الخميس، 17 أكتوبر 2019

موال موقف الحى السادس



قبل ربع قرن من الآن، كنت أسكن الحى السادس بمدينة السادس من أكتوبر، كان كل شيء جديدًا ونظيفًا ولامعًا، قال لى الصديق الذى أخشى فراسته: «بعد سنتين أو ثلاث سنوات، سيصبح هذا الحى عنوانًا للعشوائية!».
تركت الحى قبل أن يصبح عشوائيًا، لم أمر به قط على مدار السنوات الماضية، لم أكن أعرف كيف صار فقد تركته وهو مجموعة من العمارات الخاوية على عروشها، وثمة أشجار تبشر بظل ظليل، ثم لا شيء، فلم يكن طريق المحور قد ظهر بعد، وكانت الخدمات الحكومية تكاد تكون معدمة.
ثم جاء الأسبوع الماضى، وأجبرتنى ظروف قاهرة على التجول فى الحى السادس.
بداية إن كنت صاحب سيارة خاصة فأنصحك بعدم استخدامها، لأنك إن لم يزعق لك نبى لن تجد مكانًا أى مكان «لركن» سيارتك، ولو فعلتها فأنت ونصيبك فيما سيصيب السيارة من أضرار فادحة.
موقف أتوبيسات الحى السادس، هو أعجب موقف قد تراه فى حياتك، سيجعلك تتذكر الكلمة الخالدة التى أطلقها اللمبى فى وصف مصر عندما قال: «جمهورية مصر العالمية».
لن تشعر بعالمية مصر إلا فى موقف الحى السادس من مدينة السادس من أكتوبر.
أتوبيسات النقل العام التى تذهب إلى رمسيس والتحرير والمؤسسة وبلاد ما وراء الدائرى، تحترم وضعها الحكومى وتقف بعيدًا عن الموقف بمائة متر تحت ظلال شجرتين عظيمتين من أشجار البونسيانا، ما الذى جاء بالبونسيانا إلى هذا الهجير؟.
ثم يكتب عليك الله بلاء التوغل فى موقف الباصات.
تمهل يا صاحبى ولا تدع شيئًا يستولى على انتباهك، أنت الآن فى قلب مشهد عالمية مصر، ستجد «التوكتوك» اللعين والميكروباصات التى تعرفها وسيارات الأتوبيسات المتوسطة التى تقل بالقانون ثلاثين راكبًا، ولكنها بجشع السائق وغياب الرقابة وضخامة عدد البشرية تحمل مائة راكب، ثم ستجد كل أنواع المركبات التى تسير على أربعة إطارات أو ثمانية أو عشرين، بداية من سيارات النقل الصغيرة، ونهاية بالمقطورات العملاقة.
مَنْ صاحب هذا الموقف؟.
يا رجل وهل هذا سؤال، إنها البركة يا صاحبى.
جفف عرقك لكى لا يضبب نظارتك الشمسية أو الطبية، سترى جيدًا بقعة فى قلب الموقف مسيجة برائحة لا تطاق، إنها رائحة مخلفات خرفان العيد، نعم والله فى قلب الموقف ما يشبه الحظيرة لتربية الخرفان، وبالقرب منها ستجد الكرشة والفشة ولحم الرأس والمخاصى والكلاوى، وكل ما تهفو إليه نفسك، أنت لن تقدم على شراء هذه الأشياء، غيرك جاهز دائمًا، طبعًا لن تتحدث عن التراب والغبار وعادم السيارات وكل ملوثات البيئة التى تتوج أهرامات المعروضات من اللحوم.
هل تريد مانجو أو بطيخ أو أى نوع من الفاكهة؟.
ستجده فى الموقف.
هل تريد عصير قصب أو عصير برتقال أو أى عصير كان؟
الأمر يسير بعون الكريم، حتى الفطير المشلتت والجبن القديم والمش والبتاو الصعيدى.
بائعو الملابس موجودون أيضًا، والملابس كما تعلم على نوعين ، حريمى ورجالى، وهذان بدورهما على قسمين خارجى وداخلى، فلا تفزع عندما تجد سيدات وآنسات فضليات، يقمن باستعراض أشد القطع النسائية خصوصية جهارًا نهارًا بداية من متانة القطعة مرورًا بمقاييسها ونهاية بطرازها، وإذا كانت الملابس الخاصة جدًا موجودة، فمن الطبيعى وجود جميع أنواع الأحذية، من حفظ الله مقامك شبشب الحمام إلى الكوتشى الذى يلمع نوره .
كل ما تريده ستجده فى قلب الموقف، هل تريد إبرة خياطة أو ريموت للتليفزيون أو أمشطة شعر أو دبابيس أو علب تلميع الأحذية أو خلة للأسنان أو تريد شيئًا لا تعرف له اسمًا، ستجده بعون الله، فالبائعون خصص كل منهم لنفسه «فرشة» من الكرتون أو الصفيح أو القماش أو البطاطين وصنع محله الخاص المتنقل، ووضع بداخله أو على أطرافه ما يريده الزبون.
طبعًا الممنوعات من كذا وكذا موجودة وإن كانت على استحياء، فهى لها زبونها الذى سيعرف كيف يحصل عليها.
هل هناك كارتة أو أى تنظيم أو أى رقابة من أى جهة كانت؟.
يا رجل كف عن أسئلتك الوجودية، قلت لك سابقًا إنها البركة.
أرضية الموقف ترابية، عفوًا فالكذب على الله خيبة، هى ليست ترابية إنها تلال من التراب ومخلفات البناء والرمال المحملة بكذا وكذا من مخلفات الإنسان، فلا وجود لحمام أو أى ساتر يصلح لتلبية الطبيعة.
رأيت على أطراف الموقف مسجدًا يدل خارجه على عظمته، ولكنه يغلق أبوابه فور نهاية الصلاة، وقد قال لى من يبدو خادمًا للمسجد: «السواقين هيبهدلوه وهيعملوه لوكاندة».
يعنى لا أمل؟.
على العكس تمامًا، فالأمل فى إدارة الموقف وتحصيل منافع مادية واجتماعية، بل وإنسانية لا يزال قائمًا بقوة، فلو تكرمت أى جهة مسئولة وأعلنت إشرافها على الموقف وإدارته وفق نظام صارم مقابل تحصيل رسوم معقولة من أصحاب السيارات لكان فى ذلك الخير للجميع، ولكن من الذى يريد العمل الجاد المنظم المتعب ؟.
ــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة السبت، 13 يوليه 2019

السبت، 12 أكتوبر 2019


وما آفة الأخبار إلا رواتها
فى العام 359 من هجرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ، ولد محمد بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم، ونحن نعرفه باسم شهرته «الشريف  الرضي » وقد عرفناه لأن سجلات الشعر العربى قد حفظت قصائده التى يعد بعضها من عيون الشعر العربى.
يفصلنا عن زمن هذا الشاعر ما يزيد على الألف عام ، ولكنه ببصيرة الشعر المضيئة قال بيتًا، سار بين الناس كسريان النار فى الهشيم.
قال الشريف : «وهمْ نَقَلُوا عَنّى الذى لمْ أفُهْ بهِ / و ما آفة الأخبار إلا رواتها».
نحن الآن وفى زماننا هذا، وفى أيامنا تلك قد سقطنا جميعا فى قبضة هذا البيت.
أنت لم تقل شيئا عن أمر من الأمور ، ثم يأتى أحدهم ويقول على لسانك الذى لم تفه به، ثم بعد فلان يأتى فلان وعلان وزيد وعبيد فيروى كل واحد منهم الكلام كما يشاء هو وبصياغته هو وبالمعنى الذى يريده هو، فيصبح كلامًا من الكلام الذى يملأ الدنيا ويشغل الناس، فيضيع جسد الجريمة الحقيقية، ألا وهى أنك لم تتحدث أساسًا، بل ولم تفتح فمك.
ما سبق هو جزء الكارثة الظاهر، ولكن لأن الأمر أمر كارثة أخلاقية وشرعية واجتماعية، فهى مدفونة فى الأعماق السحيقة، ومواجهتها تحتاج إلى شجاعة ندر الذين يتحلون بها، وتحتاج إلى عزيمة من حديد.
القصة تبدأ على وجهين، الوجه الأول أن أكون صامتا لم أتحدث، فتأتى أنت وتقول على لسانى كلامًا، ثم ينتشر هذا الكلام ويسود بين الناس، وقد أدفع أنا الصامت، ثمنًا باهظًا يعرقل حياتى ويفسد حساباتى.
هذا الوجه على قبحه أهون من الوجه الثانى، وفيه أكون أنا قد كذبتُ، وتكون الطرق أمامك أنت ممهدة ومتعددة لتكذيبى وكشف حقيقتى أمام الناس، ولكنك لغرض فى نفسك ـ والغرض مرض ـ تترك كل الطرق وكل السبل وتختار أسوأها وأقبحها.
أنت الآن أمسكت بى وقبضت عليّ وأنا أكذب، وبين يديك كل الأدلة التى تستطيع بأبسطها وأهونها نسف كل أكاذيبى وفضحى أمام الناس والتشهير بى ومحو مصداقيتى، فتركل أنت هذه الفرصة السانحة وتهدر بيديك كل الأدلة وتحارب كذبى بأن تكذب عليّ !
ما هذا الخبل ؟
هل لاحظت أنك هكذا قد أصبحت مثلي، وقد تساوت الرؤوس فإن كنت أنا كذاب ، فأنت كذاب أيضًا فلا فضل لأحدنا على الآخر ؟
هل انتبهت إلى أنك قد فقدت مصداقيتك وأصبحت مثلى تماما لا يؤخذ بشهادتك ؟
لقد قلت لك من البداية إننى كذاب، أنا  رجل ماهر فى الكذب،  أعرف كيف أذهب إلى منابعه ، وأعرف كيف أجمّل وجهه القبيح بغلالة من الكلام الذى تفوح منه رائحة صدق مزور ومزيف، ومع أننى قد صارحتك بحقيقتى وبتمكنى من لعبة الأكاذيب، فأنت جئت إلى ملعبى وساحتى بقدميك وتريد أن تغلبنى وتقهرنى.
كيف هذا يا رجل ؟ أين عقلك ولن أتحدث عن أخلاقك؟!
يا سيدى أمامك كذاب أمسكت به وهو يكذب، بل قمت بتصوير جريمته بالصوت والصورة، لماذا تكذب عليه وتقول إنه لص ؟
تظن أن تضخيمك لجريمته سيوقع به ، لا يا صاحبى، أنت هكذا أفلته من عقاب مؤلم كان بانتظاره، سيفلت من جريمة الكذب وسيشهر بك لأنك كذبت عليه ورميته بجريمة هو لم يقترفها، وسيثبت أنه برىء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب، ويظهرك أنت فى ثوب الكذاب.
ولتلك الكارثة وجه لا يلتفت له الطرفان، الكاذب والذى يكذب عليه، ذلكم الوجه أعنى به المحيطين بالطرفين والمستمعين لهما، الطرفان لهما جماهير، وتلك الجماهير من الطبيعى والبديهى أن تتحدث وتتحاور وتتناقش، وهى لن تفعل ذلك إلا إذا سمعت، وهى الآن تعيش تحت نيران اثنين، كلاهما يكذب، فماذا تصنع تلك الجماهير؟
ستقع فى الارتباك ثم فى الحيرة ثم فى الريبة، ثم ـ وهذا سيئ جدًا ـ ستكون مضطرة لنفض يديها من الأمر كله، وتترك فلانا يعارك فلانا ولا تتدخل لصالح أحدهما ولا تلعب دورها فى تقويم الأمور والانحياز إلى الحق والخير.
قصة الكذب معقدة جدا ومتشعبة غاية التشعب ، وقارب النجاة واحد لا يتعدد وسهل ميسور، ولا قارب سوى الصدق، فعليه وعليه وحده تقام الحضارات وتبنى المدن، ويعرف القاتل وجه قاتله، ولكن خلط كل الأوراق لن يقود إلا إلى الفوضى، والفوضى شر مطلق ووباء فتاك، عندما يهاجم فإنه يصيب الجميع ، ساكن القصر وساكن الكوخ ، ولا ينجو منه أحد.

الخميس، 1 أغسطس 2019

صلاة في محراب المحبوبة


كانت الحياة تقسو على الكاتب الكبير الأستاذ صلاح عيسي فُيفصل من عمله، أو يُنتزع من بيته إلى السجن، فإذا غادره عائدًا إلى دنيا الناس لم يجد سوى البطالة.
فى أيام البطالةـ وما أقساها على النفس ـ لم يكن الأستاذ صلاح، يسقط فى هوة رثاء الذات وفخاخ التحسر على ما مضى، كما لم يكن يقفز فى الفراغ، شأن الذين يريدون التخلص من مواجعهم عبر مواجهات خائبة يعودون منها ـ إن عادواـ وقد تحطمت قلوبهم.
أيام بطالة الأستاذ صلاح، كانت هى أيام الترفيه التى يعيشها!
 ليس فى وصفى مبالغة، فقد عرفته وسمعت منه كثيرًا، كان يصحو مبكرًا كأنه مرتبط بعمل مهم، ويغادر مسكنه عاقدًا العزم على إقامة  صلاة صوفية فى محراب المحبوبة، وما كانت المحبوبة سوى مصر العظيمة المقاومة.
صلاة العم صلاح، كان يقيمها فى أروقة ودهاليز كل مكان توجد به المجموعات النادرة من الكتب والمجلات والجرائد والنشرات، وكل ما له علاقة بتاريخ المحبوبة. 
لم يكن يغادر تلك القاعات إلا مجبرًا، فى ساعات إقامته بالقاعات، كان ينخرط فى صلاته لا يصرفه عن خشوعه شىء، كانت صلاته هى جمعه لكنوز مخبأة بين سطور جرائد كاد الزمان يذهب بحبر طباعتها.
كانت الكنوز تطول أحيانًا، لتصبح دراسات ومقالات، وكانت تقصر أحيانًا لتصبح ومضات، ولكنها فى كل الأحايين، كانت تبحث عن مصر التى لا يعرفها أحد، والتى ينسج صلاح من حكاياتها الكبيرة والصغيرة سجادة صلاته.
أصدرت «دار الكرمة» مؤخرًا كتاب الأستاذ صلاح عيسى «هوامش على دفتر المقريزى»، يضم الكتاب مائة وثمانين حكاية قصة قصيرة جدًا من قصص مصر ورجالها ونسائها، تبدأ القصص من عصر المماليك، وتصل إلى أحداث ثورة 1919.
لو كان الأمر بيدى لفرضت هذا الكتاب فرضًا على طلاب المدارس أو على دارسى التاريخ بالحد الأدنى، فالكتاب ليس ممتعًا فحسب، ولكنه عميق جدًا، ويأتى عمقه من براعة الأستاذ صلاح فى الكشف عن جوهر الشخصية المصرية، تلك الشخصية التى زمامها بيدها هى، فهى التى تقرر متى تتحدث ومتى تصمت، ومتى تعارض ومتى تؤيد، ومتى تنام هادئة، ومتى تنتفض انتفاضة عارمة.
من بين قصص الكتاب التى تكشف عن منهج كاتبه فى التقاط كنوز مصر، قصة الثائر المشرد.
عندما ثارت مصر فى عام 1919، ثارت بكل طوائفها، نعم كان المتعلمون فى المقدمة، ولكن حتى المتشردين شاركوا، يحكى الأستاذ العقاد أن ثلاثة عشر شابًا مصريًا لا يعلم عنهم أحد شيئًا تناوبوا رفع العلم، يسقط شاب برصاص الإنجليز، فيسارع صاحبه بالتقاط العلم لكى لا يسقط علم المحبوبة على الأرض، وما سقط العلم أرضًا إلا بعد استشهاد الشاب الثالث عشر.
من بين حاملى العلم، كان الشاب محمد الذى حملته سيارة الإسعاف إلى قصر العينى، وهو بين الحياة والموت، وهناك كشف عليه أعظم جراحى مصر على باشا إبراهيم، وسأله: أى عمل تعمل ؟.
فأجابه الشاب مبتسمًا: لا عمل لى لأنى مشرد.
بات الشاب محمد ليلته فى قصر العيني وكانت تهاجمه الحمى فيصرخ: «اثبت يا شيخ علي العلم يا محمد، العلم يا شيخ علي
عندما جاء الصباح، كان الشاب قد لفظ آخر أنفاسه.
عندما جاءت أسرة الشاب لتتسلم جثته كانت المفاجأة، لم تكن أسرته سوى أمه «توحيدة الإنجليزية».
سأترك بقية المساحة لقلم الأستاذ صلاح ليكمل لنا القصة: «كانت توحيدة قد أخذت لقبها، لأنها كانت الغانية المفضلة لجنود جيش الاحتلال وضباطه، وكان المنزل الذى تديره فى حى البغاء، يتفنن فى تقديم المتعة لهم، لدرجة أن أصبح لقب «الإنجليزية» مشهورًا ومعروفًا فى حى البغاء، بل فى مصر كلها، وطوال سنوات الحرب الأولى، فتحت توحيدة بيتها للترفيه عن جنود الاحتلال، الذين كانوا يقيمون فى القاهرة، أو يعودون إليها فى إجازات قصيرة، يشربون الخمر، وينالون المتعة، ويقيمون حفلات الرقص الشرقى، ويستمتعون بكل ما يتيحه لهم وضعهم المتسلط باعتبارهم حكام مصر الحقيقيين، وتسلمت توحيدة جثة ابنها الصبى، ودفنته من دون دمعة، وفى اليوم التالى، أقامت فى منزلها حفلة كبرى، دعت إليها مجموعة كبيرة من أصدقائها الإنجليز، وتحدث حى البغاء كله بالحفلة الفخمة، التى أريقت فيها الخمور، وسالت أنهارًا، وارتفعت نغمات الموسيقى، وملأت الضحكات أرجاء الحى السعيد، فى صالة المنزل، كانت توحيدة تضحك وترقص، وهى فى قمة فتنتها، وأخذت تترامى على ضيوفها الإنجليز معابثة، تمنح القبلات واللمسات، وتخطف غطاء الرأس من واحد لتضعه فوق رأس آخر. وأخيرًا أخذت مسدسين من وسط أحد الضباط، وأخذت ترقص بهما، وفى غيبة الوعى لم ينتبه أحد لما تفعل، وابتهج رواد الحفل بمشهدها، لقد أصبحت توحيدة إنجليزية فعلًا، الكاب على رأسها والمسدسات فى يديها. وفجأة انطلق الرصاص، وأصيب كثيرون من الجنود والضباط، وقتلت توحيدة ضيوفها الأعزاء، وفى الصباح كانت قد لفظت أنفاسها فى قصر العينى. ويعلق الدكتور على إبراهيم، الذى روى الحكاية، قائلًا: «تنازلت توحيدة عن لقب الإنجليزية بالدم، أصرت على أن تموت وهى توحيدة المصرية».
انتهت القصة، فهل تستحق مصر؟.
نعم تستحق دماء رقابنا جميعًا، فهى الحبيبة العظيمة المقاومة دائمًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة 
13 يوليو 219

الجمعة، 24 مايو 2019

عبث شرير بتاريخ مجيد


ولد الدكتور أحمد صبحي منصور قبل سبعين عامًا، وتعلم فى المعاهد الأزهرية حتى   أصبح مدرسًا بجامعة الأزهر الشريف، ثم كثر الكلام عنه عندما بدأ يطعن فى حجية السنة القولية، وهى الكلام الذى تلفظ به الرسول وصح نسبه إليه، وبعدها طعن فى السنة العملية وهى التى تسجل أفعال الرسول  ومثالها الشهير قوله، صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتمونى أصلى»، وقوله أثناء حجة الوداع: «خذوا عنى مناسككم».
وعن تلك السنة، قال الدكتور صبحى كلامًا كثيرًا جدًا، يُمكن تلخيصه فى نقطة واحدة، وهى: إن الإسلام هو ملة إبراهيم عليه السلام، وكل ما كان يتعبد به إبراهيم أحياه الإسلام، فصلاتنا الآن هى صلاة إبراهيم وكذا بقية العبادات، ولذا لا نجد القرآن قد شرح طرق أداء تلك الشعائر!
مَنْ قال للدكتور صبحى، إن الخليل عليه السلام، كان يصلى الظهر أربع ركعات سرية، ويجلس للتشهد مرتين؟.
من الواضح أن الدكتور يفترض فرضًا ويبنى عليه، غير ملتفت لأساسيات مدرسة التاريخ الإسلامى التى تهدر كل رواية لا سند لها.
ثم لم يبق أمام الدكتور صبحى سوى السنة التقريرية، فنسفها نسفًا.
السنة التقريرية، قال العلماء فى تعريفها: إنها ما فُعل بحضرة النبى فأقره، أو علم به فسكت عليه؛ لأنه لا يسكت على باطل، ولا يقر إلا حقا .
وعندما كان يسأل الدكتور صبحى عن حجته فى إهدار حجية السنة يقول: أعتمد على القرآن فقط، ما فيه يلزمنى، وما ليس فيه لا يلزمنى.ولقد أشار رسولنا الكريم فى حديث شهير لخطورة رد الدكتور صبحى فقال لأصحابه: «لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته، يأتيه الأمر من أمرى مما أمرت به أو نهيت عنه، فيقول لا أدرى، ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه».
والحال كما رأيت دخل الأزهر معركته مع الدكتور صبحى، الذى كان يرد للأزهر الصاع صاعين، وما أكثر ما كتب فى وصف الأزهر، قائلًا: هذا هو الأزهر الشريف للبلاستيك!
وانتهت المعركة بفصله من جامعة الأزهر، وكاد أمره ينتهى إلى مقبرة الصمت إلا أن أحد الأصدقاء ـ سامحه الله ـ بعث الرجل من صمته، عندما قال لى: الدكتور أحمد صبحى منصور، يقول: إن عمر بن الخطاب قد قتل أبا بكر الصديق!
الحق لم أصدق صاحبى، الذى لم أعرفه كذابًا، فسألته: هل سمعته بأذنيك ؟.
قال: لا، بعضهم ذكر ذلك أمامى.
قلت لصاحبى: رمى الناس بالباطل أو الشبهات، هو أمر عند الله عظيم، نبحث لنتأكد.
وليتنى ما بحثت، لقد قالها الرجل فى كتابات موثقة، وكررها كثيرًا كأنها علكة يمضغها.
عثرت على قناة على  اليوتيوب لا أعرف هل هى من ممتلكات الدكتور صبحى الخاصة أو أن بعضهم قد أطلقها من أجله، وعلى تلك القناة يأتى الدكتور منصور بكل عجيبة ونقيصة، ثم عثرت على موقع يحمل عنوان «أهل القرآن»، يخصص ركنًا ثابتًا لمقالات الدكتور صبحى، فقرأت فيه تفصيل ما قاله صاحبى.
فى تفصيل قتل الفاروق للصديق، قال صبحى: إن حلفًا مكونًا من عمر بن الخطاب وأبى سفيان بن حرب، كان يفرض أوامره على حلف مضاد، يضم أبا بكر وخالد بن الوليد.
طبعًا هذا الكلام دون أى وثيقة أو حتى قرينة أو حتى أوهى دليل، فالدكتور يفترض، وعلينا نحن أن نصدقه.
نعم علينا أن نصدق أن عمر بن الخطاب كان واقعًا فى غرام أبى سفيان، ومن أجل عيون هذا الغرام الحرام باع عشرة العمر، وهانت عليه معانى الأخوة، وترك وصايا النبوة، وهجر القرآن، وأصبح رجل مؤامرات، لماذا نصدق هذه الأكاذيب؟
لأن الدكتور صبحى يريد ذلك!.

حلف عمر كان يعلم أن حلف الصديق، يستمد قوته من وجود خالد بن الوليد، فعمل ذلك الحلف كثيرًا على عزل خالد من قيادة الجيش، وعندما تمسك أبو بكر بورقته الرابحة، قام عمر باغتياله، ثم عندما تولى   الخلافة قام بعزل خالد.
آه لو كان على الكلام جمرك، لدفع الدكتور صبحى الغالى والنفيس، لكى يمرر كلامه هذا، ولكن المشكلة أن الكلام مرسل لا قيد عليه.
فى كل ما سبق توجد حقيقتان، الأولى: أن الصحابة قد تحاربوا، ولكنهم عندما وقعت الفتنة بينهم كانوا رجال شرف وفروسية، فكان الرجل منهم يقاتل أخاه وجهًا لوجه وسيفًا لسيف وليس بالاغتيال والخداع، والذين وقعت الفتنة بينهم لم يكونوا على عهد الصديق ولا الفاروق، لقد بدأت الفتنة بعد عهدهما بسنوات.
الحقيقة الثانية: أن الفاروق عندما تولى الخلافة قد عزل خالدًا، ولكن عزل خالد كان فى سياق بعيدًا جدًا عن سياق المؤامرات والأكاذيب التى يروج لها الدكتور صبحى.
عن قتل الفاروق للصديق، يقول الدكتور صبحى: 
1 ـ إنّ أبا بكر مات مسموما بمؤامرة  عمر، فقد كان المسيطر على أبى بكر فى خلافته، ثم كان المستفيد من موته فتولى الحكم بعده، وساعده طلحة وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، وقد كانوا مع عمر فى مشهد موت أبى بكر ودفنه ومبايعة عمر بعده، وسنراهم فى مؤامرات تالية.

2 ـ ولأنها مؤامرة قتل فإن عمر أسرع بدفن الضحية ليلا، وقبل صباح اليوم التالى، ودون جنازة يحضرها الناس، بل ومنع النواح عليه، والروايات كلها تتفق فى دفن أبى بكر ليلا بمجرد وفاته، دون أن ينتظر عمر للصباح.
لا حول ولا قوة إلا بالله، أهذا هو البحث العلمى الذى يقدمه أستاذ تاريخ ؟.
أهذا تاريخ أم خيال ظل؟.
الدكتور صبحى لا يملك دليلًا واحدًا، يقدم من خلاله قراءة جديدة لتاريخنا، هو فقط يمتلك خيالًا شريرًا، فكل عسل عند الرجل هو سم، وكل براءة هى حيلة، وكل طهارة هى نجاسة، هل الدفن ليلًا يعنى التخلص من الجريمة؟.
ثم أين ذهب كل الصحابة وعلى رأسهم فتى الفتيان على، فارس الإسلام وفقيهه وفيلسوفه، هل شارك فى التغطية على جريمة قتل، أم تراه كان مخدرًا؟.
ثم أين ذهبت أسرة الصديق والرجل من قلب قريش ؟.
هل سكتوا جميعًا أم كانوا غائبين عن الوعى ؟.
الدكتور صبحى لا يمكنه الرد على هذه الأسئلة وغيرها، لأنه يخبط «خبط عشواء»، ويعبث وهو الرجل الذى جاوز السبعين بأصابع صبيانية فى متن تاريخ مجيد.

المسلمون خلق من خلق الله وأمة من الأمم، وتاريخهم به النبلاء والأوباش والفجار والأبرار والقتلة والأبرياء، فلم شن صبحى غارته على أبى بكر وعمر والطبقة الأولى من الصحابة؟.
إنها يا صاحبى خطة تسميم المنابع وحرق الجذور، هو ذهب إلى   الشيخين الجليلين وقدمهما على هيئة رجال العصابات، فأبو بكر عنده ليس مقتولًا فى مؤامرة فحسب، بل كان لصًا سرق «خزينة» الدولة!.
إن القرآن الذى ينسب الرجل نفسه إليه يتحدث صراحة عن رضوان الله عن الذين بايعوا النبى تحت الشجرة، وكان أبو بكر وعمر على رأس المبايعين، فكيف أصبحا فجأة رجال عصابات ؟.
ثم السنة، عفوًا لقد نسيت أن صبحى لا يعترف بالسنة.
ثم كد وتعب أجيال عظيمة من المؤرخين، الذين دونوا تاريخنا بالحرف والكلمة، كل هذا يرميه صبحى وراء ظهره
فلا دليل ولا وثيقة ولا حتى ذكاء فى قراءة الروايات التاريخية، لقد نسى الرجل فى حمى الكتابة القرآن الذى يتشدق به، قال القرآن: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى  ٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
جريدة صوت الأمة 11 مايو 2019

الأحد، 24 مارس 2019

ملاك من أفريقيا


كانت الشاشة مظلمة تمامًا ، ثم راح الظلام ينقشع ببطء، ومن قلب بقعة مضيئة، ظهرت السيدة السمراء قوية البنية ناصعة الأسنان، كان شعرها الأسود الخشن يغطى وجهها، ثم بيد مترددة  أزاحت خصلات الشعر ليظهر وجهها الذى يرتعش خوفًا أو عارًا أو ذلًا.
راحت تتحدث وهى تتحرك بخطوات عصبية مرتبكة فى وسط قاعة غارقة فى الصمت، ممتلئة بنساء من مختلف الأعمار والطبقات.
قالت السيدة المذعورة: كانوا يأتون بنا، كنا عشرات وأحيانًا مئات، وكانوا أقوياء جدًا، كانوا قد قتلوا قلوبهم وضمائرهم قبل أن يمسكوا بنا.
لقد كانوا يغتصبوننا بعنف وتوحش، ثم يهدءون قليلًا ليسألونا: هل أنتن متزوجات؟
تعيسة الحظ منا تلك التى تكون متزوجة، والأتعس تلك التى تكون متزوجة ولديها أولاد.
لقد كانوا يأتون بالأزواج والأولاد، ويأمرون الزوج باغتصاب زوجته أمام أعينهم وتحت عيون أولادهم، ثم يأمرون الأولاد باغتصاب أمهاتهم أمام الجميع، الولد الذى يرفض كانوا يطلقون النار على رأسه فورًا.
صمتت السيدة لثانيتين، ثم عادت لتنفجر وهى تضرب بطنها قائلة: ترى هل كان المشهد ينتهى بعد حفلة الاغتصاب تلك؟
لا، أحيانًا كانوا يغرسون حراب بنادقهم فى أعضائنا الخاصة، ويتركوننا للنزف حتى الموت أو للمذلة الأبدية، ما امرأة بدون أعضاء؟
أخيرًا عرفت السكينة طريقها لوجه السيدة قوية البنية، فلمع وجهها بشيء يشبه الانتصار!
دارت الكاميرا فى أرجاء القاعة ثم حطت على وجه رجل أسمر، كان الرجل الوحيد الجالس بين مئات النساء، كان وجهه بريئًا يدعو للشفقة كوجه طفل يعترف بذنبه.
فرك الرجل يديه ليبحث عن خيط الكلام، ثم قال مخاطبًا السيدة أولًا ثم العالم كله: الذى يتعرض لكارثة مثل التى تحدثت عنها لن يعرف الشفاء إلا إذا تخلص من عار الصمت، علينا أن نعترف بما حدث لنا، علينا أن نخرجه من قبره الذى أقمناه بداخل قلوبنا، ونكشفه للعالم كله، وبعد الاعتراف يأتى عقاب المجرم، وأنا أعدكم أن المجرمين لن يفلتوا، يومًا ما سننزل بهم العقاب الذى يستحقونه.
 عادت الشاشة للإظلام وتركتنى فى قبضة حيرة مظلمة، مَنْ هؤلاء؟ وما هذا الكابوس الذى أشاهده؟ إننى لا أعرف عنهم شيئًا.
عادة الشاشة للإضاءة ليقول صوت معلق: لقد رأيتم جانبًا من جلسة علاجية يقودها الطبيب الكونغولى، دينيس موكويغى.
ولد «موكويغى» فى الأول من  مارس عام  1955، كان أبوه راعيًا لكنيسة، يعالج أرواح المستضعفين، وكان موكويغى، يرى أن علاج والده ليس كافيًا، وفى يوم من الأيام قال لأبيه: يومًا ما سأتولى أنا علاج أجسادهم.
عاصر الطفل- ثم الشاب موكويغى- بلاده الكونغو الديمقراطية وهى تخرج من كارثة لتدخل فى غيرها، ولكن ذلك لم يثنه عن طلب العلم خاصة علوم الطب.
وعندما جرى على نطاق واسع استخدام سلاح الاغتصاب ضد نساء بلاده فى الحرب الأهلية التى شهدتها لسنوات، برز دوره، لقد أقام منشأة طبية لعلاج الناجين من العنف الجنسى.
يصمت المعلق ليفسح المجال لصوت الطبيب الذى يقول ونبرات صوته تقطر حزنًا: لقد عالجت طفلة ولدت على يدى فى مستشفاى هذا، كانت مغتصبة وهى فى الثانية من عمرها!
يعود صوت المعلق ليقول: لقد عالجت منشأة الطبيب أكثر من أربعين حالة، ثم تعرض الطبيب لست محاولات اغتيال، فهرب إلى أوروبا، ومكث بها سنة واحدة، إلا أنه عاد إلى بلاده ليجد آلاف السيدات اللاتى يرتدين الأبيض فى استقباله بالمطار!
يومها صاح الطبيب صيحته الخالدة: أين كان الرجال عندما جرى اغتصاب زوجاتهم وأمهاتهم وبناتهم؟!
حمل الطبيب قضية نساء بلاده على عاتقيه وطاف بها أرجاء العالم، وفجرها فى قلب قاعات الأمم المتحدة، لم يكن يترك فرصة إلا وانتهزها لكى يفضح الجريمة ويندد بالمجرمين، حتى أطلق عليه الإعلام العالمى لقب «ملاك بوكافو الحارس» وبوكافو هى اسم المنطقة التى يعمل بها.
قبل شهور من الآن أعلنت الأكاديمية الملكية السويدية منح جائزة نوبل للسلام لدينيس موكويغى لجهوده فى مكافحة العنف الجنسى، لتبدأ حلقة جديدة فى حياة الملاك الحارس.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة 

الاثنين، 4 فبراير 2019

عن عشق البالون للهواء



لم تكن سوى سيدة رشيقة القد، بيضاء البشرة، سوداء الشعر.
ـ ثم ماذا؟
ـ لا شيء آخر.
للإنصاف أسجل أن الشيء الوحيد الذى كانت تتمتع به فوق تلك الصفات الجسمانية، كان شوقها العارم لأن تصبح بالون ملونًا يحلق حيث السماوات العلا، بطريقة ما أصبحت البالون الذى تشتهيه (يوجد متخصصون فى ملء البالونات وتلميع الأسماء ودهان اللافتات) وبلمعان اسمها حصلت على الجرعة الأولى من الهواء اللازم لملء بالونها النفسى، جريدة شهيرة التقطتها وجعلت منها الصحفية الحديدية وعهدت إليها بمحاورة الشخصيات الشهيرة، هنا لا بد وأن تنتبه إلى أن كل حواراتها كانت مع شخصيات تتولى أرفع المناصب ثم أخنى عليها الذى أخنى على لبد، ولكن تلك الأحاديث الباردة نجحت فى إضافة المزيد من الهواء للبالون النفسى.
ثم بعد فترة من إجرائها للأحاديث الهادئة المطمئنة التى تجلب المزيد من الشهرة ولا تسبب أى قلق لأحد، تحولت السيدة إلى محاورة لكتّاب ومهتمين بالشأن العام يعيشون الأمتار الأخيرة من أعمارهم، ولقد كان هؤلاء لقمة طرية سقطت بين أسنانها، شائع جدًا أنها حاورت رجلًا كان فى شبابه وقبيل شيخوخته من الذين تقوم الدنيا إن قام وتقعد إن قعد، قال لها الرجل كلامًا كثيرًا لم يملأ بالونها بالهواء بالقدر المطلوب، فتفتق ذهنها عن فكرة شيطانية، لقد غافلت الشيخ العجوز الهرم وسطت على بعض من أوراقه شديدة الخصوصية، وعندما افتضح أمرها قالت بتلقائية تحسد عليها: لقد تدللت عليه وأخذت أوراقه !!!!
ثم جرت بعد تلك الواقعة فى النهر مياه كثيرة وأصبح اسمها يدوى مثل الطبول الأفريقية، وأصبح بالونها ممتلئًا حتى كاد أن ينفجر.
وتصدرت المشهد بوصفها المثقفة صاحبة المواقف البطولية، ثم لأنها لم تتمتع يوما بأى أصالة أيًا كان تعريفك للأصالة، فهى مجرد بالون لا أكثر ولا أقل، فقد تلاعب بها الريح فاصطدم بالونها بجسد صلب فانفجر، وسقط على الأرض جثة هامدة.
لم تتعلم الدرس فسعت لملء بالونها بعد أن لعقت جراحها وغيرت هيئتها بلون شعر جديد وملابس تبدو فيها مثل مراهقة حمقاء.
أطلت على الناس ببالونها الجديد قائلة: «مفاجأة لكل الستات اللى عايزة تعيش حياتها فى هناء ومن غير عكننة، لو كنت مطلقة وهتموتى على الزواج وخائفة تجربى «ليطلع شبه المأفون» أو أرملة، وخائفة «الناس تاكل وشك.. وتقول: ما صانتش الرجل فى تربته».. إليك العرض الخرافى رجل روبوت على كل صنف ولون، «النحنوح» و «الحمش»، «اللى بيسبل»، و«اللى بيغازل»، «واللى بيدخل على طول فى الموضوع... هيدلعك لا هيقولك تخنتى أو يا خميرة العكننة، وكل ما هتطلى فى وشه هيقولك: بحبك يا قمر، بموت فيك يا غزال.. الأسعار مثل أى سلعة تبدأ «غالية» وبعدها «هيرخصوا ويرطرطوا»، الأسعار تبدأ من 5 آلاف دولار حتى 16 ألف دولار، مميزاته بيقوم بكل الوظائف العضوية للرجل، «الوظائف إياها»، «لهلوبة فى شغل البيت، محترف فى المكواه، وأستاذ فى تشطيب الحوض»..
الرجل بعد فترة من الزواج ما فائدته: غير إنه يغير الأنبوية ويشغل السخان.. يا شيخة هينى قرشك ولا تهينى نفسك.. واختارى اللى على مزاجك.. قطع الرجل الطبيعي».
هل رأيتم عواقب البالونات؟.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة صوت الأمة / السبت 2 فبراير 2019