الأحد، 28 فبراير، 2016

محاولة لفهم الجزمة








لفظ " الجزمة " بمفرده  يكفي للدلالة على الإهانة ، فما بالك في حال استخدامها بقصد الإهانة الفعلية ؟؟.

لن نعيد الكلام عن تاريخنا مع "الجزم " بداية من جزمة العراقي  منتصر الزيدي العراقي الموجهة تجاه وجه رئيس أمريكا جورج بوش ، مرورًا بجزمة مرتضى منصور المشهرة في وجوه جماهير الأهلي ومجلس إدارته ، وسنقصر كلامنا على جزمة النائب كمال أحمد التي ضرب بها النائب توفيق عكاشة .

بداية القصة أن النائب توفيق عكاشة استضاف في بيته  سفير الكيان الصهيوني .

وهنا نقف

1ـ مجمل حركة توفيق عكاشة في الحياة تقطع بأنه وثيق العلاقة بجهاز ما من أجهزة الأمن  ، هو نفسه صرح من على شاشة فضائيته ( الفراعين ) بما ملخصه : أنهم  ـ  في زمن حكم مرسى قد طلبوا  منه ـ أن يزعم بأن السيسي من رجالات الإخوان .

وأضاف عكاشة أنه ظل يردد هذه المزاعم لستة أشهر كاملة حتى أقتنع الإخوان أن السيسي منهم ، ثم لما أصبح السيسى قادرًا على مواجهة الإخوان ناصره عكاشة وكذّب كل ما قاله سابقًا في حقه !!.

2ـ رجل بهذه المواصفات لا يجوز أن نتهمه بالتحرك العشوائي ، ولا أن نتهمه بأن قدرات العقلية مرتبكة ، هو رجل بغض النظر عن رؤيتنا له يتحرك وفق مسار يحدده الجهاز الذي يعمل لصالحه .

3ـ على ما سبق نقطع بأن عكاشة قد حصل على تصريح جهازه بدعوة سفير الكيان الصهيوني ، ونقطع بأن الجهاز قد حمى موكب السفير ، بل قد نقول إن الجهاز هو الذي طلب من عكاشة دعوة السفير لغرض ما سنتحدث عنه في حينه .

4ـ على المستوى القانوني والسياسي ، الدعوة لا تدين عكاشة لأنه مواطن استضاف احد الأجانب !!

ولكن على المستوى الشعبي فعكاشة مدان وسيتم الهجوم عليه من رجال النظام !!

5ـ شن مصطفى بكري ومحمود بدر وهما من أعضاء البرلمان هجومًا حادًا على عكاشة ، الرجلان يعملان من قلب النظام الحاكم ولصالحه ، فمتى تقاطعت الاتجاهات وتضاربت المسارات ؟؟

6 ـ الجهاز الذي يعمل عكاشة لصالحه لماذا تخلى عنه وتركه فريسة للهجوم الشعبي والإعلامي ؟

7ـ هل دعوة عكاشة للسفير كانت بقصد كسر طوق المقاطعة الشعبية لدولة الكيان ؟

وهل هي تمهيد نيراني لكي يكتسب النظام الحاكم شجاعة التطبيع الكامل مع الصهاينة ؟ .وبذلك تكون دعوة عكاشة مجرد بالون اختبار !!!

ضع في بالك أن السيسي قد مدح مرارًا نتنياهو رئيس وزراء الكيان !!!

8ـ لم يلتزم عكاشة الصمت ورد الصاع صاعين من على شاشة قناته وقال إن جزمة أصغر فرد في عائلة أمه أشرف من كل رقاب الناصريين !!

9 ـ البرلمان أو أجنحة منه تغلي برفض ما قام به عكاشة ، وعكاشة نفسه يذكر الجزمة في حديثه ويقول : إنه سيدخل البرلمان يوم الأحد 28 فبراير 2016 محمولًا على الأعناق أو مضروبًا بالجزمة .

10 ـ صباح الأحد المشار إليه يقوم النائب كمال أحمد بتحقيق نبوءة عكاشة ويضربه بالجزمة !!

11ـ رئيس الجمهورية خارج البلاد بينما برلمانه يتقاتل ، فمن أنتم ؟.

12ـ هل المطلوب هو حل البرلمان من خلال ترك الفوضى تسيطر عليه وتوجه تحركاته فيسوء رأي الناس به أكثر مما هو واقع بالفعل فيصبح حله سهلًا ميسورًا؟

13ـ هذا البرلمان صنعه السيسي على عينه فكيف يتركه هكذا ؟ ولو كان الغرض هو حل البرلمان فهل سيجد السيسي برلمانًا أفضل منه طاعة وتصفيقًا ؟.

14ـ هل نعيش فوضى مهندّسة ومرسومة ؟.

فلو كانت الإجابة بنعم ، فما الهدف منها ، ثم ألا يقدر مهندس الفوضى ضررها على صورة البلاد والعباد في الداخل والخارج ؟

15ـ هل نعيش فوضى فوضوية ؟. بمعني هل أفلتت كل الخيوط من بين أيدي محركي العرائس .

إن كانت الإجابة بنعم فنحن في قلب الكارثة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في موقع البداية بتاريخ 28 فبراير 2016


براغيث الإمام حسن البصري ورواية ناجي










     ما كنت أحسبُ أنني سأعود للاستشهاد بتلك القصة القديمة ، فقد استشهدتُ بها مرات ، لكن ماذا افعل الحوادث هي هي ، والتنطع هو هو، تقول القصة القديمة : إن سيد التابعين الإمام الحسن البصري كان جالسًا في المسجد الجامع يفقه الناس في دينهم ، فقطع رجل عليه الحديث صائحًا :" يا إمام الدين افتني في دم البراغيث هل ينقض الوضوء ؟ ".
نظر إليه البصري وسأله :" من أي البلاد الرجل ؟ ".
فرد السائل :" من الكوفة ".
فقال البصري لتلاميذه :" أغيثوني من هذا الرجل الذي استباح قومه دم الحسين ثم جاء يسألني في دم البراغيث ".


وعلى ما سبق فلو كان الإمام البصري بيننا وسمع بحبس الكاتب أحمد ناجي لقال لحابسه ":انظر إلى نفسك وأنت تري مذبحتين في ملعبيّ كرة قدم وتري كشوف عذرية لأبكار وترى ثورةً تُنتهك ودستورًا يُغتصب وقانونًا يداس وشعبًا نصفه تحت خط الفقر ، وملايين يشربون مياهًا مخلوطة بالمجاري وألوفًا يقتلون في حوادث طرق ، ثم لا يخدش حياءك سوى كلمات قلائل جاءت في بطن رواية ما كان أحد سيسمع بها لولا تنطعك ".


ولكي لا نخلط الأوراق فإن رواية ناجي عندي أنا القارئ المحترف والكاتب الهاوي ، هي كتابة ضعيفة باردة ركيكة ، لا تضيف شيئًا لتراث روائي عريق فاخرنا  به الأمم حتى حصدنا  نوبل المنيعة .


ولكي لا نخلط الأوراق فإن حبس ناجي ليس له ادني علاقة بقيمة الرواية من الناحية النقدية ، فالذي حبس ناجي ليس ناقدًا صاحب ذائقة ، وحتى لو كان ناقدًا ، فلم نسمع عن ناقد حبس كاتب لا يرضى عن كتابته .
إذن لماذا حبسوا أحمد ناجي صاحب رواية " استخدام الحياة ؟ ".

فريق يقول : هو حبس بالوكالة !!
وتفصيل ذلك أن ناجي كتب قبل عام مقالًا نقد فيه حكام المملكة العربية السعودية ، فجرت اتصالات وتحركت هواتف ، فجاء الحبس بالوكالة انتقامًا من الكاتب ، وما كانت الرواية إلا القشة التي قصمت ظهر البعير.
وعن نفسي ليس في يدي ما يثبت أو ينفي هذا الكلام ، ولكن لو كان حقًا فبطن الأرض ساعتها خير من ظهرها .

الفريق الثاني يقول : إن حبس ناجي جري وفقًا للقانون .
أي قانون يا خلق الله ؟. أتحدي أن يأتيني أحد بفقرة من أي قانون كان تجرم ما كتبه أحمد ناجي ، ما يقوله الفريق الثاني هو محض عبث ومحض هراء ، ليس هناك قانون يجرم كتابة الروايات أو كتابة الألفاظ التي تبدو عارية ، كما أن الدستور وهو أب القوانين ينص في أكثر من مادة على احترام حرية الرأي والتعبير ، وقد استفاض رئيس تحرير جريدتنا هذه الأستاذ إبراهيم عيسى في شرح المواد الدستورية الخاصة بحماية الرأي والتعبير ، فعد لمقاله أن أردت الفهم والشرح  .


الفريق الثالث يقول : إن حبس ناجي جاء عقابًا على استخدامه لألفاظ تخدش الحياء !!!!!!!!!
حسنٌ ، تلك الكلمات موجودة في اللغة منذ آلاف السنوات ،منذ كانت العرب وهذه هي ألفاظ لغتهم ،  يعني ناجي لم يخترعها ، هو فقط استخدمها كما استخدمها سيد سادات الشعر العربي أبو الطيب المتنبي كما في قصيدته التي هجا به ضبة الأسدي

" وما ضرها من نـ ..... وإنما ضر ز....
كل الأيـ ................سهام بأمه وهي جعبة ".
القصيدة بتمامها موجودة في شعر المتنبي منذ ما يزيد على الألف عام ، ولم نسمع بسجن المتنبي ولا حتى بحذف القصيدة من شعره .
فهل كل الناس مذ قال المتنبي قصيدته إلى يومنا  هذا هم من الهمج الذين بلا حياء ؟

لقد كان يُضرب بهم المثل في الحياء الحقيقي والخجل الحقيقي ، ولكن ها قد أظلنا زمان يخدش حياء بعضهم روائي ولا يخدش حياءهم مستنقع خراب يغطي أنوفنًا .
وخير من المتنبي كان ابن عباس الذي يقول عنه العالية الرياحي :" كنت مع ابن عباس في الحج وسمعته يحدو وهو محرم، ويقول:
" وهن يمشين بنا هميسا... إن تصدق الطير نـ  لميسا "
فقلت : تتكلم بالرفث وأنت محرم؟.
فقال ابن عباس إنما الرفث ما قيل عند النساء.
هذه القصة مذكورة بتفاصيلها في كتب التفاسير وعلى رأسها تفسير الطبري ، فارجع إليها هناك .

وخير من المتنبي وابن عباس رسولنا الأكرم الذي يروي عنه ابن عباس فيقول : لَمَّا أَتَى مَاعِزُ بْنُ مَالِكٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، أَوْ نَظَرْتَ» قَالَ: لاَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «أَنِــــ ». لاَ يَكْنِي، قَالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ .

والحديث تجده في البخاري ، هل ستكذب البخاري ؟ مرحبًا بك مع إسلام البحيري .
وبعد ، فلا تكونوا قوم بهت يخدش حياءكم سطور في رواية ولا يخدش حياءكم ظلم عَمّ واديكم الذي كان يومًا ما أخضر فأصابته صفرة الموت والخراب .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هامش
عبد الله بن العباس بن عبد المطلب ، هو ابن عم النبي ، كان أعلم أهل زمانه ،كان عمر بن الخطاب يحرص على مشورته في كل أمر كبير، وكان يلقبه بفتى الكهول .وقال عنه  سعد بن أبي وقاص : " ما رأيت أحدا أحضر فهما، ولا أكبر لبّا، ولا أكثر علما، ولا أوسع حلما من ابن عباس ".
 دعا له الرسول قائلًا :" اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال بتاريخ 29 فبراير 2016

زفاف حبيباتي على Soundcloud











لينك القصة على  Soundcloud

الجمعة، 26 فبراير، 2016

أنّا جريجوريفيا حجة الله على الحبيبات (2ـ 2 )





الموقف هو كارثة بلا شك ، لماذا ؟ . لأن شقيق ميخائيل شقيق ديستوفيسكي وكان ناقدًا ومترجمًا وكاتبًا وصاحب مجلة مات والديون تحاصره تاركًا زوجة وأولادًا ، ديستوفيسكي المسئول عن إصلاح الكون أقر بأن الديون في رقبته هو ، مع أنه نفسه لا يجد طعامه ، لكن ماذا تقولين عن أهل البذل والعطاء والتضحية ؟.

جاء ناشر مرابي وقال لديستوفيسكي :" سأسدد عندك ديون أخيك مقابل أن تكتب لي رواية  ، استلمها منك كاملة في اليوم الواحد والثلاثين من شهر أكتوبر من العام 1866 ، هذا وإلا أحصل  على حق نشر كل مؤلفاتك مدي الحياة بدون مقابل أو أسلمك للنيابة العامة حيث السجن ".

وافق ديستوفيسكي على العرض ، رغم أنه علم أن الناشر المرابي قد ذهب إلى الدائنين وقال لهم :" ديونكم لدي أسرة ديستوفيسكي معدومة والأحسن لكم أن تحصلوا على نسبة 10% منها وتسلمونني الكمبيالات  !!".

يعني هذا الوضيع اشتري ديون ميخائيل بتراب الفلوس وربح أكثر مما دفع أضعافا مضاعفة .

في هذا الجو المقبض الجنوني بل العبثي بدأ ديستوفيسكي يملي على أنّا روايته الجديدة التي ستنقذه .

حبيبتي ، تلك الرواية كانت " المقامر " احدي علامات الرواية العالمية ، إنها قريبة من أن تكون السيرة الذاتية لمقامر هو ديستوفيسكي نفسه !!

أنّا تكتب بالاختزال ، ثم تعود إلي بيتها فتترجم الاختزال إلى اللغة الروسية ، ثم تعيد ما ترجمته إلي ديستوفيسكي ليراجعه ثم يملي عليها الصفحات الجديدة وهكذا على مدار ساعات الليل والنهار عمل مرهق شاق .

في استراحات ساعات العمل كانت أنّا تسأل وكان ديستوفيسكي يجب وكان كلاهما يسقط في حب صاحبه .

عرفتْ أنّا عن ديستوفيسكي كل شيء ، كان يحدثها عن حياته كأنها مرآته لم يكذب في شيء ولم يجمل شيئًا .

انتبهي يا حبيبتي وقوف رجل عريان من الزيف والزينة أمامك هو فرصة ذهبية لكي تحبينه الحب كله ، لقد قدم لك طواعية كل مفاتيحه فادخلي من أي أبوابه شئتِ .

بفعل الحب كان ديستوفيسكي قد انتهي من كتابة رواية المقامر في ستة وعشرين يومًا فقط لا غير !!

ثم عرض الزواج على أنّا التي رحبتْ موافقة بل وسعيدة !!

التكافؤ خاصة في علاقة الزواج مهم بل مهم جدًا ، وفي قصتنا لا تكافؤ على أي نحو كان التكافؤ ، فما الذي جعل أنّا ترحب سعيدة ؟

إنه الحب الذي هو المودة والرحمة ولا شيء غيره .

الحب الذي سيجعل أنّا تبصر جوهر ديستوفيسكي سأنقل لك يا حبيبتي ما قالته عنه نصًا :" كان حبي انحناءً أمام إنسان موهوب إلى أبعد حد ، يمتلك الخصال النفسية الرفيعة ، رجل لم يعرف السعادة والسرور ، أريد أن أكون رفيقة حياته وأن أشاركه أعماله وأن أخفف من وطأة الحياة عليه ، وأن أهبه السعادة ".

اسمعي يا حبيبتي ، الكلام عن جنون الكتّاب  هو محض كذب ، هل كاتب مثل أحمد بهاء الدين  أو محمود درويش أو نجيب محفوظ مجانين ؟

ليسوا مجانين ، هم فقط مختلفون مرّكبون ، لديهم حساسية خاصة تجاه الكون كله ، ومن اختلافهم ينبع فنهم .

حبيبتي إن لم تقدري أهمية هذا الاختلاف ففري من حياة الكاتب  فرار الغزال  من أسد جائع .

ما ذكرته عن اختلاف الكتّاب  ليس حاشية أو هامش إنه متن الموضوع وصلبه فكوني على حذر .

الكون كله وقف ضد زواج أنّا من ديستوفيسكي ، وذلك لأن الكون يحسبها بحسابات البقالين ، بالقرش والتعريفة والمليم .

والدة  أنّا وافقت لأن ابنتها أكدت لها أن سعادتها ستكون مع هذا العجوز المفلس المخبول المقامر !!

أهل ديستوفيسكي عارضوا الزواج بشدة لأن الرجل هو الدجاجة التي تبيض لهم ذهبًا وهم لا يريدون شريكًا لهم في حياته .

هل تنهدت أنّا وقالت :" رضينا بالهم والهم مرضيش بينا ؟ " ثم هل قالت :" علي إيه اللي أخدته القرعة تأخده أم الشعور ؟ ".

لا يا حبيبتي لقد قاومت وانتصرت وتزوجت من حبيبها .

كل منغصات الحياة كانت موجودة وبوفرة في شهر العسل ، نعم والله ، العريس يصاب بنوبتي صرع في الأسبوع الأول من الزواج ، تخيلي يا حبيبتي الصرع قبل مائة وخمسين سنة ، كان العريس يعوي ثم يسقط ميتًا ثم يتلقي علاجه الذي لم يكن أكثر من حضن طويل هادئ محب من أنّا !!

ثم هناك ابن زوجة العريس الراحلة ، يعني لا هو ابنه ولا هو من صلبه ، وهو شاب اجتمعت فيه كل سخافة الكون ولا هم له سوى مضايقة العروس حتى تفر وتعود مطلقة إلى بيت أبيها !!

كان هذا الشاب السخيف يصحو مبكرًا فيشرب كل زجاجات الحليب الموجودة ثم يخفي كل علب الكبريت ثم يدمر كل أقلام الكتابة .

يصحو ديستوفيسكي فلا يجد حليبًا ولا كبريتًا لإشعال المدفأة ولا أقلامًا للكتابة ، يهرع إليه السخيف ويقول له :" عروسك رعناء لا تجيد تدبير أمر حياتك ، عندما كنت أنا مديرًا لمنزلك كان كل شيء على ما يرام ".

تلك الصراعات كانت تتواصل على مدار ساعات الليل والنهار ، ولكن أنّا المحبة كانت امرأة تحمل المسئولية وتتحملها وتقاوم وتناضل ضد الأشرار في صمت .

حبيبتي ، عندما بدأ ديستوفيسكي يكتب درته " الجريمة والعقاب " كانت أعصاب أنّا قد تلفت لأنها فجأة تحولت من شابة مترفة إلى خادمة ضيوف ديستوفيسكي الدائمين ، ضيوف على الإفطار وضيوف على الغداء وضيوف على العشاء وضيوف في السهرة .

أديبها الكبير لم يعد يجد وقتًا للكتابة أو التأمل أو القراءة أو حتى النوم العميق ولا حل سوى في الخروج من روسيا كل روسيا ولكن الخروج يحتاج إلي مال وزوجها مفلس فقير مدين !!

طبعًا يا حبيبتي تعرفين مكانة " النيش " والسجاجيد والستائر والفضيات و......

لقد فعلتها أنّا المحبة لتنقذ حبيبها ، رهنت كل جهاز عرسها لتدبر نفقات السفر ، كان رجلها الحبيب غاضبًا من هذا التصرف رافضًا له فراحت تبكي بين يديه لكي ينقذ نفسه وينقذ حبهما بالسفر ، وبالفعل سافرا لخارج روسيا من المانيا إلي سويسرا .

حبيبتي في حمّي اندفاعي في الكتابة نسيت أن اذكر لك أن والد ديستوفيسكي كان مريضًا بالصرع ، يعني المرض وراثي ومع ذلك حلمت أنّا بأن يكون لها طفل من ديستوفيسكي !!

هذا قرار خطير جدًا ولكنه يتمم بناء " المودة والرحمة " بالفعل أنّا بطفلتها صوفيا من ديستوفيسكي وجاءت صوفيا مثل بدر التمام ولكنها رحلت بعد ولادتها بثلاثة شهور فقط !!

لن أحدثك عن حزن الأبوين خاصة ديستوفيسكي الذي قرر مغادرة سويسرا ، وركوب البحر إلى مكان جديد ، وفي السفينة تعرى ديستوفيسكي أمام أنّا كما لم يحدث من قبل ، لقد حكى لها دقائق تفاصيل حياته ، قال كل شيء .

كل ما قاله ديستوفيسكي دفنته أنّا في قلبها لم يحدث يومًا أن أذلت به زوجها.

ثم بعد أربعة عشر عامًا من الزواج كتبت خلالها ديستوفيسكي معظم روائعه مات فجأة .

لا جربك الله يا حبيبتي مفاجأة  موت الحبيب انهارت أنّا ولكنها سرعان ما استظلت بشجرة " المودة والرحمة " فكرست ما بقي لها من عمر للدفاع عن ذكري زوجها وتوثيق تاريخه وتوثيق كل ما خطه بيده من مسودات قصص إلى مسودات خطابات ، ولم تمت إلا بعد أن أصبح تاريخ ديستوفيسكي محفوظًا ومصونًا لا تصله يد الإهمال أو الابتذال .

حبيبتي أنّا هي حجة الله على وجود الحب الذي هو المودة والرحمة ، أنّا هي حجة الله عليكِ وعلى كل الحبيبات ،فرتلي معي الفاتحة على روح  الطيبة المحبة أنّا جريجوريفيا . 

الخميس، 25 فبراير، 2016

أنّا جريجوريفيا حجة الله على الحبيبات (1ـ 2 )






أيتها الحبيبات ، السلام عليكن ورحمة الله وبركاته .

معذرة يا سيداتي لن أستطيع مواصلة الكلام مع جمعكن الحاشد ، سأختار من بينكن واحدة أرسل عبرها رسالتي إليكنّ  جميعًا .

هل توافقونني ؟

توافقونني إن شاء الله .

حبيبتي ، مساء الخير ، هل عدت من عملك ؟ هل كنت مشرقة ومتألقة كما أنتِ دائمًا ، أدعو لك بكل كل الخير .

يطيب لي يا حبيبتي أن أحدثك عن " أنّا جريجوريفيا  دستو يفسكايا " لا تفزعي من اسمها يا حبيبتي ، هي من روسيا وليست من بولاق ، ولذا فلن أستطيع أن اسميها " شربات " مثلًا ، ثم سأختصر لك اسمها إلى" أنّا " فقط وهو اسم سهل وشائع .

أنّا يا حبيبتي كتبتْ مذكراتها وقد ترجمها عن الروسية  أنور محمد إبراهيم ونشر الترجمة المركز القومي للترجمة في كتاب ضخم ، أكثر من ستمائة صفحة .

أعرف أعباءك  ولذا توليت أنا  قراءة  المذكرات وسأقدم لك حبًا لعينيك وكرامة لقلبك تلخيصًا وافيًا له .

ولدتْ أنّا في العام 1846 تعلمت وتفوقت في الثانوية حتى أنها حصلت على ميدالية تكريم  ثم درست الاختزال ، والاختزال يا حبيبتي هو ترميز الكتابة يعني عندما اكتب لك " أحبك " فإني أكتبها برمز لا يعرفه  غيري ، ولهذه الطريقة فوائد ليس الآن مجال الخوض فيها .

كانت أنّا يا حبيبتي مثلك محبة للقراءة ، وكان والدها  مثقفًا  يقرأ الروايات الروسية الشاهقة ويتحسر على روائي شاب كان يعد بالكثير ولكنه ترك كتابة الروايات وانزلق في العمل السياسي الخطير .

أم أنّا مثل أمك ، سيدة مدبرة حنون رءوم ولود ودود .

اختصارًا يا حبيبتي ، فإن أنّا عاشت الترف كله  ، لأن أسرتها تمتلك بيوتًا وليس بيتًا وممتلكات أخري كثيرة تضمن لأنّا وأخوتها حياة رغدة .

طفولة أنّا لم يعكر صفوها أدني حرمان ، وشبابها كان متألقًا بعيدًا عن أي صراعات أسرية أو خلافات طاحنة .

فجأة مات الأب فأظلمت الدنيا في عيني ّ أنّا بفقدها للأب والصديق والمعلم ، ولكن بكبرياء الروسيات واصلت تعلم الاختزال وواصلت القراءة لكي تسجل نجاحًا تهديه إلي روح الأب الطيب .

سجلتْ أنًا نجاحًا لافتًا في معهد الاختزال حتي جاء يوم وقال لها أستاذها :" ديستوفيسكي يريد كاتبة اختزال تعاونه في كتابة روايته الجديدة وقد رشحتك للعمل معه فاصبري لأنه رجل كئيب عبوس ".

حبيبتي نحن الآن في أكتوبر من العام 1866 في ذلك الزمان كان لديستوفيسكي مكانة نجيب محفوظ في الأربعينيات ، كاتب مهم كبير يعد بالكثير  ولكنه لا يتمتع بالجماهيرية الساحقة .

 ثم ديستوفيسكي رجل خطير ، لقد اشترك في عمل سياسي وحكم عليه بالإعدام ، ووقف في صفوف المحكومين بالإعدام ثم جاء أمر من القيصر بتخفيف الحكم ( كما في أفلام حسن الإمام ) لقد حكم عليه بالإشغال الشاقة في سيبريا !!

تعرفين يا حبيبتي أن درجة الحرارة في سيبريا هي دائمًا تحت الصفر فتأملي وتألمي لمصير ديستوفيسكي .

في الثالث من أكتوبر من العام 1866 جلست أنّا لأول مرة في بيت ديستوفيسكي ، متذكرة كل الذي قرأته من أعماله ومتذكرة كلام أبيها عنه ثم لم تجد الكآبة والعبوس اللتين قال أستاذها إنهما طبع ديستوفيسكي الغالب عليه .

حبيبتي نحن الآن أمام لقاء تاريخي ولذا سأضع لك في أرقام  خريطة توضح من هي ( أنّا ) ومن هو( ديستوفيسكي ) .

1ـ هي شابة في العشرين من عمرها /هو في الرابعة والأربعين من عمره.

2ـ هي قارئة  متوسطة الثقافة / هو كاتب كبير غير شهير ، موسوعي الثقافة صاحب خبرات في الحياة .

3ـ هي ثرية / هو فقير يطارده الدائنون .

4ـ هي ليست مسئولة عن شيء / هو مسئول عن نفسه وعن زوجة أخيه الأرملة وعن أبنائها وعن أبنيّ زوجته التي رحلت مبكرًا هو اختصارًا مسئول عن العالم !!

5ـ هي لا تدخن ولا تسكر ولا تقامر / هو مدخن سكير مقامر .

6ـ كان لها أب عظيم / له أب سكير فظ كان يطالبه وباقي أشقائه بالوقف على رأسه أثناء نومه لكي يهشوا عنه الذباب  .

7ـ تنعم بوجود أمها الحنون / يحب ذكري أمه التي ماتت .

8ـ لها أخوة تشرف بهم / له أخوة الميت منهم ترك له ديونًا ثقيلة والحي منهم كان مهندسًا موهوبًا ثم سقط في هوة الإدمان

9ـ هي لا تاريخ سياسي ولا جنائي لها / هو محكوم عليه بالإعدام ومنفي إلي سيبريا ومراقب من الشرطة .

10 ـ هي  صاحبة أملاك / هو يعيش في الشقق المستأجرة .

11ـ هي بريئة  بسيطة / هو مجرّب مرّكب .

هي صحيحة سليمة / هو مريض بالصرع .

حبيبتي ، بعد خريطتي هذه المختصرة جدًا ، تُري ما الذي يمكنه الجمع بين هذين ؟.

أسمعك تقولين :" لا شيء ".

لا يا حبيبتي لا تتعجلي :" الحب يجمع بينهما ويوحدهما ".

لا تستخفي بي  فجملة أن :" الحب يصنع المعجزات " ليست شعارًا مبتذلًا تافهًا ، هذا لو عرفنا ما هو الحب الصانع للمعجزات ؟.

الحب الذي هو رعشة الدين وبريق العينين  والشوق العارم والحزن المسيطر والفرح الطاغي والنوم المتقطع والصحو المنتعش ، كل أولئك ليسوا الحب .

إنهم جميعًا علامات الحرمان منه ، ولسوف  يتراجع كل ذلك حتى يكاد يختفي ، متى عرفتْ الحبيبة مسرات جسد الحبيب وذاق الحبيب حلاوة جسد الحبيبة .

هل تعرفين أين الحب الذي يصنع المعجزات ؟ إنه في آية " وجعل بينكم مودة ورحمة " إنها ليست آية للرسول أو الصحابة أو المؤمنين أو المسلمين ، إنها آية إنسانية لبني الإنسان مذ كانوا وإلى يوم القيامة ، الحب هو " المودة والرحمة " .

متي تكرم الخالق الوهاب وجعل بين رجل وامرأة المودة والرحمة فانتظري المعجزات ولن يطول انتظارك .

حبيبتي ، الشابة أنّا تجلس في شقة ديستوفيسكي الذي يعذبها بأن يسألها بعد كل دقيقة :" ما اسمك ؟ " ثم يروح يتمشى في الغرفة يدخن ويشد شعره ويصمت ويضرب المدفأة بقبضة يده ثم لا يملي عليها شيئًا من الرواية المزعومة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
نشر بجريدة المقال / الخميس 25 فبراير 2016
الجزء الثاني ننشره غدًا بإذن الله

الاثنين، 22 فبراير، 2016

حكايتي مع الرجل الدوّار






حضرتك تعرف أن مَنْ خف عقله تعبتْ قدماه ، وقد خف عقلي فزرت كثيرًا معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته التي انتهت مؤخرا .
لم يكن شراء الكتب الجديدة هو همي الأول ، فماذا كان همي ؟.

للحق لا أعرف ، ربما كان التجوال بين خليط من الناس لا أعرفهم ولا يعرفونني ، وربما كنتُ أبحث عمّا فقدته  ثم لن يعود .

بدأت جولاتي العبثية من جناح دولة كازاخستان ، كازاخستان كانت غائبة وكان جناحها مهجورًا وليس به سوى رف كتب مكسور وعلم منكس ، أغمضت عينيّ لأتخيل أن شابة كازاخستانية ستخرج الآن من الجناح المهجور وترقص كالأشباح وهي تغمغم :" أنا روح المخطوطات المنسية  أتجلى لك ".

الحقيقة لو حدث هذا ما كنت سأخاف .
ذهبت إلى جناح الحبيبة فلسطين وهناك اصطادني الرجل الدوّار .

جملتي الأخيرة ليست موفقة ، فلا هو اصطادني ولا أنا اصطدته ، الذي حدث هو لقاء بين قطبين متنافرين ، فوقعت شرارة التواصل ، ولا فضل للقطبين في وقوعها لأن الأمر محتوم بقانون  الفيزياء .

الرجل وسيم وسامة قديمة كأنه نسخة من الفنان المؤمن " حسين صدقي " لولا أنه يكسر التطابق باستخدامه لآلات حديثة لم يعرفها زمن حسين صدقي مثل الموبايل والكاميرا الديجتال  وحقيبة الكتف الجلدية الفاخرة لحظة دخولي للجناح الفلسطيني كان الرجل الدوّار يشرح لمشرف الجناح الأهمية الإستراتيجية لمترفعات الجليل .

كان المشرف مسكينًا وعجوزًا وحاول كثيرًا إيقاف الشرح مشددًا على أنه من مواليد الجليل ويعرف كل ذلك ولكن  هيهات .

ظل الدوّار يشرح فانصرف عنه المشرف وبقيت أنا المستمع الوحيد ، ولأن عقلي كان قد خف فقد كنت استمع باستمتاع رهيب ظننت أنني فقدته!!.
من تلك اللحظة صرنا صديقين حتى أن أحدنا لم يهتم بمعرفة اسم الآخر أو عمله ، نحن أصدقاء قدامى فما الداعي لتلك التفاصيل الفرعية المزعجة .

أصبحت أذهب للمعرض لكي أجده بعد بحث لا يستغرق سوى دقائق !!
كنت أسير بجواره نتحدث في المطلق المستحيل ، يريني مجددًا إمكانيات كاميراته الديجتال ويحثني للمرة الألف على اقتناء موبايل كموبايله لأنه الأحسن والأحدث ، ثم نواصل الحديث في المطلق المستحيل حتى يقودني إلى جناح دولة عربية .

أتأمله ونحن داخل الجناح فأرتل في سري :" ويخلق ما لا تعلمون " كان الرجل يتبدل يركل وسامته ومهابته القديمة ويصبح مثل لاعبي الثلاث ورقات وذلك الذي يلاعب  البيضة بالحجر كنت أراه أطول مما هو عليه وأنحف مما هو عليه  ويكسو الحماس وجهه حتى يحتقن بحمرة أخشى عليها منها .

يتلقط صورًا كثيرًا للجناح وللمشرفين عليه ، ثم يتلقط أنفاسه وينزل حقيبته الجلدية الفاخرة من فوق كتفه ويفتحها بأصابع ترتجف كأنه سيفاجئ بما فيها ، ثم يلتقط منها كراسة كبيرة ، صفحاتها ملونة ويبدأ في شرح فكرته للمشرفين على الجناح .

الصفحات الأولى من الكراسة تحتوي على رسومات بيانية للمشروع ،كان عندما يصل إلى كبد الفكرة أو قلبها تشرد عيناه خلف البعيد الغامض ، ويتمتم بكلام غير مفهوم كأنه يتلو تعويذة سرية ، ثم يبدأ في الكلام كأنه لم يتكلم قط !

ملخص فكرته أنه يريد إقامة سوق عربية ثقافية مشتركة ، لا شأن لها بالسياسية العامة ولا بالضرائب العامة ولا بالجمارك العامة ولا بأي آلية من آليات القمع العربي ، إنه يريدها سوقًا حرة في المطلق المستحيل .

:" كيف سنقيم سوقنا ؟ " هو يسأل ، ثم هو نفسه يجيب على سؤاله :" سنقيم سوقنا بمهاجمة الأطراف وصولًا إلى القلب ، سنبدأ من أصغر قرية تقع في أقصى غرب موريتانيا ، في الساعة ذاتها سيكون العمل قد بدأ في قرية بأقصى شرق البحرين ، وقبل أن ينتبهوا إلينا سنكون قد وصلنا إلى أقصى الجنوب السوداني وأقصى الشمال السوري  ، ونظل نزحف إلى أن نصل إلى القلب إلى القاهرة ويومها نعلن انتصارنا وإقامة سوقنا العربية الكبيرة".
يسكت لا لكي يري وقع شرحه على مستمعيه ولكن لكي يخرج منديلًا قطنيًا من جيب بذلته الأنيقة ( ألم أقل لك إنه حسين صدقي ).
يجامله المستمعون الضائقون به بكلمة أو اثنتين فيجن جنونه ويصرخ :" لست مجنونًا حتى تصرفونني بهذه الطريقة ، ما قلته مبني على دراسات عميقة استغرقت سنوات ، المطلوب ليس أكثر من عشرة ملايين دولار نبدأ بها المشروع ".

ينصرف عنه المشرفون وأغادر معه الجناح وأراه وقد انحنت قامته كأنه قد بلغ أرذل العمر.

ومن جناح إلى جناح أتبعه كأنني مسحور ، يعرض فكرته ثم يغادر صفر اليدين ، لا هو يمل من الشرح ولا أنا أكف عن متابعته حتى جاء اليوم الموعود وفيه كنا نشرب الشاي في بقعة مشمسة ومر بنا مسئول خليجي فصافحني بحرارة وانتهي الأمر .

بل بدأ الأمر ، تفحصني الرجل الدوّار كأنه يراني لأول مرة وسألني بغل السنوات الماضية والقادمة :" من أنت ؟ "
فهمت ما يرمي إليه فقلت له :" لا يذهب الفكر بك بعيدًا ، القصة هي أنني في يوم بعيد كنت أتحدث في لقاء من اللقاءات كان يحضره هذا المسئول الخليجي فأعجبه كلامي فصار يحيني كلما التقينا مصادفة ".
هز الرجل الدوّار رأسه بعلامة التكذيب ثم قال :" أنت حاقد وبليد ، حاقد لأنك لا تريد مساعدتي ، وكان سينويك من الحب جانب ، وبليد لأن تعرف هذا الثري ولم تستفد منه ، الآن اذهب بعيدًا عني وإلا حطمت رأسك ، اذهب ".
ذهبتُ ، وعندما عدتُ في اليوم التالي لم أجده رغم بحثي الطويل عنه ، لقد فقدت صديقي الذي لم أعرف اسمه ، لقد ذهب يطارد  المطلق المستحيل .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهامش
سوريا  بلد عربي يقع بين خطي العرض 32- 37 شمالاً وخطي الطول 35-42 شرقاً،مساحته حوالي 185180 كم مربع، يحده من الشمال تركيا ومن الشرق العراق ومن الغرب لبنان والبحر المتوسط ومن الجنوب الأردن وفلسطين المحتلة، يبلغ عدد مواطنيه أكثر من 24 مليون مواطن ، يُذبح هذا البلد منذ أكثر من أربع سنوات ، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة المقال الاثنين 22 فبراير 2016

الأحد، 21 فبراير، 2016

نجاة.. إخلاص الهواة وتمكن المحترفين ( 2 ـ 2 )







أخيرًا جاء عام السطوع 1955.
فى بداية ذلك العام، كانت ليلى مراد بطلًا لفيلم "الحبيب المجهول" وهو آخر أفلامها، وقد تضمن الفيلم ثلاث أغنيات، كانت أغنية "ليه خلتنى أحبك" واحدة منها، عُرض الفيلم وذهب منتجه بالأغنيات الثلاث لكى يهديها إلى الإذاعة مجانًا كما جرى العرف، أجازت الإذاعة أغنيتين ورفضت الثالثة التى يقول مطلعها:


"ليه خليتنى أحبك لا تلومنى ولا أعاتبك
فين تهرب من ذنبك
روح منك لله
بدموعى الحيرانة وعيونى السهرانة
بادعى لك بأمانة
روح منك لله".

الإذاعة كانت محتشمة متحفظة، فرأت أن هروب الحبيب من ذنبه يعنى وقوعه فى الذنب، ثم إن هذا الذنب قد يكون كبيرة من الكبائر!
طبعًا نتحدث عن زمن سبق زمن "أديك فى الجركن تركن" بعقود وأخلاقيات.

أُسقط فى يد مأمون الشناوى مؤلف الأغنية وكمال الطويل ملحنها، حاول الشناوى تغيير الشطر المرفوض وكتبه هكذا: "فين أهرب من حبك.. روح منك لله

أيامها كانت نجاة تغنى فى بيروت وجاءها كمال الطويل وقدم لها لحن "ليه خلتنى أحبك" وبعد تردد قبلت نجاة اللحن الذى ستحلق بجناحيه عاليًا وبعيدًا، فبعد غنائها للحن أصبحت المطربة الأشهر فى مصر، وظلت الإذاعة لشهور تتلقى طلبات المستمعين لإذاعة تلك الأغنية الساحرة.

العجيب فى أمر ذلك اللحن الذى كادت الإذاعة المحتشمة أن تقتله أننى استمعت إليه بأصوات آمال ماهر وميادة الحناوى وأصالة وشيرين عبد الوهاب وابتسام فوجدتهن يتفوقن على أنفسهن فى الأداء، حتى عندما غنته آلن خلف وهى شىء عجيب كانت تريد أن تصبح راقصة فخانها حظها واتجهت إلى الغناء، فقد أجادت وغنته بحس مختلف غاية فى الرقى.

عام السطوع ذاته شهد كما سجلت رحاب خالد ظهور أغنيات "عطشان يا أسمرانى" و"وطنى وصباى وأحلامى" و"أسهر وأنشغل أنا".
كل تلك الأغنيات سجلت نجاحًا مدويًا لا يزال مستمرًّا، وفى لفتة من لفتاتها الرشيقة لا يفوت رحاب خالد أن تسجل أن العام ذاته قد شهد ظهور "على قد الشوق" لعبد الحليم ومن هنا جاءت المنافسة الشرسة.

فى العام 1960 ستكون نجاة قد جربت الزواج والإنجاب والطلاق وسيكون عمرها أربعًا وعشرين سنة وسيكون الخبير الخطير عبد الوهاب قد جلس يستحلب ريقه فى انتظار صوت نجاة وقد نضج كثمرة مانجو شهية.
تتألق رحاب خالد فى تسجيل مفردات وتفاصيل لقاء عبد الوهاب ونزار قبانى ونجاة فى رائعة "أيظن".

جاءت رحاب بشهادات من الوزن الثقيل عن الأغنية الأيقونة، كم شقيت رحاب وهى تقدم لنا كتابات كامل الشناوى، يوسف إدريس، صلاح عبد الصبور، نعمان عاشور، يحيى حقى، محمود الشريف، حلمى سلام، إبراهيم الوردانى، بيرم التونسى، مدحت عاصم.

إن مجرد تخيل سماع كل هؤلاء لأغنية، أمر يجلب الانتعاش، فما بالك بقراءة ما كتبوه عنها، شكرًا رحاب خالد.
ومن "أيظن" وحتى اللحظة التى هاتفت فيها نجاة صديقتها الكاتبة الأستاذة سناء البيسى لتخبرها بأنها ستنصرف وتركن إلى الظل، ونجاة فى كل حياتها وعلى مدار سنوات رحلتها الفنية تعمل بإخلاص الهواة وبتمكن المحترفين، وأعتقد أن المبدأ ذاته هو الطبع الغالب على الكاتبة الشابة رحاب خالد التى تسرَّب إليها معنى ابن خلدون عن خطورة الغناء فألزمت نفسها به جادة غير عابثة ولا مستهترة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ