الخميس، 11 يونيو، 2015

نكشف الأبطال الحقيقيين لمسلسلات أسامة أنور عكاشة«2/2»


فى الذكرى الخامسة لرحيل عميد الدراما العربية «2/2»
نكشف الأبطال الحقيقيين لمسلسلات أسامة أنور عكاشة




استعرضتُ فى الجزء الأول من مقالى هذا عن الراحل الكريم الأستاذ أسامة أنور عكاشة، بعضًا من الينابيع التى استقى منها رواياته، والآن أكمل بعون الله ما بدأته.

ولكن قبل مواصلة الإبحار فى روايات عكاشة، لا بد من تقديم إجابتى عن سؤال وصلنى من جماعة من القراء الكرام: «لماذا نجح عكاشة كل هذا النجاح على مستوى النخبة أو الجماهير؟».

فى الإجابة أقول: قديمًا قال الكاتب الأمريكى، أرنست هيمنجواى «اكتب عما تعرف». وسواء قرأ عكاشة تلك النصيحة الذهبية أم لم يقرأها فقد عمل بها ونفَّذها فى أعماله كافة، سأظل أذكر جلسات مطوّلة جمعت بين عكاشة والكاتب الصحفى محمد الكردوسى، وقت أن كان عكاشة يكتب الجزء الثالث من «ليالى الحلمية»، وهو الجزء الذى تناول فيه مشكلات الصحافة المصرية وكارثة المكاتب الصحفية العربية التى ضربت مهنية الصحافة فى مقتل.

كان بيد عكاشة وهو العارف بالصحافة بوصفه كاتبًا وقارئًا أن يعتمد على معارفه الخاصة التى كوَّنها على مدار سنوات، ولكنه كان يريد معرفة الدهاليز والأنفاق المعتمة والزوايا القصيّة، ولذا لجأ إلى أهل الذكر، وكان يسأل الكردوسى عن أدق التفاصيل وأخفاها.

هذا الحرص على جمع أكبر وأهم قدر ممكن من مادة الرواية هو علامة أكيدة على الجدية والإتقان والإخلاص للفن واحترام المتلقّى، وكل هذا يصب يقينًا فى صالح نهر النجاح.

ثم إن شيخ مشايخ الرواية، أعنى الراحل الكريم ماركيز، رحمه الله، قال: «كاذب هو ذلك الروائى الذى يقول إنه بدأ من الصفر».

الحكمة الماركيزية كانت دائمًا فى العقل الباطن لعكاشة، حتى ولو لم يكن قد سمع بها، لقد التزم بها قبل أن يطلقها ماركيز.
حكمة ماركيز تعنى أن الروائى لا بد له من نقطة ارتكاز ينطلق منها، وتلك النقطة لا بد أن تكون حقيقة من حقائق الروائى الذى يصبح الأمر متروكًا لفنّه، فإن كان فنّه قادرًا فإنه يستطيع أن يحلّق بحقيقته حتى يناطح السحاب، ويغرسها هناك فى السماء الصافية، وأما إن كان فنه ضعيفًا بليدًا فلن تغنى عنه حقيقته شيئًا، سيهوى من الثريا إلى الثرى. هاتان النصيحتان الذهبيتان قادتا خطوات عكاشة إلى النجاح المدوى الذى حقَّقه والذى فرضه عميدًا لروايات التليفزيون.

منذ عهد مقهى «الحاج سلامة» وعكاشة مولَع بسرد تواريخ المقاهى

شوقية وزعتر

فى مقال يحمل عنوان «فى القبارى» من كتابه «على الجسر»، نشرته دار الشروق فى عام 2005، سنضع أيدينا على الجذر الذى تفرَّعت منه رواية «ليالى الحلمية».

مقهى «الحاج سلامة» يقابله فى الرواية مقهى «زينهم السماحى»، وللحاج سلامة ولد اسمه علِىّ، يقابله ولو على مستوى التسمية علِىّ بن سليم البدرى.

أم علِى ابن الحاج سلامة تموت وهى تلده، كما حدث مع أم علِى بن سليم البدرى.

يقول عكاشة: «إن الحاج سلامة قد ضاق صدره بالأولاد الأربعة، فبحث عن امرأة تستطيع أن تتولَّى تربيتهم وتكفيه مسؤوليتهم، وقيل له إنه لا أحد يستطيع أن يتصدَّى لهذه المهمة إلا قريبة من اللحم والدم، وبينما راح يبحث ضمن هذا الإطار جاءته من سيدات الأسرة مَن همست فى أذنه: لن تجد أقرب من (شوقية).. وشوقية هى الشقيقة الصغرى للمرحومة».

هذه الحقيقة انظر كيف فكَّكها عكاشة وأعاد ترتيبها، سليم البدرى سيتزوج من ابنة الشعب «علية»، و«علية» ستموت مبكرًا، ابنها «علِى» سيذهب إلى خالته «أنيسة» التى هى من لحمه ودمه، فى مقاربة مع «شوقية»، وحتى «شوقية» هذه سيحتفظ عكاشة باسمها ليستخدمه فى الرواية عندما تظهر بوصفها زوجة «الأسطى شاهين» التى لا تنجب، والتى توزّع حنان أمومتها المعطلة على أولاد وبنات الجيران.

عكاشة يكتب عما يعرف ولا يزعم أبدًا أنه بدأ من الصفر، وستجد ذلك واضحًا أتم الوضوح فى المقال ذاته الذى يكشف ضمن ما يكشف عن ولع عكاشة بالمقاهى وتقصّيه لحكاياتها وقصصها بوصفها مكونًا رئيسيًّا من مكونات الشخصية المصرية، هل سمعت بمصرى لم يجلس على المقاهى؟

يقول عكاشة: «كان عبد الرحيم مجرد عامل من سوهاج، توسَّط له واحد من خاصة أصدقاء الحاج سلامة، لكى يعمل فى المقهى، كان عبد الرحيم عامل (رمّالة)، ثم منحه الحاج سلامة حجرة فى بدروم منزله يقيم بها بدلًا من نومه فى المقهى، ثم مات الحاج سلامة فبرز عبد الرحيم، حتى إنه اشترى المقهى وتزوّج من أرملة الحاج!!».

أليست هذه هى قصة «زعتر» صبى مقهى «ليالى الحلمية» الذى عندما دار الزمان دورته ترقّى من عامل «رمّالة» مهمته أقل من أن تُذكر إلى ثرى يناطح آل السماحى، ويريد أن يطلق على المقهى العتيد اسمه؟!

عذّبْتَنَا يا حب

إنها صرخة درويش التى أطلقها نيابة عن كل المحبين والعشاق، والتى ستكون ركيزة دائمة فى كل روايات عكاشة.

فى فيلم أمريكى عن الطبيب المصرى الفرعونى سنوحى، يحب الطبيب أميرة من أميرات الفراعنة، يحبها ذلك الحب الذى يجثم على القلب كأنه حجر، يمنحها خلاصة روحه ودم قلبه، وفى يوم من الأيام تقول الأميرة لحبيبها: «عندما تزورنى الليلة سأمنحك تمام الحب وكماله».

يربط الرب الخالق على قلب العاشق لكى لا يطير، تكويه الساعات والدقائق والثوانى التى تفصله عن ميعاده الأقدس، أخيرًا يهبط الليل ويذهب عاشقنا إلى ميعاد سيحصل فيه على تمام الحب وكماله، تقابله الأميرة وعيناها تلمعان بفرح نادر، يجلس بين يديها قليلًا لكى يلتقط أنفاسه التى تكاد تمزّق صدره، فجأة تصيح الأميرة بخدمها وهى تشير إلى الطبيب: «هذا الرجل احملوه وألقوا به خارج بيتى، ثم لا تسمحوا له أبدًا بأن يقترب من سور حديقة المنزل».

العاشق محمول على أعناق الخدم يكاد يُجَنّ وهو يصرخ ملتاعًا: «لماذا؟».
تأتيه إجابة الأميرة قاطعة مثل حد السيف: «عندما تفتقدنى إلى الأبد ستظل تحبّنى إلى الأبد، الحب هو الفقد، الفقد هو تمام الحب وكماله».

هذه الرؤية الفرعونية القديمة ستهيمن على كل روايات عكاشة، فلا تفلت منها رواية.
ولكن لماذا؟

فى البدء كان الفقد

فى رواية «الحب وأشياء أخرى» يحب الشاب الموسيقار «سامح»، الطبيبة الشابة «هند»، «هند» ابنة الناس الذين فى الأعالى، و«سامح» ابن شعب الحارات والفول والطعمية، «سامح» تمتزج بداخله موسيقى بتهوفن، وطقاطيق الشيخَين سيد درويش وزكريا أحمد، و«هند» تحب موسيقى «سامح»، وتتسامح مع طبقته، حتى إنها رغم أهلها الذين فى الأعالى تتزوجه، ولكن كان الفقد قدرًا محتومًا، تُرى لماذا؟

كنتُ قد قدمتُ لك فى الجزء الأول من مقالى الأدلة التى تؤكّد أن كتاب «على الجسر» هو السيرة الذاتية المقنعة لأسامة أنور عكاشة، وعندما تقرأ نصفه الثانى وهو سلسلة متصلة حملت عنوان «تلك الأيام» ستجد الراوى (أقطع بأنه أسامة نفسه) يقع فى حب عمره، هو يسميها بيرين (لأسامة ابنة اسمها نسرين! هل لاحظت إيقاع الاسمَين؟)، بيرين ابنة الناس الذين فى الأعالى لها جذور تركية، تمصّرت أسرتها، لكن الجذر التركى ظل حاكمًا ومهيمنًا، وعكاشة كما مر بك ابن التاجر الماهر المتفتح والعملى، شعاره فى الحياة: «إذا أحببت فتقدّم للزواج دون لفّ ولا دوران».

ولكن بيرين حبيبة ما مضى من عمرٍ وما هو قادم لها قصة دامية.

قبض الريح

فى رواية «ليالى الحلمية»، يحب طه السماحى نجاة هانم، ويتزوجها رغم أنف أبيها رجل الشرطة، ثم يموت طه بيد الغدر!
ويحب ابنه ناجى السماحى ابنة عمّه قمر زينهم السماحى، ثم لا يتزوجها، لأنها تحب عادل البدرى ابن سليم البدرى، وعادل يحبها، ويتزوجان، ولكنه الفقد الأبدى، ولذا يفترقان.

وسليم البدرى يحب عليّة، فتموت، ثم يحب نازك السلحدار ويتزوجها، ولكنهما يفترقان، ثم يحب البرنسيسة نورهان ويتزوجها، ولكن دوامة الفقد الملعونة تبتلعهما!

ويحب سليمان غانم نازك ويتزوجها، ولكنه القدر نفسه يكتب كلمة الختام لقصتهما.

أما ذروة قصص حب الرواية الملحمية فتجمع بين علِى بن سليم البدرى وزهرة بنت سليمان غانم، هنا النسخة المصرية من روميو وجولييت، أبناء الأعداء يتحابون، ولكن هو الفقد ذاته، أبدًا لا تكتمل قصة حتى لو توّجها الزواج.

كل تلك القصص فى رواية واحدة هى قبْض الريح، تُرى لماذا؟
مدحت عزيز صديق راوى «تلك الأيام» يطلب منه استقبال قريبته بيرين فى الإسكندرية، ومساعدتها فى إنهاء بعض المعاملات الحكومية.

تأتى بيرين فيعرف الراوى طعم الحب منذ النظرة الأولى، بيرين التى فى الكتاب هى «أمل» التى فى رواية «الراية البيضا»، الحزن النبيل والكبرياء الملكية والجمال الشفاف الذى لا يترفع عن مساحيق الزينة.

بيرين تزوَّجت من الضابط نيازى الذى قبل أن يدخل بها لبَّى نداء الجبهة فى زمن قاصمة الظهر يونيو 1967، وذهب ولم يعُد.

على هذا يبدو الجو مهيَّئًا لتجاوب بيرين مع الراوى، ولكن!

رغم أنف فضة المعداوى

زفارة تجارة فضة المعداوى تريد التطهُّر فى أصالة فيلا مفيد أبو الغار، فتنشب حرب فضة ومفيد، تحت قصفها المتواصل، يحب الرسام هشام الصحفية أمل (لأسامة ابنان يحملان الاسمَين نفسيهما!).

حب كلما تقدَّم خطوة تراجع خطوتَين، إنه لا يبرح مكانه إلا بشق الأنفس، كثبان وتلال وجبال، لا أرض منبسطة فسيحة، كل شىء يبدو مثل حامل الصخرة سيزيف، يصعد إلى القمة ثم فجأة يهوى مع صخرته إلى القاع، لتبدأ رحلة صعود جديدة.

تتجاوب بيرين مع الراوى (أذكّرك بأنه قناع لأسامة نفسه) وتغادر شرنقة أحزانها، ولكن مدحت عزيز صديق الراوى الصدوق يحب بيرين ويتجهَّز لكى يتقدَّم لخطبتها!

النونو السوقى له قلب عصفور يحب سمحة الشاطر بنت فضة المعداوى، يريدها لا لكى يصعد على أكتاف ثورة أمها، ولكن لأنها نموذجه الأنثوى الفاتن، من أجل سمحة يسهر النونو الليالى متوحدًا مع رباعيات الخيام، حتى ولو لم يفهم من كلمات القصيدة شيئًا، لكنه يحب تلك الروح الحزينة التى تسرى فى القصيدة.

ثم لا ينال النونو من سمحة شيئًا.
الراوى الآن فى مأزق عمره، صديقه يحب حبيبته، ولكن الحبيبة تخرجه من مأزقه عندما تبادر وتقول لمدحت قريبها بأنها تحب الراوى، فهل ينسحب مدحت وتصفو الأيام؟

درويش إكرام

فى رواية «زيزينيا» يحب الشيخ عبد الفتاح ضرغام إكرام ابنة الحاج عبد الظاهر وشقيقة بشر، يصبح درويشًا فى حضرتها، لكنه الفقد ذاته!

بِشْر يحب عايدة، ولكن لا جديد تحت سماء أسامة أنور عكاشة.

فى رواية «أبو العلا البشرى» يحب مجدى نجوى، ولكن إلى أين يمضى الهاربون من دمائهم، فلا فرار من لعنة الفقد.
الأمر ذاته ستجده فى رواية «الشهد والدموع»، زينب تحب شوقى، وتفقده بالموت، وابن شوقى أحمد يحب ابنة ناهد ابنة عمّه حافظ، ولكن هى هى ذات الدائرة.

شاعت قصة حب بيرين للراوى، انتفخ عرق الغطرسة التركية فى أسرتها التى ترفض الراوى جملة وتفصيلًا وترحِّب بمدحت، وترسل الأسرة ابنها «رياض» لكى ينهى القصة بالضربة القاضية.

الثلاثة فى غرفة واحدة، مدحت القريب ورياض الشقيق والراوى الحبيب، رياض بغطرسته التركية الموروثة يقول للراوى: «ألا تعلم أن جدى كان يجلد جدك بالكرباج؟».

هذا تلميح أقوى من التصريح، وتصريح مهين جدًّا، يجد الراوى نفسه ملزمًا لا بالدفاع عن كرامته فحسب، بل بالدفاع عن أمته المصرية، فيباغت رياض بلطمة مدوية على وجهه، يسقط رياض كالميت، لأنه مُصاب بالصرع، يرتعش مدحت ويدفع بالراوى إلى خارج الشقة، لأن رياض متى استفاق من النوبة سيضربه بالرصاص.
هل تعقَّدت القصة؟

الغائب لا يعود

فى معظم روايات عكاشة ستجد حبيبًا يغيب ثم لا يعود ثانية، يغيب ويترك قلبًا معلقًا به تعلُّق الجسد بالروح، أذكّرك بقصة «وداد» فى رواية «أنا وأنت وبابا فى المشمش» عندما غاب حبيبها إسماعيل وتركها مثل قمر خرج عن مداره، ثم أذكّرك بـ«هناء» فى رواية أبو العلاء البشرى التى غاب عنها حبيبها «عزمى» وتركها فريسة معطلة لا تستطيع الشفاء منه ولا تستطيع الاقتراب من غيره.

الوطن الحبيب ينزف بعد صباح يونيو الفاجع، وبيرين تجلس إلى حبيبها لآخر مرة لتخبره بأنها ستهاجر إلى أمريكا ولن تعود ثانية.

وبعد، لقد كان العميد أسامة أنور عكاشة وفيًّا لقصته هو، وملتزمًا بنصيحة هيمنجواى الذهبية «اكتب عما تعرف»، والرجل لا يعرف سوى الفقد والبتر، فمن أين كان سيأتى بقصص الحب التى تتألَّق بالاكتمال؟
يرحم الله عكاشة جزاء ما أمتعنا به.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت اليوم 11 يونيو في جريدة التحرير