الخميس، 21 أبريل، 2016

أقسم بالله : عواد لم يبع أرضه






هناك مصطلح  قديم جدًا  شديد الأهمية والخطورة  سبق إليه العرب والمسلمون عندما كانوا أصحاب حضارة فاعلة ومؤثرة ، ذلك المصطلح " تحرير المصطلحات " والمقصود بتحرير المصطلحات أو المصطلح أنك عندما تناقش شيئًا أي شيء يجب عليك أولًا ـ إن كنت تبغي الإنصاف ـ أن تقدم ضبطًا لمعناه ، وعرضًا مرتبًا لزواياه وتدقيقًا لوجوهه ،و ذلك لكي يفهم منك السامع حقيقة ما تريد قوله .


وعلى ما سبق تعالوا نحرر مصطلح أزمة أو كارثة الجزيرتين .
حدثت إعادة لترسيم الحدود البحرية بين جمهورية مصر العربية وبين المملكة العربية السعودية ، ووفق ذلك الترسيم زعمت الحكومة المصرية : إن جزيرتي تيران وصنافير واقعتان في المياه الإقليمية السعودية .

هل حدث شيء غير ما كتبته ؟.
كل القضية من يوم أن عرفنا بها وإلى لحظة كتابتي لهذه السطور ، تحرير مصطلحها لا يتجاوز " إعادة ترسيم الحدود ".

ولذا فليس هناك أخطر من الكلام المرسل عن قيام النظام الحاكم في مصر بـ " التنازل عن الجزيرتين ".
الذي يقول بأن ما حدث هو تنازل يلزمه لكي نصدقه أن يظهر لنا وثيقة التنازل ، فإن لم يظهرها فكلامه والعدم سواء .
بعضهم يتحدث  عن  " بيع الجزيرتين " .
والمعروف المجمع عليه عقلًا أن كل بيع له أركان ، منها البائع والمشتري والمباع والعقد والثمن .
فأين كل ذلك ؟ .

ثم لو افترضنا افتراضًا أن ما حدث هو تنازل أو بيع ، فالأمران باطلان ويلزمان من قام بهما ولا نتحمل نحن من وزرهما شيئًا .
 إن الحديث عن تسليم الجزيرتين أو التنازل عنهما أو بيعهما أو حتى تأجيرهما للملكة السعودية ، هو  كلام شديد الخطورة وخطير الكذب ، لماذا ؟
لأنه ببساطة لم يحدث ، ولأنه على صعيد آخر يدعو لو تلميحًا إلى أن ننفض أيدينا من القضية برمتها ، فماذا بعد البيع أو التنازل أو التسليم ؟.
إننا بالحديث عن البيع ومشتقاته نقرر واقعًا لم يقع أصلًا لأن أحدًا أي أحد لا يستطيع القيام به .
لا رئيس الجمهورية ولا رئيس الوزراء ولا أيًا كان يستطيع قانونيًا بيع ما لا يملكه ، كما لا يستطيع التنازل عنه ، كل ما يستطيعه المسئول هو أن يزعم  ملكية  الجزيرتين لفلان أو علان .
ودورنا أن نبحث في مصداقية هذا الزعم ، نصدقه ونسلم بصحته أو نرفضه ونقول : إنه لا يَلزمنا في شيء ولا يُلزمنا بشيء .

إن الحديث المكرر المتهافت  عن البيع والتنازل هو حديث لا يسنده دليل ولا يقوم على منطق ، ما حدث هو إعادة ترسيم حدود ومزاعم تقول بها الحكومة المصرية والرئيس المصري وبعض الإعلام المصري حول أحقية السعودية في الجزيرتين.

الآن يجب أن نتحرك وفق تحرير المصطلح ، فنحن نرفض الترسيم الذي جري بليل وبعيدًا عن عيوننا وقد باغتونا به .
نصعّد رفضنا للترسيم ، ونذهب إلى كل جهة مسئولة ومختصة ، نخاطب  البرلمان ، نحتكم إلى استفتاء شعبنا ، هناك ألف طريقة وطريقة لمواجهة هذه القضية التي اخترعها النظام الحاكم غير ملتفت لخطورتها فأدت ـ حسب اعتراف الرئيس نفسه ـ إلى حدوث  شرخ في المجتمع المصري .

إن لم نحرر المصطلح فسيتسع الشرخ وسنخسر جميعًا ، فلندافع عن جزيرتينا وفق ما حدث ، وكل ما  حدث ما هو إلا  مجرد إعادة ترسيم نحن نرفضه .

أعرف كما يعرف غيري أن النظام الحاكم الآن في مصر قد غرته الدنيا فظن أنه سيطاع مهما شطح وسيسمع له مهما قال فذهب بعيدًا في الاستئثار بالقرارات الخطيرة والمهمة ، لم يعرض أمر الترسيم  على أهل الاختصاص  المنصفين ، ولم يمهد طريقه إلى قلوب الشعب ، بل قرر فجأة أنه قد فعل كذا وكذا وما علينا إلا السمع والطاعة ، فحدث الشرخ وتباينت المواقف وبدأت الناس في اللجؤ إلى الشوارع لكي يسمع الحاكم صوت اعتراضها على قراره بل ورفضها له .

كل ذلك معروف ومن المؤسف أن الوقائع التي على الأرض تشير إلى تمسك كل فريق برأيه واستعداده للذهاب إلى حافة الهاوية .

نحن نرفض الترسيم الذى لم نكن من شهوده والنظام يؤمن أن ما حدث قد حدث ويجب ألا نتوقف عنده وإلا كنا من أهل الشر والفتن والمتربصين ببلادهم .

فإذا كان الحال كما ترى من عناد واستكبار وغطرسة ، فلماذا نصعبها على أنفسنا وننشر اليأس فوق رؤؤسنا ، ونقول : كذبًا أو يأسًا أن البيع قد تم .
يا خلق الله أقسم بالله : إن عودًا لم يبع أرضه لأنه لا يمتلكها حتى يبيعها .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
لا يكون البيع صحيحاً حتى تتوفر فيه سبعة شروط متى فقد شرط منها صار البيع باطلا :
1- التراضي بين المتبايعين .
2- أن يكون العاقد جائز التصرف .
3- أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة .
4- أن يكون البيع مِنْ مالك أو مَنْ يقوم مقامه .
5- أن يكون المبيع مقدوراً على تسليمه .
6- أن يكون المبيع معلوماً برؤية أو وصف منضبط .
7- أن يكون الثمن معلوماً .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 21 ابريل 2016

الاثنين، 18 أبريل، 2016

الكرامة لا تقاس بالمتر ولا توزن بالرطل






تحتل قبيلة الغساسنة مكانة مهمة في التاريخ العربي والإسلامي ، في بداية أمرها كانت القبيلة  تعيش  بالقرب من سدّ مأرب، في اليمن  و بعد انهيار  السد اتجهت القبيلة شمالاً ووصلت إلى  جنوب الحجاز ، ومنه انطلقت  شمالاً حتى وصلت إلى  بلاد الشام، التي هي سوريا ولبنان وفلسطين والأردن ، وفي الشام أسست القبيلة ملكها وأصبح قادتها ملوكًا متحالفين مع  الروم البيزنطيين  الذين كانوا القوة الأعظم في العالم.

تعمدتُ ذكر هذه النبذة التاريخية لكي نعرف الخسارة الفادحة التى تكبدها المسلمون عندما وقع العداء بينهم وبين تلك القبيلة الملكية .

 نقفز إلى الأمام  حتى نصل إلى زمن تولى الفاروق عمر بن الخطاب  حكم الدولة الإسلامية وتولى جبلة بن الأيهم عرش مملكة الغساسنة .

الأيهم وأبناء مملكته كانوا قوة إقليمة  يحسب لها ألف حساب  ، وقد أقتنع الأيهم أخيرًا بالإسلام وغادر عاصمة مملكته متجهًا إلى المدينة عاصمة الخلافة الإسلامية ليعلن إسلامه بين يدي الفاروق شخصيًا .

طبعًا عمر والمسلمون رحبوا بتلك الخطوة أشد الترحيب وفرحوا بها فرحة لا مزيد عليها ، لأن إسلام ملك يعني إسلام مواطنيه  أو على الأقل إسلام معظمهم  ، ثم أن إسلام الملك يعنى تأمين الحدود الشمالية للدولة  الإسلامية الوليدة تأمينًا مجانيًا بدون وجود قوات أو دفع نفقات .

إذن أسلم ملك الغساسنة ورأى أن يطوف بالكعبة المشرفة فكان له ذلك ، أثناء الطواف ، وقعتْ الواقعة ، داس بدوي ـ بدون قصد ـ طرف  إزار جلالة الملك جبلة بن الأيهم ، غضب جلالة الملك الغضب كله فضرب البدوي ضربة هشمت أنفه .

فما كان من البدوي الذي ينتمي لقبيلة  فزاره إلا أن توجه إلى  رئيس الدولة الإسلامية الخليفة عمر بن الخطاب شاكياً جبلة .
ضع نفسك مكان الفاروق حتى تعرف إلى أين وصلت معدلات الكرامة في دمك ؟.

قام الفاروق باستدعاء الملك ، وقد حفظت لنا كتب التاريخ الحوار الذي جري بينهما   قال عمر: "جاءني هذا الصباح، مشهد يبعث في النفس المرارة، بدويٌّ من فزارة، بدماء تتظلَّم بجراح تتكلَّم، مقلة غارت وأنف قد تهشم، وسألناه فألقى فادِحَ الوزر عليك، بيديك، أصحيح ما ادَّعى هذا الفزاري الجريح ؟".

رد الملك  جبلة : " لست ممن ينكر، أو يكتم شيئاً، أنا أدَّبتُ الفتى، أدركتُ حقي بيدي" .

قال عمر: " أيُّ حقٍّ يا ابن أيهم، عند غيري يقهر المستضعف  ويظلم، عند غيري جبهة بالإثم والباطل تُلطَم، نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية، قد دفناها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، أرض الفتى، لابد من إرضائه مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك، وتنال ما فعلته كفك ".
تعجب  جبلة قائلًا :"  كيف ذاك يا أمير المؤمنين، هو سوقة وأنا صاحب تاج ".
بعد مجادلة أدرك جلالة الملك أنه أمام حلين لا ثالث لهما .
الأول أن يعتذر للبدوي ، ثم للبدوي قبول الاعتذار أو رفضه ، فإن قبله فلله الحمد ، وإن رفضه فليس سوى الحل الثاني ، وهو أن يتم القصاص منه .

فكر الملك في الخروج من مأزق الحلين اللذين يرفضهما ولا تقبلهما ذاته الملكية فقال لعمر :" اتركني الليلة حتى أتدبر الأمر ".

تركه عمر لكي يراجع نفسه ، فانتهز الملك الفرصة وفر هاربًا عائدًا إلى عرش مملكته كافرًا بالإسلام الذي يساوي بينه وهو جلالة الملك وبين بدوي قد يكون حافيًا ولا يعرف القراءة والكتابة .

بفرار الملك خسر المسلمون كل مكسب كانوا سيربحونه بإسلامه وظل العداء قائمًا بين المسلمين ومملكة الغساسنة حتى هُزم الغساسنة في معركة اليرموك .
والآن هل وصلتنا رسالة " الكرامة " التي لا تقاس بالمتر  ولا توزن بالرطل ؟.

عمر بن الخطاب خسر مملكة مقابل كرامة أنف بدوي ، فكيف لا تقبض قلوبنا وتجف حلوقنا ونحن نسمع بعضهم يقول :" تقيمون الدنيا من أجل جزيرتي تيران وصنافير ومساحتهما لا تتجاوز مساحة ملعب كرة قدم ".

هذا القائل هو من الذين طمس الله على قلوبهم فمن البديهي أن يكذب في كل شيء ، يكذب في تقرير وتقدير المساحة فلا يذكر أن مساحة تيران هي ثمانون كيلو متر مربع وأن مساحة صنافير هي ثلاثة وثلاثون كيلو متر مربع ، يعني ليست مساحة ملعب كرة قدم أو كرة رجبي  .
ثم يكذب في إهالة التراب فوق المعني ، نحن لم ولن نتحدث عن مساحة ، نحن نتحدث عن كرامة أهدرتها عدم مشاركتنا نحن الشعب مالك الجزيرتين في تقرير مصيرهما .

ثم يواصل ذلك الكاذب  كذبه فيقول ساخرًا :" كيف تغضبون لجزيرتين لم تسمعا باسميهما من قبل؟ ".
وفي هذه أنت كاذب أيضًا ، فنحن نسمع باسم الجزيرتين ونعرفهما قبل أن يظهر الطماعون إلى الوجود ، ثم نحن يا هذا لم ولن نسمع باسم أمك فهل تقبل ـ تحت ستار جهلنا ـ أن نبيعها في سوق الرقيق ؟ .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 18 ابريل 2016



الخميس، 14 أبريل، 2016

كيف نتعاون مع نظام يرانا ثقلاء كذباب الصيف ؟










أمضى شاعر الشعب أحمد فؤاد نجم ـ رحمه الله ـ  أغلب حياته  متنقلًا بين ثلاث حالات ، فهو إما مسجون أو مطارد ، أو في الشارع يلقي شعره .

وفي واحدة من المطاردات لجأ شاعرنا  إلى الإقامة لبعض الوقت في سوريا الشقيقة .
نزل في أول إقامته  ضيفًا على محب من محبيه ، وذات ليلة جاءه مسئول مرموق من مسئولي الرئاسة السورية التي كانت بيد حافظ الأسد ، وما أدراك ما حافظ الأسد .

ما زلت أتذكر عمي أحمد وهو يقول لي :" الراجل يا واد كان أطول من ليالي الشتا  السودا وأعرض من قفا الغبي ".
ذلك المسئول الطويل العريض ، وبعد المجاملات المعتادة قال للفاجومي :" إن الرئاسة السورية ترحب بوجوده على الأرض السورية وتدعوه للإقامة ضيفًا عليها ".

رد الفاجومي على الدعوة الكريمة  بالشكر والتقدير ثم ـ ولأنه الفاجومي ـ قال للمسئول :"ابلغ  سيادة الرئيس شكري لدعوته واعتذاري  عن عدم  قبولها لأني ضيف على الشعب السوري ".
ما إن انتهى الفاجومي من جملته حتى سقط المسئول في نوبة ضحك جنونية.

الفاجومي يعرف عن نفسه خفة الظل وحلاوة الطرفة ولكنه لم يجد نفسه قد قال شيئًا مضحكًا أو يدعو حتى إلى مجرد الابتسام ، فسأل المسئول عن سبب ضحكه الجنوني هذا .
رد المسئول بعد أن سيطر على ضحكه وقال للفاجومي :" كيف لإنسان عاقل مثلك وشاعر فحل أن يصدق بوجود شيء اسمه الشعب السوري ؟".

يكمل الفاجومي الحكاية قائلًا :" لقد تبادلنا الضحك ، هو يضحك من أوهامي حول  وجود شيء اسمه الشعب السوري وأنا أضحك من أوهامه حول غياب الشعب ، ثم لم نصل إلى حل يوقف الضحك ، فعاد المسئول إلى قصر الرئاسة ضاحكًا وعدت أنا إلى مقهاي ضاحكًا ليقيني بأني سأنتصر طال الزمان أم قصر ".

انتهت القصة الفاجومية التي تصلح أساسًا لشرح وتفسير كل ما يجري لنا.
نحن الآن في مصر نعيش نوبة الضحك ذاتها ، فالمسئول وهو هنا سيادة الرئيس المنتخب لا يري الشعب ولا يصدق بوجوده ، بل لا يشغل باله أساسًا بسؤال حول الشعب ، أكتب منطلقًا من قراءتي للوقائع التي تجري على الأرض غير ملتفت لكلام الخطابات العاطفية المنمقة .

سيادة الرئيس  دعانا لمزيد من التقشف ثم لم يخجل ولم يستنكف أن يسير موكب سياراته  على سجادة حمراء ، ويومها أدخلنا  أنصاره في متاهة عبثية حول كونها سجادة أم لون طلوا به أسفلت الشارع ؟ .

وعندما تبين لهم أنها سجادة راحوا يساومون في ثمنها !!.
في كل الأحوال تناسوا وتجاهلوا عن عمد وسبق إصرار المعني والمغزى الكامن خلف رئيس يدعو شعبه ليل نهار لشد الأحزمة على البطون ثم يسير هو في مواكب قيصرية أو هرقلية !!

والمعنى والرمز الكاشف هو أننا أمام رئيس هو في الحقيقة لا يري فقر شعبه ولا جوعه ولا عريه بل لا يرى الشعب ذاته إلا في الخطب والخطابات والتصريحات الرسمية .
لأنه لو كان حقًا يرى الشعب ما كان قد أقدم على ترسيم الحدود البحرية مع المملكة العربية السعودية هكذا بغتة مباغتة وفجأة مفاجئة .

لو كان يرانا لمهد للأمر على مدار شهور ولقدم كل الحجج المنطقية التي تجعل الترسيم أو إعادته أمرًا لا مفر منه ، ثم لانتخب جماعة من أفضل العلماء والخبراء في هذا المجال الفني المعقد ، فإن جاء كلام الخبراء والعلماء مصدقًا لمزاعم المملكة لقام هو بنفسه بإلقاء الكرة في ملعب الشعب ، ولقال له : " يا أيها الشعب العظيم الحلال بين والحرام بين ، وأبناؤك من العلماء والخبراء  قالوا إن جزيرتي تيران وصنافير هما للملكة فانظر ما ترى ؟".

لو جري الأمر وفق تخيلي هذا لكانت بداية مبشرة بكل خير تربط بين الرئيس وشعبه ، ولكن ما تم يعرفه الجميع ، هنا رئيس واحد مفرد يقرر كل شيء ويعطي كما شاء ويمنع كما شاء ثم تقوم حكومته بإلقاء مختصر قراراته  التي تكون قد نفذت فعلًا على رؤوسنا ، أين الشراكة في كل ما يجري ؟ . أين الاصطفاف ؟ أين التعاون ؟ أين تنوع الرؤى الذي يثري الساحة ؟ .

لو بحثت ودققت فلن تجد شيئًا من كل ذلك ، وهذا الغياب المؤلم فادح الثمن وباهظ الضريبة يعود إلى أن الرئيس لا يرى شعبه أو ـ إذا أحسنا الظن ـ يرى القطاع الذي يريده من العشب ، أما الغالبية الغالبة فهي مجرد صفر خرافي مثل وحوش الأساطير نسمع بها ولكننا لا نراها .

أخشى ما أخشاه أن يكون بعض شياطين الأنس قد وسوس للرئيس قائلًا :" أنت ابن من الجيش  ، ثم أكابر دولة مبارك راضون عنك ، فلا تشغل نفسك بسواهما ، فالباقي مجرد تفاصيل ".

سيادة الرئيس لقد كذب الموسوس ، نحن لسنا عابرين في كلام عابر ، نحن شعب مقيم وثابت وراسخ والتعامل معنا بوصفنا ثقلاء كذباب الصيف سيجلب خرابًا لا نتمناه ولا نريده ولا نسعى إليه .
هامش

شاعر الشعب أحمد فؤاد نجم أشهر من أن يعرف ، اقرأ معي قوله عن الشعب .
" العمر ماشي و كل ماشي و له مداه

و كل فرد و له بدايته و منتهاه

الشعب هو الباقي حي

هو اللي كان هو اللي جي

طوفان شديد لكن رشيد

يقدر يعيد صنع الحياة ".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 14 ابريل 2016


الخميس، 7 أبريل، 2016

الحركات اللي مش هي





أوصانا  الراحل الكريم " صلاح جاهين " رحمه الله في قصيدته العلامة :" شيكا بيكا ". بأن نعرف أن دنيانا هي " شيكا بيكا وبوليتيكا  ومقالب أنتيكا"ولأنها كذلك فلا مجال لأي شيء سوى تنفيذ باقي الوصية :"  ولا تزعل ولا تحزن.. اضحك برضه يا ويكا "ويصبح الضحك ـ وإن انتهى بالدموع ـ ضروريًا عندما نعرف تعريف الشاعر للشيكابيكا .
" هتقولي الشيكا بيكا إيه هي؟
هي الحركات اللي مش هي ".

وعلى ما سبق فقد امتلأ أسبوعنا الماضي بالحركات " اللى مش هي ".

الحركة الأولى : الرئيس السيسي يمنح الرئيس الموريتاني " محمد ولد عبد العزيز  " قلادة النيل التي تعد أرفع وسام مصري .

انتهى الخبر وضرب الذين يهتمون وينشغلون بالشأن العام أخماسهم في أسداسهم لأن أحدًا لا يعرف فيما كان هذا المنح والعطاء ، ولأن أحدًا من دوائر صنع القرار لم يكلف نفسه بأن يدلي بتصريح ولو مقتضب يقول فيه للشعب : لماذا منحنا أرفع وأعظم أوسمتك لهذا الرئيس تحديدًا ؟.

طبعًا الموضوع من أوله لآخره سيادي بالدرجة الأولى ، ولكن من حقنا ولو من  باب " العشم " أن نعرف مجرد معرفة حيثيات منح أعظم أوسمتنا لرئيس موريتانيا ، معرضتنا للمنح أو تأيدنا له لن تقدم ولن تؤخر ولكن المقصود مجرد إطلاعنا لحفظ الحقوق التاريخية لوسام تاريخي .

ما كان أسهل على أي مسئول بالرئاسة أن يقول مثلُا في تبرير منح الوسام الأعظم :" إن  فخامة الرئيس الموريتاني في أثناء توليه رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2014،قد  بذل جهدًا مشكورًا في إعادة  تفعيل عضوية مصر  بالاتحاد الإفريقي بعد  تجميد ها في أعقاب 30 يونيو ".

 أو يقول سيادة المسئول :" نحن ـ أي مصر ـ نعول كثيرًا على الدور الموريتاني  الذي يمكن أن تعلبه  بين دول الساحل الإفريقي  ، تلك الدول التي ننتظر منها  أن تقدم دعمها الكامل والجاد في محاربة الإرهاب ".

هذان التصريحان أو غيرهما  كانا كافيين لأن نشعر  بأننا على بال سيادة المسئول وكانا سيحفظان لوسامنا مكانته بعد أن نعرف حيثيات منحه ، ولكنه الصمت التام وكأن لا وجود لنا ولا أهمية ، الصمت البغيض القادم من جوف " الحركات اللي مش هي "


الحركة الثانية : الأعمار بيد الله وحده ، ولكن تبقي علامات على أرض الواقع يجب علينا أن نلتفت إليها ونجعلها في الحسبان ، ومن تلك العلامات أن الصحفي الشاب المصري الذي يحتفل في عامنا هذا بالذكرى السبعين على تأسيس نقابته لن يسمح له عمره بأن يحتفل بسبعينها الثانية ، يعني الذكرى  عزيزة وغالية ، وغالبًا لن  يشهدها الصحفي مرتين في حياته .
فكيف تعاملت حكومتنا الموقرة مع العيد الماسي لنقابة الصحفيين المصرية؟

قام السيد مساعد وزير الداخلية للشئون القانونية بتقديم البلاغ رقم " 2131 " ضد الكاتب الصحفي خالد البلشي وكيل نقابة الصحفيين ومقرر لجنة الحريات بها ، واتهمه  بـ " بسب وقذف الداخلية إهانة الشرطة، والدعوة لتكدير السلم العام والتظاهر ونشر تدوينات على مواقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك" وتويتر تدعو لقلب نظام الحكم ".

وعلى  خلفية البلاغ الرسمي أمرت النيابة العامة ـ وهذا واجبها ـ بضبط وإحضار، المدعو خالد البلشى !!!!.

حتى كتابة سطوري هذه ، خالد في مكتبه يمارس عمله ولكن البلاغ أفلح في تعكير أجواء الاحتفال وفي احتقان العلاقة بين الصحفيين والنقابة من جهة وبين النظام الحاكم من جهة أخرى ، وأفلح البلاغ في حشد تضامن خرافي مع البلشي من حقوقيين وطنيين ودوليين لتصبح فضيحتنا ككل فضائحنا معروفة في العالم كله في التو واللحظة .

كان يمكن للنظام أن  يستثمر فرصة الاحتفال بالعيد الماسي ويفرج مثلًا عن صحفيين محبوسين عبثًا ، أو أن يحسن شروط حبس الصحفيين المحكوم عليهم بأحكام قضائية ، كان هناك  ألف مجال يمكن من خلاله إظهار حسن النية للصحفيين ولكن النظام فضّل إظهار عين أمنا الغولة الحمراء متقدة الحمرة ، فقام كبير من كبرائه بتوجيه اتهامات فضفاضة حمّالة أوجه للبلشي الذي لا هو ولا غيره فوق القانون أو المحاسبة ولكن أين القانون أصلًا في تهمة مضحكة مثل تهمة " تكدير السلم العام "؟؟؟؟؟؟؟؟.

الحركة الثالثة : بدون " إحم ولا دستور " وقف سيادة النائب جمال عبد الناصر وألقي بيانًا عاجلًا أمام الجلسة العامة لمجلس النواب ، وأشار سيادته في بيانه إلى :"  الفيس بوك، والتي تجاوزت كل الخطوط الحمراء، والذي ـ أي الفيس بوك ـ  أصبح يمثل خطرًا على أمن مصر".

وطالب سيادته :" وزيرا الداخلية والاتصالات، بضرورة تنظيم العمل على وسائل التواصل الاجتماعي "علشان يقدروا يجيبوا اللى بيكتب حاجة تهدد الأمن القومي ".

رجل القانون ورئيس مجلس النواب الدكتور على عبد العال كان يمكنه أن يرد بألف رد أو يصمت ولكن سيادته زاد الطين بله عندما رد على بيان السيد النائب قائلًا :" إن البرلمان بصدد إصدار قانون لتنظيم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ".

طيب ماذا كانت نتيجة بيان النائب ورد الدكتور عبد العال ؟.
لقد شهد الفيس بوك ومعه تويتر إحدى أكبر حملات وحفلات السخرية من البيان والرد ، حتى أن جماعة من الناشطين على الموقعين قالوا : إننا كنا نتحرج من المساس بفلان أو علان أما الآن فلا خطوط حمراء ولا صفراء وسنكتب كما نشاء .

هذه الحركة اللي مش هي أفلحت في حشد وتعبئة الناشطين ضد النظام كله من رأسه إلى ذيله والقادم أصعب .
ولأن الحال كما ترى فليس لنا سوى الاعتصام بالمثل القائل :" متخفش من القرعا خاف من حركاتها " .

هامش
محمد ولد عبد العزيز ولد اعلية من مواليد العام  1956
وهو ثامن رئيس لموريتانيا منذ استقلالها .
 انتخب رئيسا لموريتانيا في العام  2009.

تخرج من الأكاديمية العسكرية بمكناس بالمغرب وهو برتبة ضابط متخصص في الميكانيكا و ساهم في إفشال انقلاب صالح ولد حننا على الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع في عام 2003 ، كما لعب دورًا  بارزًا  في تولي الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لمنصب الرئاسة، وقد كافئه على دعمه فقام بترقيته إلى رتبة جنرال وهي أعلى رتبة مستحدثة في رتب الجيش الموريتاني .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  نشرت في جريدة المقال الخميس 7 أبريل 2016


" رجال الليل " مهنة جديدة لشباب مصريين






أطلق الروس قبل عامين وكالة "سبوتنيك" للأنباء لتكون الذارع الإعلامية للدولة الروسية في صراعها مع الغرب .

الوكالة الوليدة سرعان ما ستكبر وتتعاظم بحيث تطلق موقعًا ينطق بعشرين لغة منها  الإنجليزية والفرنسية والصربية والبرتغالية والألمانية والإسبانية والصينية والتركية والقيرغيزية والأبخازية ، وقبل قرابة العام أضيف اللغة العربية إلى اللغات التي ينطق بها الموقع .

أشير إلى هذه المعلومات الأولية لكي نعرف أن ما سيأتي بعد سطور جد لا هزل فيه ولكي نتأكد ـ للمرة المليون ـ من أن اختباء التلميذ البليد خلف أصبعه لن تمنع الأستاذ من رؤيته .
الموقع الناطق بالعربية الفصحى نشر قبل أيام تحقيقًا مصورًا فوجئت بأننا تعاملنا معه بطريقتنا الشهيرة وهي " اكفي على الخبر ماجور ".

يقول ملخص التحقيق إن الصحفي الذي أجراه قد رصد " رجال الليل " الذين يمرحون في شوارع القاهرة !!
والأهم والأخطر من مجرد الرصد أن "رجال الليل " قد تحدثوا بأريحية تامة مع الصحفي وقال له أحدهم ويدعى " محيي " : لقد "درست القانون في كلية الحقوق ولكني لم أجد أي فرصة عمل، فاتجهت إلى العمل في اتجاه آخر تماما، ولأنني من الرياضيين ولدي قوام جيد، عملت لفترة كحارس أمن، تابع لشركة خاصة، ولكن سرعان ما أغلقت الشركة أبوابها في وجوه أعداد كبيرة.

يكمل الصحفي شهادة محيي فيقول :" بقوامه الرياضي يقف "محيي" لا يفعل أي شيء سوى الاستناد إلى مقدمة إحدى السيارات، ويدقق النظر داخل كل سيارة تقودها سيدة أو فتاة شابة، هي التي تختاره لا هو الذي يختارها. لكن يتضح بعد قليل أن "محيي" ليس وحده، بل هناك ما يقرب من 10 من زملائه يوزعون أنفسهم في الشارع، الذي يمتد نحو كيلومتر طولاً، لتختار الباحثات عن ليلة حمراء أو حتى "خروجة" من تشاء يضع "محيي" شروطا مشددة لأي فتاة أو سيدة يرافقها، فهو لا يتعاطى الخمور، ولن يدخن أي مخدرات، ولكنه لا يمانع أن تدخن أو تشرب من برفقته.

وأسترسل "محيي" ، مارست الجنس مع أكثر من 300 سيدة، "معظمهن خليجيات وأمريكيات وأستراليات وأيضا من جنسيات أفريقية، هؤلاء يقضين نصف أوقاتهن بحثاً عن المتعة مع شاب وسيم وقوي، لدرجة أن بعض النساء من دول خليجية يدفعن مبالغ طائلة، تكفي لإعالة أسرة كبيرة لعام كامل، مقابل أن تقضي أسبوعا واحدا مع شاب يمارس معها الجنس حسب رغباتها، في أي وقت وبأي شكل.

ولأن الحالة الاقتصادية أصبحت سيئة جدا في مصر، صرنا نتعامل بما يشبه (التسعيرة)، وهي 200 دولار عن الليلة، ويمكن دفع 1000 دولار مقابل أسبوع كامل ".

انتهت شهادة محيي ومنه انطلق الصحفي لتسجيل شهادة "ممدوح".. الذى تخرج من كلية الطب ، ولكنه فضل العمل كـ"رجل ليل" بحثا عن المال، " قائلا أعمل في هذه المهنة منذ 10 سنوات، وقابلت فيها نساء من كافة الجنسيات.

ويضيف "ممدوح"، لا يملك أحد ممن يعملون في هذه المهنة أي رأس مال سوى أجسادهم، لذلك يعتنون بها بشكل خاص، وينفقون عليها أكثر من نصف دخولهم، بداية من الوجبات الصحية التي تفيد البشرة والقلب والأعصاب، مروراً بممارسة التمرينات الرياضية، التي تساعدهم على الحصول على قوام مثالي، وكذلك متابعة عالم الأزياء، وحتى الاطلاع على كل جديد يخص المرأة، خاصة فيما يتعلق بالجنس والمتعة.

واستطرد "أصبحنا ننتظر الفتيات والسيدات في الشوارع بالأماكن الراقية، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة، ولكن عملنا في الأساس يكون في الفنادق الكبرى، أو من خلال بعض العاملين فيها، فهؤلاء يتصلون بنا ليعرضوا علينا مرافقة سيدات أجنبيات أو خليجيات، مقابل عمولة يقتطعونها لأنفسهم، وبعد الاتفاق وتسلم نصف المبلغ، غالبا ما تطلب "الزبونة" السفر إلى إحدى المدن الساحلية لقضاء عدة أيام ".
ينهي الصحفي تحقيقه قائلًا :" العمل في الشارع له مخاطره أيضا، فهو يجعلهم طوال الوقت عرضة لتساؤلات رجال الشرطة عن طبيعة عملهم، والسبب وراء وقوف كل منهم في موقعه، وحسب "عمر"، وهو شاب عشريني ما زال يدرس في كلية الزراعة، فإن أكبر أزماتهم مع الشرطة هي الاحتكاك الدائم.

ويكشف "عمر" أن بعض أفراد الشرطة يعرفون طبيعة الأعمال التي يقومون بها، ولكن من الناحية القانونية يصعب القبض عليهم بهذه التهمة، لذلك يلجأ بعضهم إلى أسلوب المضايقة ".

انتهت خلاصة التحقيق المروع الذي لم يسجل قراءة لافتة يستحقها لخطورته ، وعلى ذلك يمكن لمسئولينا أن يقتلوا الموضوع كله بالصمت وكأنه لم يقع ولن يقع .

كما يمكنه تكذيبه من ألفه إلى يائه واتهام الموقع بأنه مدمر ومخرّب ويزدري شرفنا ورجولتنا وقيمنا وعاداتنا وديننا .
طبعًا لو طلبنا من مسئولينا التعامل بجدية مع الأمر والتحاور بصدق ـ وليس التحقيق ولا الجلد ـ مع الصحفي الذي أجري التحقيق ، فالمؤكد ـ وفق الحالات السابقة أنهم سيردون علينا قائلين :" هكذا أنتم تريدون أن تصنعوا لـ الكذا سعرًا وتريدوننا أن نتدخل في حرية الإعلام !!!!!!!!!!".

يا طول العمر أنت وهو الأمر مرعب فالمهنة على وضاعتها وقذارتها كادت تكون مقصورة على الفتيات ، وكان التعبير الشائع يقول :" بنات ليل أو بنت ليل " ولكن نزول الرجال إلى سوق تلك المهنة يجب أن ينتبه له الجميع وأن يخاف منه الجميع نحن أمام زلزال ليس دنيًا فحسب بل اجتماعي وأخلاقي بل وسياسي ، فأين أنتم .

الصمت لن يفيد إلا في إتاحة الفرصة لتعاظم وتكاثر تلك الظاهرة .
النفي ـ من باب تكبير الدماغ ـ لن يجدي فتيلًا .
القبض على الشباب وقد كشفوا عن تمركزهم في شارع مصدق بحي الدقي لن يوقف غيرهم .
ترحيل الصحفي أو سجنه يعني أن غيره سيكتب بعد أن يحتاط لنفسه .

مرة واحدة لوجه الله ثم لوجه الوطن الذي تزعمون أنكم تحبونه واجهوا المرض بعقلانية وبشمولية وتقصوا أسباب العلة وصارحوا بها أنفسكم وإلا فالطوفان قادم ولن يمنعه شيء .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال الاثنين 4 أبريل 2016