الخميس، 21 ديسمبر 2017

مفاجأة.. الأنصار لم يستقبلوا النبى بنشيد "طلع البدر علينا"



تعد الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، هى ثانى أهم وأخطر حدث فى الإسلام.
كان الحدث الأول هو نزول الرسالة ذاتها، فى تلك الليلة المباركة التى عرف فيها الرجل القرشى الصادق الأمين محمد بن عبدالله أنه من الآن فصاعدًا قد أصبح رسول رب العالمين للعالمين .
 
تكتسب الهجرة أهميتها الاستثنائية فى ضوء ما عرفناه من عداء قريش للرسول وأصحابه، ذلك العداء الذى وصل إلى حد حصار بيت محمد لقتله، وبقتله ينتهى الدين الذى صدّع أدمغتهم ليس بدعوته إلى توحيد رب العالمين فحسب، بل لدعوته إلى المساواة بين كل البشر، فهل يقبل رجل مثل عمرو بن هشام (أبو جهل) بالوقوف فى صف واحد مع رجل مثل بلال بن رباح؟

جاءت الهجرة لتنقذ الدين وتؤسس وطن الحرية والعدل والخير والجمال ولتخلّص بنى الإنسان من عبادة بعضهم البعض ومن السجود لأحجار لا تسمع ولا ترى.
وقد عنى المسلمون بحوادث الهجرة أشد عناية ودوّنوا أدق تفاصيلها، ولكن وقع البعض فى روايات ضعّفها العلماء.
وللحق فإن ما تعلق به عامة الناس من روايات قد ذكره جماعة من العلماء الكبار، فمن ذلك ذكرهم لقصة العنكبوت التى نسجت خيوطها على فتحة باب ثور لتخفى النبى عن عيون مطارديه وكذلك قصة الحمامتين اللتين باضتا على باب الغار.

روى الإِمام أحمد بن حنبل فى مسنده: فصعدوا على الجبل (يعنى مشركى قريش) فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل هنا لم يكن نسيج العنكبوت على بابه.
وقال ابن كثير، رحمه الله: ويقال والله أعلم إن العنكبوت سدّت على باب الغار، وأن حمامتين عششتا على بابه.
وضعّف الشيخ الأستاذ أحمد شاكر محقق مسند الإمام أحمد القصة وقال: "فى إسناده نظر".

ثم جاء الشيخ الألبانى فضعّف القصة ثم قال: إن آية {وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا} فيها ما يؤكد ضعف الحديث؛ لأنها صريحة بأن النصر والتأييد إنما كان بجنود لا تُرى، والحديث يُثبت أن نصره - صلى الله عليه وسلم- كان بالعنكبوت، وهو مما يُرى، فتأمّل.
والأشبه بالآية أن الجنود فيها إنما هم الملائكة، وليس العنكبوت ولا الحمامتان.
ثم قال الألبانى: واعلم أنه لا يصح حديث فى عنكبوت الغار والحمامتين.

ومن علماء الهند يأتى أبو تراب الظاهرى، فيقول: وقد ورد أن حمامتين وحشيتين عششتا على بابه، وأن شجرة نبتت، وكل ذلك فيه غرابة ونكارة من حيث الرواية، وفى رواية فيها غرابة ونكارة أن الحمامتين أفرختا، وأن حَمَامَ الحرم المكى من نسل تلك الحمامتين، وكل ذلك بأسانيد واهية.

وقال شيخ جزيرة العرب ابن عثيمين، معلقا على قول أبى بكر الصديق (لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا): فيه دليل على أن قصة نسج العنكبوت غير صحيحة، فما يوجد فى بعض التواريخ أن العنكبوت نسجت على باب الغار، وأنه نبتت شجرة وكان على غصنها حمامة.. كل هذا لا صحة له؛ لأن الذى منع المشركين من رؤية النبى وصاحبه أبى بكر ليس أمورا حسية تكون لهما ولغيرهما بل هى أمور معنوية وآية من آيات الله عز وجل، فما كان عشٌّ كما يقولون، ولا حمامة وقعت على الغار، ولا شجرة نبتت على فم الغار، ما كان إلا عناية الله عز وجل؛ لأن الله معهما .

ومن المشهور المتداول بين الناس أن الأنصار قد استقبلوا الرسول وهم ينشدون:
طلع البدر علينا   ** من ثنيات الوداع   
وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع
وهذا النشيد رواه غير واحد من العلماء، يأتى البيهقى على رأسهم، وأصله ما قاله ابن عائشة: لما قدم النبى صلى الله عليه وسلم المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقولون:
طلع البدر علينا ** من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ** ما دعا لله داع

وجاءت طائفة من العلماء فقالوا: هذا إسناد ضعيف، فيه انقطاع كبير؛ فإن ابن عائشة متأخر الوفاة، وهو من شيوخ الإمام أحمد وأبى داود، فكيف يروى حدثا من أحداث السيرة النبوية من غير إسناد؟
وقال الحافظ العراقى: هذا حديث معضل.
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: هو سند معضل.
وقال الألبانى: هذا إسناد ضعيف، رجاله ثقات، لكنه معضل، سقط من إسناده ثلاثة رواة أو أكثر، فإن ابن عائشة هذا من شيوخ أحمد وقد أرسله.. فالقصة برمتها غير ثابتة.

أما الإمام ابن القيم فقد نسف القصة من جذورها فقال فى كتابه زاد المعاد: إن هذا الحديث وهم ظاهر؛ لأن "ثنيات الوداع" إنما هى من ناحية الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمر بها إلا إذا توجه إلى الشام.

وشرح كلام ابن القيم معناه، أن مكة المكرمة هى جنوب المدينة المنورة، فالرسول قادم من الجنوب إلى الشمال، بينما ثنيات الوداع هى فى شمال المدينة فى الطريق إلى بلاد الشام، فكيف يظهر الرسول فى مكان ليس فى طريقه ولا يقصده؟

وبعد هذا التبيان لحقيقة الهجرة، ليتنا نعرفها على وجهها الصحيح، فقد كانت خطوة عظيمة جدا وخطيرة جدا، درسها صلى الله عليه وسلم خير دراسة وخطط لها خير تخطيط، ثم بعد نفاد جهده البشرى كانت عناية الله التى هى فوق كل شىء.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" 2017

الاثنين، 11 ديسمبر 2017

حسين مؤنس ... لو يُطاع لعالمٍ أمر




كان جذيمة الأبرش أحد ملوك العرب  في الجاهلية، وكان له حليف اسمه "قصير" وذات يوم قال جذيمة لقصير إن الملكة "الزّباء" تريد الزواج مني فما رأيك يا حليفي وصديقي؟
فقال قصير: أرى أن الأمر خدعة فلا تذهب إليها ولا توافق على عرضها ولا تغفل أبدًا عن أنك قد قتلت أباها.
جماعة المنتفعين حول سيدنا الملك زينت له الأمر من ألفه إلى يائه، بل تبرع بعضهم وخاض في قصير عدو النجاح بل وعدو الوطن الذي لا يريد الخير لمولانا وسيدنا جلالة الملك.
ذهب صاحب الجلالة جذيمة الأبرش بصحبة موكبه من جماعة المنتفعين إلى العروس الملكية، وقبل أن يبدأ أي شيء كان جذيمة قد لقى حتفه في زحام موكب الاستقبال الملكي الذي أعدته له العروس الملكية!
وهنا تنهد الناصح الأمين قصير وقال جملته الخالدة التي أصبحت   مثلا: "لو يطاع لقصير أمر".
قصيرنا الأمين الذي نتناول اليسير من سيرته هو العالم الجليل حسين مؤنس.

البداية
تقول وكيبيديا إن حسين مؤنس قد ولد في مدينة السويس في 4 رمضان 1329 هـ الموافق 28 أغسطس 1911م. نشأ في أسرة كريمة، وتعهده أبوه بالتربية والتعليم، فشب محبًا للعلم، مفطورًا على التفوق والصدارة، حتى إذا نال الشهادة الثانوية في التاسعة عشرة من عمره جذبته إليها كلية الآداب بمن كان فيها من أعلام النهضة الأدبية والفكرية، والتحق بقسم التاريخ، ولفت بجده ودأبه في البحث أنظار أساتذته، وتخرج سنة 1934.

نقف هنا وقفة قصيرة قبل أن نمضي في تقديم التعريف بعالمنا الأستاذ الدكتور حسين مؤنس.
من هو والد مؤنس؟
ولا كلمة عن هذا الرجل العظيم الذي سيقدم لنا عالمًا جليلًا، ثم هو رجل عظيم لأنه كان حريصًا علي تعليم أبنائه ذكورًا وإناثًا قبل أكثر من سبعين سنة وهذا أمر كان غريبًا وعجيبًا جدًا في ذلك الزمان.
إن الدكتورة منى مؤنس أستاذ الأدب الانجليزي بالجامعة المصرية، كريمة عالمنا الأستاذ حسين تقول إن أباها كانت له شقيقتان، إحداهما كانت تدرس الأدب الإنجليزي والثانية كانت حاصلة علي الثانوية، وهذا الكلام كان قبل ثورة يوليو بزمن بعيد، حرص الجد علي تعليم أولاده لم يشفع له لدي الذين ترجموا  للأستاذ حسين فلم يكتبوا شيئًا عن أبيه الذي تعهده بالرعاية والعناية حتى سلمه لنا عالما فذًا. 

  بعد حصول  حسين مؤنس على ليسانس الآداب (لاحظ إنه كان متفوقًا جدًا) جرى تعيينه في وظيفة  فني مكتبة بالجامعة !!
هو بنفسه وصف العمل بأنه أقرب إلي عمل الفراش فرفضه وعمل مترجمًا عن الفرنسية ببنك التسليف، حتى سأل عنه أستاذه العالم الجليل عبد الحميد العبادي، فعرف أنه يعمل مترجمًا في بنك التسليف فاستدعاه وعرض عليه أن يعمل سكرتيرًا بالجامعة للعالم الأستاذ عبد الرازق السنهوري، وقبل مؤنس فورًا عرض العبادي رغم أنه سيخسر أربعة جنيهات شهريًا هى الفارق بين راتبه من الجامعة وراتبه من بنك التسليف، والسطور التي كتبها الأستاذ مؤنس عن السنهوري تستحق أن تكتب بالذهب، إنه يصف السنهوري وصفًا جامعًا مانعًا في سطور قليلة يكاد لا يفلت منه شيء، حتى الحذاء القماش الذي كان السنهوري ينتعله وصفه مؤنس.

 اشترك مع جماعة من زملائه في تأليف لجنة أطلقوا عليها "لجنة الجامعيين لنشر العلم" وعزمت اللجنة على نشر بعض ذخائر الفكر الإنساني، فترجمت كتاب "تراث الإسلام" الذي وضعه مجموعة من المستشرقين، وكان نصيب حسين مؤنس ترجمة الفصل الخاص بإسبانيا والبرتغال، ونشر في هذه الفترة أول مؤلفاته التاريخية وهو كتاب "الشرق الإسلامي في العصر الحديث" عرض فيه لتاريخ العالم الإسلامي من القرن السابع عشر الميلادي إلى ما قبل الحرب العالمية الأولى ثم حصل على درجة الماجستير برسالة عنوانها "فتح العرب للمغرب" ثم حصل علي الدكتوراه من جامعة زيورخ بسويسرا، عام 1943.

زواج الراهب
كان الأستاذ الفنان حسين مؤنس راهبًا يقوم بحقوق الرهبنة في محراب العمل، فتأخر زواجه عن السن المتعارف عليها بين أبناء جيله، ثم هو كان محبًا للموسيقى الكلاسيكية، وكان يرتاد الأماكن التي يجري فيها عزفها أو تقديم محاضرات عنها، وفي قاعة من القاعات سيتعرف على فتاة سويسرية تصغره بعشر سنوات، كانت مثله محبة للموسيقى وتجيد آلتين هما البيانو والأكورديون، تحبا الاثنان وتقدم مؤنس لأهل محبوبته فرفضوه لما بين عالمه وعالم محبوبته من فوارق، ولكنهم رضخوا للأمر عندما رأوا تمسكه بحبيبته وتمسكها به، فراوغوه عارضين عليه أن يعود إلى مصر ويبقى بها عامًا كاملًا فإن وجد جذوة حبه ما تزال متقدة فليعد إليهم، وهذا ما فعله ليتزوج أخيرًا من سيدة فضلى ستتيح له كل دعم ممكن لكي يتفرغ لعلمه وتلاميذه.
في هذا الزواج أمور مهمة سجلتها بدقة ابنته الدكتور منى مؤنس في كتابها القيم "في بيت حسين مؤنس".
الزوجة قادمة من سويسرا للإقامة الأبدية في مصر، فتسارع من تلقاء نفسها إلي تعلم العربية حتى تصبح لغتها الرئيسية التي لا تتحدث سواها رغم إجادتها للفرنسية والألمانية.
ثم تعلن الزوجة إسلامها دون أدنى ضغط أو تدخل من زوجها المتخصص في التاريخ الإسلامي، وعندما تسلم تحرص كل الحرص علي تنشئة أولادها تنشئة إسلامية، حتى والأسرة الطيبة تعيش في عواصم الغرب.

العودة إلى الأندلس
عمل الأستاذ الفنان في العديد من بلدان أوربا ولكنه تألق عندما أصبح مديرًا لمعهد الدراسات الإسلامية في مدريد، هو بالأساس كان مولعًا بتاريخ المغرب الإسلامي وفي القلب منه الأندلس الذي جابه مقاطعة مقاطعة، عاملًا على بث روح التعاون بين مصر والمسلمين عامة وبين أسبانيا المعاصرة.
ومن أسبانيا سيذهب إلى الكويت في بداية نهضتها أستاذًا في جامعتها ثم يعود إلي مصر عشقه المقيم.
كان الرجل محبًا لمصر حبًا قل نظيره، حتى أنه قال إنه خشي أن يتخصص في التاريخ المصري فيغلب حبه لبلده على موضوعية يجب أن يتحلى بها المؤرخ!
ثم هو يرتدي دائمًا وأبدًا رباط عنق أسود حدادًا على هزيمة يونيو 1967 ويظل حريصًا على الرباط الأسود حتى تصله أخبار نصر رمضان أكتوبر 1973 فيخلع عن عنقه شارة الحداد ابتهاجًا بانتصار الكرامة المصرية.

نظرته إلى التاريخ
التاريخ عند مؤنس كائن حي وليس سجلات ميتة، يقول عن التاريخ في كتابه "تنقية أصول التاريخ الإسلامي": إن التاريخ الإسلامي قد فقد شخصيته وروحه ورسالته، لأن التاريخ إذا لم تكن له غاية أو روح أصبح حديثًا مكررًا معادًا لا معني له، لقد فقد تاريخنا شخصيته منذ أصبح مجرد نزاع علي السلطان، التاريخ لا شيء إذا لم تكن له رسالة، والإسلام هو رسالة التاريخ الإسلامي.
هذا الكلام الجاد الخطير يكتبه مؤنس بكل سهولة ويسر بعد أن امتلأ  قلبه وعقله بروح ورسالة التاريخ، ولذا فهو لا يخشى في تاريخه الإسلامي لومة لائم.
ولذا تراه يصف المؤرخ الجليل والكبير الطبري بأنه رجل به سذاجة، وفي موضع آخر من الكتاب سابق الذكر يصفه بالعبط، وهو لا يزعم الجرأة بدون دليل ولا يحط من قدر الطبري وعلمه ولكنه يناقش ما جاء في تاريخ الطبري وتفسيره من روايات إسرائيلية ستكون حربة يطعن بها المستشرقون القلب الإسلامي، مثل الأسطورة التي أوردها الطبري وروج لها عن تلفظ رسولنا بآيات تمتدح أصنام قريش، وهي الآيات التي تتحدث عن أن اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى هن الغرانيق العلا وإن شفاعتهن لترتجى.
ينسف مؤنس بكل هدوء وأدب تلك الأسطورة التي يتمسك بها الاستشراق لأنها مروية في كتب الإمام الطبري.
وعلى مدار حياته كان مؤنس يلح في طلب تنقية كتب التراث من كل ما يسيء للإسلام ولرسوله، وكانت طريقته في التنقية تقوم على أن يقرأ تلك الكتب أهل العلم بها وينشرونها كما هي، ولا يتدخلون فيها بالحذف أو الإضافة ثم يأتون في هامشها ويعلقون على متنها موضحين موقفهم مما ذكره المؤلف دون تدخل في متنه.

ثم مرت السنوات ولم يستجب أحد لمؤنس الناصح الأمين، الذى توفي عام 1996،  ولو كانت الدولة قد سمعت كلامه وأطاعت نصيحته الذهبية لوفرت علينا وعلى نفسها عبء مواجهة الذين يشتمون والذين يشمتون ولكانت كتب تراثنا قد أصبحت صافية كماء السماء، ولكن لا يطاع لقصير أمر. 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة "التحرير" 19 مايو 2015

الخميس، 7 ديسمبر 2017

لماذا يصر الأزهر على عدم تكفير داعش؟




 


أطلت علينا السيدة المذيعة بعد ساعات قلائل من مذبحة مسجد الروضة، فلم تحترم حزننا وفجيعتنا فراحت تكلمنا بالعين والحاجب وخصلة من شعرها أهملتها متعمدة لتشاكس بها جانب خدها، ثم مع فوران حماسها، راحت تشير بكل يديها حتى خفت أن تشير لنا نحن الواقعين تحت وطأة مشاهدتها إشارة غير لائقة.

السيدة المذيعة كانت تحشد كل عروق رقبتها لكى تصل إلى أعلى مراحل الصراخ: "إلى متى سيسكت الأزهر؟! إلى متى ستسكت يا أزهر؟ إلى متى الصبر على داعش؟ متى سيعلنها الأزهر صريحة مدوية؟ متى سيقول الأزهر إن داعش كافرة؟ لو ظل الأزهر ساكتًا فاسمحوا لى أن أقول إن الموضوع فيه إنَّ".

من باب الأمانة أقرر أننى حافظت على معنى كلام السيدة المذيعة مع تغيير لفظه، لأن كل ألفاظها غارقة فى مستنقع العامية الركيكة، ثم أحب مصارحة السيدة وغيرها من السيدات والسادة الذين يرون ضرورة قيام الأزهر بتكفير داعش، بأن الموضوع فعلًا "فيه إنّ".

يا سيدةَ العروقِ النافرة، لقد قالها الأزهر مرارًا وتكرارًا أنه لن يُكفّر أحدًا، فلماذا الإلحاح على موضوع قُتل بحثًا؟
ثم هل تعلم السيدة أن الأزهر بعدم تكفيره لداعش قد أسدى لها ولنا جميعًا خدمات جليلة؟


اسمعى يا أيتها المتباكية..

سأقص عليك الخبر من أوله لمنتهاه:
هناك شىء اسمه "الكبيرة"، يعنى الذنوب العظيمة مثل القتل والسرقة والزنا، إلى آخر القائمة التى يقول بعض العلماء إنها تضم سبعة ذنوب ويقول آخرون بل تضم سبعة عشر ذنبًا، ويقول فريق ثالث بل تضم سبعين ذنبًا.

ثم يا سيدةَ الشاشة العمياء (العمياء صفة للشاشة لا لك) هناك شىء اسمه الفِرق الإسلامية التى كانت تبحث فى العقائد لا فى الفقه، يهمنا الآن التوقف عند أربع منها.
الأشاعرة والمعتزلة والمرجئة والخوارج (لا تعترضى على الأسماء فهى هكذا).
هذه الفرق وغيرها بحثت فى شأن مرتكب الكبيرة، القاتل مثلاً، فماذا قالت عنه؟
أولًا: الأشاعرة وهى فرقة أسسها أبوالحسن على بن إسماعيل الأشعرى الذى ولد بالبصرة سنة 270 هـجرية، يعنى قبل وجود داعش بأكثر من ألف سنة.
ستقولين: ما هى علاقة الأزهر بهؤلاء الأشاعرة؟
سأقول لك: اصبرى قليلًا، الأزهر يا سيدة الشاشة الحولاء (الحولاء صفة للشاشة) مؤسسة مثل غيره من المؤسسات، يعنى لديه عقيدة لا يستطيع إنكارها ولا تغييرها، هذا الأزهر عقيدته هى الأشعرية، وقد تقلد هذا المعتقد قبل ألف عام، لأنه معتقد أهل السنة والجماعة، ونحن يا سيدتى فى مصر نقول عن أنفسنا إننا أهل السنة والجماعة، فلو حضرتك لديك اعتراض وتريدين تشييع مصر فهذا موضوع أكبر منى ولن أناقشك فيه.

طيب ماذا قالت الأشاعرة عن مرتكب الكبيرة؟
قالت: هو فاسق ولكنه ليس كافرًا.
هذه الكلمات الخمس هى عقيدة الأزهر فى هذا الموضوع، فلو كانت السيدة تطالب الأزهر بتغيير عقيدته فهذا موضوع آخر.

ثم يا أيتها الصارخة يجب أن تعلمى أن عقيدة الأشاعرة قد اجتذبت الكثير من العلماء، سجلى لديك، الإمام النووى‏‏‏ شارح "صحيح مسلم"، وصاحب "رياض الصالحين"، الإمام ابن حجر العسقلانى شارح "صحيح البخارى"، ‏ والقرطبى والرازى وابن عطية والسيوطى والآلوسى والزرقانى، والحاكم والبيهقى والخطيب البغدادى وابن عساكر والخطابى وأبو نعيم الأصبهانى والعز بن عبدالسلام والهيثمى.
يعنى هؤلاء الناس عندهم نظر ثاقب وفكر ناقد ولو رأوا فى الأشعرية زيفاً ما انضموا إليها.

ثانيًا المعتزلة: يجوز حضرتك سمعت باسم واصل بن عطاء، مؤسس المعتزلة التى ترى أن مرتكب الكبيرة فى منزلة بين المنزلتين، يعنى لا هو كافر ولا هو مؤمن.
ما رأى حضرتك؟ هل تفضلين أن نكون معتزلة؟
نحن أهل ذنوب يا هذه، أم أنك ترين نفسك مريم العذارء؟

ثالثًا: المرجئة هم- يا أيتها السيدة- يليقون بهذا الحول الذى يعانيه بعضنا، فرقة لها آراء عجيبة، المرجئة تقول: لا تضر مع الإيمان معصية ولا تنفع مع الكفر طاعة.
بربك يا ذات الخصلة الملونة هل هذا كلام نافع؟
معنى كلامهم أن كل الذنوب متاحة ولا عقاب عليها ما دام فاعلها من المؤمنين.
قلت لك من البداية إنهم جماعة من أصحاب الآراء العجيبة.

رابعًا: الخوارج، الحقيقة يجب أن تكون هنا موسيقى رعب.
الخوارج- يا هذه- هم أجداد داعش وأصلها وجذرها، الخوارج هم الذين قتلوا عليًا بن أبى طالب وهو يستعد لصلاة الفجر فى رمضان.
الخوارج- يا ناصحة قومها- يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر مخلد فى النار.
يعنى لا قدر الله، أقول لا قدر الله، حضرتك تناولت كأس ويسكى فحضرتك فى نظر الخوارج كافرة، لأن شرب الخمر كبيرة من الكبائر.
طيب حضرتك لا قدر الله وقعت فى الفاحشة، إذًا أنت عند الخوارج كافرة ومخلدة فى النار.
طيب حضرتك لا قدر الله لا تصلين، أنت كافرة عند الخوارج.
طبعًا القتل عندهم كفر.
ستقولين كيف هو كفر وهم قتلوا عليًا؟
سأقول: هم كانوا يكفرون عليًا أصلًا.
يعنى حضرتك، ناس كفّروا عليًا وكبار الصحابة، ماذا سيفعلون معنا نحن؟! أو معك أنت؟!
بالتأكيد حضرتك تذهبين إلى الكوافير، آه لو عرف الخوارج بحكاية الكوافير هذه!

الآن هل عرفت السيدة قدر الخدمات التى قدمها لنا الأزهر عندما تبنى عقيدة الأشاعرة بشأن مرتكب الكبيرة؟
عقيدة الأشاعرة قائمة على معرفة أكيدة بطبيعة البشر "كل بنى آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون".
يعنى هناك أمل فى التوبة، بالندم على الذنب والإقلاع عنه ورد المظالم، فلو كنت حضرتك ترين نفسك بدون كبائر وتظنين أنك "خضرة الشريفة"  فهذه قولك عن نفسك لا يُلزمنا بشىء.
ثم سنفترض المستحيل وهو رضوخ الأزهر لصراخك وصراخ غيرك، هل تكفيره لداعش سيعنى أن داعش ستتوقف عن قتلنا؟
القليل من العقل يصلح العالم والله يا سيدة الصراخ.

هل عرفت السيدة الـ"إنّ" التى فى الموضوع؟
وقديمًا يا أيتها المذيعة كان الذى لا يعرف يقول: "عدس" أما الآن فالذى لا يعرف يتطاول على مقام الأزهر، فسبحان الذى يغير ولا يتغير.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
منشور بجريدة "صوت الأمة" ديسمبر 2017