الأحد، 19 أبريل 2026

مأساة ملتهبة ورد بارد


 

هناك عشرة آلاف فلسطيني ينتظره حبل المشنقة.. ونتانياهو وبن غفير لن يسمعا لأحد وهما محترفان في تربية الغضب  

في مساء الاثنين، 30 مارس 2026 كان إيتمار بن غفير وزير الأمن القومي لكيان الاحتلال يحتفل مع عصابة حزبه "عظمة يهودية" بإقرار قانون يتيح لكيان الاحتلال إعدام من شاء من الأسرى الفلسطينيين.

من عمق المشهد تقدمت النائبة ليمور سون هار ميلخ، العضوة بارزة بحزب بن غفير وهي التي حاربت من خلف الستار لكي يظهر القانون إلى النور، كانت تبتسم بل تكاد ترقص وهي تبكي فرحاً وتحتفل داخل الكنيست مع بن غفير، وظهرت في صور تحمل حبل مشنقة وزي إدارة السجون، كانت تفتخر بأنها من أكثر أعضاء الكنيست تطرفاً؛ فهي تدعو لطرِد الفلسطينيين وإعادة استيطان غزة، وترى أنه لا وجود لأبرياء في قطاع غزة، فكل أهل القطاع من الإرهابيين الذين يجب قتلهم!

مشهد يوم الاثنين 30 مارس 2026 كان مشهد إسدال الستار على مسرحية دموية بدأت فصولها قبل سنوات!

البداية كانت في أواخر العام 2022.

كان بنيامين نتانياهو يبحث عن حليف قوي يضمن له تشكيل الوزارة، هنا تقدم بن غفير وقال لنتانياهو: سأكون حليفك بشرط، أن تمرر قانونًا يقضي بإعدام الأسرى الفلسطينيين!

ظل الأمر محل بحث حتى تم إقرار القانون، أين كان العالم أثناء إعداد القانون؟

الكل يبكي على ليلاه أو يغني لها، ثم الأمر من وجهة نظر العالم ليس مهمًا، هؤلاء فلسطينيون يرفضون الموت في هدوء فلماذا لا يموتون وينتهي أمر هذا الصداع الذي يسببونه لملوك العالم!

لم يتوقف أحد لتحرير مسألة الأسرى، هل هم أسرى حقًا، وهل تنطبق عليهم قوانين الأسر العالمية؟

الواقع يقول إن سجون الاحتلال مكتظة بآلاف الفلسطينيين الأبرياء، فكثرة من الذين يلقي الاحتلال عليهم القبض لم يشاركوا قط في مظاهرة فضلًا على أن يكونوا من المسلحين الذي يريدون تحريره بلادهم بالرصاص، هناك أطفال ونساء وعجائز يتم الإغارة على بيوتهم ثم الدفع بهم إلى قاع الزنازين، وبعضهم يتم اغتصابه وبعضهم يتم قتله وصاحب الحظ الحسن منهم هو الذي يغادر سجنه بعد عشرين أو ثلاثين عامًا بفضل عملية تبادل تقوم بها المقاومة.

مساء الاثنين الأسود الذي تم فيه التصويت في الكنيست لصالح القانون بأغلبية لافتة كان ملتهبًا، بكل مشاعر الغضب والقهر وقلة الحيلة، ولكن جاءت ردود الأفعال المحلية والقومية والإقليمية والدولية على هذا القانون المجرم باردة كأنها قطعًا من الثلج!

إنها نفس بيانات التنديد والشجب والاستنكار، هل خاف الكيان يومًا من تلك البيانات، هل تراجع يومًا خشية إغضاب هذا الطرف أو ذاك؟

الكيان عينه فقط على الولايات المتحدة الأمريكية، فهو لا يهتم بأحد إلا بها ولا يشغله موقف سوى موقفها، وكان موقف أمريكا كالعهد به مؤيدًا لأي خطوة يخطوها الكيان، فقد قالت خارجيتها: "تحترم الولايات المتحدة حق إسرائيل السيادي في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة بالأفراد المدانين بالإرهاب، نحن على ثقة بأن أي إجراء مماثل سينفَّذ في ظل محاكمة عادلة".

أين هو العدل في كيان قائم على القتل والإبادة ومستند لأساطير ما أنزل الله بها من سلطان؟

هناك عشرة آلاف فلسطيني ينتظره حبل المشنقة، ونتانياهو وبن غفير لن يسمعا لأحد وهما محترفان في تربية الغضب الذي يتحول إلى عمليات طعن ودهس وخطف.

لا رهان على صوت الضمير أو العقل، فلا ضمير لدى هؤلاء ولا عقل لهم سوى ذلك العقل الغارق في أوهام السيطرة على الشرق الأوسط.

تلك الأوهام التي جعلتهم يختارون الثلاثين من مارس تحديدًا وهو يوم الأرض لدى الفلسطينيين ليكون يوم إعلان قتلهم بيد قانون مجرم لا يحترم ولو ذرة من حقوق الإنسان.

لو أن دولة واحدة أو منظمة هددت كيان الاحتلال بإجراءات عقابية عملية ما جرؤ الكيان على تمرير القانون، أما بيانات الشجب والاستنكار فالكيان يتعامل معها بوصفها قطع الثلج التي وضعها بن غفير وهو يتبادل كؤوس الشمبانيا مع عصابته في قلب الكنيست احتفالًا بإقرار القانون!

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 12 أبريل 2026م.  

الأربعاء، 1 أبريل 2026

الذي لا يعرف الحروب يدعو إليها


قال القدماء: إن شاباً كان يواعد ابنة تاجر حبوب، وفي مرة من المرات، كانت المواعدة في مخزن أبيها، شعر الأب بحركة غريبة فدخل مسرعًا ليجد أمامه ما لا يليق، هرب الشاب، ولسوء حظه تعثر في جوال عدس، تبعثر العدس وتناثر على ملابسه، واصل الأب مطاردة الشاب وهو يهدده بالقتل، تجمع المارة، مستنكرين أن يقتل التاجر شابًا حاول سرقة بعض العدس، فحالوا بين الأب وبين الشاب وهنا قال الأب مقولته التاريخية: "اللي ما بيعرفش يقول عدس".

 

الذي ذكرني بقصة العدس هو موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المندفع بقوة ثور هائج إلى ساحات حرب لا يعرف أحد عن مصيرها ومسيرها شيئًا، ترامب لا يعرف ما الحروب ومع جهله بها فهو مصر عليها حتى آخر إيراني أو عربي خليجي، فهو يراهن على أن قواته مصونة محصنة، لن تفقد أكثر من عشرين فردًا ولكنها ستغنم النصر المبين.

 

لقد سلط الله صحيفة نيويورك تايمز على ترامب، فقد نشرت تقريرًا مطولًا في ديسمبر من العام 2018 قالت فيه: إن ترامب قد هرب من حرب بلاده ضد فيتنام خمس مرات، أربع مرات بحجة انخراطه في الدارسة الجامعية، أما المرة الخامسة والأخيرة فقد تمت بحيلة ترامبية عظيمة!

 

جاء في تقرير الصحيفة: أن ترامب قال إنه يعاني من "نتوءات عظمية" في كعبي قدميه، وتلك النتوءات تعفيه من الخدمة العسكرية!

 

المفاجأة التي كشفها تقرير الصحيفة هي أن الطبيب الذي شخص حالة ترامب هو "لاري برونشتاين" (متوفى)، وأن ابنتيه صرحتا للصحيفة بأن هذا التشخيص كان بمثابة "مجاملة" لوالد فريد ترامب، الذي كان يمتلك المبنى الذي يقع فيه عيادة الطبيب!

 

طبعًا ترامب شن حملة ضد الصحيفة وكذبها ولكنه لم يذهب إلى القضاء ثم شتم الذين أكدوا صدق معلومات الجريدة ولكنه لم يذهب إلى القضاء!

 

هل تعرف أخي الكريم، كيف بدأت الحرب بين أمريكا وفيتنام التي تهرب منها ترامب عندما كان شابًا؟.. لقد بدأت بكذبة مثل الكذبة التي اخترعها ترامب ليشن وهو عجوز حربًا تكاد تدمر الشرق الأوسط كله.

 

كانت فرنسا تستعمر فيتنام، ثم تحت ضربات المقاومة الفيتنامية هربت فرنسا مهزومة، ولكن فيتنام انقسمت على نفسها بين شمال شيوعي وجنوب رأسمالي، الروس والصينيون ساندوا الشمال طبعًا، وأمريكا ساندت الجنوب.

 

في الجنوب المدعوم من أمريكا كان مقاتلون يتقون لتوحيد البلاد تحت راية الشمال الشيوعي، هنا قالت أمريكا: لو سقطت فيتنام في قبضة الحكم الشيوعي فستسقط كل قارة آسيا فلا مفر من الذهاب لتدمير الشمال الفيتنامي وقمع متمردي الجنوب!

 

في أغسطس من العام 1964 قالت سفن أمريكية إنها كانت تبحر في خليج تونكين في أمان الله ثم فجأة وبدون مبرر تعرضت لهجوم شنه عليها فيتنام الشمالي!

هنا ذهب الرئيس الأمريكي جونسون إلى الكونجرس وحصل منه على تفويض بإرسال القوات اللازمة لحماية البحرية الأمريكية.

 

بدأت الحرب التي تواصلت حتى العام 1975 وبلغ عدد ضحايا فيتنام من المدنيين والعسكريين قرابة الأربعة ملايين مواطن وبلغ عدد القتلى من الجيش الأمريكي ثمانية وخمسن ألف قتيل، ثم انسحبت أمريكا ولم تحقق هدفًا من أهدافها وتوحد الشمال مع الجنوب، والآن تبلغ قيمة الصادرات الفيتنامية إلى أمريكا 193.8 مليار دولار وفقاً لتقديرات التجارة الأمريكية لعام 2025، بزيادة ضخمة بلغت 42% عن عام 2024.

 

هل تذكر الكذبة التي اندلعت بسببها الحرب بين أمريكا وفيتنام؟

 

في العام 2005 كشفت وثائق رُفعت عنها السرية خاصة من وكالة الأمن القومي أن الهجوم الذي قالت السفن الأمريكية أنها قد شُن عليها لم يحدث أبداً.

كشفت الوثائق أن بلاغات السفن كانت ناتجة عن قراءات رادار خاطئة، بسبب سوء الأحوال الجوية، ولكن جونسون الذي كان يسعى للقتال شن الحرب بناءً على معلومات هو يعلم أنها زائفة!

 

الحرب التي هرب منها ترامب عندما كان شابًا أصبحت تعرف بين الأمريكان بحرب "أشباح تونكين"، فلم يكن في الخليج سوى أشباح فيتنام وليس سفن فيتنام، وترامب العجوز يصر على مواصلة حرب سيقاتل فيها أشباح الشرق الأوسط بحثًا عن مشروع نووي هو بنفسه قال إنه قد قضى عليه ودمره تدميرًا.

 

منشور بجريدة صوت الأمة الأحد 29 مارس 2026م.