزء الثاني 

الاثنين، 13 أبريل 2020

عندما يتعلق الأمر بحياتى.. فليذهب مطبخك إلى الجحيم



يأكل المصريون الفول والطعمية والكشرى وأمعاء الأبقار وأطرافها، لكن بعد تنظيفها تنظيفا جيدًا ، وبعد طهوها جيدًا.
الأكلات المصرية يستهجنها بعضهم، لكن لا يجرؤ أحدهم على أن يقول إن هذه الأطعمة تسبب ضررًا لصحة الذى يأكلها أو لمن يخالطه، الاستهجان قادم غالبًا من منطقة الذائقة أو الاستكبار، فقد روى العالم الجليل الدكتور خليل حسن خليل فى سيرته الذاتية «الوسية» فقال «عندما كنت فى طريقى إلى لندن فى أواخر الأربعينيات لدراسة الدكتوراه، صاحبت على متن السفينة فتاة أوروبية ، ولكى نهون الطريق علينا توافقنا على أن يحدث كل منا صاحبه عن عادات وتقاليد بلاده، وعندما حدثتها عن المطبخ المصرى ذاكرًا الفول بوصفه الطبق الرئيسى لدى المصريين، قالت متعجبة: ولكن هذا طعام الحيوانات!».
هذه فتاة أوروبية تتحدث مع شاب مصرى أسمر البشرة وبلده محتل، فمن الطبيعى أن يقودها استكبارها إلى التفوه بجملة غير لائقة بالمرة، ثم هناك أشقاء عرب لا يستكبرون لكنهم لا يتذوقون الفول المصرى الشهير والعظيم.

وما بين الذائقة وخصوصيتها والاستكبار وجرائمه، هناك تعصب حاد تصاب به الشعوب تجاه أطعمتها، فكل شعب يدافع عن مطبخه وكأنه قدس الأقداس.
رأس القرد
هذا التعصب مفهوم وله ما يبرره، ولكن جد جديد يجعلنا جميعا (أعنى بنى الإنسان)، أمام اختيار صفرى، إما أن نكون أولا لا نكون.
هناك ما يشبه الإجماع الطبى على أن بعض المأكولات تأتى بالفيروسات، وعلى ذلك يصبح من العبث التعصب للمطبخ الوطنى، ويصبح من العبث الحديث عن حرية الأكل أو ثقافته، فلك أن تأكل ما تشاء بشرط ألا يتسبب طعامك فى كارثة لك وللآخرين الذين يخالطونك.
قبل عشرين عاما كتب الأديب الدكتور محمد المنسى قنديل قصة قصيرة بعنوان «ليدى هوم»، فى تلك القصة مشهد لحفل عشاء يحضره ثرى فى مطعم فخم، ويصف بطل القصة المشهد فيقول: «فى ركن من أركان المطعم كانت هناك منضدة مقسمة إلى قسمين، لاحظ بطل القصة أن عاملًا بالمطعم قد حمل قردًا صغيرًا، ووضعه بين قسمى المنضدة، وقرّب المسافة بين القسمين بحيث توارى جسد القرد وبقيت رأسه فقط هى الظاهرة، ثم شحذ سكينًا، وبضربة واحدة كشط رأس القرد فظهر مخه، كان القرد يصرخ صرخات ملتاعة، يأتى عامل آخر وينكب على مخ القرد الظاهر وبملقاط معدنى ينتزع المخ من مكانه ويضعه على طبق يزينه بالبقدوس والسرخس وفصوص الليمون، ويقدم الطبق للثرى لكى يلتهمه.
الثرى لم يكن جائعًا، ولم يكن هذا الطعام العجيب، ولن نقول المقزز، من مألوف طعامه، الثرى كان يبحث عن مقويات لفحولته»!
قد يعترض أحدهم على هذا المشهد المؤلم ويقول: هذا مشهد من قصة لا يمكن أن يحدث على أرض الواقع، وللحق هو مشهد من قصة، لكن المنسى قنديل كان رحالة فى زمن عمله بمجلة العربى الكويتية وقد جاب أرجاء العالم، والذى لديه أدنى بصيرة بفنون القص سيدرك أن المشهد حقيقى وهو رؤية شاهد عيان نقلها إلى أرض القص تخلصًا من ثقلها على النفوس الطبيعية.
عن عمد لم أذكر اسم المدينة ولا الدولة التى جرى على أرضها هذا المشهد، فنحن لا نريد التنابز بالأكلات، نريد فقط التحذير من هذا الجشع والشره، فرجل يبحث عن المزيد من الفحولة يأكل مخ قرد بدون حتى طهوه، فهل مخ القرد هذا ليس به من الفيروسات بل والأوبئة ما به؟! فماذا سيحدث للثرى عندما تنتقل إليه فيروسات مخ القرد؟ ولو كان هو فقط الذى سيصاب لجاز لنا أن نقول: لقد ذاق وبال أمره، لكن المشكلة الآن أن المصاب ينقل العدوى للسليم المعافى البرىء.

حمام جماعى
الحمام هو الحمام بخصوصيته الشديدة جدًا، ونحن لن نتحدث من منظر دينى ونتكلم عن حرمة كشف العورات، فلكلٍ دينه وهو به معجب، كما لن نتحدث عن أبسط قواعد الذوق واللباقة التى تحتم أن يكون الإنسان منفردًا عندما يقضى حاجته.
نحن سنتحدث عن القواعد الصحية، ولنقرأ معا شهادة نشرتها الكاتبة الصحفية سارة علام على حسابها بموقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك، كنت أود لو نقلت الشهادة بنصها ولكن رأيت صياغتها بالفصحى، كتبت سارة: «كنت فى زيارة لدولة شهيرة جدًا، وكان فى برنامج الزيارة رؤية قرية قامت بتطبيق الانتقال من الزراعة للتصنيع وتطور المجتمع الريفى، دخلنا القرية بعد سفر قطعناه بقطار فائق السرعة وفائق النظافة، فجأة أردتُ استخدام الحمام، فقال لى مرافقي: تفضلى.. ذهبت إلى حيث أشار فرأيت العجب العجاب، لقد رأيت عشرين حماما (بلديًا) فى قاعة متسعة، وليس هناك فاصل أو حاجز من أى نوع بين كل حمام وآخر! والناس يقضون حاجتهم فى حشد جماعى، كاد يصيبنى بالجنون.
قال مرافقى عندما رأى نفورى: هذه عادات الناس هنا!
ردت عليه سارة: وما ذنبى أنا فى عادات غير صحية بالمرة؟!».

ظلت الكاتبة تعانى مشكلتها إلى أن خرج الناس من الحمام فقامت بغلق باب القاعة الرئيسى لكى تنفرد بنفسها، وظل الناس واقفين أمام الباب الرئيسى ينتظرون دورهم.
هل الحمامات هى التربة الخصبة لكافة أنواع الحشرات والجراثيم والفيروسات، نعم أم لا؟.
 الطب يقول نعم، فإذا كان الطب يشدد على نظافة البدن فهو أشد تشديدًا على نظافة الأماكن العامة، خاصة الحمامات، فلا معنى لأى اعتراض على هذا السلوك المنفر بزعم مراعاة تقاليد الشعوب.
ومن شهادة سارة علام أذهب إلى شهادة نشرتها الكاتبة الصحفية نرمين يسر وجاء فيها: «كنت مدعوة لحفل عشاء فى مطعم شهير مع صديقتى وزوجها ووالد الزوج الذى تجاوز عمره التسعين عاما، لكنه يحتفظ بصحة طيبة، ومر نادل يمسك بيده ثعبانًا مثقوب الرقبة ودمه ينزف، يضع النادل كوبًا لجمع دم الثعبان ثم يقدمه لرواد مطعمه، رأيت صديقتى تجرع الكوب فيحمّر وجهها، وكانت المفاجأة أن صديقتى التى كنت أظنها فى مثل الثلاثينات من عمرها إذ هى فى الستين من عمرها!
مرة ثانية ما معنى بحث الإنسان عن مجدد لشبابه على حساب صحته وصحة المخالطين له؟ هل دم الثعبان لا يحمل شيئا قد يدمر صحة الإنسان؟ الثعبان فى حد ذاته كائن سام، فكيف سيكون دمه؟!
نواصل مع شهادة نرمين التى تقول: «كنت فى دولة من الدول، وأكلت مرة شيئا جعل كل جسمى ينتفخ، فذهبت فورًا إلى المستشفى وهناك عرفت أن الذى أكلته كان غرابًا»!
الخنزير حرام!
ومن نرمين نعود إلى سارة علام التى قالت: «فى دولة من الدول كانت الأطباق الرئيسية التى تقدم لنا تضم ما يلى: الأخطبوط، الضفادع، لحوم الخيول، طحالب لزجة، وكائنات أخرى لم أسأل عنها، وفى لحظة ما كنت أشرب شوربة أعجبتنى، فهمست للمترجمة التى ترافقنى وسألتها: ما نوع البهارات المستخدمة فى هذه الشوربة؟.
 فردت المترجمة علىّ بعربية تشبه لغة الروبوت، وقالت إنه الدود المقلى الغنى بالبروتين.
تختم سارة شاهدتها قائلة: «المضحك، أنه فى آخر أيام الزيارة قدموا لنا لحم الخنزير ثم تنبهوا إلى أننا من المسلمين، وديننا يحرم علينا لحم الخنزير».
وبعدُ فلو شئتُ جمع مئة شهادة ما عجزت، لكن لأن الأمر ليس أمر جمع شهادات، كما أنه لم يعد أمر ذائقة وتقاليد شعوب، فما قدمته يكفى لدق أجراس الخطر، فتلك الكائنات ليست مخلوقة للأكل، فبعضها سام بطبيعة خلقته وكلها تحمل من الجراثيم والفيروسات ما تحمل، وقد ثبت علميا انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى الإنسان ثم انتقالها من الإنسان إلى مخالطيه، وعملية الانتقال هذه نعيش نتائجها الآن، فيجب علينا أن نقف وقفة حازمة صارمة ضد هذه الأمزجة التى تعلى نشوتها اللحظية على مصير البشرية، فعندما يتعلق الأمر بصحتى فلن أسمح لك بأن تحدثنى عن عراقة مطبخك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة / السبت 11أبريل 2020