الخميس، 30 أكتوبر 2014

مقتل الأمل





يشطح بى الخيال هروبا من واقع جهنمى بخيل وحارق، فأضع نفسى فى منزلة قاضى القضاة، وهو قاضى قضاة غير هذا الذى نشاهده فى المسلسلات التاريخية، إنه صاحب قدرات كونية خارقة، كأنه خارج لتوه من فيلم من أفلام الخيال العلمى، غاية فى الحسم، له معاونون كأنهم زبانية جهنم.

هذا القاضى، الذى سأكونه، سيترك كل القضايا، ولن يعمل إلا على قضية واحدة سيكون لها اسم قد يضحك البعض من فرط غرابته «مقتل الأمل»، ولن يكون فيها إلا متهم واحد اسمه محمد حسنى مبارك.

سأترك كل مصائب وكوارث مبارك وهزائمه وبلادة عهده وتخاذله وكل الفقر والجهل والمرض والموت الذى نثره فوق أدمغتنا، ولن أحاكمه إلا عن قتله الأمل.

كان مبارك قد رأى بعينيه غضبة الشعب على السادات فى يناير 1977، ولذا فقد «فهم الفولة» بتعبير أبناء البلد ووعى الدرس جيدا، درس أن يسمع وينفذ ويأخذ قرارات صارمة، درس أن يصادر المعارضة ويخنقها، لقد صنع الرجل بعبقرية شريرة مثالا يحتذى فى خلط كل الأوراق، بحيث لا يهتدى أحد إلى ما يحدث فى البلاد من شر أو حتى خير، جميعا كنا ندخل نفق التخمينات المظلم بطبعه أمام كل قرار يتخذه مبارك.

لقد حكمنا مبارك بطريقة رخوة شبهها بعضهم بطريقة كلام الممثل الكوميدى، الذى لم يكن يعطى قولا فصلا فى أى أمر يعرض عليه، مكتفيا بأن يرد على أى كلام يسمعه أو موقف يعايشه بجملة: «وماله يا خويا».

وهى جملة تختصر حكم مبارك كله، وتصلح لأن تكون عنوانا له.

ومن تلك النقطة انطلق الرجل ليحكم ثلاثين عاما عجفاء لم تثمر سوى خراب مدهون بطبقات من شعارات وضيعة عن الاستقرار وزيادة معدلات التنمية، وتشجيع الاستثمار وحفظ الأمن القومى للبلاد.

نقطة الانطلاق ارتكزت على فهم يبدو عميقا بضرورة قتل الأمل ودفنه تحت سابع أرض، وما كان لمبارك ورجالات عهده أن يصوبوا على الأمل إلا من خلال اتباع منهج مرعب فى ترك كل متحدث أو كاتب يتحدث كما شاء له الهوى، ويكتب ما يريده حتى لو كان ضد مبارك شخصيا، فإن جنح المتحدث أو الكاتب عوقب عقابا يعد هينا قياسا على عقوبات التصفية الجسدية، التى يعتمدها حكام عرب آخرون.

ثم يتم قتل الأمل من خلال تجاهل كل حديث وأى كتابة، القتل بالتجاهل أو الصمت، فمن شاء أن يكتب فليكتب، ومن شاء أن يعارض فليعارض، ومن شاء أن يتظاهر فليتظاهر، ثم يقوم النظام البليد بدفن كل ذلك ودهسه تحت أقدام التجاهل التام، وهو الأمر الذى كان يؤدى إلى تيقن الجميع من عبثية النفخ فى قربة مقطوعة، وأن لا أمل فى أن يحدث شىء، أى شىء سوى بقاء مبارك السرمدى، ثم توريث ابنه متى حان موعد رحيل الأب عن الدنيا.

هذه الحالة من فقدان الأمل أوصلتنا جميعا إلى ما نحن فيه الآن، لا أعنى حالة الخراب والتخريب فحسب، بل حالة تكذيب الأمل، معظمنا لم يعد يصدق أن الحياة جميعها ليست سوى حفنة من الآمال. أحد أصدقائى ذهب على نفقته الشخصية إلى موقع حفر القناة الجديدة، وتكبد ما هو فوق العناء لكى يرى بعينيه ما يجرى على الأرض، وعندما عاد سالما، سألته عن مشاهداته فقال مغمغما جملة لافتة: «ربنا يستر».

وعندما تعجبت من جملته التى لا علاقة لها بسؤالى، قال: «هل من المعقول أن نحفر نحن قناة كهذه التى رأيت آلات الحفر تعمل بها؟».

صديقى رأى وكذّب عينيه، وتلكم مصيبة من مصائب مبارك، التى لم نشف منها حتى اللحظة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في20 أغسطس 2014

الاثنين، 27 أكتوبر 2014

السيسي ومشروعه






لم أصوِّت لصالح السيسى وأعلنت مبكرًا جدًّا وقوفى مع منافسه حمدين صباحى، وأحسبنى أقف عن يسار السيسى، لا عن يمينه، ولكننى شأن كل أولاد البلد تركت كل شىء يشغلنى ووقفت (أعنى وقفت تمامًا) أمام شاشة التليفزيون لكى أتابع بأصفى نقطة فى دمى تدشين مشروع قناة السويس الجديدة، هذا التليفزيون الذى لا أحبه صباحًا، كان لامعًا ومتألقًا، قدماى اللتان تؤلماننى عندما أقف طويلًا لم تشعرا بأدنى درجة من الألم، عاد حماسى متدفقًا، والرجل يقسم بأنه جاد وبأن حلم المصريين فى قناة عملاقة عصرية سيتحقق، من نعمه تعالى علىّ أن منحنى أنفًا تشم الكذب والكذابين، الرجل لم يكن يكذب ولا يداهن ولا يتملق مشاعر شعب متعب مرهق، لم يعد له من زاد سوى الحلم والأمل، وجه الرجل كان مريحًا ونبرات صوته كانت واثقة تؤكد صدقه وعزمه الأكيد على المضى قدمًا فى إتمام مشروعه، رغم أنوف وأنوف، عندما أقسم السيسى إن المشروع سيتم بعون الله وفضله كان يعلم، بل كان يرد على أكاذيب عصابة حسن البنا، التى ملأت بها سماء فضائيات عدوَّة، قالت العصابة: إن المشروع هو مشروع فاشلهم مرسى.


لقد أدمنوا الكذب والتخريب، فلا جديد لديهم يقدمونه سوى مجموعات منتقاة من الأكاذيب القديمة التى يلبسونها فى كل مرة ثوبًا جديدًا حتى تبدو للمتعجل كأنها بنت لحظتها.

كان السيسى يرد بقسمه على هؤلاء المراهقين الذين زعموا أن آلات الحفر العملاقة ما هى إلا ديكور من ديكورات السينما، وما إن ينصرف حضور الحفل حتى تعود الديكورات إلى مخازنها.

عصابة البنا لن ننتظر منها خيرًا، أى خير، ولكن العتب جائز ومشروع فى حق هؤلاء الذين لا يرون أبعد من أطراف أنوفهم، والذين وقعوا صرعى لخصومة أو منافسة سياسية حتى سولت لهم أنفسهم أن كل خير سيأتى على يدى السيسى ما هو إلا شر مقنّع، ولقد أحسن حمدين صباحى عندما قطع الطريق عليهم وأصدر بيانًا يشع وطنية وشهامة بارك فيه المشروع ودعا فيه كل المصريين إلى المساهمة فى إنجاحه.


بيان حمدين وغيره من بيانات القوى الوطنية المخلصة لم تجد التجاوب اللازم من كل وسائل الإعلام، التى يحق للسيسى أن يشكو منها، وذلك لأن الإعلام الآن تتحكم فيه أيادٍ معدودة، يد لا ترى سوى مصلحتها الضيقة جدًّا والخاصة جدًّا ولا تتحرك بالمساندة والترويج إلا إذا كانت ضامنة أن الثمرة ساقطة فى جيبها هى على وجه الحصر، ويد سقطت بحكم الظروف المحيطة أو بحكم هشاشة مقاومتها فى جُب الكآبة والإحباط والرؤية من خلال نظارات سوداء، تطبع سوادها وقتامتها على كل تفاصيل المشهد، وهؤلاء يجب عليهم أن يساندوا أنفسهم أولا قبل أن نطالبهم بأن يساندوا مشروعا عملاقا مثل مشروع قناة السويس، واليد الأخيرة التى تتحكم فى ما يبثه الإعلام، هى يد مداهنة منافقة تساند كل عصر وتروج لكل مشروع ما دام مرتبطا باسم الرئيس، أى رئيس، وهؤلاء مساندتهم هى فى حد ذاتها عبء على مشروع وطنى كهذا الذى نتحدث عنه.

السيسى لا يحتاج الآن إلا لأصحاب المشروع الحقيقيين، وهم جموع الشعب المصرى، الذى برهن سابقًا ويبرهن دائمًا على أنه متى رأى صدق قائده اندفع بكل قواه الحية لكى يسانده ويدعمه ويحميه من كل شر، دائمًا الكرة بين قدمى السيسى ولا ننتظر منه سوى الانحياز الكامل للشعب، بعيدًا عن جماعات المنتفعين المغرضين.

اليأس ليس عارًا فحسب، بل هو خيانة كاملة تامة غير منقوصة، سينجز المصريون، بفضل الله، مشروعهم وسينعم الشعب ببركة ثورته التى ستسجل انتصارها الحاسم، شاء من شاء، وأبى من أبى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحريرفي 13 أغسطس 2014

الخميس، 16 أكتوبر 2014

خالد السرجانى




فى مطلع التسعينيات عرفت قدماى الطريق إلى مقهى «الندوة الثقافية» بوسط البلد، أتوجه إليه عصر كل يوم، أيامها كنت أشعر بسعادة غامرة لو توفر كوب شاى ورواية جيدة. على مقربة منى كان يجلس شاب يميل إلى الشقرة، يمضغ علكة، ويتحدث عن الجزائر، كنت أتركه يتحدث، وأتفرغ لالتهام الرواية التى تقع بين يدى، عصر أحد الأيام مر بنا بائع كتب قديمة، كان يحمل نسخة فريدة من كتاب «البداية والنهاية» للإمام ابن كثير، حاولت شراء الكتاب منه، لكنه غالَى كثيرا فى ثمنه، جلست متحسرا على فرصة ضاعت، وعدت لإكمال قراءة الرواية، عصر اليوم الثانى جاءنى الجرسون بشنطة بلاستيكية، وقال إن الأستاذ خالد السرجانى تركها لى، فتحت الشنطة فوجدت أربعة مجلدات هى النص الكامل لكتاب «البداية والنهاية»، سألت الجرسون: «من يكون خالد السرجانى؟».


راح الجرسون يصفه لى حتى تأكدت أنه نفس الشاب الأميل إلى الشقرة، الذى لا يتحدث سوى عن الجزائر.

تعجبت من الهدية وصاحبها، الذى يهدى كتابا نفيسا لواحد لا يعرف اسمه.


ظللت أنتظر مجىء خالد، وعندما جاء شكرته، فضحك قائلا: «إنك لم ترَ علامات الحسرة على وجهك بعد أن غالَى البائع فى ثمن الكتاب».

تواصل بيننا الحديث الذى سيستمر ويتواصل على مدار أكثر من عشرين سنة، وستكون الكتب هى العلامة الأكيدة على تقاربنا ومتانة علاقتنا.


رغم دلالة العطاء فى ما سبق، فإن علاقتنا ظلت محصورة فى تبادل الكتب والكلام العام، الذى لا يكشف خبايا الشخصية، حتى جاء يوم ألقى فيه شويعر على أسماعنا قصيدة غاية فى الركاكة والبذاءة معا فى هجاء الإمام الحسين بن على، يومها كنا جماعة من الذين يعرفون الشويعر جيدا، ويحبذون الاشتباك به بالأيدى تجنبا لضياع الوقت فى مناقشته، بسرعة قرأ خالد السرجانى -وكان يجلس معنا- ما يجول فى خاطرنا، فوبخ الشويعر بأقسى لفظ ممكن، وقام بطرده من المجلس، مما حال بيننا وبين الاشتباك معه، وعندما هدأنا أظهر بعضنا اندهاشه من سلوك خالد، الذى ظننا أن الأمر لا يعنيه، يومها قال خالد كلاما سيكشف به عن أعماق شخصيته، وذلك عندما تحدث طويلا عن كون الإسلام وتفرعاته من أحداث أو شخصيات ليس دين غالبية الأمة فحسب، بل هو فى جوهره يمثل ثقافة الأمة، وعلى كل أفراد الأمة أيا كانت توجهاتهم الاشتباك مع ثقافتهم، لكن من خندق وموقع الاحترام، وليس السب والشتم والتطاول دون مبرر.


لحظتها عدت أرى خالد بعين جديدة، وتأكدت أن رطانة ومراهقة اليساريين لم تصب قلبه بأى اعوجاج أو عمى بصيرة، وقد تصادف أن العالم الجليل الراحل عبد العظيم أنيس، وهو من هو بين اليساريين، قد خصص بضعة مقالات مطولة لشرح وترويج المعنى ذاته، الذى قصده خالد فى شأن احترام ثقافة الأمة ومفرداتها.

هاتان الخصلتان، أعنى القدرة على العطاء، واحترام الآخر أيا كان معتقده ستجعلان من خالد السرجانى شخصية فريدة بين جموع الصحفيين والكتاب، تلك الفرادة التى ستتواصل معه، وتكون عنوانا عليه حتى مفارقة رحيله المفاجئ بعد ساعات من زفافه، إن تلك المفارقة قد دعتنى إلى أن أتأمل حكمة الرحيل فى هذا التوقيت على وجه التحديد.



لعلنى لا أتجاوز حدودى، عندما أقول إن رحيل السرجانى بالطريقة التى رحل بها رققت قلوب حتى الذين لا يعرفونه شخصيا، والذين جعلوا من مواقع التواصل الاجتماعى مساحة للدعاء له بالرحمة والمغفرة، وهو الأمر الذى يثبت أن النظفاء والودعاء وأصحاب العطاء سيجدون دائما من يحفظ لهم قدرهم فى حياتهم أو بعد مماتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحريرفي 10 سبتمبر 2014
لينك المقال:

الخميس، 9 أكتوبر 2014

نشاز البيانو وبلادة الحياة




قالوا إن مبشرا أوروبيا قد ترك مدينته الأوروبية الراقية فى بدايات القرن الماضى، وتوجه إلى قلب إفريقيا، حيث الغابات البكر والأحراش المتوحشة، وحيث لا شىء يذكره بمدينته المتحضرة، ذهب الرجل إلى الأفارقة بعزم من حديد وبهمة عالية وبمحبة دافقة للمسيحية قد ملكت عليه كل قلبه ومشاعره، الرجل يريد الدعوة لدين المسيح بين قوم لم يسمعوا أصلا بكلمة دين، أو لهم دينهم الخاص الذى يتناقض كلية مع معتقدات المبشر الأوروبى، ورغم تلك القطيعة العقدية والفجوة الحضارية، فقد أحسن الأفارقة استقباله لعل وعسى يكون معه ما يفيدهم فى دنياهم، أقاموا له مأدبة استقبال إفريقية، أسكرته بتفردها وتميز مذاقها، ثم بعد أن هدأت حرارة الاستقبال طالبوه بأن يجعل على عينيه عصابة، فوقع فى قلب المبشر أنهم لا شك قد سمنوه لكى يأكلوه، فرفض أن يضع عصابة على عينيه، فقام كبير القوم ووضع العصابة على عينىّ الأوروبى غصبا، ومرت دقائق نزف خلالها الأوروبى حياته جميعا، وهو ينتظر طحن عظامه تحت أضراس الأفارقة المتوحشين، بعد قليل رفعوا العصابة عن عينيه ليجد أمامه ستارة سوداء، طالبوه بأن يزيحها، فأزاحها بيد مرتعشة ليجد نفسه أمام مشهد حياته، لقد جلب له الأفارقة آلة بيانو، لكى يبددوا وحشته.


عجز لسانه عن شكرهم، لكنه شكرهم بقلبه، واستغفر ربه على سوء ظنه بهم، ثم جلس إلى البيانو، لكى يعزف لهم لحن شكره وتقديره، وما إن لمس مفاتيح البيانو، حتى انبعث منه نغمة نشاز يكاد نشازها يصم الآذان، تأفف الرجل من نشاز البيانو، وأرجعه إلى تلف المفاتيح والأوتار بحكم عدم الاهتمام الإفريقى بآلة لها خصائصها المتميزة. ثم مرت أيام تلتها أسابيع، والرجل عاكف على التبشير والعزف، حتى ارتاحت أذنه إلى نغمات البيانو ورضيت ذائقته بجودة العزف، ولم يعد يشتكى من التلف الذى أصاب الآلة، ثم مرت شهور، وجاءت أسرته من مدينته الأوروبية لكى تزوره وتطمئن عليه، وتمكث لديه عدة أيام. قام الرجل بتجهيز استقبال إفريقى لأسرته أسكرهم ثم باغتهم بوجود بيانو فى قلب الغابة، طالبته الأسرة بأن يعزف لهم شيئا من محفوظاته الموسيقية، فلبى الطلب سعيدا متفاخرا بالبيانو الحبيب الذى طالما بدد وحشته، وما إن جلس إليه وعزف مقدمة لحن، حتى صاحت الأسرة متأففة: «ما كل هذا النشاز؟».


يقول رواة القصة إن الأسرة الأوروبية ظلت لساعات تصف نغمات البيانو بالنشاز، لكن بمرور الأيام وبإصرار رب الأسرة على مواصلة العزف ارتاحت آذانهم للعزف، وأصبحوا مثل رجلهم مفتونين بالبيانو الحبيب، الذى يبدد وحشتهم وأضاء ظلمة الغابة.


الذى يرزقه الله نعمة التأمل سيجد حالنا مطابقا لحال تلك الأسرة الأوروبية، فقد بدأنا كارهين الحرب أى حرب وخائفين من إراقة الدماء، أى دماء، هل تذكر كيف كنا نرتعش غضبا من طواغيت مثل بن على ومبارك وعلى صالح وبشار الأسد ومعمر القذافى وهم يريقون دماء شعوبهم؟


هل تذكر مظاهراتنا الغاضبة التى كنا نحاصر بها سفارات هؤلاء الطغاة لكى يرسل لهم رسالة رفضنا لجنون حكمهم وتوحش سياساتهم؟


هل تذكر كم فرحنا وكيف حلقنا فى سماوات الأمل عندما استطعنا بلحمنا العارى إزاحة بعضهم من فوق عرش الحكم؟


حتى بشار الأسد بواقع بلاده الملتبس والمختلف لم نهادنه يوما، ولم نعلن يوما معارضتنا لثورة شعبه عندما كانت سلمية عافية ممتلئة بالغضب النبيل واعية لغد أجمل وأفضل، لكن جرت فى النهر مياه كثيرة، فأصبح القتل على المشاع، ولم يعد مقتول يدرى مَنْ قاتله ولمَ قتله، فلم تعد تعصف بنا مشاهد القتل التى تحاصرنا أينما ولينا وجوهنا، بالجملة لم نعد نشعر بنشاز البيانو ولا ببلادة الحياة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 8 يونيو 2014
لينك المقال:

الخميس، 2 أكتوبر 2014

الأذى بالقرآن





لى جار تلقى تعليمًا جيدًا مكنه من الترقى فى سلم وظيفته المرموقة، جارى هذا رجل مهذب وسيم الملامح خفيض الصوت، نظيف الملبس، لم أعهده صاخبًا أو بذيئًا أو عدوانيًّا، شاء الله أن يبتلى طفله الصغير بمتاعب صحية تجعله يبكى دون سبب مفهوم ليل نهار، كل ما سبق من مواصفات وصفات جارى تجعله يقينًا يهرع إلى أكابر الأطباء لكى يتلقى ابنه علاجًا شافيًا، ولكن خاب ظنى أو دلالات المواصفات والصفات، وذلك عندما انغمس جارى فى بئر بلا قرار اسمها الذهاب إلى الشيخ فلان والشيخ علان والشيخ ترتان.

كمية خرافية من المشايخ أو بالأحرى من مدعى المشيخة، أنفق عليهم الرجل المسكين المهذب الرقيق معظم ماله.

ونظرًا لأن لكل شيخ طريقة فقد تعقدت حالة الطفل وساءت جدًّا، حتى أصبح الصغير الذى كنت أراه عودًا أخضر يبشر بالخير شيئًا أقرب إلى أشباح سينما الرعب.

رأيت أن واجب الجيرة يحتم علىّ تقديم نصيحة ربما يكون فيها الشفاء للطفل الصغير.

بألطف تعبير وبأرق جملة خاطبت جارى فى حتمية الذهاب إلى طبيب، وعرضت عليه قائمة أطباء كبار وتعهدت بضمان رعاية فائقة للصغير العزيز.

بأدبه المعهود استمع لى جارى حتى فرغت من كلامى، ثم نظر إلى نظرة مرعبة، كانت نظرته تقذفنى بالكفر الصريح الذى لا يأتيه الإيمان من بين يديه ولا من خلفه.

استبشعت نظرته فسألته عن معناها (كأن معناها خاف علىّ) بصوته ذى النبرة الخفيضة قال كلامًا كثيرًا يمكن تلخيصه فى أن قراءتى لبعض الكتب (قالها غامزًا) ثم معرفتى ومصاحبتى لفلان وفلان (ذكرهم بالاسم) قد طبعت على قلبى بصمات الاستهانة ببركة القرآن الكريم كتاب الله المقدس.

أدركت فى لحظة تعقل (نادرًا ما أتحلى بها) أن أى دفاع عن نفسى لن تكون عواقبه حميدة، فتركت له نهر الكلام يعكره كما شاء له هواه وعقله أو قلبه وشيطانه.

واصل الرجل المسكين كلامه فقال إن بالقرآن كنوزا تخفى على أمثالى الذين ضربت العلمانية الغربية معاقل إيمانهم فى مقتل، فعاشوا يرطنون بكلام لا معنى له ولا يسمن ولا يغنى من جوع، ولن يستقيم حالهم (يقصدنى طبعًا) إلا إذا أعلنوا بكل قلوبهم بأن القرآن هو أبو العلاج وأمه، وأنه يستطيع علاج كل داء، وأن الطب الذى نتشدق بفوائده ما هو إلا دجل دجالين وتمتمة سحرة.

قطع دخول زوجته بمشروب الضيافة تدفق حديثه، فرأى أن دخولها مناسب لكى يستشهد بها على صدق كلامه، وسألها عن خالتها التى كادت تكون قعيدة حتى رزقها الله بالشيخ فلان الذى رتل على ركبتيها أواخر سورة «الرعد»، فقامت من بين يديه تجرى كما لو كانت شابة فى العشرين من عمرها.

ضاق صدرى وانقبض قلبى بما أسمع من شهادات هى إلى الخرافات أقرب، ضقت بشهادات تنزل القرآن العظيم، كتاب الهدى والقداسة والنورانية منزلة دون منزلته، فعرضت على جارى لكى يرتاح ضميرى أن نجرب ولو مرة واحدة الجلوس مع طبيب، فإن أفلح فهذا ما نبغى وإن فشل نذهب إلى غيره أو نزاوج بين الطريقتين، طريقة مشايخه وطريقة أطبائى.

هنا احتد صوته للمرة الأولى وقال: كيف أخلط سمًّا بعسل؟ ابنى سيشفيه رب الشفاء على أيدى ناس أؤمن بكرامتهم.

غادرت بيته غير مصدق لما سمعت، وقد تملكتنى الحيرة من أمره فلو كان من هؤلاء الذين يعميهم التطرف لكان الأمر مفهومًا، إنه مواطن عادى مثلى ومثلك يعمل ويجتهد فى عمله، لكنه ساعة الجد يركل عقله ويؤذى نفسه وطفله من حيث يريد الشفاء.

من الواضح أن شوط الوصول إلى بر الإيمان الحق بعيد جدًا وملىء بالمصاعب.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة التحرير في 30 يوليو 2014

الخميس، 25 سبتمبر 2014

التجربة الألمانية




فى يوم الثلاثين من أبريل من العام 1945 انهارت ألمانيا التى كانت قوة عالمية عظمى، هزمت فى الحرب العالمية الثانية شر هزيمة، وانتحر طاغيتها هتلر، الذى أوردها موارد التهلكة، واحتلت قوات الحلفاء المنتصرة العاصمة برلين، وأعلنت ألمانيا هزيمتها بعد تدمير غالبية مدنها واقتصادها وبعثرة جيشها وتفكيكه، ثم أن كل هذا العقاب لم يشف غليل المنتصرين، فسعوا إلى تقسيم الدولة الواحدة الموحدة إلى دولتين «ألمانيا الاتحادية» و«ألمانيا الديمقراطية»، وبعد التقسيم قاموا بتجزئة البلاد، وضموا جزءا من أراضيها إلى بولندا والاتحاد السوفييتى وفرنسا، وقد وصلت الخسائر الألمانية البشرية إلى أرقام مفزعة لم تذقها الإنسانية من قبل، تشريد نحو 12 مليون ألمانى، إضافة إلى 8 ملايين أسير فى معتقلات قوات الحلفاء، والعجيب فى هذا السياق أن الاتحاد السوفييتى قد احتفظ بأسراه الألمان حتى بعد مرور أحد عشر عاما على نهاية الحرب، أما عن النكبة الألمانية على الصعيد الاقتصادى فقد تم تدمير السكك الحديدية والطرق، وتفكيك المصانع، بل لقد أوغل المنتصرون فى عقاب الألمان، وقاموا بتفكيك القضاء نفسه من خلال إقالات فورية لقضاة عهد هتلر، وجرى إغلاق المدارس ودور النشر بزعم تطهير العقلية الألمانية من رجس النازية.

إذن نحن أمام دولة لا تمتلك من مقومات الدولة شيئا أى شىء، فكل ما يمكن البناء عليه أصبح كومة من التراب، ومع ذلك عض الألمان على شفاههم، لكى لا يقعوا فى مستنقع جلد الذات أو العويل واللطم والبكاء، بدأ الألمان مرحلة لعق جراحهم، على يد قائدهم «لودفيج إرهارد»، وهو ملقب عندهم بـ«أب المعجزة الاقتصادية»، هذا الرجل كتب مذكرة صغيرة ستقود ألمانيا إلى ما هى فيه الآن من نعيم ورخاء، مذكرة هذا القائد الفذ كان عنوانها «تمويل ديون الحرب وإعادة هيكلتها»، وقد أودعها فكره القائم على إعادة بناء الاقتصاد الألمانى من خلال ترسيخ فكرة «السوق الاجتماعية» التى تقوم على حرية السوق مع الاهتمام الفعلى والجاد بالعدالة الاجتماعية، وقد قام الرجل بتنفيذ أفكاره فعلا عندما أصبح وزيرا للاقتصاد بعد النكبة بأربعة أعوام، وقد خاض فى سبيل إنقاذ بلاده حروبا طاحنة على أكثر من صعيد، فعلى الصعيد الخارجى، كان المنتصرون قد فرضوا على ألمانيا المهزومة دفع تعويضات سنوية تبلغ حوالى المليار دولار (انظر إلى قيمة وفداحة هذا الرقم قبل ستين عاما من الآن) التزم إرهارد بسداد تلك التعويضات التى تقصم ظهر أى دولة، ثم خاض حربا ضد التجار، وأجبرهم على عرض بضائعهم، التى كانوا يستثمرونها فى تكوين سوق سوداء خرافية، وقد وصل به الأمر إلى إلغاء العملة نفسها، فبعد أن كانت عملة ألمانيا تعرف باسم «مارك الرايخ» أصبحت تعرف باسم المارك الألمانى رابع أقوى اقتصاد على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة والصين واليابان بناتج محلى بلغ حوالى 3.518 تريليون دولار، وذلك وفق ما استطعت الحصول عليه من بيانات تعود إلى العام 2011.

هل ما حققه الألمان هو معجزة غير قابلة للتحقق مرة أخرى؟

الحقيقة أن ما صنعه الألمان لم يكن معجزة بحال من الأحوال، لقد صنعوا إنجازا، وكل إنجاز قابل بطبعه للتكرار دائما.

إن الإنجاز الألمانى ليس حكرا على الألمان فقط، بل هو تجربة إنسانية عابرة للحدود الأعراق بل والأزمنة، وما أركانها سوى الإيمان المطلق بقدرة الإنسان على تجاوز نكباته والبدء من جديد من نقطة هى تحت الصفر بمراحل.


حال الآن فى مصر هو بكل المقاييس سيئ إن لم يكن سيئا جدا، لكنه أحسن مئات المرات من حال ألمانيا عشية إعلان هزيمتها، فإن كان الألمان رجالا، فنحن أيضا رجال، وإن كانوا قد ربطوا حجرا على بطونهم، لكى لا يشعروا بمذلة الجوع، فما الذى يمنعنا من أن نقتدى بهم؟ خاصة وليس لنا ترف الاختيار بين الحياة والموت.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 23 يوليو 2014م
لينك المقال: 

الاثنين، 22 سبتمبر 2014

المتحمس






من معارك المسلمين مع الفرس معركة تبدو مجهولة رغم خطورتها، تُعرف باسم معركة الجسر، والجسر هو الكوبرى بلغة أيامنا، ويقول ملخصها إن رستم قائد الفرس الشهير كان رجلا صاحب طموح وكبرياء، وقد هزته هزا عنيفا الهزائم التى أوقعها المسلمون به وبجيوشه، فحشد حشدا عظيما مكونا من ثمانين ألف مقاتل من خيرة محاربى الفرس، وجعل فى مقدمة جيشه عشرين فيلا، وهو كائن ليس للمسلمين الأوائل فى زمن عمر بن الخطاب كثير معرفة به، وجعل القيادة العامة لبهمن جازويه، وهو من أشد العسكريين الفرس بغضا للمسلمين، وكان الذى يقود المسلمين هو أبو عبيدة بن مسعود، وهو رجل وإن لم يكن ذائع الصيت إلا أن صفحات العسكرية الإسلامية تحتفظ له بتاريخ ناصع. كان معسكر الفرس على الجانب الشرقى من نهر الفرات ومعسكر المسلمين على الجانب الغربى، ولا يفصل بينهما سوى جسر صغير يصل بين الضفتين.

صاح بهمن فى المسلمين: «هل تعبرون إلينا أم نعبر إليكم؟».

أكابر قادة الجيش، وكان من بينهم القائد الفذ الشهير المثنى بن حارثة، أشاروا على أبى عبيدة بضرورة أن يعبر الفرس إليهم، وقد قالوا فى حيثيات مشورتهم إن المسلمين لو انهزموا فسيعودون إلى بلادهم التى يعرفون جغرافيتها، أما لو عبروا وهزموا على أرض العدو فسوف يتشتت الجيش، ولن تقوم له قائمة.

يقول المؤرخون إن أبا عبيدة كان رجلا من حديد لا يلين لرأى غير رأى حماسه الدافق وإخلاصه العظيم، ولذا فقد شق على ثقته بنفسه وبرجاله أن يبقى فى مكانه، ولا يعبر بالجيش ليلاقى العدو على أرضه، وقد حاول المثنى غير مرة أن يثنيه عن عزمه هذا، ويبين له خطورة ما هو مقدم عليه، لكنه بحكم قيادته استبد برأيه، وأمر الجيش بالعبور.

وما أن عبر جيش المسلمين، وكان عدده عشرة آلاف مقاتل، حتى تصدت لهم الأفيال فجفلت خيول المسلمين، وولت هاربة من ميدان المعركة، وقد ألقت من فوق ظهورها فرسانها، حاول المثنى وباقى القواد إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن كان الوقت قد فاتهم، وتبعثرت فرص الإنقاذ، لأن أبا عبيدة ذهب برأيه إلى كارثة محققة، وذلك عندما ذهب ليقتل الفيل الأبيض، الذى كان بمثابة القائد العام للأفيال، وقد حاول باقى القواد مرة أخرى منع أبى عبيدة من مواجهة هذا الفيل تحديدا، لكنه رفض الإنصات إليهم، ضرب أبو عبيدة الفيل بسيفه على خرطومه ضربة قاتلة أهاجت الفيل، الذى ركل أبا عبيدة ركلة أطاحت به، ثم جن جنون الفيل، فوقف فوق جسد أبى عبيدة حتى جعله والأرض سواء، هنا تيقن المسلمون من الهزيمة بعد مقتل قائدهم العام، ومقتل القادة العموميين، الذين عينهم قبل موته، وكانوا جميعا من أبنائه الذين حاولوا الثأر لأبيهم فماتوا مثله بسبب حماسهم الزائد الذى كان فى غير محله، وما زاد الطين بلة أن أحد عساكر جيش المسلمين تقدم بفرقة من الجيش، وقاموا بقطع الجسر لكى يحمس الناس على القتال حتى آخر نفس، قطع الجسر أدى إلى مزيد من استبسال الفرس، الذين أعملوا سيوفهم ورماحهم فى ظهور عساكر المسلمين، الذين تفرق جمعهم.

ولولا حنكة وحكمة المثنى الذى أعاد وصل ما انقطع من الجسر ورتب انسحابا هادئا لكان الهلاك قد لحق بكل جيش المسلمين.


وبعد مرور مئات السنوات على تلك المعركة يحق لنا أن نحذر المتحمسين، الذين لا ننكر عليهم إخلاصهم وحماسهم من التزيد، الذى يقود غالبا إلى المهالك لا إلى النجاة.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 16 يوليو 2014
لينك المقال:

الخميس، 18 سبتمبر 2014

مبعثرات



البحر


يفضل دائما الاختباء بين جدران مكتبته حيث الحيوات المحنطة بين أغلفة الكتب، لم يعُد يطيق ذلك الجمال المنبعث من زرقة البحر وخضرة الحدائق ورحابة الصحراء، كل جمال ينتمى إليها، وهى قد هجرته.

مقاطعة ماديسون


كان سعيدًا جدًّا، حبيبته إلى جواره، وسيشاهدان معًا فيلمهما المفضل (جسور مقاطعة ماديسون)، وسيتمتعان بتعقيب على الفيلم من ناقدهما المحبوب. أظلمتْ قاعة العرض وظهرت ميريل ستريب فى دور فرانشيسكا، لا لتضىء الشاشة بل لتضىء عتمة قلبيهما. غمز لحبيبته عندما قالت فرانشيسكا: «إن اغتسالها بعد حبيبها فى نفس المغطس وتساقط قطرات الماء على جسدها من نفس رشاش الحمام يبعث فى أوصالها بنبيذ الغواية». ردتْ حبيبته على غمزته وعلى جملة فرانشيسكا بابتسامة فاتنة. عندما انتهى عرض الفيلم، كانت عيونهما محتقنة وأنفاسهما مبهورة. سيطرا على انفعالهما بشق الأنفس لكى ينصتا إلى تعقيب الناقد الذى قال: «الأمريكان الذين يبقرون بطون الحوامل، الأمريكان الذين يبول جنودهم على جثامين الموتى، الأمريكان الذين يدفنون الأسرى وهم أحياء، الأمريكان الذين يلهون باغتصاب البكارى، الأمريكان الذين إن لم يجدوا عدوًّا اخترعوه، كيف أنجبوا ميريل ستريب؟». طرح ناقدهم سؤاله ثم خنقتْ الدموع صوته.

الربيع


رغم سنه المتقدمة فإنه يغادر بيته فى تمام السادسة صباحًا، يصل إلى محل الأحذية الذى يمتلكه فى تمام السابعة، يكنس أمام المحل ويرش البلاط بالماء ثم يلمع فاترينة العرض، ثم يتأمل بمحبة الأحذية التى لا يبيع منها إلا القليل، فى تمام الثامنة يكون قد جلس خلف مكتبه النظيف يرشف بتلذذ قهوته الصباحية. فى التاسعة يأتى ثلاثة رجال يماثلونه فى العمر، هم كل من بقى من مئات كان يحبهم ويحبونه. لا يتحدث الرجال الأربعة عن أمراض الشيخوخة أو غلاء الأسعار أو شح الأدوية أو حالة المناخ، إنهم يحمدون الله على الصباح الجديد ثم يشعلون سجائرهم ويرمون له نظرة يفهمها. يقوم إلى جهاز كاسيت عريق ويضع بداخله الشريط الوحيد الذى لا يستمعون لسواه، يضغط مفتاح التشغيل فيأتى صوت فريد الأطرش مغنيًا للربيع. عندما يتسلطن عود فريد فى المقدمة الموسيقة، يتطوع بأن يردد عليهم جملتهم الخالدة: «لو كان للغناء أب فسيكون عبد الوهاب، ولو كان له أم فستكون أم كلثوم، أما الابن فهو حتمًا سيكون فريد». يهزون رؤوسهم بعلامة مؤيدين لكلامه، ثم يتفرغون بكلياتهم للعودة عبر صوت فريد إلى أزمنتهم الماضية، عندما يغنى فريد: «أيام رضاه يا زمانى هاتها وخد عمرى»، لا يرى أحد منابت دمعه تترقرق فى عينيه. عندما سقط فى غيبوبة بين أصحابه ذات صباح، جاء الطبيب الذى نظر إلى أصحابه قائلاً: «لا تتهمونى بالجنون لو قلت إنه مات بفعل الشجن».

عبث




ليس من مألوف عاداته التدخل فى شؤون الناس، حتى إنه كان لا يتدخل فى شأنه هو الشخصى، تاركًا الأيام تفعل به ما تشاء، ليلتها كان يسير غير ملتفت لشىء كعادته، عندما سقط بصره على غير إرادة منه على البنت التى كاد بياض وجهها يضىء ظلمة الشارع، كانت ترتجف من البرد والوحدة ومن مشقة الانتظار. كأنه غيره، اقترب من البنت البيضاء وهمس بثقة طارئة عليه: «عودى إلى بيتك، هو لن يأتى». حملقت البنت البيضاء فى وجهه خائفة، كأنه جنى ثم انخرطت فى بكاء عنيف. غضب من نفسه ومنها ومن كل هذا الكون، اعتذر لها عن تعليقه السخيف، وترجاها أن تكف عن بكائها. تشنج جسدها فوجد نفسه يحتضنها مواسيًا، من لحظتها نسيت البنت البيضاء حبيبها وأحبته هو بجنون.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير بتاريخ 9 يوليو 2014
لينك الجريدة:

الثلاثاء، 16 سبتمبر 2014

الوطن ليس وهمًا




تحت وطأة اليأس من وقوع أى إصلاح فى زمن مبارك، غادرتُ مصر والصديق الراحل حسام تمّام إلى المملكة المغربية، كان خروجنا عبثيا بامتياز، كل الصحفيين يقصدون بلاد الخليج، أما نحن فقد اخترنا أبعد أرض بلغها العرب والمسلمون. على رأس المغرب يقف المحيط المخيف الذى يفصل تماما بين عالمين.

كنت قبل المغادرة بساعة واحدة عاقدًا العزم على عدم العودة إلى مصر مرة ثانية، مر أسبوع ثم أسبوعان وبدأ القلب يعوى، نعم كنت أسمع هذا العواء المقبض الذى تتشنج له الأطراف، كان حسام رحمه الله يشاكسنى عندما أصحو من نومى سائلًا: «هل تعرفت على أعضائك؟».

أجيبه: «ينقصنى عضو اليقين».

بعد شهر بدأ الأمر يأخذ بعدًا جديدًا، أىّ فقد أعانيه حتى يعوى قلبى كل هذا العواء؟

المغاربة طيبون هادئون، وقعوا فى عشق مصر وانتهى أمرهم، كَوْنى مصريا يجعلنى أعيش معززًا مكرمًا لا يرد أحد لى طلبًا بل لا يناقشنى فى أمر.

كيف لا أكون سعيدًا فى بلد كهذا البلد؟ كيف لا أغتنم الفرصة وأتمتع بكل هذا الجمال والهدوء والنظافة؟

ما هذا الوطن الذى يبعثرنى فقْدى له كل هذه البعثرة؟

جاءتنى الإجابة من قصة كنت أعرفها منذ سنوات، ولكنها لم تستوقفنى إلا وأنا أعيش مبعثرًا فى المغرب، القصة روتها كل كتب السيرة النبوية الشريفة، وتحكى عن اللحظة الأولى لوصول المهاجرين إلى موطنهم الجديد فى المدينة المنورة.

كان المهاجرون فريقين لا ثالث لهما، الفريق الأول وهو الأكثرية يضم سادة مكة وأبناء سادتها، الذين أسلموا واختاروا التضحية بمكانتهم وأموالهم وعشائرهم فى سبيل الإيمان بالدين الجديد، وهؤلاء لم يكن أحد يستطيع اضطهادهم أو تعذيبهم، مَنْ الذى يستطيع جلد عمر بن الخطاب، أو تعذيب على بن أبى طالب، أو شتم الزبير بن العوام، أو مواجهة سعد بن أبى وقاص، أو التطاول على الصديق أبى بكر؟! ما تعرض له هؤلاء من عذاب لا يتجاوز عذاب المصلح والمفكر والفيلسوف فى بيئة معادية.

الفريق الثانى وهو الأقلية كانوا من المضطهدين حقًّا وفعلاً وقولًا، وكان على رأس هذا الفريق صحابة من أمثال بلال بن رباح وعمّار بن ياسر وباقى الأرقّاء الذين أعتقهم أبو بكر الصديق.

ذهب الفريقان معًا إلى الوطن الجديد، وهنا تقول الكتب إنهم جميعًا مرضوا وأصابتهم جميعًا الحُمّى، تشخّص الكتب الأمر على أنه راجع إلى طقس المدينة الجديد عليهم، والله يعلم أن طقس المدينة ألطف من طقس مكة، ثم هم ليسوا غرباء عن طقس المدينة، لقد كانوا يزورونها كثيرًا فى زمن جاهليتهم، لقد أخطأت الكتب التشخيص، إنها حمى البعد عن الوطن وحمى افتقاده وحمى الحنين إليه.

تقول الكتب إن الصحابة كانوا فى مرضهم الشديد يجلسون فى بكاء مقيم، وكان الذى يهيج أحزانهم بشعر حارق يذكر فيه مآثر الوطن الأولى هو بلال بن رباح.

نعم بلال الرقيق الذى عذبته قريش كما لم تعذب أحدًا، بلال الذى يقينًا لم يشهد عمره بمكة فرحة واحدة، بلال الذى ليس له فى العير ولا النفير، كان أشد الجميع بكاءً على الوطن، وأكثر الجميع حزنًا على مفارقة الوطن، الوطن الذى كان يعذبه ويجلده ويضع الصخر فوق صدره، بينما ظهره يكتوى بنيران رمل مكة.

أى شىء كان لبلال فى مكة حتى يبكيها كل هذا البكاء؟

لقد بكاها حتى زجره الرسول.


حتمًا بلال لم يكن يبكى عبوديته، ولا الظلم الذى تجرعه على مدار عمره، إنه كان يبكى المعنى العام للوطن، هذا المعنى الذى يسكن تحت جلودنا ويجعلنا نؤمن ساعة الجد أن الوطن ليس ترفًا كما أنه ليس وهمًا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة التحرير في 2 يوليو 2014
لينك المقال:

الاثنين، 4 أغسطس 2014

إلى متى




أعجبنى تصريح المهندس إبراهيم محلب رئيس الوزراء، الذى قطع به قول كل خطيب، إذ أكد أن كارثة انقطاع التيار الكهربائى عن معظم قطاعات الجمهورية، لن تُحل قريبًا، وجه الإعجاب بتصريح كهذا يأتى من شجاعة الرجل فى قول الحقيقة، وعدم لجوئه إلى تصريحات وردية جرَّبناها على مدار عقود، ثم انتهت بنا إلى ما نحن فيه الآن.

الكهرباء مشكلة قديمة تفجَّرت منذ عام 2009، وتعود أساسًا إلى غياب أبجديات البنية التحتية، تلك البنية التى أذلَّ حسنى مبارك أعناقنا بها على مدار ثلاثين عامًا من حكمه الكئيب الفاشل، فكثيرًا بل كثيرًا جدًّا ما تفاخر وتباهى بأنه أول مَن أدخل خدمات الإنترنت والهاتف المحمول إلى مصر، ولكنه دائمًا ما كان ينسى أو يتجاهل أنه أول رئيس مصرى يحرق أبناء وطنه فى القطارات ويغرقهم فى العبّارات، ثم لا يجدون مشارح تكفى جثامينهم، من تلك النقطة تفجَّرت أزمات البنية التحتية، فقد أقمنا الأبراج الشاهقة وحفرنا أنفاق المترو، ونسينا أن كل ذلك قائم على تواصل التيار الكهربائى، فما معنى تأسيس أى مشروع دون وجود كهرباء ودون ضمان عدم انقطاعها؟

البناء على تصريحات رئيس الوزراء ضرورى للغاية، من هنا نبدأ من لحظة مواجهة الحقيقة، حقيقة أننا بلد فقير فى الماء والكهرباء، وهما معًا من ضروريات الحياة، وبوجودهما تنبت النهضة، وبغيابهما يكثر الكلام عن النهضة وتنعدم الأفعال.

الذى ينقص تصريحات رئيس الوزراء هو الإجابة عن أسئلة محدَّدة، على أن تكون الإجابات شجاعة وصريحة.

إلى متى سننتظر انتهاء هذه الكارثة التى تشل حياتنا جميعا، حتى فى جريدتنا هذه، وهى تقع فى أحد أرقى أحياء الجيزة تنقطع الكهرباء مرات فى اليوم، ولولا المولدات الخاصة بنا ما تمكنا من إصدار الجريدة، الانتظار فى المطلق جريمة لا تفوقها بشاعة سوى جريمة الانقطاع المفاجئ المتتالى للتيار، على معالى رئيس الوزراء أن يكون جادًّا وصادمًا وحاسمًا ويحددّ سقفًا لزمن الانتظار، كأن يقول بعد خمس سنوات أو بعد عشر سنوات أو حتى بعد مئة عام لن تنقطع الكهرباء ثانية، ثم نحن لنا حق اختيار بقاء هذه الحكومة أو الذهاب بها إلى حيث تستحق.

ثم هل لدى المهندس محلب خطة يضمن بها وجود استثمارات هائلة وضرورية لا بد من ضخّها فى شرايين قطاع الكهرباء؟

كل الخبراء يتحدَّثون عن حتمية ضخ مليارات الدولارات لا الجنيهات، لبناء ما نحتاج إليه حقًّا من محطات لسد الفجوة بين ما ننتجه وما نستهلكه، فهل السوق المصرية الآن وفق ما نعيشه تعد سوقًا جاذبة لاستثمارات من هذا النوع؟ إنها منظومة متكاملة، اختلال أى جزء منها سيؤثِّر دون أدنى شك على بقية الأجزاء، نحتاج فورًا إلى إصلاح تشريعى خاص بقوانين الاستثمار، وبعض تلك القوانين أعرج، وبعضها بلا معنى سوى التنطّع والمزايدة على خلق الله، الذين يريدون تقديم يد العون لنا، وبعضها موضوع لتطفيش المستثمرين أصلًا.

ثم لماذا لم يحدثنا المهندس محلب عن الصيانة التى هى خير من العلاج، لقد قدمنا هنا من خلال جريدتنا هذه عشرات التقارير المصورة التى تثبت أن معظم محطات الكهرباء وصلت إلى حالة متدنية جدًّا من الفوضى والإهمال، حتى إن محطة انفجرت مكوناتها الرئيسية بعد مرور أشهر قليلة من بدء تشغيلها، وبعدها دخلنا فى جدل بيزنطى مع الشركة المصنعة للمحطة حول الجهة الواجب عليها تحمُّل مسؤولية إصلاح أعطال المحطة.


للأسف ليس أمام محلب وقت كثير لكى يبتر الماضى بكآبته ثم يبدأ العلاج الفوري
ـــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة التحرير بتاريخ 25/6/2014