الخميس، 17 مارس 2016

عن الزند الذي نشقى به وزيرًا ومخلوعًا







كان وزير العدل الأسبق المستشار محفوظ صابر قد قال جملة عنصرية ملخصها : إن أولاد الزبالين لن يعملوا في القضاء .
فهاجت ضده مواقع التواصل الاجتماعي وأثمر هياجها عن إقالة الوزير ، وللحق كانت الإقالة مستحقة  من ناحية وكاشفة ومبرزة لمرضنا العضال من ناحية أخري .

مرضنا عبّر عنه الأبنودي في واحدة من قصائده الموجهة للرئيس عبد الناصر والتي قال فيها :" أشكيك لرب العرش والأكوان يا عبد الناصر / أنت السبب / عالجتني في الجلد وتركت العصب ".

ومن عبد الناصر وإلى السيسي ، جميعهم يعالج الجلد ويترك العصب ، لقد جرتْ إقالة الوزير محفوظ ورفعتْ الأقلام وجفتْ الصحف .
لم يعالج أحد العصب ، لم تسنّ القوانين التي تسمح للمتفوقين من أولاد الزبالين بأن يعملوا في القضاء أو غيره من المهن المرموقة ، لم يفعّل أحد مواد الدستور التي تجرم عدم تكافؤ الفرص ، لم يوقف أحد الزحف المقدس لأولاد المستشارين نحو غرف النيابة ومنصات القضاء ، الجميع فرح بإقالة الوزير ـ وهذا علاج الجلد ـ وتجاهل عمدًا علاج العصب .

ثم جاء الزند ليخلف محفوظ في الوزارة ، والمستشار الزند رجل يدور حوله كلام كثير ولغط أكثر ، والسلطة التنفيذية كعادتها تقف موقف المحايد لا تنفي الكلام ولا تثبته !!
وبمجيء الزند انقسم المجتمع إلى ثلاث فرق رئيسية .

فرقة لم تشغل بالها بالأمر كله مؤمنة  بأن البلد ليست بلدها  فلماذا تتعب نفسها بدس أنفها في شئون غيرها !!
وفرقة رفضت الزند لما حوله من لغط .
والفرقة الثالثة والأخيرة هللت وكبرت للزند ، ووصفته  بأسد القضاء .

 وقد حاورت واحد من هذه الفرقة وسألته : هل يحتاج القضاء إلى قوة وشراسة أم إلى حكمة وهدوء ؟.
فرد : بل يحتاج للحكمة والهدوء .
فقلت له : لو كان هذا رأيك فوصفك للزند بالأسد باطل .
فضحك وقال : لا ترطن مثل الطابور الخامس ، الزند سيقتلع الإخوان !
أنهيت حواري معه خوفًا من أن يتهمني بأنني المسئول عن هزيمة المسلمين في غزوة أحد .

تواصل علاج الجلد مع الزند الذي انتهك العصب الذي هو الدستور أكثر من مرة ، فهو يريد سنّ قانون يعاقب والديّ الإرهابي لأنهما في رأيه لم يحسنا تربيته ، ثم هو يريد قتل آلاف الإخوان !
وغيرها من الانتهاكات التي لم تقابل بعاصفة رفض واستنكار .
ثم كان أن تورط في كلمة عابرة فهم بعضهم أنه يقصد بها الإساءة لمقام الرسول الكريم ، فعادت مواقع التواصل للهياج وعادت حليمة إلى عادتها القديمة في الفرقة والانقسام .

ففريق قليل عدده دافع عن الزند وقال إنه لا يقصد الإساءة .
وفريق أكبر عددًا بقليل من الفريق الأول قال : حتى لو كان الزند يقصد الإساءة فيجب محاسبته على غيرها من الانتهاكات وهي كثيرة ومعلومة ولا يجب التلاعب بورقة ازدراء الأديان .
الفريق الثالث وهو قوة ضاربة وكثرة غالبة قال : إلا رسول الله ، لقد وقع الزند بلسانه وتلك فرصة لن ندعها تفلت من أيدينا بأي حال من الأحوال .

تم للفريق الغالب  ما أراده وعائد الزند إلى بيته .
فهل ربح أحد أي أحد أي مكسب كان ؟
الحقيقة لقد خسرنا جميعًا لم تربح العدالة شيئًا .
وبيان وجه الخسارة الفادحة التي منينا بها يتمثل في موقف الفريق الثالث ، لأنه هو بذاته وبشحمه ولحمه الذي يرفض تطبيق قانون ازدراء الأديان على فلان أو فلانة من الأدباء والكُتاب والباحثين !!.
ثم هو بنفسه الذي يلعب لعبة خطرة وينتهز فرصة الإيقاع بعدوه راكلًا المبدأ والمعتقد.

هذا الفريق الغالب هو السبب الرئيسي في نكبة الأمة في نخبتها وطليعتها ، الأمة ترى وتسمع وتشعر وتحس وتزن الأعمال وتفرق بين الحق والباطل وبين الثابت على مبدأه وبين نهاز الفرص ، ولذا فهذه الأمة لا تصدق نخبتها ولا تطيع طليعتها لأنها جربت كلامهم المناقض لأفعالهم .

لقد ذهب الزند وحتمًا سيأتي غيره ويبقي المرض العضال علي حاله ، مرض الاكتفاء بعلاج الطفح الجلدي وترك السرطان يتوحش ويدمر الأنسجة والخلايا.
لو أن نصف أو حتى ربع الذين هاجوا غضبًا من كلمة عابرة تلفظ بها الزند قد تكتلوا وضغطوا من أجل العدالة لا من أجل الأشخاص ما كنا قد شهدنا انتهاك دستورنا الذي قلنا إننا سنفاخر به الدساتير .

هامش
قالوا إن "حليمة" هي زوجة حاتم الطائي الذي اشتهر بالكرم، بينما كانت هي بخيلة ، فكانت إذا أرادت أن تضع سمناً في الطبخ، ارتجفت الملعقة في يدها، فأراد زوجها  أن يعلمها الكرم فقال لها: إن الأقدمين كانوا يقولون أن المرأة كلما وضعت ملعقة من السمن في طنجرة الطبخ زاد الله بعمرها يوماً، فأخذت حليمة تزيد ملاعق السمن في الطبخ، حتى صار طعامها طيبًا وتعودت يدها على السخاء!
ولما مات ابنها الوحيد ، تمنت الموت، وأخذت تقلل من وضع السمن في الطبخ حتى ينقص عمرها وتموت فقال الناس:"عادت حليمة إلى عادتها القديمة".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة المقال بتاريخ 17 مارس 2016

الأحد، 13 مارس 2016

عندما أرسلني أهلي إلي السينما لأتخلص من توحدي







لماذا يبدو ذهابي إلى دار عرض سينمائي لأول مرة في حياتي  كحدث جلّل؟.
أمامنا أكثر من ألف كلمة لشرح القصة والعنوان .
أصبتُ في طفولتي المبكرة بعاهة اليتم ، ثم خرجتُ ككل الأطفال إلى الشارع  للعب مع أولاد الجيران ، كان توقيت خروجي خاطئًا ، لأنني لم أكن تعافيت بعد  من اثر العاهة ، ولذا فقد ظننت أن مجيء كلمة " أب " على لسان أي رفيق ، ما هي إلا معايرة مستترة لي .

ولكي  أضع النقاط على الحروف فقد تجبرتُ وطلبت من الرفاق ألا يذكروا الآباء ، استجاب لي بعضهم على مضض ، ونسى الآخرون مطلبي فحلقت الكارثة فوق جلساتنا ونعق غراب الشقاق فوق ألعابنا الفقيرة أساسًا .
كنت إذا ذكر أحدهم أباه أكور يدي اليمني بطريقة تلقائية وآلية تمامًا وأسدد لكمة قاسية لأنفه ، فينزف الدم وتشتعل المعركة وأشعر براحة غريبة بوقوع الخصام .

صبر الرفاق على سوء خلقي مرة واثنتين ولكنهم في النهاية قاطعوني بدعوى جنوني المؤكد .
مقاطعة الرفاق مع وصمي بالجنون جعلتني طفلًا متوحدًا.
ألوان توحدي  تمثلت ْ في سماعي للراديو ( لم نكن قد عرفنا التلفاز بعد ) منذ قرآن السادسة صباحًا وحتى سباعية  التي تبثها إذاعة صوت العرب في الثانية عشرة من منتصف الليل ، كان عكوفي يتخذ سمت نبي صغير يتلقّي وحيًا مُنزلًا .
أتكلم مع  صور أغلفة المجلات والكتب الملونة ، وما كان أكثرها في بيتنا .

أسمع مناقشات إخوتي الكبار أفهم قليلها ويستعصى عليّ معظمها ، ولكنها جميعًا تسكن ذاكرتي بدون إرادة مني .
إذًا لا رفاق ( فأنا عندهم سيء الخلق مجنون ) ولا ألعاب ( حتي لو كانت أحصنة طينية ) ولا تقارب بيني وبين إخوتي في السن ، أكبرهم ( سيصبح أبي ) بيني وبينه عشرون سنة ، والذي قبلي مباشرة تفصل بيننا ست سنوات ، أنا ابن لكل هؤلاء الذين لا يكفون عن الكلام ، إنهم يتكلمون دائمًا لا يسكتهم سوى النوم ، يتحدثون عن الذي فوق العرش وعن الذي تحت الثري !!

في أحاديثهم عن السينما لا يتفقون سوى على شيء واحد اسمه المخرج .
اسمعهم يقولون بنبرات قاطعة :" المخرج هو الكل في الكل ، المخرج هو ملك الفيلم المتوج ، لولا المخرج لهلك الفيلم ، هذا المخرج أمات الفيلم و...........".
على ماسبق فمن حق طفل له عشر سنوات مصاب بعاهتي اليتم والتوحد أن يؤمن أن المخرج هو بطل الفيلم .

أصبح وجودي في غرفة الكتب والمجلات محتضنًا الراديو من العلامات الجغرافية لبيتنا التي ترقى لدرجة البديهيات التي لا يناقشها أحد ، ولذا كان الأمر غريبًا جدًا عندما قال لي شقيقي الحاج مندي ( يكبرني بحوالي خمس عشرة سنة ) :" لابد أن تغادر هذه الغرفة ، ستغادرها اليوم ، بل الآن ، اذهب يا سيدي إلى ، إلى ، إلى السينما مثلًا ، لماذا لا تذهب إلى السينما ؟".

فوجئت بتطور سريع للأحداث بانعقاد مجلس أسري لتقرير إرسالي إلى السينما .
رحب الجميع بقرار الحاج مندي الذي موّل الرحلة بنصف جنيه كاملًا غير منقوص .
بيت أبي في قرية التمساحية التابعة لمركز القوصية التابع لمحافظة أسيوط ، وفي القوصية دار السينما الوحيدة ، والرحلة شاقة لأن بيننا وبين القوصية عشرة كيلو مترات  .

مثل خارج من كهف يواجه سطوع  الشمس ركبت الحمارة ( هناك عداء صليبي بين عائلتي واقتناء ذكور الحمير ) وتوجهت إلى القوصية مزودًا بنصيحتين ثمينتين ، الأولى ألا أتشاجر مع العيال الذين يذكرون آباءهم ، الثانية ألا يفلت مني مشهدًا من الفيلم لأني سأقص أحداثه كاملة على أسرتي عندما أعود .
رتلت ما أحفظ من القرآن لكي يوفقني الله وألتزم بتنفيذ النصيحتين .

كان قلبي يدق بعنف كذاهب إلى مجهول ، سوف ألتقي بالمخرج وأراه وأعود لأخبر أسرتي بتعرفي عليه .
السيارات  النادرة التي تمر بالشوارع وحوش من الحديد لا شأن لنا بها ، حمارتي الآن لدي خالتي " تناظر"  التي ترعى الركائب مقابل قرش يوميًا ، مالي الكثير في جيبي رغم شرائي للأهرام والأخبار والجمهورية لأسرتي وللكرة والملاعب لي لأتابع أخبار فريق الزمالك ناديّ الحبيب ، وفي قلبي شغف لا مزيد عليه لكي أري المخرج .

سينما القوصية من سينمات الدرجة الثالثة ، ولكن الهوى قتّال يا صاحبي ، فدع عنك التصنيف ورائحة السجائر والعرق بل والبول ( بعضهم كان يفعلها في الزوايا ) ودع عنك تهالك المقاعد وتساقط الطلاء وضجيج البائعة وتوحد مع الطفل المتوحد الذي يدخل السينما لكي يرى المخرج كما يظن هو ولكي يشفى من توحده كما يتوقع أهله .
السينما تعرض ثلاثة أفلام ، فيلم قديم هو " التلميذة " يليه فيلم بالألوان الطبيعية لم أعد أذكر منه سوى أن بطلته شمس البارودي تجري في الشوارع شبه عارية وهي تلطم  خديها وتصيح :" مستقبلي ضاع يا ماما"
والفيلم الثالث وهو بالألوان الطبيعية أيضًا عن تحدي بروسلى لشيء ما.

أفيش فيلم  التلميذة عليه أسماء شادية وحسن يوسف وفؤاد المهندس وأمينة رزق ، وهؤلاء أعرفهم جميعًا من مسلسلات الراديو ومن صورهم المنشورة  في المجلات  والجرائد ، ولكن أين صورة المخرج ؟.
لا أظن أن التذكرة كانت بأكثر من عشرة قروش ، دفعتها راضيًا ودخلت إلى القاعة المظلمة ، اخترت مقعدًا وجلست عليه وأنا لا أعرف من أي زاوية سيظهر الممثلون ( ليتني سألت إخوتي ) غالبت خجلي وسألت جاري فقال إن جلستي سليمة وإن الممثلين سيظهرون من تلك اللوحة البيضاء.

كدت أسأله عن المخرج ولكن تراجعت ، ليقيني بأنني سأعرفه من تلقاء نفسي .
ثم جاء الفيلم جاء ، ثمة استعلاء يغزو المتوحد تجاه جيرانه في القاعة ، المتوحد يصاحب شادية منذ زمن بعيد ، يستنكف المتوحد أن تعامله  كما تعاملهم ، يريدها أن تنظر إليه نظرة خاصة ، أليس بينه وبينها  ود قديم من يوم غنت " غاب القمر يا ابن عمي " ؟
سيغفرها لشادية جزاء مرحها ، إنها هنا مرحة ولا تنوح كما ناحت :" والله يا زمن ما بادينا زرعنا الشوك ولا رواينا يا زمن ".

شادية ابنة الخادمة أمينة رزق تحب ابن الباشاوات حسن يوسف ، أم حسن ترفض هذا الحب ، شادية لا تحب أمها ( هذا ثقيل جدًا على قلبي فأنا أحب أمي ) والد شادية مات ، ما العمل ؟ هكذا أنا ممزق بين التعاطف مع يتيمة مثلي والنفور من كارهة أمها ، شادية تهرب وتصنع شيئًا يبدو كالعيب ، ما هو العيب ؟.
العيب هو أن تكشف المرأة شعرها ، فما بالك لو كشفت عن كتفيها وفخذيها ، ثم العيب أن تكره أمها والعيب ألا تقبل يد أمها ، ولكن الحب ليس عيبًا ، إخوتي يتحدثون  دائمًا عن الحب جهارًا .

يجب أن أهدأ لكي لا تضيع مني خيوط القصة ، ولكن أين المخرج ؟
هدفي الأول هو مشاهدة المخرج ، ولذا تجرأت وسألت جاري :" أين المخرج ؟ "
رد متأففًا :" أي مخرج ؟ "
قلت :" مخرج الفيلم ".
قال :" اسمه حسن الإمام "
قلت :" ولماذا لم يظهر حتى الآن ؟ ".
قال بغضب :" المخرج لا يمثل ، واقعد ساكت ".
قعدت ساكتًا والدموع تنزل على قلبي ، شفقة ورحمة بالبنت المسكينة اليتيمة التي عن ارتاحت يومًا شقيتْ يومين ، أريدها الآن أن تعود مرحة وتغني :" سونة يا سونسن جتلك أهو ".
لقد اختفى بريق عينيها ، وشاختْ " قُصة " شعرها ، هل هناك رجل عجوز يريد أن يفعل معها العيب والحرام ، هل تنكفئ كأمها الخادمة غاسلةً وساخات الناس ؟.

أنا حزين من أجل شادية ، حتى لقد نسيت أمر المخرج الذي لم يظهر ، هل جاء " سونسن " إلى بيت أمها ليطلب يدها ؟ أم هذا ما أحلم به لكي تعود مرحة مرة ثانية .
أظلمت الشاشة معلنة انتهاء فيلم شادية ، لم أتحرك ، لقد أقعدني الحزن ، ما كان لي أن أطيع أمر الحاج مندي وأترك حديثي مع أغلفة مجلاتي .
أضاءت الشاشة فرأيت شمس البارودي ( في بيتنا كارت بوستال لها ) وهي تجري في الشوارع شبه عارية لاطمة خديها ، كل هذا كثير وثقيل على طفل متوحد .

عدت إلى بيت أبي بغير الوجه الذي غادرته به ، لم يجرؤ أحد من آبائي على سؤالي ، لقد خلوا بيني وبين أغلفة مجلاتي وصوت الراديو ، أنام دامع القلب لمصير شادية ، وأصحو منتظرًا أن تمرح وتضحك وهي تغني سونة يا سونسن جتلك أهو ".
مرتْ أربعون سنة على رحلتي الأولى إلى السينما ، شادية الآن في الخامسة والثمانين وأنا الآن في الخمسين وما تزال السينما هى كهفي الذي أتخلص فيه من توحدي متوحدًا مع ظلال وأضواء ومرح بنت شقية يتيمة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في مجلة فرجة عدد مارس 2016

الأربعاء، 9 مارس 2016

لماذا لم يستمع أحد لتحذير السيسي من نزول الجيش إلى الشارع ؟.




عندما غابت شمس  يوم الجمعة العاشر من مايو من العام 2013  ،كانت الأشياء ثابتة لم تبرح مكانها ،   فمرسي كان هناك  في قصر الاتحادية يحكم البلاد لصالح مكتب الإرشاد ، جبهة الإنقاذ كانت تتنقل  بين قاعات الاجتماعات  واستوديوهات الفضائيات تواصل  حملتها ضد المرسي ، وشباب حملة تمرد كانوا  يجبون الشوارع الأزقة والنجوع والكفور جامعين دعوات لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة ، وحزب الكنبة الطويل العريض المنتشر المتوغل كان يفكر في اتخاذ أخطر قرارات حياته بالنزول إلى الشوارع لسحب الثقة من مرسي .


في ذلك اليوم  كان " الجيش " هو كلمة السر التي تجمع بين الفرقاء ، كلٌ حسب توجهه ، فمن وجهة نظر مكتب الإرشاد كان  " الجيش " عنوانًا للأمن والأمان والحماية ، ومن وجهة نظر الآخرين كان " الجيش " قارب النجاة الذي به سيعبون بحر الإخوان المتلاطم الأمواج .

يومها ارتفع ـ وإن على استحياء ، شعار :" انزل يا سيسي مرسي مش رئيسي ".
غابت شمس الجمعة والأشياء ثابتة  ، ولكن عندما سطعت شمس السبت الحادي عشر من مايو أطلق الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزير الدفاع كلماته التي ستخترق حاجز المكان وسيظل صداها يتردد إلى يومنا هذا .

المناسبة يومها كانت حضور الفريق أول وزير الدفاع لـ " تفتيش حرب الفرقة التاسعة مدرعات " المناسبة كما تري عسكرية جدًا وفنية للغاية ، ولكن الأجواء العامة فرضت حضور الكثير من الفنانين والإعلاميين والسياسيين والشخصيات العامة .

أمام كل هؤلاء وقف السيسي ثابتًا لكي يطلق القذائف فقال :

1ـ لابد من وجود صيغة للتفاهم فيما بينكم، فهذا الجيش نار لا تلعبوا بها، ولا تلعبوا معه، لكنه ليس نارًا على أهله، لذلك لا بد من وجود صيغة للتفاهم بيننا.. البديل فى منتهى الخطورة ، إنه من دون هذه الصيغة فإن البديل فى منتهى الخطورة ، مع كل التقدير لكل من يقول للجيش انزل إلى الشارع.. لو حصل ده لن نتكلم عن مصر لمدة ٣٠ أو ٤٠ سنة للأمام .

2 ـ   مفيش حد هيشيل حد، ولا يجب أن يفكر أحد أن الحل بالجيش، وعليكم ألا تغضبوا ، لأن الوقوف 10 أو 15 ساعة أمام صناديق الانتخابات أفضل من تدمير البلد .

3ـ صحيح إحنا اللى هنأمن الانتخابات" ( انتخابات مجلس الشعب المقرر إجراؤها قبل نهاية العام الجاري) .

4ـ إحنا اللى عارفين قواتنا وعارفين قدراتها، واللي إحنا شايفينه دلوقتى - مشيرًا إلى القوات المصطفة- دُول جزء صغير من الجيش وفيه غيره كثير قوى .

5 ـ  الوظيفة اللى أنا فيها فى منتهى الخطورة، ولا أستطيع مقابلة الله بدم المصريين، ولازم تعرفوا أن القرار ده من أبريل 2010 وده قرار استراتيجي .

6 ـ أي حديث عن الديمقراطية صحي ولا أحد ينكره وسهل أن تتحقق الديمقراطية والمواطن هو الضامن لتحقيقها عبر مشاركته ولو وقف 15 ساعة في طابور الانتخابات .

7 ـ ليس بسبب المخاوف من محاذير دولية، ولكن لإدراك خطورة نزول الجيش للشارع، فى بلد عدد سكانه يتجاوز الـ90 مليونًا، وده خطر شديد جدا، لأن الأصل فى الموضوع الأمن والدولة والحفاظ علي كيان الدولة .

8 ـ  أردنا أن نريكم كيف نقضى تدريباتنا ويومنا.. وعلشان خاطري بلاش تستعجلوا.

ماذا كان وقع قذائف السيسي على الفرقاء ؟.
مكتب الإرشاد شعر بمزيد من الأمن والأمان والحماية فها هو قائد الجيش يقطع بخطورة مشاركة الجيش على أي نحو كانت المشاركة في العملية السياسية وإلا لتم تأجيل الكلام عن مستقبل البلاد لثلاثين أو أربعين سنة قادمة .

المضادون للإخوان أصاب بعضهم الفزع وبعضهم أصابه الارتباك .
الذين فزعوا كان يريدون خطابًا مغايرًا من السيسي يقول فيه صراحة أو تلميحًا :" الجيش ضد مرسي ".
ولأن السيسي لم يقلها لا تصريحًا ولا تلميحًا فقد فزع هؤلاء لأنهم أدركوا أن رهانهم على نزول الجيش الفوري إلى الشوارع  هو رهان خاسر أو على الأقل هو رهان مؤجل لحين إشعار آخر !

المرتبكون عبرّ عنه خير تعبير الإعلامي عمرو أديب عندما قال في برنامجه ( القاهرة اليوم )  : " إن رسائل الفريق السيسي اليوم "شوية تبرد قلبك، وشوية تولع نار"، وإن كلمته "متستعجلوش" تعني أنه يجب علينا الانتظار، ثم يؤكد أن الجيش سيؤمن الانتخابات المقبلة.

وأضاف أديب  متسائلا: "هم لسه هيفضلوا ( يعني الإخوان ) لحد الانتخابات؟".

ثم كان نزول الملايين يوم الثلاثين من يونيو إلى الشوارع مما أدي لبيان الثالث من يوليو ، وبعد الأمرين جرت تحت الجسور مياه كثيرة أوصلتنا إلى ما نعيشه الآن .

الجيش دخل في تفاصيل ومفاصل العملية السياسية ، لا أتحدث عن مستويات الحكم العليا ، فوجود السيسي في الاتحادية أمر طبيعي لأنه رئيس منتخب ، ولكن أتحدث عما هو أدني من ذلك بمراحل ، بداية من رئاسة الأحياء ووصولًا إلى مقاعد البرلمان  .

الفريق أول قبل أن يصبح مشيرًا ثم رئيسًا حذّر بوضوح تام من اللعب بالجيش أو معه وأفصح عن أن مشاركة الجيش تعني تأجيل الكلام عن مستقبل البلاد لثلاثين أو أربعين سنة مقبلة .

هل كلامه كان نبوءة مثل نبوءة زرقاء اليمامة التي لم يسمعوا لها أحد ثم ندموا جميعًا؟ .
هل كان الرجل في وهج المصارحة وتحمّل المسئولية يدرك يقنيًا أن الجيش خلق للقتال أحيانًا  ولحماية الحدود  دائمًا وليس لإدارة عجلة الاقتصاد ؟.

على الذين قالوا :" انزل يا سيسي " أن ينزلوا معه  للمساعدة فلربما عادت المراكب للإبحار .

هامش
تقول وكيبيديا : إن حركة تمرد هي حركة معارضة مصرية دعت في 2013 لسحب الثقة من مرسي والدعوة إلى انتخابات رئاسية مبكرة. قامت الحركة بدعوة المواطنين إلى التوقيع على وثيقة تحمل نفس اسم الحركة. انطلقت "تمرد" في يوم الجمعة 26 أبريل 2013 من ميدان التحرير بالقاهرة، على أن تنتهي في 30 يونيو من نفس العام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في جريدة المقال بتاريخ 7 مارس 2016

الثلاثاء، 8 مارس 2016

زفاف حبيباتي 3

زفاف حبيباتي 2

المجلس الأعلى للشئون الإسلامية يكشف عن الإسرائيليات في تفسير الطبري






يعد الإمام الطبري من عجائب التاريخ الإسلامي فالرجل عربي قح واسمه محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب
ومع عروبته الظاهرة تجد من ينسبه إلى العجم بدعوى أنه مولود في طبرستان ( تقع في إيران حاليًا ) وكأن كل مواليد طبرستان لابد وأن يكونوا من الفرس !!

ولد الشيخ الإمام في قوم لم يكونوا يعتمدون على السنوات في التأريخ ، وعندما كبر وسأل عن تاريخ ميلاده قالوا له إنك ولدت يوم حادثة كذا فتحري هو تاريخ تلك الحادثة فوجدتها واقعة في أواخر عام 224 هجرية أو أوائل عام 225 هجرية .
ولكن المقطوع به أنه توفي إلى رحمة الله عام 310 هجرية .

يؤكد مؤرخو حياته والمترجمون له أنه  نشأ وتربى في أحضان والده  الذي رأى منه علامات النباهة  والرغبة في العلم فتولى العناية به ووجَّهه منذ الطفولة إلى حفظ القرآن الكريم ، وثمة قصة ذكرها أكثر من مؤرخ  تشير إلى عمق المحبة التي ربطت بين الوالد وولده ، يقول ملخصها إن الأب قد  رأى  فيما يرى النائم أن ابنه واقف بين يدي الرسول ومعه مخلاة مملوءة بالأحجار، وهو يرمي بين يدي رسول الله ، وقصَّ الأب على مُعَبِّرٍ رؤياه فقال له: "إن ابنك إن كبر نصح في دينه، وذبَّ عن شريعة ربه". ويظهر أن الوالد أخبر ولده بهذه الرؤيا ؛ فكانت حافزًا له على طلب العلم ، ومن ناحيته فإن الأب قد خصص المال اللازم لابنه لكي لا يصرفه شيء عن طلب العلم .

وسيقول الطبري عن نفسه  :"حفظت القرآن ولي سبع سنين، وصليت بالناس وأنا ابن ثماني سنين، وكتبت الحديث وأنا في التاسعة".
لا يكاد يوجد عالم من علماء القرون الذهبية في الحضارة الإسلامية عاش ومات في بلد واحد ، كان علماء ذلك الزمان يتنقلون من بلد لآخر سعيًا وراء التلمذة علي أيدي أشهر وأكبر علماء زمانهم ، ولذا فقد تنقل الطبري ما بين طبرستان وبغداد والشام ومصر ، وفي كل تلك البلاد تتلمذ علي يد أكابر علمائها ، ولا شك أن كل هذه الرحلات قد أفادت الطبري في مؤلفاته التي ستصبح مضرب الأمثال في غزارتها وتنوعها وإتقانها .

وبعد رحلاته المتعددة عاد الطبري ليموت ميتة عجيبة في داره ببغداد .
ومنذ بدأ رحلته العلمية وإلى أن أنتقل إلى رحمة الله كتب الطبري العديد من أمهات الكتب ، نذكر منها تفسير الطبري—المسمى بجامع البيان عن تأويل آي القرآن.
تاريخ الطبري (تأريخ الأمم والملوك).

كتاب آداب النفس الجيدة والأخلاق النفيسة.
اختلاف علماء الأمصار في أحكام شرائع الإسلام.
صريح السنة (يوضح فيه مذهبه وعقيدته).
الفصل بين القراءات.
آداب القضاة.
آداب النفوس.
آداب المناسك.
تهذيب الآثار
فضائل أبي بكر وعمر .
وقد قوبلت مؤلفات الإمام الطبري بترحيب أكابر علماء الإسلام ، وإليك طائفة من شهاداتهم عنه .
قال عنه الإمام النووي:" أجمعت الأمة على أنه لم يصنف مثل الطبري "
وقال ياقوت الحموي: "أبو جعفر الطبري المحدِّث، الفقيه، المقرئ، المؤرِّخ، المعروف، المشهور".

وقال الخطيب البغدادي: "كان أحد أئمة العلماء، يُحكم بقوله، ويُرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله، وكان قد جمع من العلوم ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره، وكان حافظًا لكتاب الله، عارفًا بالقراءات كلها، بصيرًا بالمعاني، فقيهًا في أحكام القرآن، عالمًا بالسنن وطرقها ".

وقال عنه أحمد ابن خلكان:"العلم المجتهد عالم العصر صاحب التصانيف البديعة كان ثقة صادقا حافظا رأسا في التفسير إماما في الفقه والإجماع والاختلاف علامة في التاريخ وأيام الناس عارفا بالقراءات وباللغة وغير ذلك".
قال ابن الأثير:" أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ وفي تفسيره ما يدل على علم غزير وتحقيق وكان مجتهدًا في أحكام الدين لا يقلد أحدًا بل قلده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه ".

قال الذهبي: "الإمام الجليل، المفسر أبو جعفر، صاحب التصانيف الباهرة... من كبار أئمة الإسلام المعتمدين. كان ثقة حافظًا صادقًا، رأسًا في التفسير، إمامًا في الفقه والإجماع والاختلاف، عَلاَّمةً في التاريخ وأيام الناس، عارفًا بالقراءات واللغة".

قال ابن تيمية: " وأما التفاسير التي في أيدي الناس فأصحها تفسير محمد بن جرير الطبري ".
هل قرأ كل هؤلاء العلماء تفسير الطبري قراءة واعية مدققة ؟.
نلقي السؤال وننتظر الإجابة بعد قليل .
ترى معي أن الشيخ الإمام كان شهيرًا جدًا وذائع الصيت وله صولة وجولة ، لكن زمانه كان زمن التعصب للمذاهب تعصبًا بغيضًا أدي في حالات كثرة إلي مقتل أئمة من أكابر علماء الأمة
هذا التعصب لم يكن يتوافق مع شخصية الطبري النازعة إلى
الورع والزهد والحذر من الحرام، والبُعد عن مواطن الشُّبَه، واجتناب محارم الله تعالى، والخوف منه، والاقتصار في المعيشة على ما يَرِدُهُ من ريع أرضه وبستانه الذي خلَّفه له والده .

وعن تلك الصفات يقول ابن كثير: "وكان الطبري  من العبادة والزهادة والورع والقيام في الحق لا تأخذه في ذلك لومة لائم،... وكان من كبار الصالحين".

وإضافة لما سبق كان الطبري عفيف اللسان، وكان يناظر مرة داود بن علي الظاهري في مسألة، فتوقف داود عن الكلام ، فشق ذلك على أصحابه، فقام رجل منهم، وتكلم بكلمة موجعة للطبري، فأعرض عنه، ولم يرد عليه، وترفَّع عن جوابه، وقام من المجلس، وصنَّف كتابًا في هذه المسألة والمناظرة.
رجل بهذه الصفات يصبح دائمًا لقمة سائغة للمتعصبين الذين يريدون الناس كل الناس نسخة واحدة منهم تردد كالببغاء كلامهم واحد من المتعصبين يدعى أبو بكر بن داود ، وكان قائدًا للحنابلة في بغداد ، في زمن كان فيه الحنابلة أكثر من أن يحصوا في بغداد بل وفي العراق كله ، أبو بكر هذا سيشنع علي الطبري بأنه شيعي ومن الروافض ، وإلى أخر تلك التهم المحفوظة والمعروفة .

أثمرت تلك الحرب الإعلامية ثمارها الخبيثة وتعصبت العامة الذين لا يعرفون شيئًا عن علم الطبري ولا حتى يعرفون شيئًا عن حقيقة الشيعة ، وقد بلغ تعصبهم حد قيامهم بمنع باقي الناس من الاجتماع بالطبري أو الاستماع إلي دروسه ومحاضراته ، بل وحاصروه في بيته الذي ظل به إلي أن مات فمنعوا دفنه نهارًا ، وجري دفنه ليلا في بيته .
هل فكر المتعصبون هؤلاء في أن إمام مذهبهم أحمد بن حنبل عليه الرضوان دفع حياته ثمنًا لنزاهة رأيه واستقلاله وقد لقي ربه شهيدًا بعد اضطهاد تحدثت عنه الكتب وصار مضرب الأمثال ، في المحن التي يصبها المتعصبون صبًا علي رؤوس العلماء الأفذاذ .

الطبري هم من عرفنا وهو بحق شيخ مفسري القرآن وشيخ مؤرخي الإسلام ، ولكن لكل شيء إذا ما تم نقصان ، ونقصان الطبري جاءه من إكثاره من الرواية عن اليهود الذين اسلموا وليس لنا أن نخوض في حقيقة إسلامهم .
هؤلاء اليهود كانوا مولعين بذكر كل الغرائب والأساطير التي تفضي في النهاية إلي أن يقتنع الذي يسمع لهم بأن اليهود شعب ليس كمثله شعب وأنهم حقًا شعب الله المختار .
وهذا كلام فاسد لا يقره العقل ولا يؤيده النقل ، فكل الشعوب لدي الله عز وجل سواء وليس ثمة امتيازات إلهية يمنحها الله لشعب دون الآخركان الطبري رحمه الله ينقل روايات تصطدم أول ما تصطدم مع الذكر الحكيم الذي حفظه صغيرًا وقام علي تفسيره شابًا وشيخًا حتى كان أعلم الناس به .
حول إسرائيليات تفسير الطبري كتبت الأستاذة الدكتورة " آمال محمد عبد الرحمن ربيع " كتابها الفذ " الإسرائيليات في تفسير الطبري .. دراسة في اللغة والمصادر العبرية ".

المفرح في أمر هذا الكتاب أن ناشره هو المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ، أما المحزن فهو أن الدولة التي نشرت الكتاب لم تستفد منه  منذ نشره في العام 2005!!
الأستاذة آمال تجيد العبرية كما العربية ، وهذا أمر جيد جدًا لأنها وضعت يدها علي المصادر العبرية التي أخذ عنها الشيخ الأمام ، فتجدها تنشر النص العبري يقابله النص العربي الموجود في تفسير الطبري .

الذي قرأ شيئًا من التوراة التي بين أيدينا يعلم أن اليهود لا يتورعون عن ذم أنبيائهم الكرام عليهم جميعًا السلام !!
ومن ذلك ما يذكره اليهود عن أن نبي الله داود عليه السلام كان فوق سطح بيته فرأي امرأة تغتسل ، فأعجبته ، ثم أنها نظرت حولها فرأته فأسدلت شعرها عليها فزادها ذلك جمالًا على جمالها ، فسال عنها فعلم أنها زوجة قائد من قواد جيشه فظل يرمي بهذا القائد في أتون أشرس المعارك حتى قتل في معركة من المعارك وهذا ما كان يخطط له داود ، فلما قتل القائد قام داود وتزوج من أرملته .
هذه الرواية الفاسدة من كل الوجوه لا نعرف سببًا لكي يوردها الطبري في تفسيره .

ثم ـ وهذه هى المصيبة والكارثة الحقيقية ـ لا يعلق عليها ولا يهدرها بل لا يناقشها أساسًا حتي يبدو للمتعجل أنه يقرها .
وحتى في القصص المتعلقة ببدء الخلق تجده  الأستاذة آمال الطبري يروي عن اليهود ما لم يرد له ذكرًا في القرآن وليس له سند من السنة النبوية المقطوع بصحتها ، ومن ذلك قصة الشيطان الذي دخل الجنة التي كان يسكنها أبونا آدم وزوجه عليهما السلام ، وقد كان دخول الشيطان في جوف حية ، ثم أغوي الشيطان حواء التي بدورها أغوت آدم بأن يأكلا من الشجرة التي حرمها الله عليهما .

الإمام الطبري يروي ولا يستنكر هذه القصة مع أن تلفيقها ظاهر جدًا ولا يخفي علي من هو أدني علمًا وفهما وفقهًا من الشيخ الإمام ، فلماذا رواها ؟ سؤال لا نستطيع الإجابة عليه .
وفي قصة الذبيح هل هو إسماعيل أم إسحاق عليهما السلام ، يورد الشيخ الإمام روايات اليهود التي تؤكد أن الذبيح هو إسحاق ، وتأكيدات اليهود ليست ملزمة لنا بحال من الأحوال ، إنه في النهاية جدهم الأعلى وهم يريدون المجد لأنفسهم في كل الحالات ، ونحن لا نعرف سببًا يدفع الطبري شيخ المفسرين لكي يعتمد على هذه الروايات بل يعاملها أحيانًا كأنها الحق المنزل فلا يناقشها مجرد مناقشة كما كان يفعل دائمًا مع روايات هى أقل شأنًا وأهون خطورة من تلك الإسرائيليات الخطيرة جدًا والتي يتمسك بصحتها كل من يريد الطعن على الإسلام .
ثم تذكر الأستاذة ما أورده الطبري من إسرائيليات بخصوص  قصة نبي الله سليمان مع ملكة سبأ ، فيروي أن بلقيس ملكة سبأ كان  معها مائة ألف قيل ، القيل في لغة اليمن تعني الملك الصغير أو رئيس القبيلة ، وهؤلاء الأقيال كان تحت كل منهم مائة ألف ، وهذا يعني أن المجموع هو عشرة  مليار !!
تعلق الأستاذة آمال بأن الرقم مبالغ فيه جدًا . الحقيقة أن الرقم ليس مبالغًا فيه بل هو كاذب لا أساس له من الصحة .

لاحظ أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون قد أكد  في تقريره أمام الدورة الـ47 للجنة الأمم المتحدة الخاصة بتعداد السكان والتنمية  أن عدد السكان في العالم ازداد من 5.7 مليار نسمة عام 1994 إلى 7.2 مليار نسمة مطلع عام 2014.
ووفق التأكيد الأممي فإن القصة هي أن اليهود كانوا كالعادة يريدون إظهار مدي قوة نبيهم وملكهم سليمان عليه السلام حتى أنه تغلب على ملكة لديها هذا العدد الخرافي من المقاتلين .
ثم يودر الطبري روايات حول شعر ساقي ملكة سبأ المعروفة لدي اليهود ببلقيس ، وكيف أن سليمان قد تزوجها بعد أن أشار عليها بمادة تنزع بها شعر ساقيها !!
ثم حديث  خاص مما يدور بين الأزواج لا نعرف من الذي حضره ولا كيف سجله وهو يدور بين ملك وزوجته الملكة !!.
تنهي الأستاذة آمال كتابها بتوصيات لم تنفذ ومن الواضح أنها لن تنفذ رغم  حديثنا الدائم عن تجديد الخطاب الديني .

أهم تلك التوصيات أن يتم تنقية كتب التراث من كل تلك الخرافات والروايات الإسرائيلية ، على أن نحترم جهد المؤلف ونحافظ علي متن كتابه كما كتبه هو وأن يقوم المتخصصون بالرد والتعليق والتصحيح في الهامش .
هذا وقد مضت أكثر من عشر سنوات على صدور الكتاب المهم الذي صدر عن مؤسسة عريقة ومهمة من مؤسسات الدولة ولم يتم تنفيذ توصية واحدة من توصيات الباحثة الجادة الدكتورة آمال محمد عبد الرحمن .
وأخشى أن يطول انتظارنا .
ــــــــــــ
هامش
ـــــــــــــــــ
يا رجل كن عاقلًا ولا تسمع للذين يقولون لك أن ياسر برهامي ويونس مخيون هما على عقيدة الإمام أحمد بن حنبل .
يا رجل لا تجمع بين التفاح والدوم ولا بين الثريا والثرى .
ابن حنبل (164-241) هـ أحد أربعة لهم مذاهب ، قال عنه الشافعي
«خرجتُ من بغداد وما خلَّفتُ بها أحداً أورع ولا أتقى ولا أفقه من أحمد بن حنبل»
يكفيه كتابه "المسند" ويكفيه صبره على محنة خلق القرآن ، أما غيره فقصارى جهدهم  المشاغبة والتنطع للحصول على عشرة مقاعد في البرلمان .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 3 مارس 2016