الاثنين، 27 يوليو 2015

الأرشيف السري للثقافة المصرية





كيف تهزم الثورات نفسها
قال الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور يومًا: «الدودة فى أصل الشجرة».

إن جاز لى أن أنزِّل كلمة عبد الصبور إلى أرض واقعنا المعاش، لقلت إن الشجرة وأصلها هما «الثورة» ودودتها هى «النخبة».

أما كيف كان ذلك، فهذا ما يرويه لنا الكاتب الأستاذ غالى شكرى، فى كتابه «من الأرشيف السرى للثقافة المصرية».

مصرى بثلاث رئات



ولد غالى شكرى لأسرة مسيحية صعيدية، هاجرت أولًا إلى الإسكندرية، ثم تركتها لتقيم فى منوف بالمنوفية، كان ميلاده فى عام 1935، وكان رحيله فى مستشفى باريسى فى عام 1998، وبين الميلاد والرحيل تعلَّم وعلَّم وكتب عشرات الكتب ومئات المقالات، وأمضى حياته مدافعًا عن «فكرة الثورة».


فى طفولته تلقَّى تعليمه الابتدائى فى مدرسة إنجليزية تابعة لإرسالية، كان من ملحقاتها مستشفى وكنيسة إنجليكانية. كان والده حارسًا للمستشفى، وبذلك نجا غالى من مقصلة رسوم المدارس. والده المنتمى مثل الأغلبية المسيحية إلى الكنيسة القبطية المصرية، كان يحذره من ارتياد الكنيسة الإنجليكانية الملحقة بالمدرسة، لكن غالى كان يرتادها من خلف ظهر أبيه، وفيها تعرَّف على السينما وصادق من خلالها الصبى جورج البهجورى، الذى سيصبح من علامات فن الكاريكاتير.


بعد وقت المدرسة كان الطفل غالى شكرى، يذهب إلى بيت أستاذ اللغة العربية «الشيخ حافظ» الذى حفظ على يديه القرآن وجوَّده! ولذا كانت تتم الاستعانة به فى إلقاء الخطب المتعلقة بالمناسبات الإسلامية، مثل مولد الرسول.


بعد مدرسة الكنيسة سيلتحق بمدرسة المساعى المشكورة (مدرسة طفولة مبارك)، وفيها سيعرف التلميذ مكرم محمد أحمد، الذى سيرشده إلى عالم القراءة والكتابة والصحافة، بل إن مكرم سيعرفه على عالم نجيب محفوظ الذى لم يكن غالى قد سمع باسمه، بعد ذلك بسنوات سيكتب غالى عن محفوظ كتابه «المنتمى» الذى يعد أهم الدراسات التى كتبت عن محفوظ. من تلك الترجمة الموجزة يتبيَّن لنا أن غالى عاش بثلاث رئات، واحدة مسيحية قبطية، وثانية مسيحية إنجليكانية، وثالثة إسلامية.


ملف توفيق الحكيم



كتاب غالى الذى بين أيدينا والذى سيكشف عبر صفحاته عن الدودة التى فى أصل الشجرة، كتبه زمن إقامته فى بيروت فى عام 1975، وقد أعادت نشره مشكورة مكتبة الأسرة قبل أسابيع.


فكرة الكتاب المركزية تقول: «إن الثورة، أى ثورة، ستهزم نفسها بنفسها عندما تستعين أو حتى تترك عصابات الثورة المضادة تتسلل إلى حديقتها».


فى مئة وأربعين صفحة يقدّم غالى الأدلة على صدق فكرته التى ينطلق منها.

نعم هو كان يكتب عن الثورة التى عاشها وعرفها وذاق نعيمها وتجرَّع مرارة سجونها، ثورة 23 يوليو 1952، لكن لو شِئت مد الخيط إلى منتهاه، لرأيته يكتب عن ثورتنا (25 يناير 2011)، وتأمَّل ما حولك تجد كلامى صائبًا بإذن الله.


لم يكن الأستاذ توفيق الحكيم بخيلًا ولم يكن مقيمًا فى عزلة برجه العاجى، ولم يكن عدوًّا للمرأة، تلكم كانت شائعات عابث بها هو زملاءه وعابثوه بها.

الحقيقة أن الحكيم كان غارقًا من رأسه حتى أخمص قدميه فى الشأن السياسى العام، وكان قريبًا ومقربًا جدًّا من رأس الثورة وقائدها جمال عبد الناصر، الذى قال علانية إن «رواية الحكيم (عودة الروح) كانت ملهمة له ولجيله من الثوار»، وإنه أى عبد الناصر أراد أن يكتب رواية على غرارها، ثم بعد الثورة جرى فصل الحكيم من عمله مديرًا لدار الكتب، وكان صاحب القرار هو وزير المعارف الدكتور إسماعيل القبانى. وعندما عرف عبد الناصر بالأمر أعاد الحكيم إلى عمله وأخرج القبانى من الوزارة.


ثم وقف عبد الناصر مع الحكيم (وقفة العمر كله)، وذلك عندما كتب الناقد الأستاذ أحمد رشدى صالح، مقالات فى جريدة الثورة «الجمهورية»، اتهم فيها الحكيم بأنه سرق مادة كتابَيه «حمارى قال لى» و«حمار الحكيم» من الأديب الإسبانى «خمينيث»، فتدخَّل عبد الناصر وأوقف المقالات وأنعم على الحكيم بقلادة النيل، وهى أرفع وسام مصرى!


ثم قام عبد الناصر بإرسال الحكيم إلى باريس، لكى يكون على مقربة من أعلام الثقافة الغربية، لعله يصطاد جائزة نوبل، التى كان عبد الناصر يحلم بها له ويراه جديرًا بها.

ثم وهنا مربط الفرس، حدث أن ركب الجنون أدمغة أجهزة الأمن فى مطلع عام 1959، فقامت باعتقال العشرات من الكُتّاب والمثقفين، كانت الضربة موجعة جدًّا، حتى إن هيكل وهو مَن هو خاف من تأثير الضربة على سمعة نظام عبد الناصر، فسعى سعيه لكى يجمع فى لقاء مغلق بين عبد الناصر وكاتبه المفضل توفيق الحكيم، وكان هيكل الذى يعرف مدى تأثير الحكيم على عبد الناصر يؤمن بأن الحكيم سينسف قوائم المعتقلين نسفًا بكلمة منه لعبد الناصر.


نجح هيكل فى سعيه واتصلت الرئاسة بالحكيم، طالبة منه شرب الشاى مع السيد الرئيس بعد الظهر.

الحكيم يتهرَّب من لقاء عبد الناصر



نعم فعلها الحكيم وتهرب من اللقاء الذى كان سينقذ مئات الضحايا من قهر المعتقل، واتصل بهيكل الذى تفهّم الأمر، فقام هيكل بالاعتذار نيابة عنه لعبد الناصر، محتجًّا بأن الحكيم كبير فى السن ولا يريد توريط نفسه مع المعتقلين!


ليلتها، كما يروى الأستاذ غالى شكرى، اتصل الأستاذ نجيب محفوظ بالحكيم وناشده وهو يكاد يبكى أن يتدخّل لإنقاذ الناس ولإنقاذ سمعة النظام، فما كان من الحكيم إلا أن رد: «يا نجيب دول (يقصد أجهزة الأمن) بيقبضوا عليهم لأسباب مالهاش علاقة بالفكر، دول (يقصد المعتقلين) ليهم صفتين، صفة المثقف وصفة السياسى، إحنا ندافع عن المثقفين، لكن الناس اللى عايزة السلطة مالنا ومالهم».


انتهى كلام غالى، لأقول أنا، غنى عن الذكر أن الحكيم عاش عمره لا يدافع لا عن هؤلاء ولا عن أولئك!


ثم مات عبد الناصر الذى كان الحكيم أديبه المفضل، والذى كان يراه جديرًا بأن ينتزع «نوبل» العصية، فدارت مطابع دار الشروق لصاحبها محمد المعلم، لتقذف من قلب بيروت الأرصفة العربية بكتاب الحكيم «عودة الوعى»، الذى كان رأس الحربة فى الهجوم على ثورة عبد الناصر، لم يترك الحكيم نقيصة إلا رمى بها الثورة، الثورة التى كان مفجرها ينتظره لكى يأخذ برأيه فى أمر مصيرى كأمر المعتقلين!


فى الكتاب الذى كان فى بدايته مقالًا (ثم كبر!!!!) دعا الحكيم من موقعه كـ«حكيم» إلى فتح ملفات الثقافة المصرية.

هنا يرد غالى شكرى على الحكيم فى صفحات مطولة ملخصها بتصرف يقول: «إن أولى الناس بتلبية الدعوة هو مطلقها، وأنت دعوت إلى فتح الملفات ولم تفتح ملفًّا واحدًا، أنت أطلقت كلامًا عامًّا لم تشر خلاله بكلمة إلى قربك من دائرة النفوذ الضيّقة جدًّا، أنت كنت غارقًا فى صناعة ثقافة يوليو وفى ملفاتها، ولكن ها أنت تغسل يديك من عارها، وكأنك الطفل البرىء الذى كان يلهو بينما جحيم المعتقلات كانت يفترس أصدقاءك وتلاميذك».


بعدما قرأته، هل ترى معى أن عبد الصبور كان صادقًا وهو يقول: «الدودة فى أصل الشجرة؟».

يلا يا عم


فى شتاء عام 1972 (لاحظ قبل العبور بسنة)، سيتصل توفيق الحكيم بغالى شكرى، ويقول له: «أنا باعت لك آنسة ظريفة، مصرية من أمريكا، تريد أن تتعرّف عليك وعلى الجماعة فى الطليعية (مجلة كانت ذائعة الصيت، تصدر عن (الأهرام)، وكانت منبرًا لليسار المصرى) الآنسة بتحب الثقافة والسياسة، دكتوراه من هارفارد، يلَّا يا عم، ابسط».


قابلت الآنسة الطريفة «سناء حسن» غالى شكرى الذى عرف منها أنها قابلت أبرز رجال الدولة، مثل محمد فوزى، وزكريا محيى الدين، وعزيز صدقى، وعرف غالى منها أنها تعد دراسة للجامعة عن «مواقف الثقافة المصرية المعاصرة من أهم القضايا التى تعنى الإنسان المصرى وتقلق مصيره حتى ولو لم يكن واعيًا بها».


الآنسة الظريفة كانت «واصلة لفوق»، لدرجة أنها أهملت دعوة محمد حسنين هيكل لها!


الآنسة التى عرّابها توفيق الحكيم، ستتزوّج من تحسين بشير، مساعد المستشار الصحفى لرئيس الجمهورية أنور السادات.


الآنسة الظريفة المغمورة ستنشر لها جريدة أمريكا الكبرى «النيويورك تايمز» مقالًا بصورة!


تضمن:

آن الأوان ليفهم العرب أن إسرائيل أمر واقع.

آن الأوان ليفهم العرب أن الحرب لا تحل المشكلات.

لقد أخطأ العرب فى الحضارة والتاريخ والتقدُّم عندما رفضوا تقسيم فلسطين.

الحل الواقعى هو توطين الفلسطينيين فى الدول العربية مع الاعتراف العربى الشامل بالدولة اليهودية.


ثم إن الآنسة التى نشط توفيق الحكيم فى تقديمها للمصريين ستذهب إلى تل أبيب (دماء النكسة لم تكن قد جفَّت بعد)، وهناك ستواصل التبشير بدعوتها المقدسة!


الغريب بل المريب أن دعوة الآنسة الظريفة قد جهر بها توفيق الحكيم وحسين فوزى قبل العبور وفى قلب «الأهرام» وبحضور هيكل والقذافى الذى كان أيامها من صقور العروبة.


ثم ويا محاسن الصدف ستتبنى جماعة من المثقفين الفلسطينيين دعوة الآنسة الظريفة، ويكتبون وعلى رأسهم سميح القاسم، بيانًا يحمل الأفكار ذاتها، وسينفرد سميح بكتابة مسرحية تذهب فى نفس الاتجاه، ستتم ترجمة مسرحية سميح إلى معظم لغات العالم، وستقابله سناء حسن، لتبارك خطواته.


من الذى سلّط علينا الآنسة الظريفة؟ إنه توفيق الحكيم لا غيره، الحكيم الذى كان أيامها مشغولًا بالسؤال عن كيفية تحويل 40 ألف ليرة لبنانية، وهى ثمن كتابه «عودة الوعى» الذى سبّ فيه ناصر وثورته!


قلتُ لك إن دماء قاصمة الظهر (5 يونيو 1967) لم تكن قد جفّت بعد، ويقول لنا غالى شكرى إن «الجيش المصرى كان يستعد لخوض معركة الكرامة، بينما الأسماء البارزة فى الثقافة المصرية كانت تمضى فى طريق مضاد، الحكيم كان مشغولًا بليراته وبسبّ الثورة وصاحبها، وحسين فوزى كان يجهز لانطلاق كتابه (ملاك الإرهاب) فى سبّ عبد الناصر أيضًا، وإحسان عبد القدوس كان يكتب فى (الأهرام) مقالاته القصصية عن حبيبة شبابه اليهودية التى سبحان الله، ظهرت له فى جزيرة مصيفه، وكان يلح فى دعوتها لكى تعود إلى القاهرة»!


الرائد المنتحر



يواصل غالى شكرى فتح الملفات (التى لم يقترب منها الحكيم)، فيقول: «إن أجهزة كانت تعمل على تمهيد الأرض لأمر قادم (ليس الحرب يقينًا)، سنعرف نحن بعد سنوات أن الأرض كانت تمهد لاتفاقيات كامب ديفيد، وفى سبيل التمهيد كانت تعلو أصوات لمغمورين، فإذا بهم بين عشية وضحاها أشهر من نار على علم».


يضرب غالى مثلًا موجعًا بقصة وجيه غالى، مؤلف رواية «بيرة فى نادى البلياردو»، والذى كان طالبًا فى كلية الطب، وكان ينتمى إلى إحدى الحركات اليسارية، ولكنه استطاع الهرب إلى لندن، وهناك تلقفته إحدى «الجهات»، وكانت تعرف ميوله الصحفية وموهبته الأدبية، واستطاعت أن تغريه بالسفر إلى إسرائيل، فسافر وعاد ليكتب مجموعة من التحقيقات المثيرة لجريدة «الصنداى تايمز» إلى جانب إسرائيل.


وزيادة فى التكريم والغواية نشرت له رواية فى سلسلة بنجوين عن التعذيب فى سجون مصر. وما زالت الرواية فى المكتبات، وعلى ظهر غلافها تعريف بوجيه غالى، يقول إنه أول مصرى شجاع يزور إسرائيل ويكتب عنها بحرية كاملة.


ولكن هذا «الرائد الشجاع» وجد منذ عامين منتحرًا فى إحدى غرف البنسيون الذى يقيم به فى لندن! وترك رسالة بخط يده اعترف فيها بخطيئة العمر، وأشارت إليها الصحف الإنجليزية بصورة عابرة، لأن البوليس احتفظ بها.. فلم تكن موجهة إلى أحد بالذات.


وينهى الأستاذ غالى شكرى الفصول الأولى من كتابه بحكاية لا تقل وجعًا عن سابقاتها، يقول: «إن فتاة مصرية بالجامعة تدعى سناء هاشم، أرسلت إلى إحسان عبد القدوس، مكتوبًا يقول (إننى طالبة أقرأ لك بانتظام، وأعد رسالة عنوانها (الإنسان العربى فى الرواية اليهودية)..»، ويبدو أننا أكثر تحضرًا -أو كذبًا- من اليهود، فنحن نصورهم كما قرأت لك أمس بطريقة فنية راقية.. بينما قراءاتى لأدبهم جعلتنى أقشعر وأنا أجمع الصفات الحيوانية الشيطانية التى يلصقونها بالإنسان العربى.. الأدب معركة يا أستاذ، وهم فى مواقع الهجوم دائمًا، ونحن بأمثالك فى مواقع الدفاع دائمًا، لماذا؟».


ولن يجيب كاتبنا الكبير عن سناء هاشم، لأنه قد اختار أن يكون فى صف سناء حسن، غير أنه ينسى أن بنت الحاج هاشم هى صوت مصر الحقيقى.. الصوت الباقى.


أما صوت سناء بنت حسن باشا فهمى الصوت المزيّف، والذى سرعان ما يزول.


نُكمل فتح الملفات فى الأسبوع القادم بعون الله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة التحرير في 23 يوليو 2015
لينك الموضوع:http://www.tahrirnews.com/posts/262069

مجرد قطعة جلد!





كان فلان الفلانى من أسرة بسيطة، يؤمن ربها بأن التعليم وحده هو بوابة المستقبل، رب الأسرة البسيط يجاهد لكى يرسخ ذلك المعنى الجليل فى قلوب أولاده، فلان الفلانى كان الابن البكرى، سار على صراط أبيه المستقيم حتى تخرج بفضل الله فى كلية الزراعة.


كان فلان يحلم بامتلاك قطعة أرض يجعلها حقل تجارب لما تعلمه فى الجامعة، عرف أن امتلاك الأرض يحتاج إلى وقت طويل من الشقاء والادخار، تسلم فلان الفلانى خطاب التعيين من «القوى العاملة»، فرح به وكذا فرحت أسرته، عمل فى إحدى مديريات الزراعة بمدينة من مدن الدلتا، يقول الذين عاصروه إنه ملأ الشوارع المدينة الصغيرة بأشجار الزينة، وكان يتفانى فى رعايتها كأنها أولاده، ثم عمل مع فريق من زملائه على استنباط نوع جديد من القطن يضمن به لمصر تفوقها فى زراعة هذا النبات الاستراتيجى، فجأة آن أوان التحاقه بخدمة العلم والتجنيد بالقوات المسلحة، فرح بالتجنيد كما يفرح عادة بكل عمل يخدم به بلاده، هو كان فى قرارة نفسه يؤمن بأنه مدين لبلاده التى أنفقت على تعليمه طفلًا وشابًا ووفرت له فرصة عمل فى مجال تخصصه.


ذهب فلان إلى وحدته العسكرية، وبعد مضى شهر واحد كانت معركة الخامس من يونيو قد اندلعت، لم يكن يصدق أنه هو الذى يجرى فوق رمال سيناء متخبطًا لا يعرف جهته، لم يكن يصدق كل ما حدث ويحدث، كان يظن أنه واقع فى قبضة كابوس من كوابيس الرعب، سرعان ما سيصحو ويتخلص منه، فقد أعز أبناء دفعته، وفقد قائد وحدته الشهم، عاش كل عذاب سمعنا عنه أو رأيناه مصورًا فى أفلام السينما التى صورت تلك الأيام، بعد شهور لملم هو وزملاؤه أشلاء قلوبهم ولعقوا جراحهم وراحوا يستعدون لمعركة فاصلة يستعيدون بها كرامتهم وأرض بلادهم.


كان يستعد كأنه يتجهز للزفاف، تحول من متخصص فى زراعة أشجار الزينة إلى متخصص فى زرع الألغام فى طريق العدو، عافت نفسه كل ما كان له علاقة بحياته السابقة، من الطعام إلى الملابس، إنه يريد التعبد فى محراب المعركة، إنه يتمنى لو أصبحت بذلته العسكرية جزءًا لا يتجزأ من نسيج جلده، لقد تقدم وبإصرار لا هوادة فيه لكى يحصل على فرقة مظلات، وبعد أن اجتازها بنجاح حصل على فرقة صاعقة، إنه يريد قيادة الدبابة والسيارة والطائرة، إنه يتمنى لو تحول إلى رصاصة وقذيفة وصاروخ، إنه يريد أن يكون مقاتلًا مستحيلًا يحقق بيديه وأسنانه النجاح الفاصل بين الذل والكرامة.


فلان الفلانى يكاد يكون قد نسى أمه وأباه وإخوته، لا، بل لقد نسيهم بالفعل، أمه الآن هى البندقية، وأبوه هو قائد الفرقة، وإخوته هم الذين تبقوا من رفاق الدفعة، ولكن كان لا بد لفلان من أن يحصل على إجازة ليريح فيها أعصابه التى أصبحت مشدودة على مدار الساعة، أمر قائده له بإجازة، فرضخ لأمر القائد كارهًا، ما إن صعد إلى القطار الحربى وانطلق القطار مارًا بمزارع الدلتا حتى هاجمته موجة غثيان قاتلة، هو لا يريد سوى صحراء القتال، هو لم يعد يرى سوى رمال المعركة، ما كل هذا الأخضر؟ أين راح الأصفر الناعم الفاتن؟


هواء الدلتا يجرح رئتيه، إنه هواء ليس به غبار أقدام رفاقه، نيل الدلتا لا يرضيه، أين زرقة ماء القناة؟


عندما غادر القطار وسار فى شوارع مدينته ليصل إلى بيت أبيه، كانت الشوارع تافهة كما كانت قبل تجنيده، التفاهة هى عنوان كل شىء من أغانى المطرب فلان إلى موضة ملابس البنات.



بعد خمسين سنة ستحل روح فلان الفلانى فى جسد فلان جديد يقاتل الآن ضد الظلام فى سيناء، بينما شوارعنا تافهة تتصارع حول قطعة جلد مملوءة بهواء فاسد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة التحرير في 22 يوليو 2015

صندل " رسمي " ينهي رغبة مواطني الدرجة الثانية في الفسحة





الذي يعرف الصعيد وأسيوط تحديدًا سيعرف أن النيل ليس نجاشيًا كما يغني عبد الوهاب ، وليس " أسمر حليوه " كما غني غيره ، إنه غول متوحش ، ليس من عاداته " أن يرجع الغرقي " كما قال محمود درويش .

يقسم النيل أسيوط إلي شرق وغرب ، ولا يعبر الطرفان إلي بعضهما البعض إلا بالمعدية ، وما أدراك ما المعدية ، ألواح من الخشب المتهالك تبحر بدعاء الوالدين فلا تكون هناك مفاجأة عندما يغرق المئات سنويًا علي امتداد خط الصعيد ، أثناء عبورهم للمشاركة  في الأفراح والجنائز !!

ولأن الصعيد بعيد عن العين فهو بعيد عن القلب ، ولكن طائر الموت  قرّب و ألغي المسافات عندما ضرب بمخالبة المفترسة  ليلة أول أمس قلب العاصمة .

مواطنون مصريون يقينًا فقراء حتمًا تاقت أنفسهم لـ " شم " الهواء وسط النيل ، وهذا ليس كفرًا ولا حرامًا ، ولكنه في حالتنا المصرية يبدو كأنه إلقاء للنفس في التهلكة .

بصراحة وبدون لف ولا دوران ، ليس للفقير مواطن الدرجة الثانية والثالثة أن تتوق نفسه لبعض النزهة ، عليه أن يمكث داخل علبة الأسمنت المسماة تجاوزًا بالبيت ، فإن تهور وغادر بيته فذنبه علي جنبه .بصراحة التنزه للأغنياء فقط ، أما الفقراء الذين يدفعون ثلاثة جنيهات للفرد مقابل الصعود إلي المعدية فعليهم الجلوس أمام  عتبات بيوتهم استثمارًا لفرحة العيد ، وبعضهم أستثمر فرحة فوز فريقه الأهلي علي غريمه الزمالك ، قرر مواطنو الدرجة  الثانية الصعود إلي معدية تبحر بهم لدقائق ، يرون فيها شيئًا غير أسطح البيوت الشائهة ويشمون هواءً لم يفسد بعد ، وتنتعش وجوههم برذاذ يتطاير من نيلهم الخالد الأسمر الحليوة .

ليس ثمة إضاءة غير تلك العبثية الرخيصة التي ترسلها المعدية ، ليس ثمة هدوء لأن صرعة " الدي جيه " تخترق عنان السماء وهي ترسل أغنيات المهرجان ، بداية من " حط إيده يا ، علي شعري يا " ونهاية بـ " أديك في الجركن تركن ".

راح ولن يعود زمن :” يا سواق يا شاطر ودينا القناطر " نحن نعيش في منتصف قلب العبث والمسخ.

هل المركب مرخص له بالسير ؟ هل السائق مرخص له بالقيادة ؟ هل المجري النيلي صالح للملاحة الليلية ؟ هل التزم قائد المركب بسعته القانونية ؟ هل يعرف أحد علي ظهر الأرض كم عدد ركاب المركب ؟

يا رجل نحن في مصر ولسنا في سويسرا ، يا رجل إنها رحلة من الوراق إلى عبد المنعم رياض وليس رحلة في نهر السين .

لا إجابة لأي سؤال تطرحه الفاجعة ، فقط سمعنا صراخ وعويل ورأينا رعب النهاية مرسوم علي وجوه شهداء الدرجة الثانية ، دقائق من بدء الرحلة وجاءهم الموت ، صندل  بضائع  مملوك لشركة النيل الوطنية للنقل النهري -إحدى الشركات التابعة لجهاز الصناعات والخدمات البحرية للقوات المسلحةـ يبحر ليلًا ويشطر معدية الفقراء نصفين ؟

المهندس سمير سلامة، رئيس هيئة النقل النهرى مفاجأة، قطع لنا الشك باليقين عندما قال لجرديتنا :" إن المركب غير مرخص له للإبحار، ولا يحمل أى أوراق قانونية عن صلاحيته للإبحار، كما أن طاقمه لا يحمل أى تراخيص لقيادته، بالإضافة إلى أن صندل البضائع غير مسموح له بالإبحار ليلا.
وأضاف رئيس هيئة النقل أن المركب المنكوب لم يخضع لأى فحص من قبل الهيئة باعتباره لا يحمل ترخيصًا للإبحار من الأساس “.

ثم ماذا ؟
لا جديد ، الصحة تقول إن عدد الضحايا 14 ضحية ، الأهالي يقولون بل 16 ضحية ، بعض المواقع الأخبارية تؤكد أن الضحايا 22 ضحية ، بعض العقلاء الذين يحفظ الله لهم عقولهم في زمن الكوارث يقولون : لن نستطيع حصر عدد الضحايا إلا بعد معرفة العدد الحقيقي للركاب الذين كانوا علي ظهر المعدية ثم مع الدقيقة الأخيرة لانتهاء عمليات البحث عن الجثث .
هل رأيت أننا حتي عدد قتلانا لا نعرفه ؟.

إذن لا تحدثني عن المسئولين الذين غابوا عن الحضور إلي أرض الحادثة فور وقوعها ، لا تحدثني عن وزير النقل ولا عن محافظ القاهرة ولا عن أي مسئول معني بهذا الملف ، ملف الفقراء يصعد مباشرة إلي رسول الله عزرائيل ، لا تحدثني عن تعويضات للغرقي وتسويات مع المصابين ، أسرة واحدة يا رجل فقدت ثمانية من أفرادها في لحظة ، الأم المكلومة راحت تصرخ لجريدتنا :” ليتني كنت معهم ، كيف سأعيش بدون أولادي وعائلتي " من البذاءة الحديث عن التعويضات حتي ولو كانت أهرامًا من الذهب وليس بضعة ألوف بائسة .

 سنلتقي بالضحايا إن تاقت أنفسنا للتنزه في النيل ، وإن عصمنا قلوبنا من غواية التنزه فسنلتقي في الجنة برحمة الله .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر في جريدة التحرير في يوليو 2015

الخميس، 11 يونيو 2015

نكشف الأبطال الحقيقيين لمسلسلات أسامة أنور عكاشة«2/2»


فى الذكرى الخامسة لرحيل عميد الدراما العربية «2/2»
نكشف الأبطال الحقيقيين لمسلسلات أسامة أنور عكاشة




استعرضتُ فى الجزء الأول من مقالى هذا عن الراحل الكريم الأستاذ أسامة أنور عكاشة، بعضًا من الينابيع التى استقى منها رواياته، والآن أكمل بعون الله ما بدأته.

ولكن قبل مواصلة الإبحار فى روايات عكاشة، لا بد من تقديم إجابتى عن سؤال وصلنى من جماعة من القراء الكرام: «لماذا نجح عكاشة كل هذا النجاح على مستوى النخبة أو الجماهير؟».

فى الإجابة أقول: قديمًا قال الكاتب الأمريكى، أرنست هيمنجواى «اكتب عما تعرف». وسواء قرأ عكاشة تلك النصيحة الذهبية أم لم يقرأها فقد عمل بها ونفَّذها فى أعماله كافة، سأظل أذكر جلسات مطوّلة جمعت بين عكاشة والكاتب الصحفى محمد الكردوسى، وقت أن كان عكاشة يكتب الجزء الثالث من «ليالى الحلمية»، وهو الجزء الذى تناول فيه مشكلات الصحافة المصرية وكارثة المكاتب الصحفية العربية التى ضربت مهنية الصحافة فى مقتل.

كان بيد عكاشة وهو العارف بالصحافة بوصفه كاتبًا وقارئًا أن يعتمد على معارفه الخاصة التى كوَّنها على مدار سنوات، ولكنه كان يريد معرفة الدهاليز والأنفاق المعتمة والزوايا القصيّة، ولذا لجأ إلى أهل الذكر، وكان يسأل الكردوسى عن أدق التفاصيل وأخفاها.

هذا الحرص على جمع أكبر وأهم قدر ممكن من مادة الرواية هو علامة أكيدة على الجدية والإتقان والإخلاص للفن واحترام المتلقّى، وكل هذا يصب يقينًا فى صالح نهر النجاح.

ثم إن شيخ مشايخ الرواية، أعنى الراحل الكريم ماركيز، رحمه الله، قال: «كاذب هو ذلك الروائى الذى يقول إنه بدأ من الصفر».

الحكمة الماركيزية كانت دائمًا فى العقل الباطن لعكاشة، حتى ولو لم يكن قد سمع بها، لقد التزم بها قبل أن يطلقها ماركيز.
حكمة ماركيز تعنى أن الروائى لا بد له من نقطة ارتكاز ينطلق منها، وتلك النقطة لا بد أن تكون حقيقة من حقائق الروائى الذى يصبح الأمر متروكًا لفنّه، فإن كان فنّه قادرًا فإنه يستطيع أن يحلّق بحقيقته حتى يناطح السحاب، ويغرسها هناك فى السماء الصافية، وأما إن كان فنه ضعيفًا بليدًا فلن تغنى عنه حقيقته شيئًا، سيهوى من الثريا إلى الثرى. هاتان النصيحتان الذهبيتان قادتا خطوات عكاشة إلى النجاح المدوى الذى حقَّقه والذى فرضه عميدًا لروايات التليفزيون.

منذ عهد مقهى «الحاج سلامة» وعكاشة مولَع بسرد تواريخ المقاهى

شوقية وزعتر

فى مقال يحمل عنوان «فى القبارى» من كتابه «على الجسر»، نشرته دار الشروق فى عام 2005، سنضع أيدينا على الجذر الذى تفرَّعت منه رواية «ليالى الحلمية».

مقهى «الحاج سلامة» يقابله فى الرواية مقهى «زينهم السماحى»، وللحاج سلامة ولد اسمه علِىّ، يقابله ولو على مستوى التسمية علِىّ بن سليم البدرى.

أم علِى ابن الحاج سلامة تموت وهى تلده، كما حدث مع أم علِى بن سليم البدرى.

يقول عكاشة: «إن الحاج سلامة قد ضاق صدره بالأولاد الأربعة، فبحث عن امرأة تستطيع أن تتولَّى تربيتهم وتكفيه مسؤوليتهم، وقيل له إنه لا أحد يستطيع أن يتصدَّى لهذه المهمة إلا قريبة من اللحم والدم، وبينما راح يبحث ضمن هذا الإطار جاءته من سيدات الأسرة مَن همست فى أذنه: لن تجد أقرب من (شوقية).. وشوقية هى الشقيقة الصغرى للمرحومة».

هذه الحقيقة انظر كيف فكَّكها عكاشة وأعاد ترتيبها، سليم البدرى سيتزوج من ابنة الشعب «علية»، و«علية» ستموت مبكرًا، ابنها «علِى» سيذهب إلى خالته «أنيسة» التى هى من لحمه ودمه، فى مقاربة مع «شوقية»، وحتى «شوقية» هذه سيحتفظ عكاشة باسمها ليستخدمه فى الرواية عندما تظهر بوصفها زوجة «الأسطى شاهين» التى لا تنجب، والتى توزّع حنان أمومتها المعطلة على أولاد وبنات الجيران.

عكاشة يكتب عما يعرف ولا يزعم أبدًا أنه بدأ من الصفر، وستجد ذلك واضحًا أتم الوضوح فى المقال ذاته الذى يكشف ضمن ما يكشف عن ولع عكاشة بالمقاهى وتقصّيه لحكاياتها وقصصها بوصفها مكونًا رئيسيًّا من مكونات الشخصية المصرية، هل سمعت بمصرى لم يجلس على المقاهى؟

يقول عكاشة: «كان عبد الرحيم مجرد عامل من سوهاج، توسَّط له واحد من خاصة أصدقاء الحاج سلامة، لكى يعمل فى المقهى، كان عبد الرحيم عامل (رمّالة)، ثم منحه الحاج سلامة حجرة فى بدروم منزله يقيم بها بدلًا من نومه فى المقهى، ثم مات الحاج سلامة فبرز عبد الرحيم، حتى إنه اشترى المقهى وتزوّج من أرملة الحاج!!».

أليست هذه هى قصة «زعتر» صبى مقهى «ليالى الحلمية» الذى عندما دار الزمان دورته ترقّى من عامل «رمّالة» مهمته أقل من أن تُذكر إلى ثرى يناطح آل السماحى، ويريد أن يطلق على المقهى العتيد اسمه؟!

عذّبْتَنَا يا حب

إنها صرخة درويش التى أطلقها نيابة عن كل المحبين والعشاق، والتى ستكون ركيزة دائمة فى كل روايات عكاشة.

فى فيلم أمريكى عن الطبيب المصرى الفرعونى سنوحى، يحب الطبيب أميرة من أميرات الفراعنة، يحبها ذلك الحب الذى يجثم على القلب كأنه حجر، يمنحها خلاصة روحه ودم قلبه، وفى يوم من الأيام تقول الأميرة لحبيبها: «عندما تزورنى الليلة سأمنحك تمام الحب وكماله».

يربط الرب الخالق على قلب العاشق لكى لا يطير، تكويه الساعات والدقائق والثوانى التى تفصله عن ميعاده الأقدس، أخيرًا يهبط الليل ويذهب عاشقنا إلى ميعاد سيحصل فيه على تمام الحب وكماله، تقابله الأميرة وعيناها تلمعان بفرح نادر، يجلس بين يديها قليلًا لكى يلتقط أنفاسه التى تكاد تمزّق صدره، فجأة تصيح الأميرة بخدمها وهى تشير إلى الطبيب: «هذا الرجل احملوه وألقوا به خارج بيتى، ثم لا تسمحوا له أبدًا بأن يقترب من سور حديقة المنزل».

العاشق محمول على أعناق الخدم يكاد يُجَنّ وهو يصرخ ملتاعًا: «لماذا؟».
تأتيه إجابة الأميرة قاطعة مثل حد السيف: «عندما تفتقدنى إلى الأبد ستظل تحبّنى إلى الأبد، الحب هو الفقد، الفقد هو تمام الحب وكماله».

هذه الرؤية الفرعونية القديمة ستهيمن على كل روايات عكاشة، فلا تفلت منها رواية.
ولكن لماذا؟

فى البدء كان الفقد

فى رواية «الحب وأشياء أخرى» يحب الشاب الموسيقار «سامح»، الطبيبة الشابة «هند»، «هند» ابنة الناس الذين فى الأعالى، و«سامح» ابن شعب الحارات والفول والطعمية، «سامح» تمتزج بداخله موسيقى بتهوفن، وطقاطيق الشيخَين سيد درويش وزكريا أحمد، و«هند» تحب موسيقى «سامح»، وتتسامح مع طبقته، حتى إنها رغم أهلها الذين فى الأعالى تتزوجه، ولكن كان الفقد قدرًا محتومًا، تُرى لماذا؟

كنتُ قد قدمتُ لك فى الجزء الأول من مقالى الأدلة التى تؤكّد أن كتاب «على الجسر» هو السيرة الذاتية المقنعة لأسامة أنور عكاشة، وعندما تقرأ نصفه الثانى وهو سلسلة متصلة حملت عنوان «تلك الأيام» ستجد الراوى (أقطع بأنه أسامة نفسه) يقع فى حب عمره، هو يسميها بيرين (لأسامة ابنة اسمها نسرين! هل لاحظت إيقاع الاسمَين؟)، بيرين ابنة الناس الذين فى الأعالى لها جذور تركية، تمصّرت أسرتها، لكن الجذر التركى ظل حاكمًا ومهيمنًا، وعكاشة كما مر بك ابن التاجر الماهر المتفتح والعملى، شعاره فى الحياة: «إذا أحببت فتقدّم للزواج دون لفّ ولا دوران».

ولكن بيرين حبيبة ما مضى من عمرٍ وما هو قادم لها قصة دامية.

قبض الريح

فى رواية «ليالى الحلمية»، يحب طه السماحى نجاة هانم، ويتزوجها رغم أنف أبيها رجل الشرطة، ثم يموت طه بيد الغدر!
ويحب ابنه ناجى السماحى ابنة عمّه قمر زينهم السماحى، ثم لا يتزوجها، لأنها تحب عادل البدرى ابن سليم البدرى، وعادل يحبها، ويتزوجان، ولكنه الفقد الأبدى، ولذا يفترقان.

وسليم البدرى يحب عليّة، فتموت، ثم يحب نازك السلحدار ويتزوجها، ولكنهما يفترقان، ثم يحب البرنسيسة نورهان ويتزوجها، ولكن دوامة الفقد الملعونة تبتلعهما!

ويحب سليمان غانم نازك ويتزوجها، ولكنه القدر نفسه يكتب كلمة الختام لقصتهما.

أما ذروة قصص حب الرواية الملحمية فتجمع بين علِى بن سليم البدرى وزهرة بنت سليمان غانم، هنا النسخة المصرية من روميو وجولييت، أبناء الأعداء يتحابون، ولكن هو الفقد ذاته، أبدًا لا تكتمل قصة حتى لو توّجها الزواج.

كل تلك القصص فى رواية واحدة هى قبْض الريح، تُرى لماذا؟
مدحت عزيز صديق راوى «تلك الأيام» يطلب منه استقبال قريبته بيرين فى الإسكندرية، ومساعدتها فى إنهاء بعض المعاملات الحكومية.

تأتى بيرين فيعرف الراوى طعم الحب منذ النظرة الأولى، بيرين التى فى الكتاب هى «أمل» التى فى رواية «الراية البيضا»، الحزن النبيل والكبرياء الملكية والجمال الشفاف الذى لا يترفع عن مساحيق الزينة.

بيرين تزوَّجت من الضابط نيازى الذى قبل أن يدخل بها لبَّى نداء الجبهة فى زمن قاصمة الظهر يونيو 1967، وذهب ولم يعُد.

على هذا يبدو الجو مهيَّئًا لتجاوب بيرين مع الراوى، ولكن!

رغم أنف فضة المعداوى

زفارة تجارة فضة المعداوى تريد التطهُّر فى أصالة فيلا مفيد أبو الغار، فتنشب حرب فضة ومفيد، تحت قصفها المتواصل، يحب الرسام هشام الصحفية أمل (لأسامة ابنان يحملان الاسمَين نفسيهما!).

حب كلما تقدَّم خطوة تراجع خطوتَين، إنه لا يبرح مكانه إلا بشق الأنفس، كثبان وتلال وجبال، لا أرض منبسطة فسيحة، كل شىء يبدو مثل حامل الصخرة سيزيف، يصعد إلى القمة ثم فجأة يهوى مع صخرته إلى القاع، لتبدأ رحلة صعود جديدة.

تتجاوب بيرين مع الراوى (أذكّرك بأنه قناع لأسامة نفسه) وتغادر شرنقة أحزانها، ولكن مدحت عزيز صديق الراوى الصدوق يحب بيرين ويتجهَّز لكى يتقدَّم لخطبتها!

النونو السوقى له قلب عصفور يحب سمحة الشاطر بنت فضة المعداوى، يريدها لا لكى يصعد على أكتاف ثورة أمها، ولكن لأنها نموذجه الأنثوى الفاتن، من أجل سمحة يسهر النونو الليالى متوحدًا مع رباعيات الخيام، حتى ولو لم يفهم من كلمات القصيدة شيئًا، لكنه يحب تلك الروح الحزينة التى تسرى فى القصيدة.

ثم لا ينال النونو من سمحة شيئًا.
الراوى الآن فى مأزق عمره، صديقه يحب حبيبته، ولكن الحبيبة تخرجه من مأزقه عندما تبادر وتقول لمدحت قريبها بأنها تحب الراوى، فهل ينسحب مدحت وتصفو الأيام؟

درويش إكرام

فى رواية «زيزينيا» يحب الشيخ عبد الفتاح ضرغام إكرام ابنة الحاج عبد الظاهر وشقيقة بشر، يصبح درويشًا فى حضرتها، لكنه الفقد ذاته!

بِشْر يحب عايدة، ولكن لا جديد تحت سماء أسامة أنور عكاشة.

فى رواية «أبو العلا البشرى» يحب مجدى نجوى، ولكن إلى أين يمضى الهاربون من دمائهم، فلا فرار من لعنة الفقد.
الأمر ذاته ستجده فى رواية «الشهد والدموع»، زينب تحب شوقى، وتفقده بالموت، وابن شوقى أحمد يحب ابنة ناهد ابنة عمّه حافظ، ولكن هى هى ذات الدائرة.

شاعت قصة حب بيرين للراوى، انتفخ عرق الغطرسة التركية فى أسرتها التى ترفض الراوى جملة وتفصيلًا وترحِّب بمدحت، وترسل الأسرة ابنها «رياض» لكى ينهى القصة بالضربة القاضية.

الثلاثة فى غرفة واحدة، مدحت القريب ورياض الشقيق والراوى الحبيب، رياض بغطرسته التركية الموروثة يقول للراوى: «ألا تعلم أن جدى كان يجلد جدك بالكرباج؟».

هذا تلميح أقوى من التصريح، وتصريح مهين جدًّا، يجد الراوى نفسه ملزمًا لا بالدفاع عن كرامته فحسب، بل بالدفاع عن أمته المصرية، فيباغت رياض بلطمة مدوية على وجهه، يسقط رياض كالميت، لأنه مُصاب بالصرع، يرتعش مدحت ويدفع بالراوى إلى خارج الشقة، لأن رياض متى استفاق من النوبة سيضربه بالرصاص.
هل تعقَّدت القصة؟

الغائب لا يعود

فى معظم روايات عكاشة ستجد حبيبًا يغيب ثم لا يعود ثانية، يغيب ويترك قلبًا معلقًا به تعلُّق الجسد بالروح، أذكّرك بقصة «وداد» فى رواية «أنا وأنت وبابا فى المشمش» عندما غاب حبيبها إسماعيل وتركها مثل قمر خرج عن مداره، ثم أذكّرك بـ«هناء» فى رواية أبو العلاء البشرى التى غاب عنها حبيبها «عزمى» وتركها فريسة معطلة لا تستطيع الشفاء منه ولا تستطيع الاقتراب من غيره.

الوطن الحبيب ينزف بعد صباح يونيو الفاجع، وبيرين تجلس إلى حبيبها لآخر مرة لتخبره بأنها ستهاجر إلى أمريكا ولن تعود ثانية.

وبعد، لقد كان العميد أسامة أنور عكاشة وفيًّا لقصته هو، وملتزمًا بنصيحة هيمنجواى الذهبية «اكتب عما تعرف»، والرجل لا يعرف سوى الفقد والبتر، فمن أين كان سيأتى بقصص الحب التى تتألَّق بالاكتمال؟
يرحم الله عكاشة جزاء ما أمتعنا به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت اليوم 11 يونيو في جريدة التحرير