الجمعة، 18 ديسمبر 2009

حسد (البوكر)



قبل عشرة أيام من إعلان القائمة القصيرة للروايات المرشحة لنيل جائزة البوكر العربية كثرت المقالات التى تناولت بالتشكيك (الجائزة ولجنة تحكيمها) وقد قطعت عدة مقالات بأن الفائز بالجائزة هذا العام لن يكون مصريا ولن يكون سوى الروائية اللبنانية «علوية صبح» عن روايتها «اسمه الغرام» ثم حدث، أعلنت القائمة القصيرة التى ضمت الروائيين، المصرى محمد المنسى قنديل عن روايته «يوم غائم فى البر الغربى» المصرية منصورة عز الدين عن روايتها «وراء الفردوس» الأردنى جمال ناجى عن روايته «عندما تشيخ الذئاب»، الفلسطينى ربعى المدهون عن روايته «سيدة من تل أبيب»، اللبنانى ربيع جابر عن روايته «أمريكا»، السعودى عبده خال عن روايته «ترمى بشرر». 


وقد أظهرت القائمة عدة أمور وهى: 
1ـ سقوط نظرية التوزيع الجغرافى الذى نادى به البعض، فالمغرب العربى كله لم يمثله أحد، والخليج العربى كله ليس له سوى ممثل واحد. 

2ـ مصر لم تخرج من الميدان فهناك روائيان اثنان داخل السباق. 

3ـ بعض المهاجمين اعتمد طريقة (فيها أو اخفيها) بمعنى إما أن أفوز أو أهيل التراب على الجائزة ولجنة تحكيمها. 

3ـ ثمة «عصبية» مصرية فى التعامل مع الجوائز العربية وكأننا فقط من يكتب الرواية على امتداد الوطن العربى الكبير جدا والمتنوع للغاية. 

4ـ فزنا بالجائزة مرتين متتاليتين ولم يشكك كاتب عربى فى استحقاقنا للجائزة، فلماذا نبدأ نحن بالتشكيك قبل صدور النتائج النهائية. 

5ـ كيف سيبرر المشككون مواقفهم فى حالة فوز مصرى بالجائزة. 

6ـ الجوائز بصفة عامة ما هى إلا ترجمة لوجهة نظر مانحيها، وليس معنى الفوز بجائزة أن الفائز هو الأول فى مجاله، كما أن الخسارة ليس معناها إنه الأخير. 

7ـ العرب الذين يفاوضون «كيان العدو» ويرضون بنتائج مفاوضاتهم لا يرغبون فى الجلوس معا ولو على مائدة جائزة البوكر. 

8ـ الحسد الذى أخرج آدم من الجنة سيخرجنا نحن العرب من التاريخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 11 ديسمبر 2009

الليندى رئيساً للجمهورية



فى سيرته الذاتية الفاتنة « أعترف بأننى عشت ( يحكى شاعر تشيلى الأكبر بابلوا نيرودا) قصة وصول الرئيس الراحل سلفادور الليندى لرئاسة الجمهورية التشيلية فى مطلع سبعينيات القرن الماضى، يقول: « كنت أعرف المرشح، كنت قد رافقته ثلاث مرات سابقة، أقذف الأشعار والخطب عبر أراضى تشيلى الوعرة، ثلاث مرات متعاقبة، كل ست سنوات، كان صاحبى الملحاح جدا يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، هذه الرابعة الرابحة». 


صمود الليندى واحتماله وجلده جعل مرافقيه دائما وراءه، كان ينام حين يعن له النوم، أحيانا كنا نمضى عبر الأراضى القاحلة اللامنتهية فى شمال تشيلى، الليندى كان ينام نوما عميقا فى ركن من أركان السيارة، على حين غرة تبدو نقطة حمراء صغيرة فى الطريق، حين نقترب تتحول هذه النقطة إلى مجموعة مؤلفة من خمسة عشر رجلا أو عشرين مع نسائهم وأطفالهم وراياتهم، تتوقف السيارة، الليندى يفرك جفنيه كى يواجه الشمس والمجموعة الصغيرة التى كانت تنشد، يتحد معهم. 

ينشدون معا النشيد الوطنى، ثم يحدثهم حديث النشيط السريع الفصيح البليغ، ثم يعود إلى السيارة فنتابع متجولين عبر طرق تشيلى الطويلة جدا، يعود الليندى فيغرق فى نومه بدون أى جهد، كل خمس وعشرين دقيقة كان المشهد يعاد، مجموعة رايات، نشيد، خطاب.

عودة للنوم وهكذا دواليك. كان يقابل التظاهرات الهائلة المؤلفة من آلاف وآلاف من التشيليين، يبدل بالسيارة القطار وبالقطار الطائرة وبالطائرة الباخرة وبالباخرة الحصان. أتم الليندى بلا تردد أشغال تلك الأشهر المضنية المنهكة، ومن خلفه كان أعضاء موكبه منهكين مرهقين، ومن بعد حين أصبح رئيسا فعليا وشرعيا لتشيلى سببت فعاليته غير الرحيمة أربع أو خمس سكتات قلبية بين مساعديه ومعاونيه». 

انتهت حكاية نيرودا، وعلينا نحن هنا فى مصر ــ إن كنا جادين ــ أن نكتشف مرشحا رئاسيا حقيقيا وجادا مثل سلفادور الليندى، نريد مرشحا يعرف البلاد والعباد، ولا يستنكف من مخاطبة عشرين رجلا يقفون بانتظاره فى أقاصى الصعيد أو فى أطراف الدلتا. 
نريد الليندى لا اللمبى!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 4 ديسمبر 2009

السطو على الكرامة




الآن وقد هدأت شيئا فشيئا ما مدافع الحرب الكلامية التى نشبت بين فريق من الإعلاميين المصريين وفريق من الإعلاميين الجزائريين، علينا أن نلتفت بكل قوة إلى عدد من الحقائق التى يريد البعض أن يغيبها. 



أولا: الحرب الإعلامية لا ناقة ولا جمل للشعبين المصرى والجزائرى فيها، إذ إنها فى حقيقتها تخدم أهدافا مؤقتة مثل «رسائل الـ s.m.s» التى تنهال على الفضائيات التى تسعر نيران المواجهة، ومثل زيادة معدلات توزيع بعض الصحف التى تورطت فى نشر الأكاذيب من أجل زيادة التوزيع. 

وهذا حال جريدة « الشروق» الجزائرية التى كانت توزع حوالى 800 ألف نسخة يوميا ولكنها بعد قيامها بنشر قصص كاذبة ومغرضة بل وحقيرة عن القتلى الجزائريين فى القاهرة وصل توزيعها إلى مليون ونصف المليون نسخة يوميا. 

أما عن الأهداف الإستراتيجية لهذه الحرب الخطيئة، فيكفى أن ننظر إلى الشامتين لنعرف أن الحرب خدمت دولا وأنظمة كما أنها كانت فى خدمة دعاة التغريب فى البلدين وهؤلاء لم يحبوا أبدا العروبة ولم يدافعوا قط عن بلادهم لأنهم يرون المستقبل فى القفز داخل سفن التبعية. 

ثانيا: تلقف المصريون الغاضبون مصطلحين من نوعية «عدوان الجزائر على الكرامة المصرية » 
و«الدفاع عن كرامة المصريين » الغاضبون لم يلتفتوا فى حمى غضبهم إلى أن الذين روجوا المصطلحين هم أول من اعتدى ويعتدى وسيعتدى على كرامة المصريين. 

فالذى جعل المصريين يتقاتلون من أجل الحصول على رغيف خبز، هو أول من اعتدى على كرامتهم، هذا فضلا عن جرائم أصبحت من فرط تكرارها حوادث يومية لم تعد تلفت نظر أحد رغم أنها جرائم تخصم من رصيد مستقبل الأجيال المقبلة، إن جريمة مثل تلوث الماء أو سرطنة القمح هى عدوان صريح واضح على كرامة المصريين. 

ولكن الحادث أن الكرامة أصبحت «وجهة نظر» فالذين يتشنجون دفاعا عن كرامة مصر التى مستها «طوبة» جزائرية هم فى الحقيقة يسطون على معنى الكرامة ويقومون بتزويره، فالكرامة شأنها شأن الإهانة لا تقبل التجزئة، فالذى ينادى بحماية كرامة المصريين فى الخارج عليه أولا صيانتها فى الداخل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 27 نوفمبر 2009

الكرة والدستور




بداية أعتذر عن الجمع بين الكرة التى مهما علا شأنها تظل مجرد لعبة، وبين الدستور فى سياق واحد، ولكن هذا الهوس الذى تخلى عن كل منطق وأصبح يتسيد الساحة بعد مباراة مصر والجزائر، دفعنى للتذكير بمواد الدستور التى تنص على عروبة مصر بل وتنص على أن الوحدة العربية هدف رئيسى من أهداف الدستور المصرى. 


فوثيقة إعلان الدستور المصرى تؤكد، بكلمات واضحة، تعهد جماهير الشعب على تحقيق أربعة أهداف رئيسية، يهمنا هنا الإشارة إلى الهدف الثانى الذى يقول: «الوحدة أمل أمتنا العربية: عن يقين بأن الوحدة العربية نداء تاريخ، ودعوة مستقبل، وضرورة مصير.. وأنها لا يمكن أن تتحقق إلا فى حماية أمة قادرة على دفع وردع أى تهديد». 

وإذا ذهبنا إلى مواد الدستور وجدنا مادته الأولى تنص على: جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة. والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة. 

وتنص مادته الثانية على: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى. 

هذه المواد أوضح فى دلالتها من شمس الظهيرة، وهذا الوضوح نسفه بعض الذين يطلون علينا من بين سطور الجرائد ومن على شاشات الفضائيات، فترى الواحد منهم يلعن بأعلى صوته «العرب» و«العروبة» ويتحدث نيابة عن المصريين جميعا قائلا: «من اليوم لم تعد هناك عروبة» وكأن العروبة نوع من السلع نفد من السوق، أو كأنه اكتشف لنا انتماء غير العروبة علينا أن نسارع لاعتناقه لأن سيادته يرى أن العروبة وهم من الأوهام. 

وقد سمعت لاعبا لا يستطيع التفرقة بين الفاعل «المرفوع بالضمة» و«الفاعل» الذى يعمل فى قطاع البناء يقول والغضب يعلو قسمات وجهه: «باى باى عروبة»!! 

هل يظن هذا الذى لم يمرر تمريرة سليمة لزملائه أثناء المباراة، أن العروبة فتاة ينهى معها مكالمة تليفونية؟ 

العروبة ليست كلمة تقال، يتخلى عنها من يشاء وقتما يشاء، هوية أمة ونصوص دستور، فإن كان الذى يُتهم بمحاولة قلب نظام الحكم يقوم المسئولون بإرساله إلى ما وراء الشمس، فلماذا لا «يقرص» المسئولون إذن هؤلاء المتطاولين على الأمة ويقولون لهم: «إلعب بعيد ياشاطر منك له»؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 13 نوفمبر 2009

ناجي رقم جديد





عملت سنوات مع الروائى والصحفى الكبير الأستاذ محمد ناجى.. كان خلالها خافت الصوت حريصا على التوحد مع نص يكتبه أو يفكر فيه.. رأيته مرة فى غاية الفرح، ظننت أنه عثر على بداية موفقة لرواية جديدة ولكنه باغتنى عندما قال لى: «لقد عثرت على دواء يعالج كذا وكذا من أمراضى». 



لم أكن حتى تلك المباغتة أعلم أنه يعانى من أمراض يفرح لأنه وجد دواءا لها. فجأة حاصره وحش سرطان الكبد لتبدأ مجددا دوامة المناشدات والاستغاثات، جربنا مواجع تلك الدوامة فى حالات كثيرة، يكفى أن نشير إلى قصة الصحفى والشاعر «فتحى عامر» والصحفى والروائى «يوسف أبورية» دائما يهاجم المرض الكتاب على حين غرة ودائما نسارع إلى مناشدة الجهات المسئولة، ودائما ما تتجاهلنا الجهات حتى تتساقط دموعنا على قبور الراحلين، مشكلتنا أنه لا يلوح فى الأفق حل فلا اتحاد الكتاب قادر على علاج أعضائه ولا نقابة الصحفيين قادرة ولا الكتاب أنفسهم يملكون فى غالبيتهم العظمى تكاليف علاج أمراض لا يد لهم فيها، طبعا فى حالات كهذه لا نسأل عن «التأمين الصحى» ولا عن حقوق المواطن أيا كان فى الحصول على علاج ميسر ولا نقول مجانيا، ما يهمنا فقط هو جمع أموال تكفى لعلاج إناس قدموا كل ما يستطيعون فى سبيل إسعادنا وعندما تغدر بهم الأيام يتلفتون حولهم فإذا كل «هذا الزحام لا أحد». 

هل من حقنا أن نسأل عن منحة حاكم الشارقة التى رصدها لعلاج الأدباء المصريين؟ تلك المنحة التى رفضها البعض، لأنهم يرون أن الكاتب مثل القاضى لابد أن يكون محصنا ولابد أن تنفق عليه بلاده فقط وليست أى جهة أخرى، ثم تعطلت المنحة فى دهاليز وزارة المالية، ثم أفرج عنها ولكن بعد موت «يوسف أبورية» أحد أهم مستحقيها هل من حقنا أن نسأل عن الدور النقابى لعشرات النقابات؟ هل من حقنا أن نسأل عن السيد المجتمع المدنى الذى لا نراه إلا فى قاعات الندوات مكيفة الهواء؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 6 نوفمبر 2009

عودة الغولة






قبل أشهر صحونا على شبكة جهنمية من الأخبار والتحاليل تتناول ما عرف باسم «الصكوك الشعبية» أو إدارة أصول الدولة، انخرطنا جميعا فى الاهتمام بالأمر وفتشنا قاع أدمغتنا حتى حصلنا على مرادف «سينمائى» لما يجرى. 



لذا أسرفنا جميعا فى تذكير الناس بقصة فيلم «عايز حقى» الذى قام بطله المحروم «صابر» بالحصول على توكيلات من الشعب لكى يبيع بالنيابة عنهم حصصهم فى المال العام، وبالفعل تم فتح المزاد على بيع الأهرامات والنيل، ولأن البيع فى الأفلام غير البيع فى الحياة، فإن البطل تراجع فى اللحظة قبل الأخيرة. 

لكن البطل الذى فى الحياة اكتفى فى البداية بجس النبض، طرح الفكرة وراح من خلف ستار يتأمل تداعياتها التى لم تخرج عن معارضة صحفية واحتجاج باهت هنا وآخر هناك، جرفنا تيار الأزمات المتلاحقة بداية بإنفلونزا الخنازير وصولا إلى عودة التيفود وليس نهاية بمباراة مصر والجزائر فى تصفيات كأس العالم لكرة القدم، معروف طبعا أن الأزمات فى جانب منها تشبه «الحب» جديدها يُنسى قديمها، 

فى حمى الأزمات لم نتوقف ونسأل عن مصير المشروع الذى شغلنا لأشهر، اكتفينا بالذى قالوه، عن أن فلانا من كبار المسئولين يعارضه وأن علانا يرفضه، لم نتوصل أبدا لحقيقة الأمر الذى بدا مثل «غمة وانزاحت». 

ظل السطح هادئا وكأن من طرحوا المشروع قد صرفوا النظر عنه إلى أن جاء مؤتمر حزب الحكومة فإذا بالمشروع الذى يبدو مثل أمنا الغولة يعود بقوة إلى سطح الأحداث. بعض المسئولين يقولون إن موارد المشروع ستوجه للأنفاق على الصحة والتعليم، آخرون قالوا: بل ستوجه للصرف الصحى. 

وهكذا بدأت الشبكة الجهنمية العمل من جديد لتلفنا جميعا بخيوطها القاتلة ولتدخلنا جميعا فى نفق التخمينات، دون أن نعرف سببا اقتصاديا واحدا يدعو لتفتيت ما بقى من أملاك الدولة وتحويلها إلى صكوك لم يحددوا بعد قيمتها وإن أشاروا إلى أن قيمة الصك ستكون نحو 400 جنيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحد، 25 أكتوبر 2009

الأوت حرام





فجأة تكدست على أرصفة مواقع الانترنت دعوة مشبوهة أطلقتها حركة أو منظمة مسيحية تسمى نفسها «شركاء من أجل الوطن»، الحركة المذكورة لم تعد ترى عيوبا فى الوطن الذى تريد أن تصبح شريكة فيه سوى «دورى كرة القدم المصرى» فلا قمامة، ولا تعليم منهار ولا مياه ملوثة ولا طعام بمذاق الصرف الصحفى ولا انتخابات مزورة ولا قمح مسرطن، ولا استبداد سياسى، فقط هو دورى كرة القدم الذى وقف مثل الشوكة فى حلق المنظمة، الإخوة الشركاء طالبوا فى بيانات لهم بإلغاء بطولة الدورى، لأنها تمارس التمييز الدينى، لأن فرق الدورى ليس بها مسيحيون!. هذا الادعاء الغريب المريب سيتحول كما قالت المنظمة إلى مذكرة ترفع إلى الاتحاد الدولى لكرة القدم!. 


طبعا، التعسف واضح وسوء النية أكيد، ومع ذلك فالرد على هذا الادعاء الغريب سهل ميسور، لأن المسيحيين يملأون ملاعب كرة القدم ليس فى مصر وحدها بل فى السعودية أيضا، فمعظم الفرق يلعب بها محترفون أفارقة، وهؤلاء معظمهم من المسيحيين، ويكفى أن نشير إلى أن نجم النادى الأهلى على مدى السنوات الخمس الماضية كان هو «فلافيو» المسيحى، إضافة إلى «جلبرتو» المسيحى أيضا، وبصفة عامة يندر أن يخلو فريق مصرى أو عربى من لاعب أو مدرب مسيحى. 

إن هذه الدعوات المتطرفة تبدو مثل كرة الثلج فإن لم تقاوم فى مهدها فإنها تتحول إلى كرة نار، فالذين يزعمون أنهم يبحثون عن الشراكة والمشاركة يعتزمون التقدم بمذكرة إلى «الفيفا» ولا أحد يضمن فى ظل الظروف الملتبسة التى يعيش العالم فى ظلها نتائج مثل تلك المذكرات فهى إن لم تضر فحتما لن تنفع، وقد يؤدى التمادى فى تجاهل هذه الدعوات إلى المزيد من المطالب الشاذة، فقد يطالب بعضهم بضرورة اعتزال اللاعب «إسلام الشاطر» لأن اسمه يحمل دلالة تميز دينى، وليس بعيدا أن يطالب أحدهم بعدم إقامة مباريات كرة القدم فى أيام الآحاد لأنها أيام لها مكانتها عند المسيحيين، ولأن لكل فعل رد فعل، فإننا لن نتعجب أبدا من تطرف سيظهر على الجانب الآخر، فنسمع أحدهم يحرم «رمية التماس» الأوت لأن اللاعب الذى ينفذها يرفع يديه إلى ما وراء أذنيه وبدلا من أن يكبر تكبيرة الإحرام إذا به يرمى الكرة وفى هذا ما فيه من الاستهانة بركن من أركان الصلاة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 16 أكتوبر 2009

السيد صنبور ومستر جركن




كنت واقفا على شاطئ نهر النيل الخالد الذى تجرى به مياه نظيفة تشفى العليل (من خاف سلم) من قلب الماء (النظيف جدا) ظهر كائن عجيب نصفه الأعلى بشرى ونصفه السفلى له هيئة «بلطية» جميلة. كثيرا ما سمعت وقرأت عن «عروس البحر» ولكن أبدا لم أكن أصدق شيئا مما أسمع أو أقرأ، ولكن ها هى أمامى بوجهها الأنثوى الفاتن.. توقعت أن تقول لى كما فى الحكايات: «شبيك لبيك». لو فعلتها لطلبت منها شقة فى التجمع الخامس، ولكنها نظرت لى نظرة غاضبة ورمتنى بكتاب، أمسكت الكتاب ساخطا وقلت لها: لا أحتاج كتبا فأنا غارق فى بحورها. ردت ساخرة: هذا ليس أى كتاب، من أجله سافرت إلى الزمن الآتى.. طالعه فسينفعك. عندما عادت العروس إلى قلب الماء نظرتُ نظرة مدققة إلى الكتاب، كان ورقه ليس كأى ورق وغلافه ليس كأى غلاف، هو فعلا من كتب الزمن الآتى، عنوانه كان لافتا «قانون احترام الماء». 


فى المقدمة قال المؤلف المجهول: «شهدت مصر فى العام 2009 دعوة لإصدار قانون يجرم تشويه سمعة المياه والصرف الصحى، وذلك بعد الحملات الصحفية التى شككت فى نقاء الماء المصرى، ورغم أن الصحافة قد استندت فى حملاتها إلى شهادات الخبراء فضلا عن واقع الحال الذى يغنى عن أى شهادة فإن الدعوة سرعان ما تحولت إلى قانون نافذ لا يجوز الطعن عليه، وقد نجح القانون نجاحا ساحقا فى تقليم أظافر الصحافة ومن ثم راح المصريون جميعا يتغنون بنقاء المياه وجودتها، ولكى يحافظ أولو الأمر على هيبة القانون شكلوا شرطة خاصة تراقب تعامل المصريين مع المياه ومستلزماتها، وقد عرفت تلك الشرطة بالحروف المختصرة (ج.م. م) أى جودة مياه مصر، وقد تعامل المصريون مع القانون بما يليق به فاختفت شتائم مثل «بلاص وجردل» إذ أصبح لهما مكانة سامية امتد ظلها ليشمل باقى أوانى المياه فأصبح «الجركن» يعرف باسم «مستر جركن» أما الصنبور فلم يعد يُنادى إلا بلقب السيد صنبور، وقد شهد العام المذكور وقائع تدل على المدى الذى بلغه نجاح القانون ومن تلك الوقائع أن المصرى كان إذا أراد الشرب وقف فى وضع الانتباه وأدى التحية العسكرية لكوب الماء قبل أن يتناوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

اشربى يا مصر




أعرف المسلمين (لأننى مسلم) أعرف تلك الأوهام، التى تضرب أدمغة بعض قادتهم فيأمر هذا أتباعه بمحاربة أتباع ذاك، أعرف التعصب للمذهب والإعلاء من شأن الطائفة، تفيض كتب مكتبتى ببحور دماء أريقت فى معارك سخيفة نشبت لوجه الشيطان بين السنة والشيعة، ثم بين السنة والسنة ثم بين الشيعة والشيعة، معارك لا تدرى فيها من المقتول ومن قتله ولِمَ قتله؟ أعرف أن «الزرقاوى» على سبيل المثال كان يوزع تهمة «الكفر» ذات اليمين وذات الشمال بل كان يعيب على تنظيم «القاعدة» ليونته العقائدية! 


ولأننى مسلم كنت أغبط المسيحيين على وحدة صفهم مع تباين مذاهبهم، كنت أظن ألا فرق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية والأنجيلية، كان الجميع عندى فى سلة واحدة، مسيحيون يشتركون فى الإيمان بجذور عقيدتهم، وما بين مذاهبهم من فروق يدخل تحت بند الاختلافات العادية المحتملة، ظلت هذه رؤيتى حتى بعد أن حدث صدام مسلح على خلفية مذهبية بين مسيحيى لبنان، أيامها قلت «مصر شىء آخر»، حتى كشف الأنبا بيشوى، سكرتير المجمع المقدس، عن خطة إنجيلية تهدف إلى تحويل الأقباط الأرثوذكس إلى بروتستانت خلال ٢٠ عاما من تنفيذها. 

وأكد أن الكنيسة المصرية تتعرض لحرب شرسة من الإنجيليين، الذين يحاولون اختراق الكنيسة القبطية لسرقة أولادها خاصة فى مناطق مصر الجديدة والنزهة وأرض الجولف والزمالك. 

وزاد فوصف دير المقطم بـ«الوكر»، موضحا أن أموالا طائلة تم رصدها لتحويل الأرثوذكس إلى بروتستانت.. وشدد بيشوى على أن الخطة البروتستانتية «الإنجيلية» ما زالت مستمرة، وأدت إلى وقوع بعض الكهنة فى «الفخ الإنجيلى»، مما أسفر عن اعتناقهم الفكر البروتستانتى. 

لهجة الأنبا بيشوى كانت واثقة وتنذر بوقوع مشكلات لا يعرف عواقبها إلا الله، خاصة والطرف الثانى رد بطريقة كلها استعلاء وغطرسة، وقال ما يعنى إن الأورثوذكسية أصبحت قديمة، ولم تعد تقنع أحدا وعليها تجديد نفسها، وهكذا دائما يبدأ الأمر أو الشر، فريق يتهم وفريق يتعالى عن الرد ثم فجأة تندلع نزاعات لا تنقصنا ونحن فى غنى عنها، وكل هذه الأشياء ترتكب باسم الرب والدين، سواء جرت بين السنة والشيعة أو بين الأرثوذكس والإنجيليين. كلمة السر فى كل هذه النزاعات هى غياب مشروع يوحد الأمة، إن مصر تشرب الآن من نبع الطائفية الملوث لأنها تجاهلت مشروعها وراحت تجرى خلف الأوهام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

الجنسية للقمامة




كأننا ندعو ولا يُستجاب لنا (فمن نتهم؟). أقمنا الدنيا لأننا فجأة اكتشفنا أن أكثر من نصف قرى مصر لم تعرف مياه الشرب النقية لها طريقا، ثم اكتشفنا أن المياه التى يقال إنها نقية ملوثة بمياه الصرف الصحى. 



ثم اكتشفنا هكذا فجأة أن العطش يتمدد فى بلاد النيل «كما يتمدد ثعبان فى الرمل» أقمنا الدنيا ثم لم يحدث شىء وليت الأمر وقف عند حد نقص المياه أو خلطها بما تيسر من مياه الصرف الصحى، لقد انحدرنا إلى ما هو أسوأ، وفوجئنا كالعادة أن «التيفود»، هذا المرض القديم، عاد يضرب بقوة فى قرى ليس بينها وبين النيل إلا كيلومترات. 

الذى فعلناه مع المياه هو ما قمنا به تجاه كارثة طوابير الخبز ومصيبة القمح المسرطن، كالعادة تقوم قيامتنا ثم يدخل كل شىء إلى دوائر النسيان، وهو ما فعلناه مع إنفلونزا الخنازير وقبلها إنفلونزا الطيور (نبرق ونرعد ولا مطر). 

والآن جاء دور حفظ الله مقامكم القمامة التى تبدو اكتشافا جديدا وكأنها لا تحاصرنا منذ سنوات وكأننا فوجئنا بها تتكدس على جوانب شوارعنا وفوق أرصفتنا بل وأمام أبواب بيوتنا، فى كل مرة ومع كل كارثة نبدو من الذاهلين الذين تصرعهم الحقائق القديمة كأنها هبطت للتو فوق أدمغتهم، القمامة فى مصر مرض متوطن مثل الأمية والاستبداد والفقر وتزوير الانتخابات والبلهارسيا ومسلسلات رمضان، منذ عشرات السنوات ونحن نتابع تصريحات المسئولين حول التصدى لظاهرة القمامة وما أكثر ما سمعنا من مقترحات. 

ثم كما هى العادة ظل التخبط سيد الموقف إلى أن أصبحت القمامة ظاهرة تهدد حياة الناس فى مقتل، ظاهرة لم يفلت منها شارع ولا حى حتى تلك الشوارع والأحياء التى كنا نصنفها فى خانة الشوارع والأحياء الراقية فمنذ ثلاثة أعوام تقريبا تخلت هيئة النظافة والتجميل عن عملها وتركت القمامة تملأ الشوارع، فطلعت علينا المحافظات بحلها «العبقرى» وتعاقدت مع مجموعة من الشركات الأجنبية لتقوم مقام هيئة النظافة على أن يتحمل الشعب نسبة 5% نظير تحصيل شركة كهرباء القاهرة هذه الرسوم على فاتورة الكهرباء، وبعد فشل الحل الأجنبى. 

بدأ الحل المحلى وهو حرق القمامة، وبعد فشله هو أيضا، اعتمدنا على نظرية «طول العشرة تذيب الفروق» وهكذا بدأنا التعايش مع القمامة وتطوعنا ومنحناها الجنسية لتمارس جميع حقوق المواطنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ