الخميس، 29 يناير، 2015

الفوضي قتلتْ شيماء وستقتل غيرها






ليس لغائب شهادة ، ولكن من حقه أن يقرأ الحدث وفق المعطيات التى على أرض الميدان .

والمعطيات التى على أرض الميدان تقول : إن التحالف الشعبي الاشتراكي الذي يقوده السياسي المحنك عبد الغفار شكر وينوب عنه السياسي مدحت الزاهد قد قرر في اجتماع عاجل أن ينظم مسيرة بالورد تنطلق من ميدان حرب وتتجه إلي ميدان التحرير للاحتفال بالذكرى الرابعة لثورة 25 يناير .

انطلقت المسيرة التى تضم ما لا يزيد بحال من الأحوال عن خمسين عضوا بالتحالف بدون أن تحصل على موافقة الأمن وفق مواد قانون التظاهر التى تحتم على الجميع أن يحصلوا على تصريح أمنى وإلا وقع تحت طائلة القانون .

وقد نتج عن تحرك المسيرة قيام الأمن بمحاولة لتفريقها ، وقد أدت محاولة الأمن إلي مقتل السيدة شيماء الصباغ بطلق خرطوس ، وفق تأكيدات الطب الشرعي .

وهنا كانت العلامة الأولي من علامات الفوضي ، لقد دافع التحالف عن نفسه بأنه لم يكن ينظم مظاهرة حتي يحصل على ترخيص أمنى !!
هذا التلاعب لم يعد يفيد أحدًا ، بل هو الضرر في أكثر صوره قبحًا ، ما الفرق بين المسيرة والمظاهرة ؟

أليس وجود " بانر" يحمل اسم التحالف يعد إعلانًا لكل ذي عينين أن الأمر هو أمر تظاهر ؟
لماذا لم يفوت التحالف الفرصة على المتربصين بحرية الناس ويحصل على ترخيص ؟
متى سنلتزم بقواعد السياسية ونكف عن الخروج بصدور عارية لمواجهة العدو ؟
علامة الفوضي الثانية تخص الأمن الذى هو مسؤول أولًا وقبل أى شيء  آخر عن حماية أرواح الشعب ، هذا الأمن يتصرف بطريقة " بركة يا باب الجامع " وكأنه يتمني حدوث أدنى درجات المخالفة لكي يشتبك !!

ثم يتجاهل كل قواعد الفض السلمي للمظاهرات أو المسيرات أو التجمعات ، ويلجأ أول ما يلجأ إلي إطلاق الغاز الذى يؤدى بدوره إلي إثارة الهرج والمرج ، وفي ظل الهرج والمرج يصبح البحث عن الحقيقة ضربًا من العبث .

لولا الفوضي لحاصر الأمن المسيرة حصارًا هادئًا حتى تتفرق بدون حدوث اشتباك يؤدى إلي القتل .

لولا الفوضي التي سمحت لمجرمين بمغادرة الحبس ، ماكان للأمن أن يستهتر كل هذا الاستهتار بأرواح الأبرياء .
وبعد أن انتهى يوم السبت إلي ما انتهي إليه جاء يوم الأحد ليسجل الرقم القياسي في الفوضي التى شملت كل شيء .

حدثت اشتباكات في أكثر من منطقة بعموم البلاد ، كان أسخنها وأكثرها دموية تلك الاشتباكات التي جرت بين الأمن وبين سكان منطقة المطرية والتى أسفرت عن سقوط أحد عشر قتيلًا وفق التصريحات الرسمية .

كأن كل هذا الوطن ليس به رجل رشيد وأحد يأمر بحصار التجمعات بطريقة سلمية قبل أن يستفحل أمرها وتتحول إلي اعتصامات لا يمكن تفريقها إلا بالقوة ، ثم تبدو الفوضي في أبرز صورها عندما نعرف أن أربعة من القتلي هم من المواطنين المسيحيين الذين لا يمكن أن يكون منتمين لجماعة الإخوان ، وهى الجماعة التى تقود الاشتباكات وتحرص وتحرض عليها ، إذن كان هناك قتل عشوائي ، وأصبح الأمر خارجًا عن دائرة صراع جماعة الإخوان مع الأمن .


لقد سقط يوم الأحد أكثر من عشرين قتيلًا من كل الأطراف ، لا نعرف من الذي قتلهم ، ويقيني أننا لن نعرف إلا إذا قرر الوطن نفسه بكافة مؤسساته ان يعلن الحرب الجادة والحقيقية على الفوضي التى ستأكل الأخضر واليابس ما لم ننتبه لخطورتها .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 28 يناير 2015

الاثنين، 19 يناير، 2015

محاولة




فتنة الجامعة

قبل حوالى ثمانين عامًا من عامنا هذا كان عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين يلقي على طلابه محاضرات في الشعر الجاهلي ، كان من بين تلاميذ العميد ، الطالب محمود  محمد شاكر ، الذى سيصبح فيما بعد  حارس العربية وشيخ مشايخ محققي  التراث العربي والإسلامي ، الطالب شاكر لم تعجبه محاضرات العميد وناقشه في منهجه الذى يشك في الوجود الحقيقي للشعر الجاهلي ، ثم وقر في قلب الفتي شاكر أن العميد قد نسخ ( بمعنى سرق ) ومسخ بحثًا للمستشرق مرجليوث حول نفس الشأن .
حدثت كل هذه النقاشات دون كلمة خارجة من أيهما ، لا الفتي شاكر رفع عينيه في أستاذه ولا الأستاذ قمعه وهدده بـ " قلم البوليس السياسي " أو بالرسوب .

خاض الفتي شاكر صراعًا نفسيًا مريرًا ، أدى إلى هجره للجامعة وقال قولته الموجعة  :" لقد انهدم معنى الجامعة في نفسي ".
معنى الجامعة في نفس شاكر لم يكن يعني سوى التقديس المطلق لقيمة العلم .

وقد سجل الأستاذ شاكر دقائق وتفاصيل هذا الصراع في مقالات شهيرة ، جمعها في كتاب " بيني وبين طه " فلم تفلت منه كلمة  نابية واحدة ضد أستاذه ، بل على العكس اعترف بفضل  أستاذه عليه وكيف سانده لكي يلتحق بقسم اللغة العربية بكلية الآداب .
تلك  الحادثة  البعيدة عن زماننا ، تشير إلي ما لحق بجامعاتنا من سوء ، وهذا السوء هو  للإنصاف قد ضرب كل مؤسساتنا بعد التجريف الذى أصابنا على يد نظام حكم مبارك .

الجامعة الآن لم تعد مكانًا يقدس قيمة العلم وجلال الأستاذية ، لقد أصبحت مسرحًا لعبث أظنه لم يخطر على قلب إبليس شخصيًا .
هناك طلاب وأساتذة يقولون إنهم ضد " الانقلاب ".
وهؤلاء أمرهم معروف ، فهم من خلايا عصابة حسن البنا أو من مدعي اليسارية المراهقة .
ثم هناك طلاب وأساتذة يكاد الواحد منهم أن يقدس نظام الحكم الحالي .

 هؤلاء وأولئك جعلوا من الجامعة مسرحًا لتصفية حساباتهم السياسية ، فرأينا الشماريخ والمولوتوف بل والخرطوش بل والبنادق التى تطلق الرصاص الحي إضافة إلى السلاسل والسكاكين والخناجر  والعصي تمرح في جنبات الجامعة .

حدث هذا وأكثر العام الماضي وكانت نتيجته مقتل حوالي اربعة عشر طالبًا ، ذهبت دماؤهم أدراج الرياح .

الكارثة الحقيقة هى في إدارة منظومة الجامعة ، كل المسئولين عن أمن الجامعة يتصرفون وكأنهم يتعرفون لأول مرة على أوجه المصاعب والمتاعب والمشاكل التى تواجه الجامعة ، الجميع يتصرف بعشوائية مفرطة ، كل مسئول يظن أن اعتقال طالب هنا أو حبس طالب هناك سيؤدى إلى السيطرة على الجامعة وانتظام الدراسة ، لا أحد يريد الدخول في نقاش حقيقي وجاد عن أسباب كل هذا الانفلات ، لا أحد يريد توريط نفسه في الذهاب إلي رأس الدمل والتعامل معه بمشرط جراح يمتلك رهافة حس الفنان لا غلظة سواعد القاتل .

المظاهرات ستستمر والاشتباكات ستتواصل والنفخ في رماد الخلافات حتى يصير الرماد جمرًا لن يتوقف ، إذن  ما الحل؟
الحل هو أن يتحمّل كل مسوؤل مسوؤليته كاملة وإلا فليتفضل مشكورًا  و يجلس مرتاحًا في بيت أبيه ، والمسوؤلية هنا تعنى احترام حقوق الطلاب الإنسانية والسياسية .

التعامل بحزم وحسم مع كل خروج على القانون العام .
تحرى أقصى درجات الدقة في ضبط أمن الجامعة .

الكف عن الأساليب القديمة البالية التى تؤمن أن عصا الأمن قادرة على إخراس كل صوت معارض ، لقد جرب نظام مبارك وكل نظام فاشل هذه الأساليب فلم تفلح سوى في  تخمير الثورات ومن ثم اندلاعها .

الخميس، 15 يناير، 2015

تحريات أم تصفية حسابات؟






روى الأستاذ العميد طه حسين أن فضيلة الأستاذ الشيخ مصطفى عبد الرازق كان ينتمى وأسرته إلى حزب الأحرار الدستوريين، وهو الحزب الذى يناصب سعد باشا زغلول أشد أنواع العداء ويشهر به وبأهله جميعا وبحزبه كله، ولكن هذا الانتماء السياسى لم يمنع الشيخ مصطفى من أن يكون رجلا صاحب مروءة وشجاعة، فعندما جرى نفى سعد باشا عزّ على الشيخ مصطفى ما تعانيه زوجه السيدة صفية زغلول من ألم الوحدة والفرقة والوحشة، فانتهز فرصة عيد من الأعياد وأرسل إليها بطاقة معايدة وكلمة مساندة.

ثم علم وزير العدل بما فعله الشيخ مصطفى الذى كان واحدا من أكابر مفتشى الوزارة، استدعاه الوزير وسأله عما فعل، فلم ينكر ولم يجادل، بل اعترف بما كتبه ببساطة شأن أصحاب الكرامة والشجاعة فما كان من الوزير إلا أن قاله له: الزم بيتك .

فرد عليه مصطفى: اقض ما أنت قاضٍ (يعنى اعمل اللى أنت عايزه).

مكث الشيخ فى بيته، حتى وصل أمره إلى عبد الخالق باشا ثروت وكان رئيسا للوزراء، فاستدعى الوزير ووبخه أشد التوبيخ، ثم جاء بالشيخ مصطفى وأثنى على وفائه لخصمه السياسى سعد باشا، وأمره بالعودة إلى ممارسة عمله.

ما الذى ذكرنى بتلك القصة القديمة؟

ذكرنى بها ما تفعله حكومة المهندس إبراهيم محلب، التى شكلت لجنة لحصر ممتلكات جماعة الإخوان، واللجنة قضائية يتولى أمرها قضاة، بعضهم من أكابر قضاة مصر، تلك اللجنة لم يعد أحد يعرف كيف تعمل على ملف غاية فى الخطورة، لأن مصادرة أو حتى إدارة أموال الناس ليست بالأمر الهين البسيط، إنها حقوق ونزعها أو وضع اليد عليها ولو إلى حين يجب أن يتم من خلال أقصى درجات التقصى والتحرى والمعلومات التى ترقى إلى درجة الحقائق، التى لا تدع مجالا للشك أن ممتلكات فلان أو علان تستخدم فى تمويل عمليات الإرهاب أو أنها غير قانوينة أو غير شرعية أو مشروعة، ولكن ما يحدث يدعو إلى وقفة جادة مع تلك اللجنة، التى رأت فجأة ودون مقدمات أن تتوسع فى مفهوم الأخونة، حتى يكاد تعريفها للأخونة أن يشمل المصريين جميعا.

فكل مَنْ يقول برأى من آراء الإخوان حتى لو كان الرأى صوابا هو عند اللجنة من الجماعة الإرهابية التى يجب مصادرة أو التحفظ على ممتلكاتها!!

هكذا دون مناقشة أو تحرٍّ، ويظهر حجم الكارثة فى هذا الأمر عندما نقرأ رد المستشار على سؤال من الزميلتين هدى أبو بكر ويارا حلمى بخصوص التحفظ على ممتلكات جماعة من الاشتراكيين الثوريين بدعوى أنهم من الإخوان.

قال المستشار خميس: إن قرار اللجنة بالتحفظ على 112 اسما من بينهم الأسماء الثلاثة (هشام فؤاد وهيثم محمدين وخالد السيد) جاء بناء على التحريات التى وردت إلى اللجنة من الأجهزة المختصة وهى الأجهزة الأمنية، وبناء عليه تم إدراج أسمائهم .

خميس قال حين أبلغناه بانتماء هؤلاء الشباب وأنهم معروفون لدى الرأى العام بانتمائهم إلى حركة الاشتراكيون الثوريون وأنه ليس لهم صلة بجماعة الإخوان المسلمين: الجهات الأمنية قالت إنهم ضمن تحالف دعم الشرعية، وربما يكون الحزب أو الحركة التى ينتمون إليها ضمن هذا التحالف، أو ضمن حزب الاستقلال ذى الخلفية الإسلامية .

وتابع رئيس اللجنة: الأسماء دى جاية من الجهات المختصة، وهى من تحدد الأسماء التى ضمن تحالف دعم الشرعية، وهما من اللى كونوا هذا التحالف، أو ممن ينتمون إلى حزب الاستقلال، وبناء عليه تم إدراج أسمائهم .


أليست هذه هى تصفية الحسابات بعينها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 7 يناير 2014