الاثنين، 28 أبريل 2014

إسعاف يا ريس




السيد الرئيس القادم، سأنتهز فرصة أننى لا أعلم يقينًا اسم فخامتكم، واجعل البساط أحمديًا فيما بينى وبينكم.

السيد الرئيس، جارى فلان الفلانى كان موظفًا مرموقًا فى جهة سيادية، ثم لأنه رجل غريب الأطوار فقد خرج للمعاش المبكر قبل السن القانونية بخمس سنوات كاملة، وعندما ناقشته أنا فى قراره الخطير هذا، برره بأنه يسعى لأن يضرب المثل فى إعطاء أحد البارزين من رجالات الصف الثانى فرصة لأن يتقدم ويصبح قائدًا من قواد الصف الأول.

ولأننى أعرف طبيعة هؤلاء الحالمين وأعرف مدى تشبثهم بما هو داخل قلوبهم، فلم أظهر اعتراضًا أو قبولًا لموقفه، واكتفيت بأن دعوت له بمعاش سعيد.

السيد الرئيس، لن أستطيع فى هذه العجالة وصف فرحة جارى عندما كرمته الدولة ممثلة فى هيئته السيادية التى قضى بها أكثر من ربع قرن، ومنحته وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية.

هل لاحظت فخامة الرئيس أن الشعب حتى لو كان مرموقًا مثل جارى يفرح بأن الدولة قد التفتت إليه وشكرته على تاريخه الوظيفى؟

فجأة سيادة الرئيس، وكما يحدث فى أفلام السينما العربية، وقع جارى مريضًا بمرض أقعده عن الحركة، عاشت معه أسرته سيادة الرئيس كل مواويل المستشفيات الحكومية والخاصة والتى بين بين، ولا داعى فخامتكم لأن أذكركم بانهيار الخدمات الطبية فى مصر المحروسة.

 جارى فخامتكم يعد من الأثرياء، ولا يشكو من الزيادات الجنونية فى تكاليف المستشفيات والدواء، الرجل فقط يشكو من حرمانه من هواية وغواية حياته، ألا وهى المشى.

سيادة الرئيس، السبت والأحد الماضيين، يعنى من ثلاثة أيام فقط، اشتد الوجع على جارى وكان لابد من نقله إلى المستشفى بسيارة إسعاف، سيارة إسعاف وليس طائرة إسعاف يا فخامة الرئيس، بحثت الأسرة عنها على مدار ساعات يوم السبت ولم تحصل عليها سوى ظهيرة يوم الأحد !!!!!!!!

جاءت السيارة كأنها خارجة من قبر، وقال قائدها: ستدفعون خمسين جنيهًا مقابل كل ثلاثين كليو متر تقطعها السيارة.

ولأن أسرة جارى كانت تظن أن إسعاف المريض خدمة مجانية فقد دخلت مع السائق فى نقاش حاد حول حقوق الإنسان والحيوان والنبات، لكنه بعد أن استمع بأدب لكل كلامهم، ألقمهم جميعًا حجرًا عندما كشف لهم عن قانونية مطلبه.

الموضوع قانونى يا فخامة الرئيس، يعنى السائق لن يأخذ الفلوس لنفسه، ما علينا، تم دفع مائة وخمسين على أساس أن السيارة قطعت تسعين كيلو متر، أقسم لك يا فخامة الرئيس أن السيارة لم تقطع أكثر من أربعين كيلو متر، ولكن السائق احتسب توقفات المرور من ضمن المسافة (وهذا قانونى أيضًا).

عند وصول جارى إلى المستشفى قال السائق إن ساعة انتظاره بخمسين جنيه، لكنه انصرف لأن هناك من استدعاه، طلب جارى من المستشفى الضخم الفخم أن يوفر له سيارة، ولكن المستشفى أخبره بأن جميع سياراته فى عمل.

المستشفى لا يكذب يا سيادة الرئيس لكنه لم يذكر كل الحقيقة وهى أن يمتلك عددًا ضئيلًا أو قل حقيرًا من سيارات الإسعاف.

ظلت الأسرة الثرية تدور وتلف حول نفسها قرابة الثلاث ساعات، حتى أكرمها الذى لا يغفل ولا ينام بسيارة شاردة رضيت أن تعيد جارى لمنزله مقابل مائتى جنيه (للدقة 158 قانونى والباقى إكرامية، حق الشاى يعنى).

طيب يا فخامة الرئيس، هل هناك سطر فيما كتبته يرضيك؟

ينفع يا فندم بلد مثل بلدنا بدون سيارات إسعاف؟ طيب ينفع مريض مقعد يدفع 350 جنيهًا لكى يذهب إلى المستشفى.

طيب إذا كان جارى ثريًا أو ميسور الحال ولا تقلقه الـ 350 جنيهًا فكيف يكون حال الفقراء الذين يؤمنون أن المائة جنيه تعد ثروة طائلة.

اسمع يا صاحب الفخامة، نحن لا نطلب المستحيل، كل أملنا مجرد (حياة تبدو كالحياة) مجرد سيارة إسعاف مجانية، وإلا هيقعد لفخامتك فى عينك وعافيتك.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير

الخميس، 24 أبريل 2014

نخبة خلط الأوراق




أعترف أننى كنتُ كغيرى أطالب الحكومات المصرية المتعاقبة بأن تسير خلف النخبة، تستهدى بنورها، وتغترف من نبع حكمتها وتنفذ أفكارها، وتتبنى نظرياتها، طبعًا لم تستجب حكومة واحدة لمثل تلك المناشدات، وبات من العلم العام أن هناك حالة من العداء الصليبى بين الحكومات وبين النخبة، فإذا قالت النخبة يمينًا توجهت الحكومات يسارًا والعكس صحيح، وقد كان هذا الموقف الحكومى يدعو لأشد أنواع الحزن بل لأشد أنواع الاحباط واليأس، ولكن شاء ربك أن يكشف الغطاء عن حكمة الحكومات فى تجاهل رؤى النخبة، فالحادث يا صديقى ـ وهو لا يخفى عليك ـ أن الحكومات المصرية أصبحت أعقل من النخبة المصرية، بل وأشجع بل (وهذا عجيب غريب) أشد حرصًا على تقاليد الديمقراطية.

 ولكى يكون كلامى مستندًا إلى دليل ملموس، انظر يا صديقى إلى موقف الحكومة المصرية من قضية بالغة  الأهمية والخطورة مثل قضية سد النهضة الأثيوبى، الحكومة تبذل ما فى وسعها لكى تصل لاتفاق مع أثيوبيا يحقق مصلحة الجميع، بينما النخبة التى من حقها انتقاد خطوات الحكومة، ومن الواجب عليها تصويب المنهج الحكومى تتخذ موقفًا مضحكًا فهى إما تدعو لضربة عسكرية تهدم ما تم تشييده من السد، وكأن الضربات العسكرية فى سهولة الذهاب فى رحلة للقناطر الخيرية، وإما تروج لمشروع نهر الكونغو الذى يصفه خبراء مشهود لهم بالكفاءة والنزاهة بأنه ضرب من ضروب الأوهام أو كما قال أحدهم: "هذا المشروع هو نوع فاخر من أنواع الفنكوش".

ثم تأمل معى موقف الحكومة والنخبة من المحامى خالد على الذى أعلن أنه لن يشارك فى السباق الرئاسى، الحكومة تصرفت بطريقة عاقلة وقالت له: "أنت حر" وانتهى الأمر، أما النخبة فقد صنعت من هذا الانسحاب الذى هو قرار شخصى لا يفيد ولا يضر سوى صاحبه، قصة طويلة عريضة عميقة كأنها قصة حصار طروادة، وخذ هذا الخبر الذى تصدر البوابات الالكترونية لمعظم الصحف المصرية: "حصلت حركة "صحفيون ضد الإخوان" على توقيع 1000 صحفى من أعضاء نقابة الصحفيين، تمهيدًا لإصدار قرار بمنع خالد على من دخول مقر النقابة وعقد أي مؤتمرات بها؛ احتجاجًا على الإساءة التى وجهها للمصريين خلال مؤتمر انسحابه من سباق انتخابات الرئاسة.

وصرح الصحفى محمود نفادى مؤسس الحركة، أنه سيقدم  الطلب لمجلس النقابة لإصدار هذا القرار لرد اﻻعتبار لشعب مصر ضد تجاوز خالد على، ومطالبة كل الصحف بعدم نشر صوره أو أى أخبار عنه لأنه ﻻ يستحق أن نمنحه هذا الشرف على حساب سمعة مصر وفى حالة تجاهل مجلس النقابة سيتم تصعيد الأمر للجمعية العمومية.

هل رأيت كرة الثلج وهى تكبر وتتعاظم حتى تصبح جبل نار لا ثلج يلتهم كل مخالف؟

سنفترض أن خالد على قد تفوه فى مؤتمره بما يسئ لمصر (ما أسخف وأكذب هذه الجملة) هل يتم الرد عليه من خلال بيانات الأحزاب والقوى السياسية وتعليقات النخبة أم يتم قتله والتشهير به واتهامه بكل نقيصة؟

الحكومة التى هى الحكومة تركته يدعو لمؤتمره ويحشد له ويقول ما يريد ثم تركته يسعى فى الأرض، كأن شيئًا لم يكن، هذا التصرف العاقل من الحكومة تقابله عصبية وتشنج من النخبة التى بتنا لا نعرف ماذا تريد على وجه القطع واليقين، هل تريد انتخابات ديمقراطية تنافسية شفافة؟ أم تريد مبايعة تنتمى لميراث العصور الوسطى؟ 

هذا النوع من النخبة الذى يتصدر المشهد الإعلامى والسياسى لا يشعر بأدنى حرج وهو يخلط كل الأوراق باحترافية لا يتمتع بها الشيطان الرجيم نفسه، لا يمكن والحال كما ترى أن تقوم لدولة سيادة الديمقراطية قائمة لأن الذين يجب أن يكونوا فى طليعة المدافعين عن الديمقراطية هم أول من يصوب رصاصه عليها عندما لا تتوافق القواعد والممارسات والتقاليد الديمقراطية مع رأيه هو الشخصى، إننا إذا كنا نخشى ممارسات هذا الفصيل أو ذاك على ثورتنا التى لا تزال فى المهد فإن هذا النوع من النخبة المصرية هو الأولى بأن نخشاه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير



الخميس، 10 أبريل 2014

هات القزازة



اللهم وبحق جلال سلطانك أرسل من عندك نارًا مقدسة تأكل كل أدوات الاستفهام، فلا نعود بعدها نستخدم هذه الكلمات المقلقة بل القاتلة، فما جدوى استخدامها إن كانت الإجابات طريقها مسدود مسدود مسدود، فمثلاً لماذا نتعب أنفسنا ونقول "من أين لفلان هذه الثروة"؟ لا أنا ولا أنت ولا هو سنصل إلى أية إجابة مقنعة، فالورق يا صاحبي جاهز والأمور مرتبة وكل شىء تمام التمام، وأنت إذ تسأل هذا السؤال العبيط فمعنى ذلك ببساطة دخولك وبقدميك إلى بطن نفق مظلم من التخمينات، وستخرج من هذا النفق – إن خرجت – إلى حالة من العدمية رافعًا شعار "وأنا مالى ما تغرق هى بتاعتنا".

 وستكتمل دائرة الحصار الجهنمى إذا كنت ممن يؤمنون أنها بتاعتنا وبتاعة أجدادنا وأحفادنا وأنه ليس لنا بتاعة غيرها كما ليس لها بتوع غيرنا، ماذا تفعل يا صاحبى فى هذه الحالة؟؟ فلا السؤال له إجابة ولا الإجابة – إن وجدت – مقنعة كما أنك تؤمن أنها "بتاعتنا" ونحن بتوعها.. الحل عندى هو أن نوقع معهم ومع أنفسنا معاهدة نطلق عليها اسم معاهدة "الطناش لحد ما يحلها ربنا" وهذه بنودها:
 1- ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب.
2- الخير لما يكتر يعم.
3- يا بخت من نفع واستنفع. 
4- سعيدة يا جارى أنت فى دارك وأنا فى دارى.
5- أُصبر على جارك السو يا يرحل يا تجيله مصيبة تاخده.
6- ادلعى يا عوجة فى السنة السودا.

وفى حالة – لا قدر الله – فشل هذه المعاهدة فعلينا ساعتها نحن المرضى بالأسئلة أن نوقع معهم معاهدة نطلق عليها معاهدة أن "كفاية حرام" فليس معقولاً ولا مقبولاً أن يحرموا الأسئلة والإجابات وكل صنوف الكلام، ويستولوا على ثرواتنا ليصنعوا بها "المزاج" نعوذ بالله، يعنى بدلاً من أن يصنع أحدهم بملايينه التى لا تحصى شيئاً نافعًا إذ به يوجه هذه الملايين – التى لا نعرف مصدرها – إلى إنتاج أنواع جديدة من مشروبات "المزاج" وكأننا ناقصين سطل، وكأنهم يريدون أن تمشى البلد كلها فى الشوارع وهى تغنى "هات القزازة وأقعد لاعبنى".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل ــ 2 مايو 1999

الاثنين، 7 أبريل 2014

بطولة حمدين





الذى رزقه الله الإنصاف سيعترف جهارا نهارا بمكانة المشير عبد الفتاح السيسى لدى شعبه وبشعبيته الكاسحة، تلك الشعبية التى تأسست على موقف بطولى شجاع اتخذه السيسى وقيادات الجيش المصرى عندما وقعت الواقعة بين جماهير الشعب وعصابة حسن البنا، التى من سوء حظ الجميع كانت تحكم وتتحكم فى مقدرات البلد، كان فى مقدور السيسى أن يتخاذل محتجا بألف حجة منطقية ومعقولة ومقبولة، كأن يقول مثال: »إن مرسى رئيس منتخب، وإن الجيش يحمى الشرعية الدستورية و…….«، لكنه رأى بنور بصيرته الوطنية أن مرسى فاشل، ويريد السيطرة على الدولة بما فيها وبمن فيها لصالح عصابته، قرر السيسى أن ينحاز لشعبه ويقف شامخا فى مقدمة الصفوف المجابهة لعصابة دموية لا تتروع عن ارتكاب أخس 
وأحط الجرائم.

موقف السيسى هذا كان خطيرا جدا على كل االأصعدة، فهو من ناحية حمى الوطن من شر حرب أهلية كانت تطرق أبوابه بقوة، ومن ناحية أخرى أغضب كل الدوائر الداخلية والإقليمية والدولية التى كانت ترعى وتحتضن طموحات عصابة حسن البنا فى تفكيك مصر، بجملة واحدة.

لقد أغضب السيسى ومعه قيادات جيشنا الوطنى أمريكا، وأنت وأنا نعرف ما معنى أن تغضب أمريكا، إنها تستطيع أن تفتح عليك، متى غضبت، كل أبواب الجحيم، بداية من إعلام مسعور مرورا بتقارير مشبوهة لمنظمات مشبوهة تتاجر بحقوق اإلنسان، وصولا إلى استخدام القوة المسلحة، وراجع إن شئت قائمة الحكام والقادة الوطنيين الذين انحازوا لشعوبهم فدبرت لهم أمريكا سلسلة من الانقلابات والاغتيالات والتصفيات على المستوى الجسدى أو المعنوى.

إذن مكانة ومقام السيسى محفوظ لدى شعبه، والشعب هو الذى نادى به منقذا ومخلصا للوطن من شر العصابة القاتلة، وجماهير عريضة هى التى نادت به مرشحا للمنصب المصرى الأرقى والأهم والأبرز، منصب الرئيس، لكن هذه المكانة هل تنسينا أبطاال آخرين برزوا فى صدارة المشهد؟

ما أعتقده أن رجال مثل حمدين صباحى لا يمكن نسيان أو تجاهل دوره المركب فى دعم الثورة.

حمدين منذ بداياته االأولى يقف مدافعا عن وطنه بصفة عامة وعن فقراء وطنه بصفة خاصة، لقد واجه السادات عندما كان السادات القائد المنتصر، ثم واجه مبارك عندما كان جبارا فى الأرض، وذاق مرارة السجن طويلا دفاعا عما يعتقد أنه صحيح ووطنى، ثم لم يتخاذل للحظة أيام تدافع الجماهير إلى ميادين الثورة، وعندما قطفت عصابة الشر ثمرة الثورة الأولى، وتمكنت من الوصول إلى قصر الرئاسة، قدم لهم نصحا وطنيا خالصا لوجه الله، لكنهم قوم لا يفقهون، فلجأ حمدين إلى العمل السياسى النظيف، فلم نسمع منه يوما كلمة يمكن تفسيرها على أنها تشجع على عنف أو تدعو لتطرف، بل كان على العكس من ذلك، كان يرفض دائما الظهور فى فعاليات ضد عصابة حسن البنا تفوح منها رائحة العنف.

ثم ها هو حمدين صباحى يستكمل دوره فى دعم الثورة من خلال إقدامه على منافسة السيسى فى انتخابات رئاسية يرطن البعض منذ الآن بأن نتائجها محسومة لصالح السيسى.

إن إقدام حمدين الواثق على خوض منافسة كهذه لهو من علامات بطولته، لأنه إن تراجع أو تخاذل كانت الانتخابات ستتحول إلى مشهد مبايعة أو استفتاء بائس، لكنه الآن يضع نفسه فى مواجهة شرسة مع ضباع ستتبرع بأن تقوم بحملات تشويه لكل من يجرؤ على أن يطرح نفسه فى منافسة مع السيسى، ولقد ظهرت منذ فترة ليست قصيرة بوادر هذه الحملات الوضيعة من خلال رجل يظهر على شاشة إحدى الفضائيات ويخصص جزءا ليس هينا من وقت برنامجه للهجوم على حمدين والتشهير به دون أى دليل أو وثيقة أو مستند.

إن ثبات حمدين فى وجه حملات كهذه هو فى حد ذاته عمل بطولى، قد تكون الرئاسة من نصيب حمدين أو غيره، لكن يجب أن لا ننسى أن حمدين هو الذى جعل للمنافسة شرفا، لأنه لم يراهن سوى على جماهير وطنه.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير

الخميس، 3 أبريل 2014

قفزة كبرى





عندما تطالب المصري أي مصري بسرعة الانتهاء من عدة أعمال في وقت واحد فإنه على الفور سيصرخ فيك قائلاً: "يا أخي هي الدنيا هتطير دا حتى الدنيا ما تبنتش في يوم واحد".

المصري أي مصري يؤمن "بالتراكم" وبأن طوبة وراء طوبة تكفي لتشيد الأهرامات وأن قطرة وراء قطرة تكفي لأن يعلن النيل سيادته على أنهار الدنيا.

المصري في جملته الخالدة يؤمن بأن "الأمور" كل "الأمور" يمكن التعامل معها "بالراحة" و"شوية شوية" والنهاردة نبدأ وبكره نكمل ورحلة الألف ميل تبدأ بخطوة.

لكن وللأسف عندما ننظر في التطبيق العملي لكل هذا الكلام النظري الجميل نجد الحال لا يسر حبيباً وإن كان بالطبع يسر كل الأعداء.

أصبح المصري الآن يطالب نفسه والآخرين بقفزة عالية جداً تنقله بقدرة قادر من عتمة الكهوف إلى رحابة الفضاء الأعلى.

وينسى المصري أن أي قفزة تحتاج إلى عضلات والعضلات تحتاج إلي تدريب والتدريب يحتاج إلي أكل والأكل يحتاج إلى نظام حياتى متكامل ومتسق ومنتظم.

وبدون كل هذه الأشياء سنظل نقفز قفزات شوهاء لا تعنى شيئاً ولا تحقق فائدة سوى فائدة إضحاك الأعداء على القرود التي تقفز من شجرة إ‍لى أخرى حالمة بأكلة موز شهية وناسية أنها تقفز فوق أشجار سنط!

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة الجيل 29 نوفمبر 1998

الاثنين، 24 مارس 2014

مد الخيط





الذي يريد البناء يقوم أولًا بتوفير أدواته، ولعل من أهم الأدوات التي يستخدمها البنًاء حزمة من الخيط السميك المتين، يمد البنًاء الخيط إلى منتهاه باستقامة تامة، فيظهر له أى اعوجاج قد يلحق ببنائه فيستطيع أن يتداركه قبل أن يتم البناء. 

أرى أن هذا التمهيد كان ضروريًا لكى نقترب من فهم حقيقة التصريحات التى أطلقها وزير الدفاع المشير السيسي فى الجلسة الافتتاحية للمؤتمر السنوى الثانى لشباب الأطباء وحديثي التخرج. قال المشير السيسى: "إن حب الوطن مش كلام وخلاص ولكن عمل ومثابرة وقدرة على علاج المشاكل .. خلوا بالكم لازم نكون أمناء ونتكلم بجد، قبل ما أحط اللقمة في بقي، أفكر أنا أديت إيه للبلد دي؟، حب الوطن مش كلام، أنا بكلم نفسي معاكم، مقصدش أوجه لكم أي كلمة، أنا بكلم نفسي، فيه مشكلة في بلدنا لم تواجه منذ 40 سنة، المستشفيات مش كويسة طيب ليه؟ والمدرسة مش كويسة طيب ليه؟.. يا ترى حد قال أدي لمصر شهر من عندي علشان الغلابة تعيش، يا ترى حد قال همشي على رجلي علشان أوفر حاجة لبلدي؟..أوعوا تزعلوا مني أنا شايف مصر زي ما أنا شايفكم وشايف مشاكلها زي ما شايفكم، البلاد لا تتقدم بالكلام ولكن تتقدم بالعمل والمثابرة، ممكن جيل أو اتنين يتظلموا علشان الباقي يعيش..لازم نعرف المرض علشان نعرف نعالجه، عمر مشاكل الدول ما تتحل في يوم وليلة، ولكن بياخد سنين سواء نجاح أو فشل .. أنتم الأمل، عايزين خدمة طبية حقيقية وخريطة حقيقية للأمراض في مصر، ويكون عندنا بحث علمي محترم معندناش خيار إن كل حاجة ممكن نجيبها من الخارج، فقدراتنا الاقتصادية لا تتحمل". 

كلام المشير لا غبار عليه، فهو كلام رجل عاقل لا يريد توريط نفسه فى عملية خداع للشعب عبر الحديث عن أنهار اللبن والعسل التى ستجرى بين يديه، الرجل يدرك جيدًا حقيقة أوضاعنا الاقتصادية ويرغب بشدة فى أن يتشارك الجميع فى تحمل مسئولية النهوض بوطن عانى ولا يزال يعانى من ظلمات فترة حكم مبارك، ولكن ما ينقص هذا الكلام هو أن المشير لم يمد الخيط إلى منتهاه، ومد الخيط عملية ضرورية لا تقل أهمية عن عملية المصارحة، المشير يعرف بلا أدنى شك الذين يجب أن يدفعوا أولًا، لأنه حتمًا يعرف الذين استفادوا أولًا، فلا يمكن بحال من الأحوال أن يصبح الذين عبروا والذين هبروا سواء، هناك من دفع الثمن كاملًا غير منقوص وهم أبناء الطبقة الفقيرة ومعظم شرائح الطبقة الوسطى، وهؤلاء يجب ألا يطالبهم أحد بمزيد من سداد فواتير غيرهم، لدينا تقرير قدمه المستشار هشام جنينه ذكر فيه بوضوح لا غموض فيه، أسماء المؤسسات والهيئات التي تجرف ثروات الوطن، من هذا التقرير يجب أن نبدأ، قف يا سيادة المشير فى وجه هؤلاء الذين يهدرون وينهبون ويغتصبون مقدرات وثروة البلد وبعدها بساعة واحدة سترى بعينيك كيف سيصطف الشعب من أمامك ومن خلفك وعن يمينك وشمالك ولن يتركك منفردًا تواجه ضباعًا توحشت من فرطت ما أكلت حرامًا حتى بشمت، تعلم يا سيادة المشير أن حسنى مبارك قد باع بثمن بخس معظم شركات ومؤسسات البلد فماذا أنت فاعل؟ هل سيتواصل كل النهب الذى نظمته قوانين مبارك أم سنراك تنتصر لبلد أصبحت آماله معلقة بك؟ 

تعلم يا سيادة المشير أن سعر طن الأسمنت لا يتجاوز فى السوق العالمى الـ 300 جنيه، ولكنه فى مصر ـ البلد المنتج للأسمنت ـ يتجاوز سعره الـ 800 جنيه؟ 

كيف يستقم هذا الأمر الشاذ الغريب، لقد استرد صديقك بوتين ثروة بلده التى فرط فيها سابقه، وذلك لأنه ذهب إلى رأس الدمل ومد الخيط إلى منتهاه، فأصبحت روسيا بفضل سياسته بلدًا قادرًا لا يمد يديه طالبًا معونة من زيد أو عمرو، إن الذين يغرونك بمضاعفة فقر الفقراء وبمطاردة المصريين بالخارج أو الداخل عبر فرض ضرائب عليهم، إنما يوردونك موارد الهلاك، فخذ حذرك ولا تلتفت سوى لشعب يراهن على شرفك الوطني فلا تخذله. 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 13 مارس 2014



الاثنين، 17 مارس 2014

جمهورية الاشتغالات العربية




صباح الأحد الماضى انفجر على مواقع التواصل الاجتماعى وعلى المواقع الإخبارية، خبرٌ يقول نصه: «أكد المقدم محمد إبراهيم الخبير الأمنى، أن القوات المسلحة نجحت فى اختراع مادة تحول الطرق غير الممهدة إلى طرق متساوية فى دقائق ولتمهيد الطرق بالفضاء، موضحا أن وكالة (ناسا) للفضاء طلبت من مصر إجراء مفاوضات واتصالات لشرائها.

وأضاف خلال مداخلة هاتفية لبرنامج (القاهرة 360) الذى يقدمه الإعلامى أسامة كمال عبر فضائية (القاهرة والناس) أن هذا الاختراع يمكن استخدامه فى استصلاح الأراضى والفضاء، مؤكدا أن هذا الجهاز سيقلب الدنيا رأسا على عقب، وأن جهاز المخابرات المصرية كان يتابع عن كثب الاختراعات العلمية التى كان يعلن عنها فى الصحف، لاختيار ما يناسب الأمن القومى للبلاد»

انتهى الخبر اللغز ووقعنا جميعًا فى نفق التخمينات المظلم، من يكون هذا السيد الخبير الأمنى؟ ما مدى مصداقيته؟ كيف فى غفلة من الزمان تنهمر علينا كل هذه الاختراعات والاكتشافات والابتكارات؟

لماذا يتحدث رجل لا يعرفه أحد فى موضوع خطير كهذا؟

إذا كنا لم نهضم بعد خبر اختراع جهاز علاج فيروس سى فلماذا التعجيل بخبر المادة الغامضة التى تمهد حتى الفضاء؟

غادرنا نفق التخمينات المظلم ونحن ثلاث فرق، فرقة تدافع عن (الاختراع) كأنه حقيقة كونية لا تقبل الشك، وفرقة تسخر وتسرف فى التجريح، حتى إن تجريحها طال الوطن ذاته، وفرقة تقول: "تمهلوا فلربما كان تحت العمامة شيخ".

تواصَل تطاحُن الفرق الثلاث حتى ظُهر الأحد، الذى شهد انفجار خبر آخر يقول نصه: "نفى العقيد أركان حرب أحمد على، المتحدث العسكرى، ما نُشر فى بعض وسائل الإعلام حول نجاح القوات المسلحة فى اكتشاف مادة تحول الطرق الوعرة إلى طرق متساوية، وأن العديد من الدول الأجنبية حاولت شراء هذا الاكتشاف، موضحا أن الكلام المذكور عار تماما عن الصحة وصادر من أشخاص ليس لهم صفة رسمية داخل القوات المسلحة".

وأوضح على، فى بيان له، الأحد الماضى، أن القوات المسلحة تسعى إلى إطلاع الرأى العام على أى ابتكار أو اختراع جديد يفيد الشأن العام والقطاعات المدنية، وذلك من خلال أجهزتها المعنية بالتواصل مع وسائل الإعلام. وناشد المتحدث العسكرى، وسائل الإعلام تحرى الدقة والموضوعية فى كل ما تنشره من أخبار وموضوعات تخص القوات المسلحة، وعدم التعامل مع مصادر تدّعى كذبًا علاقتها بالمؤسسة العسكرية، حفاظًا على منظومة الأمن القومى المصرى.

هل حسم النفىُ القاطعُ المعركةَ؟ الإجابة للأسف هى"لا" لقد صب النفى مزيدًا من الزيت على النار، فقد تفرعت بسببه أسئلة أخرى من عينة هل الخبر الأول كان"بالونة" اختبار؟ هل هو قنبلة دخان يراد بها صرف الأنظار عن شىء ما يتم الترتيب له؟ كيف تسمح القوات المسلحة لكل من هب ودب أن يورطها فى أخبار مثيرة وخطيرة دون أن يرجع إليها؟ ولماذا كثرت فى الفترة الأخيرة تصريحات تثير البلبلة مثل هذا التصريح؟

أسئلة كثيرة ولا إجابة من الجهة المسؤولة، فإلى متى يتم التلاعب بمشاعر الشعب ومصالحه؟ ولمصلحة من يجرى كل هذا العبث، وهل تلك الأكاذيب تنطلق من أرضية معادية للقوات المسلحة؟ أم أنها تنطلق وفق اتفاق ما غامض لا نعرف عنه شيئًا.

كان النفى سيكون حاسمًا ويوقف كل تلك المهازل لو تضمن تأكيدًا على أن كل من تسوِّل له نفسه التصريح بمعلومات مغلوطة تخص القوات المسلحة أو المصالح العليا للدولة سيتم تقديمه لمحاكمة عاجلة، ولكن للأسف اكتفى المتحدث العسكرى بالمناشدة الرقيقة، التى لا تصلح مع أمثال هؤلاء الذين يتبرعون بنشر أكاذيب لا نعرف ما الهدف من نشرها فى مثل هذه الأيام التى نعيشها بأعصاب تكاد تحترق من كثرة ما نشهده من رعونة وتعثر فى خطواتنا السياسية، وهو الأمر الذى جعل كثيرين يستخدمون المصطلح الشائع "اشتغالة" الذى يعنى عند مستخدميه أن كل ما يجرى ليس سوى مجموعة من الأكاذيب، حتى إن بعضهم يقترح تغيير اسم الوطن ذاته ليصبح جمهورية الاشتغالات العربية بدلا من جمهورية مصر العربية.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر بجريدة التحرير 6 مارس 2014
لينك المقال بموقع التحرير:
http://tahrirnews.com/columns/view.aspx?cdate=05032014&id=224ca862-f31a-4a0a-8698-b64603e2be2d

الخميس، 13 مارس 2014

عار الصمت





مات الأب وترك أرملته وبناته الثلاث يواجهن جبلًا من الصمت يجثم على قلوبهن. عرف البيت الصامت عودة الكلام مع دخول قارئ قرآن كفيف لكى يرتل ما تيسر من الآيات طلبًا للرحمة والبركة. يتطور الأمر ويتزوج الشيخ الكفيف من الأم، تصبح حياة البنات جحيمًا وهن يشاهدن ويسمعن ويشعرن بما يحدث بين أمهن وزوجها الشيخ. البنات اللاتى لم يتوقف أمامهن قطار الزواج يطالبن بحقهن فى الحياة، وما كانت وسيلتهن للحصول على حقهن سوى خاتم أمهن، كل واحدة وبهدوء قاتل تضع الخاتم فى أصبعها فتصبح زوجة للكفيف.

ما سبق كان تخليصًا مخلًّا لرائعة يوسف إدريس «بيت من لحم»، التى يقبض فيها بفنه القادر على لحظات الصمت ونار التواطؤ، هذا التواطؤ الذى يورط فيه حتى قارئ القصة، لا أبالغ عندما أقول إنك ستحبس أنفاسك خوفًا من أن تخدش جدار الصمت الزجاجى الهش.

البنات وأمهن صامتات، يتبادلن الأدوار دون كلمة واحدة، دون لفتة واحدة، لا إشارة ولو عابرة لما يجرى. إن أدنى كلمة ستفتح بوابات الجحيم. إن أدنى مواجهة ستهدم عالمهن كله. الحقيقة أقسى من أن يواجهن بها أنفسهن. من ناحيته فإن القارئ الكفيف يلتمس لنفسه العذر ولا يسمح لنفسه بالتحقق من الشك الذى أصبح يلفه، إنه يلقى بالمسؤولية على المبصرين فقط، لأنه ليس على الأعمى حرج.

هذه الحالة القاتلة، نعيش مثلها الآن، حالة الصمت العاجز عن مواجهة الحقائق المؤلمة، كأن الصمت سيجعل من الحرام حلالًا، أو سيقدم مخرجًا كريمًا لما نحن فيه.

إن أردت دليلًا على جهنمية هذا الصمت فراجع مواقفنا جميعًا من التقرير الذى قدمه المستشار هشام جنينة رئيس الجهاز المركزى للمحاسبات.

تقرير المستشار جنينة تكدست على جنباته مليارات الجنيهات التى ابتلعتها دوامة الفساد والمخالفات الإدارية، كأننا دولة تغرف من بحر، ولسنا دولة تعيش بالأساس على المعونات واقتصاد الريع.

قال جنينة: «إن مرسى حصل على أكثر من 600 ألف جنيه فى عام حكمه، وشهدت الرئاسة فى عهده مخالفات صارخة فى التعيينات». وأضاف أن جملة المخالفات التى شهدتها أرض منطقة الحزام الأخضر بمدينة السادس من أكتوبر قد بلغت 26 مليار جنيه، أما مخالفات مدينة الشيخ زايد فقد بلغت 4 مليارات جنيه. وعن الدعم قال جنينة: «إن دعم المنتجات البترولية وصل إلى 114 مليار جنيه، فى حين أن المبلغ المعتمد رسميا هو 95.535 مليار جنيه»، وهذا يعنى أن 18.899 مليار جنيه، لا يعرف أحد عنها شيئًا!!

تحت هذه العناوين الرئيسية كشف تقرير الجهاز المركزى للمحاسبات عن عدوان على المال العام يحدث بشكل يومى، فما الذى فعلته الحكومة تجاه هذا التقرير الخطير؟

لم تفعل شيئًا، أو للدقة تركت المستشار جنينة يقول ما شاء ثم تركته يعود سالمًا إلى منزله، ثم تركته يواصل عمله، كأن شيئًا لم يحدث. أما المجتمع فقد تلبسته حالة الصمت، كأن الأمر برمته لا يعنيه، وكأن هذه المليارات المهدرة ليست ثروته هو، بل إن فريقًا من المجتمع لا يستهان به شن هجومًا معاكسًا ضد المستشار جنينة وضد تقريره، فقد اتهموه بأنه إخوانى الهوى ويريد تصفية حسابات لصالح جماعته، ودللوا على ذلك بأنه عقد مؤتمرًا صحفيًّا بقصد التشهير بخصومه.

وحتى لو سلمنا بصحة هذه الاتهامات التى لا يقوم عليها دليل مادى ملموس، فهل معنى ذلك أن يتم تجاهل التقرير ولا يسعى المجتمع لكى يمارس ضغوطًا تؤدى إلى التحقيق فى محتواه، لكى نعرف يقينًا الجانى من الضحية؟

إن كراهية عصابة حسن البنا المعروفة باسم جماعة الإخوان لا تبرر هذا الصمت الذى يصل إلى حد التواطؤ، صمت يشارك فيه الجميع، الأحزاب والقوى السياسية والإعلام بمختلف وسائله، جهات التحقيق، حتى هؤلاء الذين تضرروا بشكل مباشر من المخالفات والإهدار كلهم اعتصم بالصمت، كأن المال المهدَر سيعود من تلقاء نفسه، وكأن البلد يملك ثروات طائلة ولا يزعجه أن يتم فى عام واحد إهدار عشرات المليارات.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 27 فبراير 2014
لينك المقال بموقع التحرير:
http://tahrirnews.com/columns/view.aspx?cdate=26022014&id=c47165e7-69bf-4202-a533-6cd31658ee29

الاثنين، 10 مارس 2014

الفاتحة




الجمعة 9 مارس 2007

عشقي ليوم الجمعة قديم، يعود لتلك الأيام التي كنت فيها أطيل السجود، لأملأ أنفي برائحة حصيرة الجامع المبللة بماء الوضوء.
غادرت البيت منتعشًا في الرابعة عصرا، جاء الميكروباص وكان الهدوء يغمر الركاب والسائق الذي كان نظيفًا لامعًا يبصر مستعينًا بنظارات طبية لها إطار أنيق، إنه من النوع "المعاش" واحد من موظفي الشركات التي باعها حسني مبارك، سائقي المسكين خرج إلي المعاش المبكر وهو في الخمسين ليبدأ عملًا لا يعرف قواعده ولن يعرفها، سريعًا وصلنا إلي الموقف في التحرير، عبرت الموقف إلي ساحة الشهيد عبد المنعم رياض، من زمن بعيد كنت قد دربت نفسي علي نسيان التواريخ حتى استطعت نسيان عيد ميلادي، يمر اليوم كغيره وقد أتذكره بعدها بأيام فأصفق لنجاح تجربة النسيان العظيم، إذن ما الذي جعلني أتذكر أن اليوم هو يوم الشهيد؟ إنه الحاج مندي الذي ذكرني في مكالمة جرت بيننا أمس بمقال كنت كتبته عن الشهيد رياض ونشرته بالأحرار قبل سنوات (تري هل يغفر الله للحاج مندي؟).
يقف تمثال الشهيد محاصرًا بكل بذاءات الميكروباص، ودخان البانجو، الساحة التي يتوسطها التمثال مكتظة بعشرات الشبان والشابات. يجلسون علي المقاعد الحجرية، الأولاد يدخنون في صمت والبنات تحاول الواحدة منهن إخراج الولد من دوائر صمته وشروده بشتى الطرق، يحاول الولد إثبات حضوره فيداعب شعر فتاته أو رقبتها أو خدها وأحيانًا يقنع أو تقنع البنت بلمسة علي اليد كما يحدث أحيانًا أن يوغل الولد في إثبات حضوره فتذهب مداعباته إلي أماكن لها خطورتها.
كنت والتمثال وحيدين. مدخنو البانجو ليسوا هنا كما أنهم ليسوا هناك، فجأة دخلت الساحة جماعة من الأجانب، أربعة رجال وامرأة، وقفوا تحت التمثال والتقطوا صورًا تذكارية، ضربني الوسواس القديم المقيم، هل هم صهاينة حضروا للتشفي من الشهيد في يوم عيده؟ أم هم أجانب أبرياء يكدسون الشمس والذكريات وليس أكثر؟ لو كانوا صهاينة، فيجب عليَّ هزيمتهم، ولكن كيف سأهزمهم بمفردي؟
أرسل رب الأفكار فكرة عظيمه فله تعالي الحمد كله.
ـ هي فكرة عظيمة ولكن..
ـ ولكن ماذا؟
ـ هي خارجة علي سياق سلوكي العام. أخجل من تنفيذها، إنها تحتاج لرجل استعراضي ولستُ كذلك.
ـ الحق هي تحتاج لرجل يحب الشهيد، أولستَ كذلك؟
ـ والله أنا أحبه فعلا.
ـ إذن تقدم وافعلها. 
يارب كن معي... واحد، اثنان، ثلاثة.
تقدمت بخطوات مستقيمة باتجاه التمثال، وضعت حقيبتي علي الأرض واعتدلت بهدوء ونظرت إلي التمثال لحظة، وفي الثانية كنت قد هزمت خجلي وأديت التحية العسكرية للشهيد، أديتها بحب وإخلاص جندي في حضرة قائده الفذ. ببطء استدرت أنظر لجمهور الساحة لأري رد فعلهم، كان الأولاد يدخنون في صمت وشرود والبنات مستسلمات لنشوة المداعبات المفاجئة، دهشة جميلة رأيتها تطل من عيون الأجانب، الحمد لله ليسوا صهاينة (الدهشة ليست من أخلاق القتلة) كافأت الأجانب الأبرياء علي دهشتهم الجميلة واستقبلت القبلة. أغمضت عينيّ وبسطت كفيّ وتلوت الفاتحة بصوت مسموع، وعندما قلت آمين كانت كاميراتهم تلتقط صورتي، بتلقائية أصحاب الشأن الذين اعتادوا التصوير أخذت حقيبتي وغادرت الساحة في هدوء.
الغريب في الأمر أن نقطة صدق قد عرفت طريقها إلي قلبي!
كيف حدث هذا وأنا أعلم أن ما فعلته كان محض تمثيلية أكيد بها من ظننتهم صهاينة؟ 
الله أعلم
تمثيليتي التي لو التفت إليها البنجاويون لوصفوها بالحركة القرعاء، فتحتْ لي أبواب الأوهام التي أحتمي بها.

أسبوع للشهيد، فرقة موسيقي الجيش تعزف موسيقاها، أطفال يطيرون طائراتهم الملونة في سماء الساحة، شبان تجري فى عروقهم دماء العافية، بنات مثل الورد يجملن الساحة ويزين المهرجان، فرقة أولاد الأرض تكنس أغانيها عتمة تراكمت

وغني يا سمسمية لرصاص البندقية
ولكل ايد قوية حاضنة زنودها المدافع
غني لكل دارس في الجامعة والمدارس
لمجد بلاده حارس من غدر الصهيونية
غني ودقي الجلاجل مطرح ضرب القنابل
راح تطرح السنابل ويصبح خيرها ليا.

شيوخ الإسلام سيخطبون عن الشهادة والشهيد، الكنيسة سترسل جوقتها وستظلل الترانيم مئات الآلاف من الحضور.
في ختام الأسبوع سيشرف مهرجاننا رئيسنا الذي انتخبناه وسيمنح الفائزين في مسابقة الشهيد الجوائز القيمة (طبعا رئيسنا سيختص أولاد الشهداء بلفتة رئاسية خاصة).
ستظل تجري وراء أوهامك حتي تفتت سيارة طائشة عظامك، كف عن الأوهام، العراق تفتت، فلسطين علي طريق الأندلس تسير، سوريا محاصرة، ليبيا خلعت سروالها، بلدك أم الدنيا ومهد الحضارة تلفظ أنفاسها الأخيرة.

دخلت إلي الكرامة وكانت بقية من الفاتحة تعطر دمي، جاءت زينب حسن ومحمد سعد عبد الحفيظ ومحمد الروبي وسمير عبد الغني وأحمد عاطف ومجدي عبد الكريم وشكروا مقالي الذي كتبته عن جرائم شهر فبراير أو" فقراير" كما ينطقها المصريون، ثم جاء أمين إسكندر (مستشار تحرير الكرامة) وقبلني مهنئا وقال لي: احرص علي قراءة مقالي القادم لأنه عن الشهيد عبد المنعم رياض، احتضنت إسكندر بقوة أدهشته (كدت أقص عليه ما فعلت ولكن خجلت).
بهجة الفاتحة أو قل بركتها استمر مفعولها حتي نهاية السهرة، فعملت علي موضوعات جيدة عن ملف الأسري المصريين الذين قتلهم الصهاينة، الملف كان ينطلق من نقطة مركزية وهي: الحكومة ماتت وعلي الشعب أن يتحرك.
كدت أذهب لعبد الحليم وأصارحه: سيدي رئيس التحرير قبل ساعات رأيت في ميدان التحرير أولاد الشعب يمضغون الصمت والبانجو وبنات الشعب مهتاجات بفعل مداعبات مفاجئة ورغبات لا تجد شقة شرعية أو حتي عرفية.
أخيرا انتهت السهرة علي خير، دون الوقوع في حماقاتي المزمنة، سرت كما هي العادة إلي التحرير، في الموقف سيارات ولكن لا ركاب، لم أغامر بالانتظار، وخرجت إلي الكورنيش، أرسل الله التاكسي، سألت السائق: هل وصلتك حكاية الأسري التي يتحدثون عنها؟ نظر إليّ مبتسما وقال: بعد صلاتك علي سيدك النبي أشعل سيجارة وناولني أختها واسمع معي بنتا سبحان الله صوتها في جمال عينيها، صليت علي سيدنا النبي وأشعلت سيجارة وناولته أختها ووضع هو شريطا في المسجل فجاء صوت البنت التي سبحان الله صوتها في جمال عينيها.
كانت أصالة 
وكانت تغني:
ما فضلش غير دمعة مرسومة في المناديل

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصل منشور فى كتاب " فيصل تحرير .. أيام الديسك والميكروباص"

الاثنين، 3 مارس 2014

ميدالية سيادة الرئيس




كنا جماعة من شباب الصحفيين نعمل فى جريدة، لا هى مغمورة ولا هى ذائعة الصيت، وكان رئيس تحرير جريدتنا لا يأمر بنفاقه ولا ينهى عنه..

 «حالة البين بين» المائعة هذه استغلها جماعة من الزملاء فأسرفوا- تحت ستار من الحب اللزج- فى نفاق سعادة رئيس التحرير، حتى إنهم شكّلوا تحالفًا نفاقيًّا واخترعوا ميداليات تزينها صورة معاليه، ولكن هذا التحالف لم يستمر طويلًا، فسرعان ما دب بينهم صراع التنافس على قلب الرجل فانقسموا إلى ثلاث فرق، فرقة «نفاقها متواضع» تُخصص أحد وجهَى الميدالية لصورة رئيس التحرير، والوجه الآخر تجعله لأولادها أو لأى منظر طبيعى.

الفرقة الثانية «يبدو نفاقها عريقًا» تزين وجهَى الميدالية بصورة رئيس التحرير.

الفرقة الثالثة وكان يمثلها صحفى واحد، فاز بالمركز الأول من أول يوم لبدء منافسات النفاق، زميلنا صنع ميدالية ثمانية الشكل، واختار صورًا فى أوضاع شتى لسيادة رئيس التحرير، فربح منافسيه بالضربة القاضية الفنية.

ثم راحت أيام وجاءت أخرى وقام مجلس إدارة الجريدة بطرد رئيس التحرير، وهنا كان لا بد لى من متابعة مصائر الميداليات، لقد اختفت جميعها بقدرة قادر أو بسحر ساحر، ولم يعد أحد من الزملاء يجرؤ على أن يُظهر الميدالية التى طالما تباهى بها متدليةً من جيب بنطلونه أو متلاعبًا بها بين أصابعه. لم يدهشنى اختفاء الميداليات، فالأمر متوقع ويبدو سلوكًا طبيعيًّا يسلكه المنافقون عادة، الذى أغضبنى أيامها كان إجابة وقحة متغطرسة قالها صاحب الميدالية الثمانية الشكل عندما سألناه: «لماذا اختفت ميداليتك المتميزة؟».

راح يلقى علينا خطبة مطولة عن الفرق بين حب الشرعية والدفاع عنها والتمسك بها وبين حب الفرد، لأن حب الشرعية يقتضى أن يخفى الميدالية، ولكن حبه لرئيس التحرير السابق يجعله يداوم على التواصل معه، حتى إنه يزوره فى مسكنه ثلاث مرات كل أسبوع!!!

مر يومان على سماعنا لهذه الخطبة العبثية، وفى اليوم الثالث ظهرت ميدالية جديدة بين أصابع الزميل تعلن عن حبه وتمسكه ودفاعه عن الشرعية، متمثلة فى رئيس التحرير الجديد الذى رأى أن يكسب الرأى العام بالجريدة، فأبعد عنه صاحب الميدالية لفترة لم تستمر طويلًا، ثم بدعوى الاستفادة من كل الكفاءات بدأ رئيس التحرير الجديد يستعين بالزميل صاحب الميدالية ويقربه حتى أصبح ذراعه اليمنى، الانفراجة التى حدثت للزميل، جعلت الاطمئنان يعرف طريقه إلى نفوس باقى فرق المنافقين فصنعوا ميداليات جديدة مزينة بصور رئيس التحرير الجديد.

قصة الميدالية هذه تبدو كأنها من قوانين الحياة السياسية المصرية، لا يخرج عنها إلا مَن رحم ربى، فنحن نشاهد الآن حلقة من حلقاتها، يتم ارتكابها تحت شمس الظهيرة وبدون أدنى ذرة من حياء أو خجل أو تأنيب ضمير، فالذين تباهوا بميداليات مبارك هم هم الذين افتخروا بميداليات الثورة، ثم وضعوا ميداليات طنطاوى فوق صدورهم، ثم حفروا ميداليات الإخوان فوق جباههم، ثم ها هم الآن يكررون الأمر ذاته مع المشير السيسى الذى لم يعلن حتى اللحظة بشكل رسمى قاطع أنه سيرشح نفسه على منصب الرئاسة، ومع ذلك فإن صانعى الميداليات يسعون ليل نهار لإفساده، ينسبون إليه كل أمر معجز ويختصرون فى شخصه كل الوطن، ويتبرعون بسباب وتشويه كل من يجرؤ على إعلان أنه سيخوض الانتخابات الرئاسية، ويؤكدون ليل نهار أن السيسى وحده هو الذى من حقه أن يترشح!!

كل هذا التدنى والترخص والانتقال بخفة القرود من خندق إلى آخر لن يصنع دولة، ولن يبنى وطنًا، بل سيقودنا جميعًا إلى هاوية تماثل تمامًا حال جريدتى القديمة التى بفضل النفاق أصبحت تعيش حالة برزخية عجيبة، فلا هى متوقفة عن الصدور ولا هى منتظمة، إنها تعيش فى غرفة إنعاش من الإعلانات، وهو الحال ذاته الذى يعيشه رئيسا التحرير اللذان اعتمدا على المنافقين، فأولهما أصبحت سمعته تحت الأقدام من كثرة ما جاهَر بنفاقه لكل سلطة، وثانيهما قنع من الغنيمة بجلوسه فى صالون بيته لا يغادره.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 19 فبراير 2014
لينك المقال بموقع التحرير:
http://tahrirnews.com/columns/view.aspx?cdate=19022014&id=0c71fc0d-9b62-42d7-a13d-dd1513cb669e