الاثنين، 13 أبريل 2020

عندما يتعلق الأمر بحياتى.. فليذهب مطبخك إلى الجحيم



يأكل المصريون الفول والطعمية والكشرى وأمعاء الأبقار وأطرافها، لكن بعد تنظيفها تنظيفا جيدًا ، وبعد طهوها جيدًا.
الأكلات المصرية يستهجنها بعضهم، لكن لا يجرؤ أحدهم على أن يقول إن هذه الأطعمة تسبب ضررًا لصحة الذى يأكلها أو لمن يخالطه، الاستهجان قادم غالبًا من منطقة الذائقة أو الاستكبار، فقد روى العالم الجليل الدكتور خليل حسن خليل فى سيرته الذاتية «الوسية» فقال «عندما كنت فى طريقى إلى لندن فى أواخر الأربعينيات لدراسة الدكتوراه، صاحبت على متن السفينة فتاة أوروبية ، ولكى نهون الطريق علينا توافقنا على أن يحدث كل منا صاحبه عن عادات وتقاليد بلاده، وعندما حدثتها عن المطبخ المصرى ذاكرًا الفول بوصفه الطبق الرئيسى لدى المصريين، قالت متعجبة: ولكن هذا طعام الحيوانات!».
هذه فتاة أوروبية تتحدث مع شاب مصرى أسمر البشرة وبلده محتل، فمن الطبيعى أن يقودها استكبارها إلى التفوه بجملة غير لائقة بالمرة، ثم هناك أشقاء عرب لا يستكبرون لكنهم لا يتذوقون الفول المصرى الشهير والعظيم.

وما بين الذائقة وخصوصيتها والاستكبار وجرائمه، هناك تعصب حاد تصاب به الشعوب تجاه أطعمتها، فكل شعب يدافع عن مطبخه وكأنه قدس الأقداس.
رأس القرد
هذا التعصب مفهوم وله ما يبرره، ولكن جد جديد يجعلنا جميعا (أعنى بنى الإنسان)، أمام اختيار صفرى، إما أن نكون أولا لا نكون.
هناك ما يشبه الإجماع الطبى على أن بعض المأكولات تأتى بالفيروسات، وعلى ذلك يصبح من العبث التعصب للمطبخ الوطنى، ويصبح من العبث الحديث عن حرية الأكل أو ثقافته، فلك أن تأكل ما تشاء بشرط ألا يتسبب طعامك فى كارثة لك وللآخرين الذين يخالطونك.
قبل عشرين عاما كتب الأديب الدكتور محمد المنسى قنديل قصة قصيرة بعنوان «ليدى هوم»، فى تلك القصة مشهد لحفل عشاء يحضره ثرى فى مطعم فخم، ويصف بطل القصة المشهد فيقول: «فى ركن من أركان المطعم كانت هناك منضدة مقسمة إلى قسمين، لاحظ بطل القصة أن عاملًا بالمطعم قد حمل قردًا صغيرًا، ووضعه بين قسمى المنضدة، وقرّب المسافة بين القسمين بحيث توارى جسد القرد وبقيت رأسه فقط هى الظاهرة، ثم شحذ سكينًا، وبضربة واحدة كشط رأس القرد فظهر مخه، كان القرد يصرخ صرخات ملتاعة، يأتى عامل آخر وينكب على مخ القرد الظاهر وبملقاط معدنى ينتزع المخ من مكانه ويضعه على طبق يزينه بالبقدوس والسرخس وفصوص الليمون، ويقدم الطبق للثرى لكى يلتهمه.
الثرى لم يكن جائعًا، ولم يكن هذا الطعام العجيب، ولن نقول المقزز، من مألوف طعامه، الثرى كان يبحث عن مقويات لفحولته»!
قد يعترض أحدهم على هذا المشهد المؤلم ويقول: هذا مشهد من قصة لا يمكن أن يحدث على أرض الواقع، وللحق هو مشهد من قصة، لكن المنسى قنديل كان رحالة فى زمن عمله بمجلة العربى الكويتية وقد جاب أرجاء العالم، والذى لديه أدنى بصيرة بفنون القص سيدرك أن المشهد حقيقى وهو رؤية شاهد عيان نقلها إلى أرض القص تخلصًا من ثقلها على النفوس الطبيعية.
عن عمد لم أذكر اسم المدينة ولا الدولة التى جرى على أرضها هذا المشهد، فنحن لا نريد التنابز بالأكلات، نريد فقط التحذير من هذا الجشع والشره، فرجل يبحث عن المزيد من الفحولة يأكل مخ قرد بدون حتى طهوه، فهل مخ القرد هذا ليس به من الفيروسات بل والأوبئة ما به؟! فماذا سيحدث للثرى عندما تنتقل إليه فيروسات مخ القرد؟ ولو كان هو فقط الذى سيصاب لجاز لنا أن نقول: لقد ذاق وبال أمره، لكن المشكلة الآن أن المصاب ينقل العدوى للسليم المعافى البرىء.

حمام جماعى
الحمام هو الحمام بخصوصيته الشديدة جدًا، ونحن لن نتحدث من منظر دينى ونتكلم عن حرمة كشف العورات، فلكلٍ دينه وهو به معجب، كما لن نتحدث عن أبسط قواعد الذوق واللباقة التى تحتم أن يكون الإنسان منفردًا عندما يقضى حاجته.
نحن سنتحدث عن القواعد الصحية، ولنقرأ معا شهادة نشرتها الكاتبة الصحفية سارة علام على حسابها بموقع التواصل الاجتماعى الفيس بوك، كنت أود لو نقلت الشهادة بنصها ولكن رأيت صياغتها بالفصحى، كتبت سارة: «كنت فى زيارة لدولة شهيرة جدًا، وكان فى برنامج الزيارة رؤية قرية قامت بتطبيق الانتقال من الزراعة للتصنيع وتطور المجتمع الريفى، دخلنا القرية بعد سفر قطعناه بقطار فائق السرعة وفائق النظافة، فجأة أردتُ استخدام الحمام، فقال لى مرافقي: تفضلى.. ذهبت إلى حيث أشار فرأيت العجب العجاب، لقد رأيت عشرين حماما (بلديًا) فى قاعة متسعة، وليس هناك فاصل أو حاجز من أى نوع بين كل حمام وآخر! والناس يقضون حاجتهم فى حشد جماعى، كاد يصيبنى بالجنون.
قال مرافقى عندما رأى نفورى: هذه عادات الناس هنا!
ردت عليه سارة: وما ذنبى أنا فى عادات غير صحية بالمرة؟!».

ظلت الكاتبة تعانى مشكلتها إلى أن خرج الناس من الحمام فقامت بغلق باب القاعة الرئيسى لكى تنفرد بنفسها، وظل الناس واقفين أمام الباب الرئيسى ينتظرون دورهم.
هل الحمامات هى التربة الخصبة لكافة أنواع الحشرات والجراثيم والفيروسات، نعم أم لا؟.
 الطب يقول نعم، فإذا كان الطب يشدد على نظافة البدن فهو أشد تشديدًا على نظافة الأماكن العامة، خاصة الحمامات، فلا معنى لأى اعتراض على هذا السلوك المنفر بزعم مراعاة تقاليد الشعوب.
ومن شهادة سارة علام أذهب إلى شهادة نشرتها الكاتبة الصحفية نرمين يسر وجاء فيها: «كنت مدعوة لحفل عشاء فى مطعم شهير مع صديقتى وزوجها ووالد الزوج الذى تجاوز عمره التسعين عاما، لكنه يحتفظ بصحة طيبة، ومر نادل يمسك بيده ثعبانًا مثقوب الرقبة ودمه ينزف، يضع النادل كوبًا لجمع دم الثعبان ثم يقدمه لرواد مطعمه، رأيت صديقتى تجرع الكوب فيحمّر وجهها، وكانت المفاجأة أن صديقتى التى كنت أظنها فى مثل الثلاثينات من عمرها إذ هى فى الستين من عمرها!
مرة ثانية ما معنى بحث الإنسان عن مجدد لشبابه على حساب صحته وصحة المخالطين له؟ هل دم الثعبان لا يحمل شيئا قد يدمر صحة الإنسان؟ الثعبان فى حد ذاته كائن سام، فكيف سيكون دمه؟!
نواصل مع شهادة نرمين التى تقول: «كنت فى دولة من الدول، وأكلت مرة شيئا جعل كل جسمى ينتفخ، فذهبت فورًا إلى المستشفى وهناك عرفت أن الذى أكلته كان غرابًا»!
الخنزير حرام!
ومن نرمين نعود إلى سارة علام التى قالت: «فى دولة من الدول كانت الأطباق الرئيسية التى تقدم لنا تضم ما يلى: الأخطبوط، الضفادع، لحوم الخيول، طحالب لزجة، وكائنات أخرى لم أسأل عنها، وفى لحظة ما كنت أشرب شوربة أعجبتنى، فهمست للمترجمة التى ترافقنى وسألتها: ما نوع البهارات المستخدمة فى هذه الشوربة؟.
 فردت المترجمة علىّ بعربية تشبه لغة الروبوت، وقالت إنه الدود المقلى الغنى بالبروتين.
تختم سارة شاهدتها قائلة: «المضحك، أنه فى آخر أيام الزيارة قدموا لنا لحم الخنزير ثم تنبهوا إلى أننا من المسلمين، وديننا يحرم علينا لحم الخنزير».
وبعدُ فلو شئتُ جمع مئة شهادة ما عجزت، لكن لأن الأمر ليس أمر جمع شهادات، كما أنه لم يعد أمر ذائقة وتقاليد شعوب، فما قدمته يكفى لدق أجراس الخطر، فتلك الكائنات ليست مخلوقة للأكل، فبعضها سام بطبيعة خلقته وكلها تحمل من الجراثيم والفيروسات ما تحمل، وقد ثبت علميا انتقال الفيروسات من الحيوانات إلى الإنسان ثم انتقالها من الإنسان إلى مخالطيه، وعملية الانتقال هذه نعيش نتائجها الآن، فيجب علينا أن نقف وقفة حازمة صارمة ضد هذه الأمزجة التى تعلى نشوتها اللحظية على مصير البشرية، فعندما يتعلق الأمر بصحتى فلن أسمح لك بأن تحدثنى عن عراقة مطبخك.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة / السبت 11أبريل 2020

الأحد، 23 فبراير 2020

هل ينام لاعب كرة القدم المصري؟



فى البدء كانت لعبة كرة القدم لعبة شأن غيرها، يُراد بها الترفيه والمتعة الخالية من الحسابات المعقدة، ولكن ابن آدم مفطور على تعقيد البسيط وخلق ألف مشكلة لكل حل، فتدخل وفق حساباته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وجعل من لعبة كرة القدم، صناعة ثقيلة مثل صناعة الأسلحة المعقدة.
انظر إلى علم دولة البرازيل، ستجد علامته البارزة هى كرة القدم، والبرازيل ليست دولة عابرة، إنها دولة كبرى، مساحتها تزيد على الثمانية ملايين كيلو متر مربع، وعدد سكانها تجاوز المائتى مليون نسمة، واقتصادها يُعد سابع أقوى اقتصاد على مستوى العالم، لكنها عندما تأكدت من مكانة لعبة كرة القدم، خارجيًا ومحليًا، وضعتها فى قلب علمها الوطنى، والأمر ليس أمر شغف بالكرة، أو رد جميل لمتعتها، إنه فى البرازيل أصبح أمر صناعة ثقيلة، يشترك المجتمع كله تحت رعاية الدولة فى الاستثمار فيها، وغير البرازيل سنجد دولة عريقة مثل إسبانيا كانت شيئًا قبل أن تقام على أرضها بطولة كأس العالم فى كرة القدم، ثم أصبحت شيئًا مختلفًا بعد البطولة، وكذا كان حال الأرجنتين وغيرها من الدول.
ونحن فى مصر نمارس اللعبة منذ أجيال، وننفق عليها مليارات الجنيهات سنويًا، ثم ـ وهذا مضحك جدًاـ ما زلنا نتعامل معها كأنها لعبة للترفيه أو «لفش» الغل أو لإطلاق العنان للمناكفات بين جماهير الزمالك والأهلى، وليست صناعة معقدة تحتاج إلى نظام صارم، شأن أى صناعة .
اللاعب الماهر القديم السيد الضظوى، الذى لعب للمصرى البورسعيدى وللأهلى، ظهر فى أحد برامج التليفزيون قبيل رحيله فى بدايات التسعينيات، فقال من واقع خبرته العريضة: إن الأمر عندنا أمر تهريج وهزل لا جد فيه، ووضع الرجل الخبير خطة علاج مشاكل كرة القدم المصرية، فقال: إن الحل يبدأ من اللاعب نفسه، اللاعب المصرى لا ينام، فهو يدخل غرفة نومه فى العاشرة صباحًا بعد أن يسهر الليل كله فى أماكن ليست فوق مستوى الشبهات، ويصحو قبيل المران الذى يكون عصرًا، يصحو وهو متهالك، فيذهب إلى ساحة التدريب وهو مرهق ولا طاقة له على القيام بواجباته، ولأن الأمر هزل لا جد، يغض المدرب بصره عن اللاعب، وتحدث عمليات تواطؤ معقدة بين جميع الأطراف، وكل واحد يسكت عن مخالفات الآخر، ليربح الجميع ولا يخسر سوى الجمهور والدولة راعية اللعبة.
وواصل الضظوى فقال: على اللاعب أن ينام مبكرًا، وينام ليلًا وليس نهارًا، ثم يأكل جيدًا، ويكون طعامه تحت إشراف طبيب متخصص، ثم يتمرن جدًا، وينفذ أوامر مدربه، فلو التزم بهذه الخريطة سيكون له شأن آخر.
عندما تشاهد لاعبينا وهم يجرون أقدامهم جرًا، ستتأكد أن وصايا الضظوى لم يلتزم بها أحد، وما يقال عن ضغط المباريات وعن الإمكانيات الجسدية للاعب المصرى، هو محض هراء وشماعة يعلق عليها الفاشلون فشلهم، فأمامنا مصرى مثل محمد صلاح، الذى يشبهنا فى كل شىء، وظنى أنه قد مارس السباحة فى ترع بلدهم، ولكنه عندما اختار العيش فى سياق منضبط جاد، ألتزم بكل قواعد ذلك السياق الجاد، فأصبح أحد العالميين الذين يتنافسون على كبريات الجوائز، صلاح يلعب لفريقه فى جميع البطولات التى يخوضها، ثم يلعب كل مباريات المنتخب الوطنى المصرى، وهذا يعنى أن عدد المباريات التى يشارك فيها أكبر بكثير من عدد مباريات زميله المقيم فى مصر، ولكن صلاح يسابق الريح ولم نسمعه يومًا يشكو من ضغط المباريات وذلك لأنه ينام جيدًا، فمتى يقلده زميله المصرى، ويعترف بأن النوم فضيلة عظمى؟.

السبت، 1 فبراير 2020

أبو الطفيل .. نكبة العمر المديد




ما الحياة عندما تفقد كل أحبتك ؟
ما الحياة عندما تولد في أعظم الأيام وتحقق أخطر الأحلام ثم يمتد بك العمر فترى بعينيك كل بناء شيدته وقد تحطم كأنه لوح زجاج؟.
بأي قلب ستواصل الحياة وأنت ترى كل أحلامك وقد أصبحت هباءً منثورًا ؟.
لكي تظل تتنفس وتأكل وتشرب وتنام لابد وأن تكون رجلًا كأبي الطفيل .
كان أبو الطفيل واحدًا من صحابة رسولنا الكريم ،عليهم جميعًا الرضوان ، ولكنه عاش حياة لم يعشها غيره ، لقد أختبره الله بالعمر المديد و الألم الشديد والشعر الوفير ، وما أصعبه من اختبار وما أقساه من امتحان .
وفق أغلب التراجم فأبو الطفيل هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش بن جري بن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن علي بن كنانة اللّيثي المكّي .
ولد أبو الطفيل في العام الهجري الثالث ، وهو ذلك العام الذي كانت فيه  غزوة أحد .
أبو الطفيل مكيّ النسب ، فمتى هاجر أبوه إلى المدينة ؟
بل مَنْ هو والد أبي الطفيل ومَنْ هى أمه ؟ .
بحثت فلم أجد إجابة غير نسب الرجل وشيئًا يسيرًا عن طفولته ذكره هو بلسانه عندما قال :" أَدركت من حياة النبي صَلَّى الله عليه وسلم ثمان سنين، ورأَيت النبي يُقَسِّم لحمًا بالجِعْرانة، فجاءَت امرأَة فبسط لها رداءَه، فقلت: من هذه؟.
 قالوا: أُمُّه التي أَرضعته.
غير تلك الجملة لم أجد شيئًا ، نعم هى جملة خطيرة لأنها تقطع بصحبة أبي الطفيل للرسول ولكنها لا تكشف عن تفاصيل طفولته.
عندما قبض رسولنا الكريم كان أبو الطفيل في سن الطفولة ، فمن الطبيعي ألا يكون قد شارك في معركة من معاركه صلى الله عليه وسلم ، ومن الطبيعي أيضًا أن تكون قد وصلته أخبار الانتصارات المدوية في الخندق وخيبر وفتح مكة وحنين وغيرها من المعارك التي خاضها جيش الإسلام تحت قيادة الرسول .
نحن يستولي علينا حنين جارف  لزمن نصرنا في العاشر من رمضان فكيف كان حنين أبي الطفيل لزمن انتصارات الرسول ؟.
عاش أبو الطفيل زمن حكم أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب و  الحسن بن علي .
ثم جاء زمن حكم بني أمية فعاش أبو الطفيل تحت حكم معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومعاوية بن يزيد ( معاوية الثاني )
ومروان بن الحكم وعبد الملك بن مروان  و الوليد بن عبد الملك 
وسليمان بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز   ويزيد بن عبد الملك وأخيرًا هشام بن عبد الملك الذي حكم من العام 105 هجرية إلى العام      125 هجرية ، وقد كان موت أبي الطفيل حسب أغلب الروايات في العام 110 هجرية ، أي في زمن هشام بن عبد الملك. لقد تعمدتُ ذكر قائمة الحكام لأنك إن تأملتها ستكتشف معاناة هذا الصحابي الجليل .
الرجل عاش زمن العدل البشري المطلق تحت حكم رسولنا الكريم ثم هو نفسه عاش زمن يزيد بن معاوية قاتل الحسين !
الرجل عاش زمن عدل الفاروق والانتصارات على الفرس ورخاء المدينة المنورة ، ثم عاش الزمن الذي استباحت فيه جيوش يزيد المدينة ، وفشا اغتصاب الحرائر اللاتي كن بنات الصحابة أو حفيداتهم !
الرجل رأى الحسن الحسين طفلين يدللهما سيد الخلق حتى أنه كان يحملهما على ظهره وهو يصلي ،  ، ثم جاءه خبر موت الحسن مسمومًا وموت الحسين مقطوع الرأس !
وفق هذه الحوادث التي عاشها حق له وهو الشاعر الأصيل المطبوع أن يصرخ : وما شاب رأسي من سنين تتابعت /  عليّ ولكن شيبتني الوقائع .
لا يذكر المؤرخون شيئًا عن عامر المعروف بكنيته " أبو الطفيل " في زمن الرسول والخلفاء حتى مجيء زمن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه .
هنا يجمع المؤرخون على محبة أبي الطفيل لعليّ وكيف حضر معه كل معاركه بل كان حاملًا لرايته في معارك حاسمة .
وفي معركة من معارك الإمام التي شهدها أبو الطفيل ، خطب أبو الطفيل بين يدي عليّ قائلًا :" يا أمير المؤمنين إنك أنبأتنا إن أشرف القتل الشهادة وأحظى الأمر الصبر، وقد والله صبرنا حتى أصبنا، فقتيلنا شهيد وحيّنا ثائر، فاطلب بمن بقي ثأر من مضى، فإنا وإن كان قد ذهب صفونا وبقي كدرنا فإن لنا ديناً لا يميل به الهوى ويقيناً لا تزحمه الشبهة ".
ثم ينشد من شعره في مناسبة من المناسبات
أشهد بالله وآلائه / وآل ياسين وآل الزمر
إن علي بن أبي طالب / بعد رسول الله خير البشر
لو يسمعوا قول نبي الهدى / من حاد عن حب علي كفر .
ثم لقي الإمام عليّ ربه شهيدًا ، وحكم ابنه الحسن فترة قصيرة ، اختفى فيها ذكر أبي الطفيل ، فلما جاء معاوية حفظت لنا الكتب هذا الحوار الساخن الذي جرى بينه وبين معاوية .
معاوية: كيف وجدك  ( حزنك ) على خليلك أبي الحسن ؟.
أبو الطفيل : كوجد أم موسى على موسى وأشكو إلى الله التقصير. معاوية : كنت فيمن حصر عثمان .
أبو الطفيل : قال : لا ،  ولكني كنت فيمن حضر .
معاوية: فما منعك من نصره ؟
أبو الطفيل :  وأنت فما منعك من نصره إذ تربصت به ريب المنون وكنت مع أهل الشام وكلهم تابع لك فيما تريد.
معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه نصرة له؟
أبو الطفيل  : بلى ولكنك كما قال أخو جعفي ( الشاعر عبيد بن الأبرص )
لا ألفينك بعد الموت تندبني / وفي حياتي ما زودتني زادي.
معاوية كان رجلًا خطيرًا مهمًا وكان أحد ملوك الأرض ، فإن لم يكن عامر بن أثلة صاحب شأن وحيثية ما كان معاوية قد حاوره ، ولكن أين ذهبت  تلك الحيثية والكتب جد شحيحة في ذكر الرجل ؟
لا يذكر كتاب موقفه أثناء كارثة كربلاء ، المنطق يقول إنه كان مع الحسين ، لأنه كان مع أبيه من قبل ولكن لا حديث يؤكد أو ينفي .
ثم أين كان عندما صلب الأمويون عبد الله بن الزبير ؟
ثم أين كان عندما قصف الحجاج بن يوسف الثقفي الكعبة حتى هدمها ؟.
سنعرف أنه كان من المشايعين لمحمد بن الحنفيه وهو أخو الحسن والحسين من أبيهما ، وقد تدخل بقوات قادها ليحرر ابن الحنفية من الحبس ، وقد قتل ابنه الطفيل في معركة من تلك المعارك الداخلية التي عمت ساحة المسلمين في ذلك الوقت وقد سجل هو حادث مقتل ابنه عندما أنشد :
خَلَّى طُفَيْلٌ عَلَيَّ الهمَّ فانْشَعَبَا فَهَدَّ ذلك رُكِني هَدّةً عَجَبَا.
كان أبو الطفيل ـ بلغة عصرنا ـ مثقفًا صاحب موقف ، فهو يقرأ القرآن ويقول الشعر ويروي الأحاديث ويشارك في المعارك ، ثم بعد كل هذا العطاء يقل ذكره ولا يعرف فضله إلا الذين ينبشون في الكتب القديمة .
روى الإمام البخاري في كتابه الأدب المفرد :
عن أبي الطفيل وقد سئل : هل  رأيت النبي ؟ .
قال: نعم، ولا أعلم على ظهر الأرض رجلا حيا رأى النبي الله غيري، وكان أبيض، مليح الوجه .
وعن يزيد بن هارون، عن الجريري قال: كنت أنا وأبو الطفيل نطوف بالبيت، قال أبو الطفيل: ما بقي أحد رأى النبي غيري، قلت: ورأيته؟ قال: نعم، قلت: كيف كان؟ قال: كان أبيض مليحا مقصدا .
كل هذا يقطع بأن الرجل في حال حياته كان شهيرًا ذائع الصيت وآية ذلك ما قاله النَّضْر بن عربي، قال: كنتُ بمكة، فرأيتُ الناسَ مجتمعين على رجل، فقلتُ من هذا؟ فقالوا: هذا صاحب رسول الله صَلَّى الله عليه وسلم، هذا عامر بن واثلة، وعليه إزارٌ ورداء، فَمَسست جلده، فكان ألين شيء .
ثم تمر السنون بأبي الطفيل فيرى تمكن الثورة المضادة وعلوها في الأرض فيصاحب المختار الثقفي الذي خرج بقواته للانتقام من قتلة الحسين ، وقد تمكنت قوات المختار من قتل كل الذين شاركوا في قتل الحسين ، ثم بعدها يخفت ذكر عامر حتى يكاد يتلاشى ، ولا نجد له حضورًا في أزمنة بني أمية إلا محاورته مع معاوية ومحاورة أخرى مع عمر بن عبد العزيز لا تذكرها إلا كتب شيعية تستغرق في سب كل بني أمية ، ولذا فمن الأفضل ترك تلك المحاورة لأنها تبرز عمر بن عبد العزيز في ثوب الطاغية ، وهذا ما لم يقل به مؤرخ منصف .
ثم بعد معارك المختار يخفت ذكر أبي الطفيل ، ويظل الرجل مقيمًا في دائرة الظل حتى يلقى ربه بمكة المكرمة في عهد هشام بن عبد الملك .
حياة كحياة الصحابي الجليل كان تدوينها يستحق عناية أكبر من تلك العناية التي بذلها المؤرخون، ولكن حركة تدوين التاريخ وبدايات الترجمة للصحابة بدأت بعد رحيلهم بسنوات عديدة، وتدخلت الأهواء السياسية في الأمرين جميعًا.
أبو الطفيل كان من قواد جيش الإمام علي وقد هزمت ثورة عليّ وانتصرت الثورة المضادة التي لن تتحرج عن تجاهل ذكر أسماء كانت بارزة ، بل لن تتحرج من طمس ملامح التاريخ ذاته .
رحم الله أبا الطفيل وجمعنا به في الصالحين .














الاثنين، 18 نوفمبر 2019

الرجل ليس آلة تلقيح لبويضة مجمدة



من كرمه تعالى أنه لا يحمد ذاته العلية ولا يمتن على عباده بعقاب، فهو تعالى لم يقل مثلًا (الحمد لله الذى خلق الجحيم)، كما لم يقل مثلًا (الحمد لله الذى خلق سوء المصير). كل آيات الحمد والمن، هى آيات تبشر بنعم عظمى، وتظهر قدرته تعالى على تأليف القلوب، ومن نعمه تعالى على عبادة، نعمة الزواج، ودع عنك ما يخوض فيه الخائضون الذين يبغونها عوجًا أو يريدونها «سداحًا مداحًا»، حيث لا مسئولية ولا قيد، بل الفوضى البغيضة، ودع عنك الذين فشلوا فى الزواج لأسباب تخص طريقة تفكيرهم ونمط معيشتهم، فإذا بهم يشعلون النار تحت أقدام تلك النعمة العظيمة.
يقول مولانا عز وجل: «وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِى ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
فى هذه الآية جلية المعنى نجد النعمة مجسدة ، فالمرأة هى فى الحقيقة من ذات طينة الخلق التى خلق الله منها الرجل، وهذا يعنى أن المرأة والرجل أخوان شقيقان، ولا فضل لأحدهما على الآخر فى عملية الخلق الأولى، وتخيل نفسك وأنت متزوج من غير جنسك، طبعًا هناك بعض المختلين والمختلات الذين نرى الواحد منهم يعلن زواجه من شجرة، كما فعلت امرأة بريطانية قبل أسابيع!
ثم فى الآية الكريمة المنهج الحق لتكوين الأسرة، إنه منهج المودة والرحمة، وليس المشاعر الملتهبة التى تبهت شعلتها بفعل التعود، لا حب فى الآية، وذلك لأننا جميعًا حتى السفاح منا يستطيع أن يكون حبيبًا ومحبوبًا، ولكن الود والرحمة أمران لا يستطيعهما إلا أصحاب النفوس العالية الشريفة، ولذا فما أصدق تلك الكلمة التى تقول «الحب سيأتى بعد الزواج»، الذين يشنعون على هذه الكلمة الحكيمة لم يفقهوا معنى الزواج، فلو كانت هناك مودة ورحمة فالحب قادم لا محالة، ولكن  لو كان هناك الحب، ثم لم تكن الرحمة والمودة، فالحب سيقع قتيلًا تحت الأقدام لا محالة.
تلك المعانى الجليلة لمؤسسة الزواج تتعرض هذه الأيام لصرعة جديدة اسمها «تجميد البويضات».
فالفتاة التى لا تريد الزواج فى شبابها حرصًا على وظيفتها أو جسدها أو لأى أمر يخصها، تقوم بتجميد بويضاتها، ثم عندما ترغب فى الزواج فى أى سن تريد يقوم الأطباء بفك التجميد، فتحمل من زوجها!
دفاع اللواتى يفعلن هذا قائم على جملة واحدة: «نريد الأمومة.. ولكن نخشى الخلافات مع الزوج».
ما هذا المنطق؟ إنه منطق السوء الذى يفترض الفشل بداية، ثم هو منطق الحصول على المنفعة، وكأن الرجل آلة تلقيح لا أكثر ولا أقل، أين الأسرة وتكوينها وعبء الدفاع عنها وتحمل مسئولياتها؟.
الأمر عند هؤلاء لا يتجاوز عملية التخصيب، ثم الفرار من آلة التخصيب متى تحرك الجنين فى بطنها.  
العالم  الدكتور محمد أبو الغار، أستاذ التوليد والمتخصص فى أطفال الأنابيب وتجميد البويضات، قال فى تصريحات صحفية: إن الحالات التى يجوز فيها تجميد البويضات حالتان، الأولى تتمثل فى الأحوال المرضية، بمعنى وجود سيدة مصابة بمرض سرطان فى الدم الذى تتعرض له الفتيات الصغيرة والسيدات الصغيرة فى السن، وفى هذه الحالة لو حصلت على العلاج الكيماوى، يتم تدمير المبيض بالكامل، وبالتالى يستحيل الحمل بسبب انقطاع العادة، ويتم التعامل فى هذه الحالة من خلال تجميد البويضات، وعند الزواج يتم فك البويضات المجمدة وتخصيبها من زوجها ثم نقل الجنين داخل الرحم.
الحالة الثانية، تتعلق بأى امرأة بلغت من العمر 35 سنة، حيث يكون لديها حالة قلق شديد من كونها بعد مرور عدة سنوات تقل الخصوبة لديها بنسبة كبيرة مع دخولها فى عمر الأربعينيات، ومن ثم تلجأ إلى تخزين البويضات وتجميدها، ومن ثم يتم إعطاؤها الدواء وشفط البويضات خارج الجسم وتجميدها، وعندما تتزوج فى أى سن يتم استخدام تلك البويضات، حيث أن تلك البويضات يعتبر عمرها من عمر شفطها فلو تم شفطها وسن السيدة 35 عامًا، تظل كذلك حتى لو تم استخدامها وعمر السيدة 40 عامًا.
معنى كلام الرجل العالم المتخصص أن الأمر كله محكوم بعاملين اثنين فقط، وليس بالهوى، بحيث تقرر إحداهن الحمل متى شاءت جاعلة من زوجها مجرد مخصب، وهادمة معنى المودة والرحمة وبناء الأسرة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة صوت الأمة 
السبت، 14 سبتمبر 2019 01:27 م

الخميس، 17 أكتوبر 2019

موال موقف الحى السادس



قبل ربع قرن من الآن، كنت أسكن الحى السادس بمدينة السادس من أكتوبر، كان كل شيء جديدًا ونظيفًا ولامعًا، قال لى الصديق الذى أخشى فراسته: «بعد سنتين أو ثلاث سنوات، سيصبح هذا الحى عنوانًا للعشوائية!».
تركت الحى قبل أن يصبح عشوائيًا، لم أمر به قط على مدار السنوات الماضية، لم أكن أعرف كيف صار فقد تركته وهو مجموعة من العمارات الخاوية على عروشها، وثمة أشجار تبشر بظل ظليل، ثم لا شيء، فلم يكن طريق المحور قد ظهر بعد، وكانت الخدمات الحكومية تكاد تكون معدمة.
ثم جاء الأسبوع الماضى، وأجبرتنى ظروف قاهرة على التجول فى الحى السادس.
بداية إن كنت صاحب سيارة خاصة فأنصحك بعدم استخدامها، لأنك إن لم يزعق لك نبى لن تجد مكانًا أى مكان «لركن» سيارتك، ولو فعلتها فأنت ونصيبك فيما سيصيب السيارة من أضرار فادحة.
موقف أتوبيسات الحى السادس، هو أعجب موقف قد تراه فى حياتك، سيجعلك تتذكر الكلمة الخالدة التى أطلقها اللمبى فى وصف مصر عندما قال: «جمهورية مصر العالمية».
لن تشعر بعالمية مصر إلا فى موقف الحى السادس من مدينة السادس من أكتوبر.
أتوبيسات النقل العام التى تذهب إلى رمسيس والتحرير والمؤسسة وبلاد ما وراء الدائرى، تحترم وضعها الحكومى وتقف بعيدًا عن الموقف بمائة متر تحت ظلال شجرتين عظيمتين من أشجار البونسيانا، ما الذى جاء بالبونسيانا إلى هذا الهجير؟.
ثم يكتب عليك الله بلاء التوغل فى موقف الباصات.
تمهل يا صاحبى ولا تدع شيئًا يستولى على انتباهك، أنت الآن فى قلب مشهد عالمية مصر، ستجد «التوكتوك» اللعين والميكروباصات التى تعرفها وسيارات الأتوبيسات المتوسطة التى تقل بالقانون ثلاثين راكبًا، ولكنها بجشع السائق وغياب الرقابة وضخامة عدد البشرية تحمل مائة راكب، ثم ستجد كل أنواع المركبات التى تسير على أربعة إطارات أو ثمانية أو عشرين، بداية من سيارات النقل الصغيرة، ونهاية بالمقطورات العملاقة.
مَنْ صاحب هذا الموقف؟.
يا رجل وهل هذا سؤال، إنها البركة يا صاحبى.
جفف عرقك لكى لا يضبب نظارتك الشمسية أو الطبية، سترى جيدًا بقعة فى قلب الموقف مسيجة برائحة لا تطاق، إنها رائحة مخلفات خرفان العيد، نعم والله فى قلب الموقف ما يشبه الحظيرة لتربية الخرفان، وبالقرب منها ستجد الكرشة والفشة ولحم الرأس والمخاصى والكلاوى، وكل ما تهفو إليه نفسك، أنت لن تقدم على شراء هذه الأشياء، غيرك جاهز دائمًا، طبعًا لن تتحدث عن التراب والغبار وعادم السيارات وكل ملوثات البيئة التى تتوج أهرامات المعروضات من اللحوم.
هل تريد مانجو أو بطيخ أو أى نوع من الفاكهة؟.
ستجده فى الموقف.
هل تريد عصير قصب أو عصير برتقال أو أى عصير كان؟
الأمر يسير بعون الكريم، حتى الفطير المشلتت والجبن القديم والمش والبتاو الصعيدى.
بائعو الملابس موجودون أيضًا، والملابس كما تعلم على نوعين ، حريمى ورجالى، وهذان بدورهما على قسمين خارجى وداخلى، فلا تفزع عندما تجد سيدات وآنسات فضليات، يقمن باستعراض أشد القطع النسائية خصوصية جهارًا نهارًا بداية من متانة القطعة مرورًا بمقاييسها ونهاية بطرازها، وإذا كانت الملابس الخاصة جدًا موجودة، فمن الطبيعى وجود جميع أنواع الأحذية، من حفظ الله مقامك شبشب الحمام إلى الكوتشى الذى يلمع نوره .
كل ما تريده ستجده فى قلب الموقف، هل تريد إبرة خياطة أو ريموت للتليفزيون أو أمشطة شعر أو دبابيس أو علب تلميع الأحذية أو خلة للأسنان أو تريد شيئًا لا تعرف له اسمًا، ستجده بعون الله، فالبائعون خصص كل منهم لنفسه «فرشة» من الكرتون أو الصفيح أو القماش أو البطاطين وصنع محله الخاص المتنقل، ووضع بداخله أو على أطرافه ما يريده الزبون.
طبعًا الممنوعات من كذا وكذا موجودة وإن كانت على استحياء، فهى لها زبونها الذى سيعرف كيف يحصل عليها.
هل هناك كارتة أو أى تنظيم أو أى رقابة من أى جهة كانت؟.
يا رجل كف عن أسئلتك الوجودية، قلت لك سابقًا إنها البركة.
أرضية الموقف ترابية، عفوًا فالكذب على الله خيبة، هى ليست ترابية إنها تلال من التراب ومخلفات البناء والرمال المحملة بكذا وكذا من مخلفات الإنسان، فلا وجود لحمام أو أى ساتر يصلح لتلبية الطبيعة.
رأيت على أطراف الموقف مسجدًا يدل خارجه على عظمته، ولكنه يغلق أبوابه فور نهاية الصلاة، وقد قال لى من يبدو خادمًا للمسجد: «السواقين هيبهدلوه وهيعملوه لوكاندة».
يعنى لا أمل؟.
على العكس تمامًا، فالأمل فى إدارة الموقف وتحصيل منافع مادية واجتماعية، بل وإنسانية لا يزال قائمًا بقوة، فلو تكرمت أى جهة مسئولة وأعلنت إشرافها على الموقف وإدارته وفق نظام صارم مقابل تحصيل رسوم معقولة من أصحاب السيارات لكان فى ذلك الخير للجميع، ولكن من الذى يريد العمل الجاد المنظم المتعب ؟.
ــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة السبت، 13 يوليه 2019

السبت، 12 أكتوبر 2019


وما آفة الأخبار إلا رواتها
فى العام 359 من هجرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولد محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم، ونحن نعرفه باسم شهرته «الشريف  الرضي » وقد عرفناه لأن سجلات الشعر العربى قد حفظت قصائده التى يعد بعضها من عيون الشعر العربى.
يفصلنا عن زمن هذا الشاعر ما يزيد على الألف عام ، ولكنه ببصيرة الشعر المضيئة قال بيتًا، سار بين الناس كسريان النار فى الهشيم.
قال الشريف : «وهمْ نَقَلُوا عَنّى الذى لمْ أفُهْ بهِ / و ما آفة الأخبار إلا رواتها».
نحن الآن وفى زماننا هذا، وفى أيامنا تلك قد سقطنا جميعا فى قبضة هذا البيت.
أنت لم تقل شيئا عن أمر من الأمور ، ثم يأتى أحدهم ويقول على لسانك الذى لم تفه به، ثم بعد فلان يأتى فلان وعلان وزيد وعبيد فيروى كل واحد منهم الكلام كما يشاء هو وبصياغته هو وبالمعنى الذى يريده هو، فيصبح كلامًا من الكلام الذى يملأ الدنيا ويشغل الناس، فيضيع جسد الجريمة الحقيقية، ألا وهى أنك لم تتحدث أساسًا، بل ولم تفتح فمك.
ما سبق هو جزء الكارثة الظاهر، ولكن لأن الأمر أمر كارثة أخلاقية وشرعية واجتماعية، فهى مدفونة فى الأعماق السحيقة، ومواجهتها تحتاج إلى شجاعة ندر الذين يتحلون بها، وتحتاج إلى عزيمة من حديد.
القصة تبدأ على وجهين، الوجه الأول أن أكون صامتا لم أتحدث، فتأتى أنت وتقول على لسانى كلامًا، ثم ينتشر هذا الكلام ويسود بين الناس، وقد أدفع أنا الصامت، ثمنًا باهظًا يعرقل حياتى ويفسد حساباتى.
هذا الوجه على قبحه أهون من الوجه الثانى، وفيه أكون أنا قد كذبتُ، وتكون الطرق أمامك أنت ممهدة ومتعددة لتكذيبى وكشف حقيقتى أمام الناس، ولكنك لغرض فى نفسك ـ والغرض مرض ـ تترك كل الطرق وكل السبل وتختار أسوأها وأقبحها.
أنت الآن أمسكت بى وقبضت عليّ وأنا أكذب، وبين يديك كل الأدلة التى تستطيع بأبسطها وأهونها نسف كل أكاذيبى وفضحى أمام الناس والتشهير بى ومحو مصداقيتى، فتركل أنت هذه الفرصة السانحة وتهدر بيديك كل الأدلة وتحارب كذبى بأن تكذب عليّ !
ما هذا الخبل ؟
هل لاحظت أنك هكذا قد أصبحت مثلي، وقد تساوت الرؤوس فإن كنت أنا كذاب ، فأنت كذاب أيضًا فلا فضل لأحدنا على الآخر ؟
هل انتبهت إلى أنك قد فقدت مصداقيتك وأصبحت مثلى تماما لا يؤخذ بشهادتك ؟
لقد قلت لك من البداية إننى كذاب، أنا  رجل ماهر فى الكذب،  أعرف كيف أذهب إلى منابعه ، وأعرف كيف أجمّل وجهه القبيح بغلالة من الكلام الذى تفوح منه رائحة صدق مزور ومزيف، ومع أننى قد صارحتك بحقيقتى وبتمكنى من لعبة الأكاذيب، فأنت جئت إلى ملعبى وساحتى بقدميك وتريد أن تغلبنى وتقهرنى.
كيف هذا يا رجل ؟ أين عقلك ولن أتحدث عن أخلاقك؟!
يا سيدى أمامك كذاب أمسكت به وهو يكذب، بل قمت بتصوير جريمته بالصوت والصورة، لماذا تكذب عليه وتقول إنه لص ؟
تظن أن تضخيمك لجريمته سيوقع به ، لا يا صاحبى، أنت هكذا أفلته من عقاب مؤلم كان بانتظاره، سيفلت من جريمة الكذب وسيشهر بك لأنك كذبت عليه ورميته بجريمة هو لم يقترفها، وسيثبت أنه برىء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ويظهرك أنت فى ثوب الكذاب.
ولتلك الكارثة وجه لا يلتفت له الطرفان، الكاذب والذى يكذب عليه، ذلكم الوجه أعنى به المحيطين بالطرفين والمستمعين لهما، الطرفان لهما جماهير، وتلك الجماهير من الطبيعى والبديهى أن تتحدث وتتحاور وتتناقش، وهى لن تفعل ذلك إلا إذا سمعت، وهى الآن تعيش تحت نيران اثنين، كلاهما يكذب، فماذا تصنع تلك الجماهير؟
ستقع فى الارتباك ثم فى الحيرة ثم فى الريبة، ثم ـ وهذا سيئ جدًا ـ ستكون مضطرة لنفض يديها من الأمر كله، وتترك فلانا يعارك فلانا ولا تتدخل لصالح أحدهما ولا تلعب دورها فى تقويم الأمور والانحياز إلى الحق والخير.
قصة الكذب معقدة جدا ومتشعبة غاية التشعب ، وقارب النجاة واحد لا يتعدد وسهل ميسور، ولا قارب سوى الصدق، فعليه وعليه وحده تقام الحضارات وتبنى المدن، ويعرف القاتل وجه قاتله، ولكن خلط كل الأوراق لن يقود إلا إلى الفوضى، والفوضى شر مطلق ووباء فتاك، عندما يهاجم فإنه يصيب الجميع ، ساكن القصر وساكن الكوخ ، ولا ينجو منه أحد.