الأحد، 9 أغسطس، 2015

أسد بن الفرات.. محارب في السبعين





كان أغلب المصريين يمر بمسجد أسد بن الفرات الواقع فى قلب ميدان الدقى بمحافظة الجيزة، يكاد لا ينشغل به إلا ساعة الصلاة، ثم يغادر المسجد، وينصرف إلى حال سبيله، بل بعضهم لم يكن يعرف اسم المسجد أصلا، إنه عندهم مسجد كغيره.


ظل المسجد بعيدا عن دائرة الضوء حتى اعتلى منبره فى تسعينيات القرن الماضى الخطيب الأستاذ عمر عبد الكافى، قال الرجل كلامًا كثيرًا جذب نوعية معينة من جماهير المصلين، ثم قال الخطيب كلامًا عن نوع من التدين أصبح يشغل المصريين ويصرفهم عن جادة الطريق وجاد العمل، هذا التدين الذى يهتم بكل ما هو شكلى، ويقيم حوله المزارات والندوات والمؤتمرات بل والحروب (ألا تحارب داعش الناس لأنهم يخالفون الإسلام ويلبسون البنطلون!!!!).


كلام الأستاذ عمر عبد الكافى كان عن رد المسلم على تحية المسيحى!!

أفٍ لهؤلاء جميعا، ولتدينهم الذى كلما اقتربنا منه بعدنا عن ديننا الذى ارتضاه الله لنا.


يومها كانت مجلة «روزاليوسف» تعيش واحدة من فتراتها الذهبية من حيث التوزيع والتأثير، فشنت حملة على الرجل أدت إلى اعتذاره عما قاله، ثم غادر منبر المسجد ولا أظنه قد عاد إليه ثانية.


تلك الواقعة سبحان الله ستدفع باسم أسد بن الفرات إلى بؤرة الضوء.


فمن هو أسد بن الفرات؟

الميلاد كالموت، كلاهما غيب يعلمه الله وحده، يولد الإنسان فى المكان الأبعد عن مكان سيشهد نبوغه، ويموت المرء فى أرض لم يظن لحظة أنه سيراها.


هذه القاعدة يمثلها خير تمثيل الشيخ الفقيه المجاهد أسد بن الفرات، فقد وُلِدَ سنة 142هـ بحَرَّان التابعة لديار بكر، وحران هذه توجد الآن فى الجنوب الشرقى لتركيا.


فى طفولته انتقل أسد مع أسرته إلى القيروان بتونس، وذلك لأن والده فرات بن سنان كان قائدا للمجاهدين، الذين خرجوا لنشر الإسلام فى بلاد المغرب. القيروان فى الأصل لفظة فارسية، وهى تعنى المعسكر، أو المكان الذى يجرى فيه تخزين السلاح، وكان العرب الفاتحون قد اتخذوا من القيروان قاعدة تتيح لهم الوصول إلى أقصى بلاد المغرب تمهيدا للوصول إلى الأندلس.


ارتباط أسد بأرض المعسكرات هذه سيظهر أثره فى حياته القادمة، لكن فى طفولته وبداية صباه انصرف إلى حفظ القرآن حتى أتمَّه فى مرحلة الصبا، وأصبح هو نفسه معلِّما للقرآن، وهو فى حوالى الثانية عشرة من عمره.


ثم بدأ فى تحصيل العلوم الشرعية حتى برع فى الفقه، فمال ناحية مذهب أبى حنيفة، وظلَّ هكذا حتى التقى على بن زياد، الذى يُعتبر أوَّلَ مَنْ أدخل مذهب الإمام مالك بالمغرب، فسمع منه أسد كتاب «الموطأ»، وتلقَّى منه أصول مذهب مالك، وبعدها قرَّر أسد أن ينتقل إلى المشرق فى رحلة علمية ستطول، حتى تكاد تستغرق شبابه كله.


يقول المؤرخون: قصد أسد أولا المدينة النبوية المنورة لسماع الموطأ من الإمام مالك مباشرة. كلمة السماع القديمة تساوى فى لغتنا المعاصرة كلمة التلمذة، وهكذا كان النابغون يعيشون، إنهم يتتلمذون على أيدى المصارد مباشرة ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. بعد رحلته إلى المدينة انطلق أسد إلى العراق. إن كانت المدينة المنورة تعنى التلمذة على الإمام مالك، فإن العراق كان يعج بأكبر تلاميذ أبى حنيفة، فى العراق التقى أسد مع كبار تلاميذ أبى حنيفة، أمثال: محمد بن الحسن، وكان من كبار رواة الحديث، والقاضى أبى يوسف أخص تلاميذ أبى حنيفة وأفقههم، فتعلَّم أسد أولا المذهب الحنفى، وأكثر من سماعِ الثقات فى الحديث، واستفاد أسد من محمد بن الحسن استفادة كبرى، وكتب عنه الكثير من مسائل المذهب الحنفى المشهور.


فى أثناء وجود أسد بالعراق، توفى الإمام مالك بالمدينة، فاهتز لموته العالم الإسلامى، وأقبل الناس من كل مكان للسماع من تلاميذ مالك، وعندها ندم أسد على أنه لم يبقَ بجوار مالك، وقال لنفسه: «إن كان فاتنى لزوم مالك فلا يفوتنى لزوم أصحابه».


بعد رحلة العراق، ستظهر مصرنا فى سماء حياة ابن الفرات، أيامها كان كل الفقه والحديث بل كل العلم مصريًّا. كانت الآية الكريمة «اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم» تتحق على أرض مصر تحققا كاملا.


فى مصر كان يعيش أكبر وأهم تلامذة الإمام مالك أمثال ابن وهب وابن القاسم الذى سيعرض عليه أسد حصيلته من مسائل الفقه الحنفى، وطلب منه أن يُجيب عنها على مذهب مالك، فأجابه عن هذه المسائل، وتفرَّغ له ابن القاسم ولقَّنه المذهب كلَّه بأصوله وفروعه، ودوَّن هذه المسائل كلها فى الكتاب الشهير باسم «الأسدية».


ثم بعد طول غربة عاد أسد بن الفرات إلى القيروان، عاد وقد أصبح من كبار علماء المغرب، وأصبح لديه تلاميذه الذين يأخذون عنه العلم، وذاع صيته فى كل المغرب العربى بوصفه من المجتهدين الذين لا يتقيدون بمذهب بعينه.


تواصلت حياة أسد فى نظامها المعتاد حتى حان وقت فتح جزيرة صقلية.

من البداية الحرب والمعارك لم تكن جديدة على أسد، مر بك أن أباه كان من قادة الجيش، ثم هو نفسه خاض المعارك أكثر من مرة، وابن خلدون يقول: «إن أسد بن الفرات هو الذى افتتح جزيرة (قَوْصَرة)». وهى جزيرة صغيرة تقع شرقى تونس الآن.


بالعودة إلى صقلية، فقد كان فتحها حلما، كثيرًا ما راود المسلمون من بداية تأسيس الدولة الأموية.


يقول الدكتور راغب السرجانى: «تُعتبر جزيرة صقلية أكبر جزر البحر المتوسط مساحة، وأغناها من حيث الموارد الاقتصادية، وأفضلها موقعا، ولقد انتبه المسلمون لأهمية هذه الجزيرة مبكِّرا منذ عهد الصحابة، حيث حاولوا فتحها فى عهد عبد الله بن سعد، ثم معاوية بن حديج، ثم عقبة بن نافع، ثم عطاء بن رافع، وكان آخرهم عبد الرحمن بن حبيب، وذلك سنة (135هـ = 753م)، ثم وقعت الفتن الداخلية ببلاد المغرب بين العرب والبربر، وانشغل المسلمون عن جهاد العدوِّ، الذى انتهز الفرصة، وأغار على سواحل المغرب عند منطقة إفريقية (تونس) مما جعل المسلمين يتوحَّدُون ويتهيَّؤُن للردِّ على هذا العدوان البيزنطى. فى هذه الفترة وقع العديد من الاضطرابات بجزيرة صقلية، التى كانت تتبع الدولة البيزنطية، حيث وقع نزاع على حكم الجزيرة بين رجلين أحدهما اسمه يوفيميوس (وتُسَمِّيه المراجع العربية فيمى)، والآخر اسمه بلاتريوس (وتُسَمِّيه المراجع العربية بلاطه)، وانتصر بلاطه على فيمى الذى فرَّ هاربا إلى إفريقية، واستغاث بزيادة الله ابن الأغلب حاكم إفريقية، وطلب منه العون فى استعادة حكمه على الجزيرة، فرأى زيادة الله فيها فرصة سانحة لفتح الجزيرة».


ترى من سيصبح قائد تلك الغزوة التاريخية؟

ليس غير أسد بن الفرات!!

الشيخ فى السبعين من عمره، وهو يريد الجهاد بوصفه جنديا من الجنود، لكن الحاكم ابن الأغلب لا يرى غيره قائدا.

أخيرًا خضع أسد لرغبة الحاكم الذى ولاه القيادة العامة والقضاء، تحرك أسطول المسلمين فى مئة سفينة حاملا عشرة آلاف مقاتل، يقوده شيخ فقيه فى السبعين من عمره.


التقى الجيشان، جيش المسلمين وجيش البيزنطيين، وكان الجيش البيزنطى فى حوالى مئة ألف مقاتل.

كان المسلمون يعلمون أن لا قرار لهم على البحر المتوسط إن لم يفتحوا صقلية، ولذا فقد استبسلوا فى القتال، حتى حصدوا النصر.


بعد هذا الانتصار الحاسم واصل أسد بن الفرات زحفه حتى وصل إلى مدينة سرقوسة، لكن حدث ما لم يكن فى الحسبان، هاجم الطاعون جيش المسلمين فمات كثيرون على رأسهم أسد بن الفرات.

أليست هذه الحياة تفتح باب الأمل أمام المنكفئين على ذواتهم؟



كان معنا شيخ ولد فى تركيا، وتعلم فى العراق، ومات فى إيطاليا، وخلدته أرض الكنانة مصر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر فى جريدة التحرير في 8 يوليو 2015

مصطفى عبد الرازق.. البركان الهادئ







ابن الذوات، وتلميذ الإمام محمد عبده، والمدافع عن أم كلثوم، ومترجم كتاب الإمام الشافعى إلى الفرنسية.


بعد رحيل فضيلة الشيخ مصطفى عبد الرازق، بخمسين سنة، ستقدم المخرجة إنعام محمد على والكاتب محفوظ عبد الرحمن مسلسلا تليفزيونيا عن حياة أم كلثوم، وسيندهش كثيرون عندما يجدون شيخا من أكابر المشايخ يرعى أم كلثوم ويحفظها وأسرتها فى دار غربتها.


المشاهد القليلة التى سيظهر فيها الشيخ مصطفى عبد الرازق ستكون كافية لأن تزيح عن اسمه ترابا متراكما.


يقول الكاتب الأستاذ ياسر الغريب: «عانت أم كلثوم خصوصا فى بدايتها، حيث وجدت بعد بروز نجمها عداوات كبيرة وصعوبات كادت تقضى عليها فنيا، حتى تأهبت لمغادرة القاهرة يائسة مع والدها الشيخ إبراهيم إلى قريتها، لولا ظهور الشيخ مصطفى عبد الرازق الذى فتح لها ولأسرتها أبواب بيته الذى وجدت فيه الدفء الأسرى والتشجيع والمساندة‏.‏ ويقال إن الشيخ مصطفى عبد الرازق كتب بعض المقالات فى الدفاع عن أم كلثوم، حيث كان يحرر باب النقد الفنى بجريدة السياسة‏ من دون أن يوقع اسمه، فكان يكتفى بالتوقيع بثلاث نقاط فقط».


وقف الشيخ الإمام مصطفى عبد الرازق مع أم كلثوم فى شبابها، لترد إليه الوقفة بعد موتهما جميعا، فسبحان مقسم الحظوظ والأرزاق.


عن البداية الأولى لحياة الشيخ مصطفى يقول شقيقه الشيخ على عبد الرازق: «لا يعرف يوم مولده ولا شهره ولا سنته على وجه القطع واليقين، ولكن باستقراء الأحداث نرجح أن مولده كان فى عام 1885».


سبحان الله هذان شقيقان، يكتب واحد، وهو علىّ، كتيبا يحمل عنوان «الإسلام وأصول الحكم»، فيحوز به شهرة دائمة، ثم يناضل الثانى حتى يصل إلى مشيخة الأزهر وحيازة لقب الإمام الأكبر، ومع ذلك لا تسمع لاسمه ذكرا.


عائلة الشيخ مصطفى ليس كغيرها من العائلات، إنها عائلة صعيدية عريقة جدا وثرية جدا، قالوا إن الأطيان التى كانت تحت يد أسرته بلغت سبعة آلاف فدان!


الأب حسن بن أحمد بن محمد بن عبد الرازق قضى فى تلقى التعليم بالأزهر نحو ثمانى سنوات من عمره، ثم عاد من القاهرة إلى قريته أبو جرج بمركز بنى مزار بمحافظة المنى.


هذا الأب سيكون عضوا بارزا فى حزب الأمة، وهذا الحزب وفق الرؤية الحالية، هو حزب النخبة المصرية، التى رأت أن عرابى وثورته كانا فشلا مصريا يجب أن لا يتكرر، وعلى ذلك فيجب إصلاح النظام من داخله وبهدوء، لأن المصريين ليس لهم طاقة على الثورة!


آل عبد الرازق وبخاصة الشيخ علىّ سيرون أن حزب الأمة هو الحزب الوسطى الذى لن يأخذ المصريين يسارا ولن يرمى بهم يمينا!


هذا المناخ الذى لن نكون مبالغين عندما نصفه بالمترف سيفرغ الشيخ مصطفى للعلم. المال موجود بكثرة، والأب ذو هيبة ومكانة، والأزهر هو مدرسة العائلة مذ كانت.


بعد الكُتاب وحفظ القرآن غادر مصطفى المنيا إلى القاهرة لكى يلتحق بالأزهر، كان فى الحادية عشرة من عمره عندما التحق بالأزهر، ولكنه ما كاد يلتزم فى الدراسة، حتى أصيب بالتهاب رئوى حاد سيجعله يخشى المرض ما بقى له من عمر، وسيؤخر دراسته لفترة طالت لشهور.


بعد سنته الأولى فى الدراسة الأزهرية وفى الإجازة الصيفية كان والده، وهو أزهرى قديم، يراجع معه أهم الكتب، وينفقان الساعات الطوال فى دراسة شعر المتنبى، وهو الأمر الذى سيفتح باب الأدب للشيخ مصطفى.


وفى تلك الإجازات كان مصطفى يدرس مجلة خاصة بالأسرة، كان يحررها منفردا، وكانت الأسرة تتابع أعدادها بشغف، ثم أنشأ لشباب عائلته جمعية «غرس الفضائل»، كان أفراد العائلة يتناوبون الخطابة فى اجتماعات الجمعية التى تعقد مساء الجمعة من كل أسبوع.


وفى الأزهر سيكون من شيوخه الشيخ حسنين البولاقى وهو والد رجل القصر الداهية أحمد حسنين باشا، ومن شيوخه أيضا أبو الفضل الجيزاوى والشيخ بسيونى عسل، أما الشيخ صاحب الأثر والتأثير فكان الشيخ الإمام محمد عبده، الذى صاحبه مصطفى من أول يوم تتلمذ فيه عليه حتى رحل الشيخ إلى رحمة الله.


الشيخ ابن العائلة العريقة الثرية وابن تجربة هزيمة ثورة عرابى والخائف من المرض، وقد جربه فى صباه، وصاحب الحساسية الخاصة تجاه الفن، كل تلك العوامل ستتكاتف على أن تخرج لنا الشيخ الوسيم متى أطل، الهادئ متى تكلم، التدفق الحار متى كتب.


الأمة الآن واقعة تحت الاحتلال البريطانى وثورتها قد تفتتت، بل عن بعض الثوار قد ندم على ثورته واستنكرها وتخلى عنها، الأزهر فى القلب من أزمة الأمة، الشيخ الإمام محمد عبده يريد أن يلعب الأزهر دوره المنتظر منه، فى إيقاظ الأمة وتنويرها، وهذا لن يكون سوى بتجديد الأزهر تجديدا شاملا يرقى إلى درجة نسف القديم، وذلك القديم له شيعته المستفيدون من بقاء الحال على ما هو عليه، ولذا يحاربون الشيخ الإمام بل يكفره بعضهم!


علاقة التلميذ بأستاذه ليس كغيرها، إنها علاقة حب، يرى التلميذ السيوف وهى تنحر أستاذه فيتألم كأنها تنحره هو.

ثم تكون قاصمة الظهر عندما يرحل الشيخ الإمام محمد عبده فى عام 1905 وبعده بأقل من عامين يرحل والد الشيخ وراعيه.


تضيق دنيا الشيخ مصطفى، فلم يعد له بمصر أب ولا شيخ، كما أن الأزهر لم يعد يقدم لأمثاله ما يحتاجونه من علم، فيقرر السفر إلى فرنسا لاستكمال تعليمه، ولكى يرى دنيا الشعوب المتقدمة التى تحتل بلاد أمتيه العربية والإسلامية.


الشيخ ليس ابن فقراء كطه حسين، وليس مبهورا بالغرب كرفاعة الطهطاوى، إنه ابن الثراء، ولذا لا تلمح فى ما كتبه عن إقامته فى فرنسا ظلال تجربة الرجلين ولا ملامحها.


من الواضح أنه كان على معرفة بالفرنسية قبل سفره، لأنه لم يكن قد مضى على إقامته فى فرنسا سوى القليل حتى بدأ يحاضر فى جامعة ليون عن الأدب العربى، بل قام بترجمة رسالة الإمام الشافعى إلى الفرنسية، وهو نفسه كان شافعى المذهب، وكان وفيا جدا لعلم وذكرى الإمام الشافعى فى غير تعصب ولا حماسة زائدة.


الأقدار المعاكسة كانت لمصطفى بالمرصاد، فما إن بدأ نجمه يلمع فى الأوساط الفرنسية حتى اندلعت الحرب العالمية الأولى، فلم يتم دراسته وعاد إلى مصر التى كانت بريطانيا قد أعلنت وقوعها تحت حمايتها وقامت بعزل الخديو عباس حلمى الثانى، وعينت مكانه الأمير حسن كامل، وجعلته سلطانا على البلاد، وتلك الأحداث اهتزت لها مصر، وحاولت نخبتها التعبير عن فداحتها، لكن سلطات الاحتلال منعتهم. الشيخ مصطفى أنشأ مجلة فى مايو 1915، مجله «السفور»، لتحمل أفكاره وأفكار أقرانه، لكن معارضيه كانوا كثرا، وعابوا على المجلة كل شىء، بداية من اسمها «السفور»، وراحوا يشنون حملة ضدها، وقد نجحت حملتهم فى إيقاف المجلة!


ثم جرت فى نهر حياته مياه كثيرة، فقد كتب الكثير وتولى المناصب المهمة خلال تلك الفترة، فعلى سبيل المثال عمل موظفا فى المجلس الأعلى للأزهر، ثم مفتشا بالمحاكم الشرعية، ثم عين أستاذا مساعدا للفلسفة الإسلامية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا)، ثم أصبح أستاذ كرسى فى الفلسفة، ثم حصل على رتبة الباشوية وعمل وزيرا للأوقاف.


وكتب كتابه «تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية»، وكتاب «فيلسوف العرب والمعلم الثانى».


ودراسة عن البهاء زهير الشاعر المعروف.

وكتاب «الإمام الشافعى».

وأصدر كتاب «الدين والوحى والإسلام».

ونشر كتابه عن محمد عبده وسيرته.

كما قام بترجمة «رسالة التوحيد» لمحمد عبده إلى الفرنسية.



ثم حدث أن عاد إلى الأزهر لكى يتولى المشيخة، ولكن معارضيه وقفوا أمام توليه هذا المنصب الكبير، بحجة أنه ليس من هيئة كبار العلماء ولم يدرس فى الأزهر، فقام البرلمان بتعديل قانون المشيخة لكى يتمكن الشيخ مصطفى من المنصب، وبالفعل أصبح شيخا للأزهر، لكنه لم يقدم الجديد المنتظر، لأن جبهة معارضيه كانت قوية جدا، فلم يمكث فى منصبه سوى عام واحد، ثم رحل بعده مباشرة فى عام 1947. رحل بعد أن ترك مقولته التى تستحق أن تسجل بماء الذهب: «إن الذين يخدمون الحرية الفكرية هم خدام الحق وأنصاره، فإن العقول المستعبدة لا تسمو إلى جلال الحقيقة وجمالها».
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال بجريدة التحرير فى 14 يوليو 2015

الأحد، 2 أغسطس، 2015

دم الكفار







فى زمن دراستى الثانوية ذهبت إلى مكتبة عامة لاستعارة كتاب، كان أمين المكتبة مشغولا بتلبية طلب أحد المترددين، فجلست أنتظر، جاءت جلستى بجوار شاب يكبرنى بعشر سنوات، كان طويلا عريضا، أو بتعبير الشيخ عبد العزيز البشرى «كانت قارة مترامية الأطراف!! وفوق طوله وعرضه كان يطلق لحيته بحيث تفيض على صدره».


هو حر طبعا فى كل ذلك، إضافة إلى أن ضخامة تكوينه منحة من الله، فقد زاده تعالى بسطة فى الجسم، وإن كان هو قد رد على نعمة الله بنقمة أصاب بها هو نفسه.

كان الشاب الذى يرتدى الجلباب الباكستانى ناصع البياض بوصفه الزى الإسلامى، يستغفر الله مرة ثم يبصق على جلبابه بصقة!


أعتذر والله، لأننى أكتب هذا الذى أكتبه والناس فى صيام رمضان، ولكن هذا ما وقع أمامى منذ سنوات بعيدة لكنه لم يبرح ذاكرتى، تأملت وجه الشاب فرأيت ملامحه طبيعية جدا، يعنى لا مرض هناك يبرر عفوا البصق المتتالى على جلبابه.


أنقذنى الله بمجىء رجل صالح لم يمهل الشاب يكرر بصاقه أمامه حتى صرخ فى وجهه: «كف عن هذا القرف».


فرد الشاب على صرخة الرجل بهدوء: «هذا ليس قرفا، إنها سنة عن الرسول».


كدت أموت رعبا من جراءة الشاب على الرسول، من قال إن الرسول سيد كل جميل وسيد كل نظيف وسيد كل مليح كان هذا خلقه وكان هذا القرف عادة له؟


الرجل الصالح نظر إلى الشاب نظرة كأنه يقول له: «أهلا، هو أنت من همه؟».


جلس الرجل الصالح فى مواجهة الشاب وقال له:


«هات دليلك على أن الرسول كان يفعل كما تفعل»، قال الشاب بثقة:

«عن أبى أُمامةَ بنِ ثعلبةَ الأنصارىّ قال: ذَكَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم يَوْما عِنْدَهُ الدُّنْيَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وسلّم:


أَلَا تَسْمَعُونَ؟ أَلَا تَسْمَعُونَ؟ إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَان، إِنَّ الْبَذَاذَةَ مِنْ الْإِيمَانِ».


ضحك الرجل الصالح من قلبه وقال للشاب:


البذاذة وليس الوساخة، البذاذة هى التواضع فى الثياب، وما فهمته أنت من الحديث لا علاقة له بالحديث ولا علاقة له بالإيمان.


كانت تلك الواقعة هى أغرب واقعة رأيتها فى حياتى، حتى جاء اليوم الثانى من شهرنا هذا وفيه كتب الدكتور عبد الله جريشة، وهو طبيب مصرى مقيم بألمانيا على حسابه الخاص بـ«فيسبوك» ما نصه:


«النهارده كان عندى واحدة ست سورية من اللاجئين السوريين ولدت إمبارح ونزفت كتير فى الولادة، فالنهارده لما كشفت عليها قلتلها إنتى حالتك وحشه ومحتاجة نقل دم.


قالت لى أوك.

لما الدم وصل وجاى أديهولها لقيتها بتقولى: يا دكتور هوا ده دم ألمانى؟


أنا استغربت من السؤال بس رديت عليها بضحك قلتلها: آه دم ألمانى نضيف وفخم.


لقيتها بتقولى: يبقى مش هينفع آخده يا دكتور.

قلتلها: ليه؟!


قالت لى: ده دم كفار، ولو أخدته هيختلط بدمى المسلم... حرام آخده يا دكتور.


أنا وقفت متنح قدمها كده وأنا عاجز عن الكلام ومش عارف أرد أقولها إيه، قلتلها: أنا بصراحة عمرى ما مر عليا كلام أو مناقشة زى دى، بس اللى أقدر أقولهولك إنك لو ما أخدتيش الدم بتاع الكفار ده مش هتعرفى لا تتكلمى ولا تتناقشى معايا كمان شوية».



لا النقاش كان سيجدى من الشاب الأول، ولا أراه سيجدى مع الشابة الثانية، كل ما أعرفه أن الظلام مخيم منذ سنوات قد تتواصل، اللهم رحمتك.
_____________________
نشر المقال بجريدة التحرير بتاريخ 8 يوليو 2015
لينك المقال:http://www.tahrirnews.com/posts/251748