الجمعة، 27 نوفمبر 2009

الكرة والدستور




بداية أعتذر عن الجمع بين الكرة التى مهما علا شأنها تظل مجرد لعبة، وبين الدستور فى سياق واحد، ولكن هذا الهوس الذى تخلى عن كل منطق وأصبح يتسيد الساحة بعد مباراة مصر والجزائر، دفعنى للتذكير بمواد الدستور التى تنص على عروبة مصر بل وتنص على أن الوحدة العربية هدف رئيسى من أهداف الدستور المصرى. 


فوثيقة إعلان الدستور المصرى تؤكد، بكلمات واضحة، تعهد جماهير الشعب على تحقيق أربعة أهداف رئيسية، يهمنا هنا الإشارة إلى الهدف الثانى الذى يقول: «الوحدة أمل أمتنا العربية: عن يقين بأن الوحدة العربية نداء تاريخ، ودعوة مستقبل، وضرورة مصير.. وأنها لا يمكن أن تتحقق إلا فى حماية أمة قادرة على دفع وردع أى تهديد». 

وإذا ذهبنا إلى مواد الدستور وجدنا مادته الأولى تنص على: جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطى يقوم على أساس المواطنة. والشعب المصرى جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة. 

وتنص مادته الثانية على: الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسى. 

هذه المواد أوضح فى دلالتها من شمس الظهيرة، وهذا الوضوح نسفه بعض الذين يطلون علينا من بين سطور الجرائد ومن على شاشات الفضائيات، فترى الواحد منهم يلعن بأعلى صوته «العرب» و«العروبة» ويتحدث نيابة عن المصريين جميعا قائلا: «من اليوم لم تعد هناك عروبة» وكأن العروبة نوع من السلع نفد من السوق، أو كأنه اكتشف لنا انتماء غير العروبة علينا أن نسارع لاعتناقه لأن سيادته يرى أن العروبة وهم من الأوهام. 

وقد سمعت لاعبا لا يستطيع التفرقة بين الفاعل «المرفوع بالضمة» و«الفاعل» الذى يعمل فى قطاع البناء يقول والغضب يعلو قسمات وجهه: «باى باى عروبة»!! 

هل يظن هذا الذى لم يمرر تمريرة سليمة لزملائه أثناء المباراة، أن العروبة فتاة ينهى معها مكالمة تليفونية؟ 

العروبة ليست كلمة تقال، يتخلى عنها من يشاء وقتما يشاء، هوية أمة ونصوص دستور، فإن كان الذى يُتهم بمحاولة قلب نظام الحكم يقوم المسئولون بإرساله إلى ما وراء الشمس، فلماذا لا «يقرص» المسئولون إذن هؤلاء المتطاولين على الأمة ويقولون لهم: «إلعب بعيد ياشاطر منك له»؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 13 نوفمبر 2009

ناجي رقم جديد





عملت سنوات مع الروائى والصحفى الكبير الأستاذ محمد ناجى.. كان خلالها خافت الصوت حريصا على التوحد مع نص يكتبه أو يفكر فيه.. رأيته مرة فى غاية الفرح، ظننت أنه عثر على بداية موفقة لرواية جديدة ولكنه باغتنى عندما قال لى: «لقد عثرت على دواء يعالج كذا وكذا من أمراضى». 



لم أكن حتى تلك المباغتة أعلم أنه يعانى من أمراض يفرح لأنه وجد دواءا لها. فجأة حاصره وحش سرطان الكبد لتبدأ مجددا دوامة المناشدات والاستغاثات، جربنا مواجع تلك الدوامة فى حالات كثيرة، يكفى أن نشير إلى قصة الصحفى والشاعر «فتحى عامر» والصحفى والروائى «يوسف أبورية» دائما يهاجم المرض الكتاب على حين غرة ودائما نسارع إلى مناشدة الجهات المسئولة، ودائما ما تتجاهلنا الجهات حتى تتساقط دموعنا على قبور الراحلين، مشكلتنا أنه لا يلوح فى الأفق حل فلا اتحاد الكتاب قادر على علاج أعضائه ولا نقابة الصحفيين قادرة ولا الكتاب أنفسهم يملكون فى غالبيتهم العظمى تكاليف علاج أمراض لا يد لهم فيها، طبعا فى حالات كهذه لا نسأل عن «التأمين الصحى» ولا عن حقوق المواطن أيا كان فى الحصول على علاج ميسر ولا نقول مجانيا، ما يهمنا فقط هو جمع أموال تكفى لعلاج إناس قدموا كل ما يستطيعون فى سبيل إسعادنا وعندما تغدر بهم الأيام يتلفتون حولهم فإذا كل «هذا الزحام لا أحد». 

هل من حقنا أن نسأل عن منحة حاكم الشارقة التى رصدها لعلاج الأدباء المصريين؟ تلك المنحة التى رفضها البعض، لأنهم يرون أن الكاتب مثل القاضى لابد أن يكون محصنا ولابد أن تنفق عليه بلاده فقط وليست أى جهة أخرى، ثم تعطلت المنحة فى دهاليز وزارة المالية، ثم أفرج عنها ولكن بعد موت «يوسف أبورية» أحد أهم مستحقيها هل من حقنا أن نسأل عن الدور النقابى لعشرات النقابات؟ هل من حقنا أن نسأل عن السيد المجتمع المدنى الذى لا نراه إلا فى قاعات الندوات مكيفة الهواء؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 6 نوفمبر 2009

عودة الغولة






قبل أشهر صحونا على شبكة جهنمية من الأخبار والتحاليل تتناول ما عرف باسم «الصكوك الشعبية» أو إدارة أصول الدولة، انخرطنا جميعا فى الاهتمام بالأمر وفتشنا قاع أدمغتنا حتى حصلنا على مرادف «سينمائى» لما يجرى. 



لذا أسرفنا جميعا فى تذكير الناس بقصة فيلم «عايز حقى» الذى قام بطله المحروم «صابر» بالحصول على توكيلات من الشعب لكى يبيع بالنيابة عنهم حصصهم فى المال العام، وبالفعل تم فتح المزاد على بيع الأهرامات والنيل، ولأن البيع فى الأفلام غير البيع فى الحياة، فإن البطل تراجع فى اللحظة قبل الأخيرة. 

لكن البطل الذى فى الحياة اكتفى فى البداية بجس النبض، طرح الفكرة وراح من خلف ستار يتأمل تداعياتها التى لم تخرج عن معارضة صحفية واحتجاج باهت هنا وآخر هناك، جرفنا تيار الأزمات المتلاحقة بداية بإنفلونزا الخنازير وصولا إلى عودة التيفود وليس نهاية بمباراة مصر والجزائر فى تصفيات كأس العالم لكرة القدم، معروف طبعا أن الأزمات فى جانب منها تشبه «الحب» جديدها يُنسى قديمها، 

فى حمى الأزمات لم نتوقف ونسأل عن مصير المشروع الذى شغلنا لأشهر، اكتفينا بالذى قالوه، عن أن فلانا من كبار المسئولين يعارضه وأن علانا يرفضه، لم نتوصل أبدا لحقيقة الأمر الذى بدا مثل «غمة وانزاحت». 

ظل السطح هادئا وكأن من طرحوا المشروع قد صرفوا النظر عنه إلى أن جاء مؤتمر حزب الحكومة فإذا بالمشروع الذى يبدو مثل أمنا الغولة يعود بقوة إلى سطح الأحداث. بعض المسئولين يقولون إن موارد المشروع ستوجه للأنفاق على الصحة والتعليم، آخرون قالوا: بل ستوجه للصرف الصحى. 

وهكذا بدأت الشبكة الجهنمية العمل من جديد لتلفنا جميعا بخيوطها القاتلة ولتدخلنا جميعا فى نفق التخمينات، دون أن نعرف سببا اقتصاديا واحدا يدعو لتفتيت ما بقى من أملاك الدولة وتحويلها إلى صكوك لم يحددوا بعد قيمتها وإن أشاروا إلى أن قيمة الصك ستكون نحو 400 جنيه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحد، 25 أكتوبر 2009

الأوت حرام





فجأة تكدست على أرصفة مواقع الانترنت دعوة مشبوهة أطلقتها حركة أو منظمة مسيحية تسمى نفسها «شركاء من أجل الوطن»، الحركة المذكورة لم تعد ترى عيوبا فى الوطن الذى تريد أن تصبح شريكة فيه سوى «دورى كرة القدم المصرى» فلا قمامة، ولا تعليم منهار ولا مياه ملوثة ولا طعام بمذاق الصرف الصحفى ولا انتخابات مزورة ولا قمح مسرطن، ولا استبداد سياسى، فقط هو دورى كرة القدم الذى وقف مثل الشوكة فى حلق المنظمة، الإخوة الشركاء طالبوا فى بيانات لهم بإلغاء بطولة الدورى، لأنها تمارس التمييز الدينى، لأن فرق الدورى ليس بها مسيحيون!. هذا الادعاء الغريب المريب سيتحول كما قالت المنظمة إلى مذكرة ترفع إلى الاتحاد الدولى لكرة القدم!. 


طبعا، التعسف واضح وسوء النية أكيد، ومع ذلك فالرد على هذا الادعاء الغريب سهل ميسور، لأن المسيحيين يملأون ملاعب كرة القدم ليس فى مصر وحدها بل فى السعودية أيضا، فمعظم الفرق يلعب بها محترفون أفارقة، وهؤلاء معظمهم من المسيحيين، ويكفى أن نشير إلى أن نجم النادى الأهلى على مدى السنوات الخمس الماضية كان هو «فلافيو» المسيحى، إضافة إلى «جلبرتو» المسيحى أيضا، وبصفة عامة يندر أن يخلو فريق مصرى أو عربى من لاعب أو مدرب مسيحى. 

إن هذه الدعوات المتطرفة تبدو مثل كرة الثلج فإن لم تقاوم فى مهدها فإنها تتحول إلى كرة نار، فالذين يزعمون أنهم يبحثون عن الشراكة والمشاركة يعتزمون التقدم بمذكرة إلى «الفيفا» ولا أحد يضمن فى ظل الظروف الملتبسة التى يعيش العالم فى ظلها نتائج مثل تلك المذكرات فهى إن لم تضر فحتما لن تنفع، وقد يؤدى التمادى فى تجاهل هذه الدعوات إلى المزيد من المطالب الشاذة، فقد يطالب بعضهم بضرورة اعتزال اللاعب «إسلام الشاطر» لأن اسمه يحمل دلالة تميز دينى، وليس بعيدا أن يطالب أحدهم بعدم إقامة مباريات كرة القدم فى أيام الآحاد لأنها أيام لها مكانتها عند المسيحيين، ولأن لكل فعل رد فعل، فإننا لن نتعجب أبدا من تطرف سيظهر على الجانب الآخر، فنسمع أحدهم يحرم «رمية التماس» الأوت لأن اللاعب الذى ينفذها يرفع يديه إلى ما وراء أذنيه وبدلا من أن يكبر تكبيرة الإحرام إذا به يرمى الكرة وفى هذا ما فيه من الاستهانة بركن من أركان الصلاة.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 16 أكتوبر 2009

السيد صنبور ومستر جركن




كنت واقفا على شاطئ نهر النيل الخالد الذى تجرى به مياه نظيفة تشفى العليل (من خاف سلم) من قلب الماء (النظيف جدا) ظهر كائن عجيب نصفه الأعلى بشرى ونصفه السفلى له هيئة «بلطية» جميلة. كثيرا ما سمعت وقرأت عن «عروس البحر» ولكن أبدا لم أكن أصدق شيئا مما أسمع أو أقرأ، ولكن ها هى أمامى بوجهها الأنثوى الفاتن.. توقعت أن تقول لى كما فى الحكايات: «شبيك لبيك». لو فعلتها لطلبت منها شقة فى التجمع الخامس، ولكنها نظرت لى نظرة غاضبة ورمتنى بكتاب، أمسكت الكتاب ساخطا وقلت لها: لا أحتاج كتبا فأنا غارق فى بحورها. ردت ساخرة: هذا ليس أى كتاب، من أجله سافرت إلى الزمن الآتى.. طالعه فسينفعك. عندما عادت العروس إلى قلب الماء نظرتُ نظرة مدققة إلى الكتاب، كان ورقه ليس كأى ورق وغلافه ليس كأى غلاف، هو فعلا من كتب الزمن الآتى، عنوانه كان لافتا «قانون احترام الماء». 


فى المقدمة قال المؤلف المجهول: «شهدت مصر فى العام 2009 دعوة لإصدار قانون يجرم تشويه سمعة المياه والصرف الصحى، وذلك بعد الحملات الصحفية التى شككت فى نقاء الماء المصرى، ورغم أن الصحافة قد استندت فى حملاتها إلى شهادات الخبراء فضلا عن واقع الحال الذى يغنى عن أى شهادة فإن الدعوة سرعان ما تحولت إلى قانون نافذ لا يجوز الطعن عليه، وقد نجح القانون نجاحا ساحقا فى تقليم أظافر الصحافة ومن ثم راح المصريون جميعا يتغنون بنقاء المياه وجودتها، ولكى يحافظ أولو الأمر على هيبة القانون شكلوا شرطة خاصة تراقب تعامل المصريين مع المياه ومستلزماتها، وقد عرفت تلك الشرطة بالحروف المختصرة (ج.م. م) أى جودة مياه مصر، وقد تعامل المصريون مع القانون بما يليق به فاختفت شتائم مثل «بلاص وجردل» إذ أصبح لهما مكانة سامية امتد ظلها ليشمل باقى أوانى المياه فأصبح «الجركن» يعرف باسم «مستر جركن» أما الصنبور فلم يعد يُنادى إلا بلقب السيد صنبور، وقد شهد العام المذكور وقائع تدل على المدى الذى بلغه نجاح القانون ومن تلك الوقائع أن المصرى كان إذا أراد الشرب وقف فى وضع الانتباه وأدى التحية العسكرية لكوب الماء قبل أن يتناوله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 9 أكتوبر 2009

اشربى يا مصر




أعرف المسلمين (لأننى مسلم) أعرف تلك الأوهام، التى تضرب أدمغة بعض قادتهم فيأمر هذا أتباعه بمحاربة أتباع ذاك، أعرف التعصب للمذهب والإعلاء من شأن الطائفة، تفيض كتب مكتبتى ببحور دماء أريقت فى معارك سخيفة نشبت لوجه الشيطان بين السنة والشيعة، ثم بين السنة والسنة ثم بين الشيعة والشيعة، معارك لا تدرى فيها من المقتول ومن قتله ولِمَ قتله؟ أعرف أن «الزرقاوى» على سبيل المثال كان يوزع تهمة «الكفر» ذات اليمين وذات الشمال بل كان يعيب على تنظيم «القاعدة» ليونته العقائدية! 


ولأننى مسلم كنت أغبط المسيحيين على وحدة صفهم مع تباين مذاهبهم، كنت أظن ألا فرق بين الأرثوذكسية والكاثوليكية والأنجيلية، كان الجميع عندى فى سلة واحدة، مسيحيون يشتركون فى الإيمان بجذور عقيدتهم، وما بين مذاهبهم من فروق يدخل تحت بند الاختلافات العادية المحتملة، ظلت هذه رؤيتى حتى بعد أن حدث صدام مسلح على خلفية مذهبية بين مسيحيى لبنان، أيامها قلت «مصر شىء آخر»، حتى كشف الأنبا بيشوى، سكرتير المجمع المقدس، عن خطة إنجيلية تهدف إلى تحويل الأقباط الأرثوذكس إلى بروتستانت خلال ٢٠ عاما من تنفيذها. 

وأكد أن الكنيسة المصرية تتعرض لحرب شرسة من الإنجيليين، الذين يحاولون اختراق الكنيسة القبطية لسرقة أولادها خاصة فى مناطق مصر الجديدة والنزهة وأرض الجولف والزمالك. 

وزاد فوصف دير المقطم بـ«الوكر»، موضحا أن أموالا طائلة تم رصدها لتحويل الأرثوذكس إلى بروتستانت.. وشدد بيشوى على أن الخطة البروتستانتية «الإنجيلية» ما زالت مستمرة، وأدت إلى وقوع بعض الكهنة فى «الفخ الإنجيلى»، مما أسفر عن اعتناقهم الفكر البروتستانتى. 

لهجة الأنبا بيشوى كانت واثقة وتنذر بوقوع مشكلات لا يعرف عواقبها إلا الله، خاصة والطرف الثانى رد بطريقة كلها استعلاء وغطرسة، وقال ما يعنى إن الأورثوذكسية أصبحت قديمة، ولم تعد تقنع أحدا وعليها تجديد نفسها، وهكذا دائما يبدأ الأمر أو الشر، فريق يتهم وفريق يتعالى عن الرد ثم فجأة تندلع نزاعات لا تنقصنا ونحن فى غنى عنها، وكل هذه الأشياء ترتكب باسم الرب والدين، سواء جرت بين السنة والشيعة أو بين الأرثوذكس والإنجيليين. كلمة السر فى كل هذه النزاعات هى غياب مشروع يوحد الأمة، إن مصر تشرب الآن من نبع الطائفية الملوث لأنها تجاهلت مشروعها وراحت تجرى خلف الأوهام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 2 أكتوبر 2009

الجنسية للقمامة




كأننا ندعو ولا يُستجاب لنا (فمن نتهم؟). أقمنا الدنيا لأننا فجأة اكتشفنا أن أكثر من نصف قرى مصر لم تعرف مياه الشرب النقية لها طريقا، ثم اكتشفنا أن المياه التى يقال إنها نقية ملوثة بمياه الصرف الصحى. 



ثم اكتشفنا هكذا فجأة أن العطش يتمدد فى بلاد النيل «كما يتمدد ثعبان فى الرمل» أقمنا الدنيا ثم لم يحدث شىء وليت الأمر وقف عند حد نقص المياه أو خلطها بما تيسر من مياه الصرف الصحى، لقد انحدرنا إلى ما هو أسوأ، وفوجئنا كالعادة أن «التيفود»، هذا المرض القديم، عاد يضرب بقوة فى قرى ليس بينها وبين النيل إلا كيلومترات. 

الذى فعلناه مع المياه هو ما قمنا به تجاه كارثة طوابير الخبز ومصيبة القمح المسرطن، كالعادة تقوم قيامتنا ثم يدخل كل شىء إلى دوائر النسيان، وهو ما فعلناه مع إنفلونزا الخنازير وقبلها إنفلونزا الطيور (نبرق ونرعد ولا مطر). 

والآن جاء دور حفظ الله مقامكم القمامة التى تبدو اكتشافا جديدا وكأنها لا تحاصرنا منذ سنوات وكأننا فوجئنا بها تتكدس على جوانب شوارعنا وفوق أرصفتنا بل وأمام أبواب بيوتنا، فى كل مرة ومع كل كارثة نبدو من الذاهلين الذين تصرعهم الحقائق القديمة كأنها هبطت للتو فوق أدمغتهم، القمامة فى مصر مرض متوطن مثل الأمية والاستبداد والفقر وتزوير الانتخابات والبلهارسيا ومسلسلات رمضان، منذ عشرات السنوات ونحن نتابع تصريحات المسئولين حول التصدى لظاهرة القمامة وما أكثر ما سمعنا من مقترحات. 

ثم كما هى العادة ظل التخبط سيد الموقف إلى أن أصبحت القمامة ظاهرة تهدد حياة الناس فى مقتل، ظاهرة لم يفلت منها شارع ولا حى حتى تلك الشوارع والأحياء التى كنا نصنفها فى خانة الشوارع والأحياء الراقية فمنذ ثلاثة أعوام تقريبا تخلت هيئة النظافة والتجميل عن عملها وتركت القمامة تملأ الشوارع، فطلعت علينا المحافظات بحلها «العبقرى» وتعاقدت مع مجموعة من الشركات الأجنبية لتقوم مقام هيئة النظافة على أن يتحمل الشعب نسبة 5% نظير تحصيل شركة كهرباء القاهرة هذه الرسوم على فاتورة الكهرباء، وبعد فشل الحل الأجنبى. 

بدأ الحل المحلى وهو حرق القمامة، وبعد فشله هو أيضا، اعتمدنا على نظرية «طول العشرة تذيب الفروق» وهكذا بدأنا التعايش مع القمامة وتطوعنا ومنحناها الجنسية لتمارس جميع حقوق المواطنة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 18 سبتمبر 2009

تبرعوا لمليونير




صباح الثلاثاء الماضى تساءل الكاتب الأستاذ إبراهيم عيسى فى مقاله بالدستور عن حقيقة الأموال التى تدفعها الجهات والمؤسسات الخيرية للفضائيات مقابل الإعلان عن أنشطتها، وتساؤل عيسى وجد إجابة شافية فى مقال مزلزل نشرته «الشروق» صباح الأربعاء للكاتب الكبير الأستاذ وحيد حامد، الذى كشف عن حقائق مفزعة. قال الأستاذ وحيد إن المؤسسات التى تتلقى تبرعات المواطنين وتنفقها كما يفترض فى أوجه الخير المتعددة تقوم بإنفاق خمسة وثلاثين مليون جنيه على الإعلان عن أنشطتها فى الفضائيات.


ما كشفه مقال الأستاذ وحيد يجب أن يصبح حجر زاوية فى مناقشة ومن ثم محاسبة تلك الجهات، لأن قيامها بكل هذا الإنفاق على الدعاية يثبت أنها غنية جدا ولا تحتاج إلى تبرعات فقراء المواطنين الذين «تنكد» عليهم معيشتهم بصور الأطفال المرضى بأفتك الأمراض، نعم تجب محاسبة جمعيات الخير هذه لمعرفة حقيقة ميزانياتها فلو كانت تملك كل هذه الأموال لوجب إيقاف التبرع لها، ولو كانت تأخذ أموال المتبرعين وتنفقها على الدعاية فيجب الضرب على يدها بقوة لأنها ستكون فى تلك الحالة مخالفة لبنود التعاقد «الضمنى» أو العلنى المبرم بينها وبين المتبرع، لأن المتبرع عندما قدم ماله لهذه الجمعية أو تلك لم يكن يتصور أن جزءا كبيرا منها سيتم إنفاقه على أنشطة الدعاية، هذه الجمعيات تفرض بالابتزاز العاطفى سياسة «التبرع للمليونيرات» لأنها تطارد الناس بصور الأطفال المرضى فى نوع من «الشحاذة» يذكرنا بما كان يقوم به «زيطة» صانع العاهات فى رواية نجيب محفوظ. 

وعلى الناحية الأخرى هناك عشرات بل مئات الجمعيات والمؤسسات التى تقوم بعمل خارق فى رعاية ودعم الفقراء والمحتاجين ومع ذلك لا يسمع بها أحد ولا تقوم هى باستقطاع جزء مهم وفاعل من التبرعات للإعلان عن أنشطتها، إن ما يحدث الآن من تسابق على أعمال الدعاية سيؤدى إلى انصراف الناس عن هذه الجمعيات التى أدمنت الظهور فى الفضائيات، لأنه ليس من المعقول أن يتبرع الناس لجمعيات كل همها الإعلان عن نفسها وكأنها جاءت بما لم يأت به الأوائل.

الشفافية هى الحل الذى يرضى الجميع فى حالة كالتى نعيشها وعلى هذه الجمعيات أن تعلن بشكل صريح ومباشر عن ميزانياتها وأن تذكر بكل صراحة أوجه إنفاق الأموال التى تتلقاها كما عليها أن تكف عن هذه الحملات الإعلانية المزعجة حتى ولو كان هناك من يتحمل تكاليفها.


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الجمعة، 11 سبتمبر 2009

العملية (دينا)




حصل «إياد» على ماجستير فى هندسة الكمبيوتر ثم نظر حوله فلم يجد شيئا قد تغير، يومها قال لنفسه: «بعد الآن لن أسقط لأنى فى القاع»، ظل إياد فى القاع لكنه لم يغفل قط عن معشوقاته «كرة القدم» و«شاشة الكمبيوتر» و«الراقصة دينا». مع مبارايات الكرة كان جسده ينتفض ليفسح المكان لدم جديد طازج يتدفق من قلب شاب، للحق لم يكن إياد أهلاويا ولا زملكاويا، لقد كان كرويا فحسب، إلا أنه مسايرة للمزاج العام كان يظهر كأنه أهلاوى، ومع شاشة الكمبيوتر كان ينسى كل مواجعه ويعيد هندسة العالم كما يريد. مع رقص دينا كانت كل خلية من جسده ترتعش فيدرك أنه مازال على قيد الحياة. 


عندما كاد اليأس يقضى عليه تعرف على لاعب كرة قدم ناشئ، عرف اللاعب أن إياد متمكن من «الجرافيك» فطلب منه ــ على سبيل الذكرى ــ أن يعد له أسطوانة تظهره فى براعة «ميسى» و«أبوتريكة» معا. صنع إياد الأسطوانة وقدمها لصديقه الجديد الذى قدمها بدوره لسمسار فى الدورى القبرصى الذى قدمها بدوره إلى رئيس أحد الأندية الذى بعد رؤيته للأسطوانة قال للسمسار وهو يغمز بعينه: «سنوقع مع لاعبك ثم سنتفق».

لاعبون كثيرون عرفوا طريقهم إلى إياد الذى ذاع صيته وأصبح «منّظرا كرويا»، فقال لنفسه: «إذا أقبلت باض الحمام على الوتد» وهذا ما كان وباض حمام الكرة فأصبح إياد من أكابر المسئولين عن الكرة المصرية وهى مسئولية عجيبة فلا أحد يعرف حقيقة وضعه كما أن أحدا لا يجهل مسئوليته عن انقاذ المنتخب كلما تعرض لواحدة من عثراته، نستطيع اختصارا أن نقول إنه كان يلعب دور «اللهو الخفى» فهو موجود وغائب فى الوقت نفسه. بعد تأزم موقف المنتخب فى التصفيات المؤهلة لكأس العالم حصل إياد ــ بحكم كونه اللهو الخفى ــ على المبلغ الأضخم فى حياته، فى عملية أطلق عليها اسم «دينا» من باب الوفاء لراقصته المفضلة. مصريون دفعوا له لكى يتفق مع لاعبى رواندا على الاستبسال أمام الجزائر فى مقابلتهما المصيرية، جزائريون دفعوا له لكى يتفق مع لاعبى رواندا على «الاستهبال»، رواندانيون دفعوا له لكى يساوم المصريين والجزائريين ويحصل منهم على أعلى سعر مقابل الاستبسال أو الاستهبال!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 4 سبتمبر 2009

(سرنجة) يا الله




فى حمى انتفاضة الأقصى، أطلق الصهاينة كعادتهم النار على أحد المصورين الصحفيين، سقط المصور على الأرض غارقا فى دمائه، وراح زميله يصرخ : «إسعاف يا ناس، إسعاف يا عالم، إسعاف يا رجال» ولما لم يجد مستجيبا عاد يصرخ متوجها بصراخه إلى الذى يجيب دعوة المضطر إذا دعاه. صرخ الرجل «إسعاف يا الله»!.




الموقف ذاته تعرضت له الأسبوع الماضى اثنتا عشرة سيدة مصرية، هن نظريا حرائر لا يعشن تحت الاحتلال الصهيونى، السيدات المصريات ذهبن إلى أحد مكاتب الصحة لتطعيم أولادهن الذين لم يكن قد مضى على ولادتهن سوى أربعة أيام فقط تنفيذا لشروط التطعيم. مكتب الصحة الذى يؤدى تلك المهمة الجليلة يجب تسميته بـ«مكتب الموت أو المرض»، فليس للمكتب علاقة بالصحة سوى اللافتة التى تزين مدخله المتهالك، بعيدا عن الزحام الخانق وعدم وجود مقاعد تجلس عليها الأمهات المرهقات قامت مسئولة بالمكتب وصرخت فى وجوه الجمع المحتشد: «بقولكم إيه يا ستات إحنا ما عندناش سرنجات.. واللى عايزه تطعم ابنها تتصرف».

جن جنون الأمهات اللاتى لم يتعافين بعد من متاعب الولادة وقلن فى صوت واحد للمسئولة: «كيف يكون هذا المكان مكتبا للصحة ولا توجد به سرنجات»؟

راح الكلام وجاء واحتدت الأصوات ثم هدأت وعلت المناقشات حتى كادت تتحول إلى مشاجرات، ولكن كل ذلك لم يغير من الأمر شيئا، فالسيدة المسئولة تطالب الأمهات بالتصرف، والأمهات يمطرن المسئولة بوابل من الأسئلة «الوجودية» العويصة التى تدور حول حق الرعاية الطبية والتأمين الصحى والحكومة التى تترك أبناء شعبها عرضة للإصابة بكل الأمراض. المسئولة، من ناحيتها تأكد لها أنها أمام مجموعة من الحالمات يبحثن عن الحكومة ودورها، ولذا ردت على أسئلة الأمهات بأن مصمصت شفتيها وهى تقول: «حِكَم». أمام تبلد مسئولى المكتب راحت الأمهات يصرخن «سرنجة يا دكاترة.. سرنجة يا حكومة» وقبل أن يصرخن كما الفلسطينى: «سرنجة يا الله».

كان ابن بلد من المترددين على المكتب قد قام لوجه الله بشراء عشرين سرنجة من ماله الخاص ووزعها على الأمهات لكى تتم عملية التطعيم، ولم يلتفت أحد لإحدى الأمهات وهى تسأل نفسها بصوت خافت: «إذا كانوا مش قادرين يعملوا مصنع سرنجات أمال هيعملوا النووى اللى بيقولوا عليه إزاى»؟ 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ