الخميس، 25 ديسمبر، 2014

اللهم ارفع «الهرتلة» عنّا














منتصف ليل السبت ألقت بى المقادير فى دوامة قناة إخوانية تسمى «رابعة النهار»، أنا من الذين يؤمنون أن عصابة حسن البنا هم من أعداء الوطن، ويجب على أبناء الوطن معرفة عدوهم وطرق تفكيره وحيل مناهجه.

مقدم البرنامج كان يرتدى الزى الأزهرى ويتقعر ما استطاع إلى التقعر سبيلا، وضيف البرنامج كان الصحفى صابر مشهور، احتجت إلى لحظات كى أتعرف عليه، فقد ظهرت عليه سمنة مفرطة، جعلته يكاد يلهث وهو يتكلم.

أعرف صابر مشهور منذ زمن بعيد، دربته على العمل الصحفى فى جريدة الجيل التى كانت تصدر فى أواخر التسعينيات، كان صابر مفتونا بالعمل فى قسم الحوادث تحديدًا، وقد عرفت فى ما بعد سبب افتتانه، وهو أن والده واحد من العاملين بوزارة الداخلية.

كان صابر نشيطا، لكنه كان غالبا يأتى بالأعاجيب التى لا تصدق، وكانت أعاجيبه هذه تشير إلى خلل ما فى تكوينه الصحفى والثقافى وموقفه من مجمل الأحداث.

ثم تزاملنا معا فى جريدة الشروق ، هو رئيس لقسم الحوادث، وأنا رئيس للقسم الثقافى، وفى الشروق ظلت أعاجيب صابر كما هى يتولى الديسك أمرها، وأذكر مناقشة حادة بينه وبين الأستاذ عماد الدين حسين، وكان أيامها مديرًا لتحرير الشروق، صابر يؤكد أن كلمة صربيا الواردة فى تقرير كتبه هى اسم علم مؤنث، وعماد يصرخ شارحا لصابر تاريخ دولة صربيا!

طبعا انتهى النقاش بهزيمة منكرة لعماد الذى أعاد صياغة التقرير كاملا، وكفى الله المؤمنين شر إقناع صابر.

ثم جاءت ثورة يناير، وكانت الشروق قد حسمت أمرها واختارت الوقوف مع الثورة، فما كان من صابر إلا أن شذ عن الجميع وظهر على فضائية المحور مع معتز الدمرداش وتغزل فى عبقرية أداء وزير الداخلية حبيب العادلى، وكان ذلك ليلة الخميس- الجمعة (27 يناير)!!

فلما جاءت جمعة الغضب العظمى 28 يناير عاود صابر الظهور على الشاشة، لكى يهيج الدنيا ضد العيال بتوع التحرير اللى هيخربوا البلد ويدمروا الشرطة .

ظل صابر عجيبا ملغزا حتى غادر الشروق إلى فضائية الجزيرة مباشر ، وبعدها لم أعد أعرف عنه شيئا سوى أنه يقيم فى قطر ويتكلم بلسان إخوانى كأنه ابن المرشد العام!!

قال صابر على فضائية الجماعة:

1ـ النصارى يسيطرون على الإعلام التليفزيونى ببثهم مئة وخمسين قناة من داخل الكنائس والأديرة، وكلها قنوات لا تحمل تصريحا بالعمل من أى جهة كانت.

2 ـ النصارى يسيطرون على المناهج التعليمة من خلال المنحة الأمريكية.

3 ـ النصارى يسيطرون على الأزهر ذاته، والشيخ الطيب يجالس الراقصات.

4 ـ الشيخ على جمعة يكاد.. أقول إيه بس.. أستغفر الله العظيم.

5 ـ النصارى يسيطرون ويديرون وزارة الزراعة وكل المستندات لدى مستشار وزير الزراعة فى عهد الدكتور مرسى.

6 ـ إن إلغاء خانة الديانة فى بطاقات الرقم القومى هو إلغاء للإسلام، لأن النصارى يعلنون عن أنفسهم من خلال الصلبان التى يعقلونها فى أعناقهم أو يرسمونها على أيديهم.

7ـ الكنيسة من خلال نجيب ساويرس تسيطر سيطرة كاملة على الإنتاج السينمائى وتروج فى أفلامها للزنى والخمور.

8ـ المسلمون ممنوعون من إنتاج الأفلام السينمائية.

9ـ العسكر أغلقوا كل قنوات المسلمين مثل قناة الصحة والجمال .

10ـ الغرب النصارى بأجمعه يحارب الإسلام والإخوان.


ما كان لى أن أهتم أو أشغل القارئ الكريم بكل هذه الأكاذيب، لولا أننى تلقيت صبيحة بث البرنامج اتصالا من قارئ ينصحنى بمتابعة الأستاذ صابر مشهور، لأنه يقول كلاما مهمًّا وخطيرًا!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحريرفي 24 ديسمبر 2014م

الخميس، 18 ديسمبر، 2014

دَعْه يفبرك.. دَعْه يمر






لا يخلو مجتمع من أناس يؤمنون بالخرافات والآراء الشاذة الخارجة عن نطاق أى تفكير صحيح وسليم، يستوى فى ذلك المجتمعات المتقدمة، التى تناطح سحاب العلم والفكر، وتلك التى تزحف على بطونها، لكن يبقى هناك فارق جوهرى بين المجتمعات المتقدمة وغيرها، وهى أن حركة الأولى التى تمضى قدمًا إلى الأمام تعصم باقى طوائف وفئات المجتمع من هؤلاء أهل الخرافات، فمن العادى أن تجد قسا أمريكيا يصرخ فى أتباعه بأنه يحتاج فورا إلى خمسة عشر مليون دولار، وإلا فإن نيزكًا خرافيًّا سيسحق أمريكا فى مساء نفس اليوم!


الأتباع الخائفون على حاضر ومستقبل أمهم أمريكا ينفحون القس عشرين مليون دولار، وليس خمسة عشر فقط كما طلب!

إلى هنا والدولة الأمريكية لا تتدخل بين القس وأتباعه، لكنها تتدخل فى اللحظة الحاسمة بعد أن انهالت التبرعات على القس، جرى تحقيق موسع معه، وتم فضح ادعائه بأن نيزكا سيدمر أمريكا، وتم خصم الضرائب لصالح الخزانة العامة من أصل المبلغ، والباقى تم صرفه على رعاية فقراء كنيسة القس!


وبهذا الحسم انتهت القصة الأمريكية التى تذكرنا برائعة يوسف إدريس طبلية من السماء ، لكن الأمريكان جعلوها طبلية لصالح المجتمع.

نحن فى مصر -بعد الثورة أو قبلها لا يهم- يجرى الأمر على نحو معاكس تمامًا.

أولا: لا تراعى الدولة (أقول الدولة لا الحكومة) أننا بلد فقير، تفترسه الأمية الأبجدية بأنيابها المتوحشة، وتحاصره أمية ثقافية ومعرفية لا تقل فى توحشها عن الأمية الأبجدية، كما تتجاهل الدولة أننا بلد نُكب بانقطاع يكاد يكون تامًّا بين ماضيه المتألق وحاضره الذى نعرفه جميعا.


ثانيا: من خلال تجاهل الدولة لما سبق تقوم بإفساح المجال لكل من هب ودب، لكى يفعل ما شاء له هواه دون رقابة أو محاسبة، وفى هذا المضمار، نرى إحداهن تثير فزع ورعب الناس من خلال بث حلقة مصورة لفضائية خاصة عن مجموعة من الرجال يستخدمون حماما شعبيا، وتقوم السيدة صاحبة البرنامج بنعتعهم بأنهم جميعا من الشواذ، وعندما يضغط الرأى العام لكى تتحرك الدولة لإظهار الحقيقة، تأتى تقارير الطب الشرعى حاسمة بأن ثلاثة رجال من مجموع ثلاثة وثلاثين رجلا هم فقط الذين لهم علاقة بالشذوذ، ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها من التجاهل والصمت المريب، فلم تعتذر السيدة صاحبة البرنامج عن تعميمها المفزع ولا حتى عن الفكرة المريبة التى قام البرنامج بترويجها.

ثم نرى سيدة ثانية، تكرس كل جهودها وجهود العاملين معها لبث حلقات عن كل ما هو خرافى، بداية من المس الشيطانى ونهاية بما لا أعرف من آراء وأفكار لا تستقيم مع أدنى درجات العقل.

وليت سيدة المس الشيطانى اكتفت بما بثته فى برنامجها، لكنها راحت تختلق حكايات يبدو واضحًا فيها استغلالها حاجة الناس المادية، وذلك من خلال جلبها طفلًا فقيرًا تظهره معها مرة بوصفه طفلا تائها عن أهله ومرة بوصفه طفلا لأسرة مصابة بالمس الشيطانى، يقينا هناك مقابل مادى لأسرة هذا الطفل الفقير الضائع.


ثالثا: تسلط الدولة جماعة من السماسرة، الذين يقومون بخلط كل الأوراق بحيث تتوه كل حقيقة، هؤلاء جاهزون دائمًا لتمزيق لحم كل مطالب باحترام عقول الشعب وبخصوصية اللحظة التى نحياها، وذلك بدعوى حماية حرية التعبير!

لا نطالب ولا نؤيد منع أحد، لكن كل مطالبنا تتلخص فى أن يدفع كل واحد ثمن كلامه، ويقدم الأدلة اليقينية على صدق ما يدعى، لكن للأسف نحن نتعرض لعاصفة من عواصف دعه يفبرك دعه يمر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة التحرير17 ديسمبر 2014


الاثنين، 1 ديسمبر، 2014

أطايب «الكرمة»







الكَرْمُ شجرة العنب، ومفردها كَرْمة، و«الكرمة» دار نشر ناشئة تشق طريقها بهدوء وتواضع وثقة العقلاء لتحتل مكانتها اللائقة بها بين كبريات دور النشر المصرية والعربية.


دور النشر الناشئة تلجأ غالبا إلى فعل بذىء كتلك الدار العربية التى هاتفتنى مسؤولة النشر بها، طالبة منى كتابا عن زواج المتعة عند الشيعة!


جرى بيننا حوار عبثى، أكدت فيه أننى لست فقيها حتى أورط نفسى فى كتابة كتاب كامل عن أمر اختلف فيه وعليه من هم أعلم منى.


وصل العبث إلى قاعه عندما أكدت لى السيدة مسؤولة النشر بتلك الدار أنها ستمدنى بدراسات فقهية موثقة من أكبر المراجع السنية فى العالم الإسلامى عن حرمانية زواج المتعة، ثم أضافت السيدة بفخر كأنها قد حررت القدس: إن كل المطلوب منى هو حشو الكتاب بقصص عن الهلاك، الذى ينتظر الأسر التى ترضى بتزويج بناتها زواج متعة، ولا يهم بطبيعة الحال مدى مصداقية تلك القصص.


بتوفيق من الله رفضت العرض السخى، وغنى عن الذكر أن غيرى قد قبل القيام بالمهمة، وأن الكتاب قد احتل مركزا متقدما بين الكتب الأعلى مبيعا فى تلك الدولة العربية!


مثل هذه البذاءة الترويجية مضمونة النجاح لم تلجأ لها «الكرمة» التى اختارت الأصعب والأعمق، لأنه الأنبل والأجمل، اختارت ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض وفق الوعد الإلهى.


ونحن على أعتاب ذكرى نصر أكتوبر العظيم، رأت دار «الكرمة» أن تنشط ذاكرة المصريين والعرب بأن تعيد نشر واحد من أجمل وأرق الكتب التى عايش كاتبها جبهة القتال لسنوات.


الكتاب هو «مذكرات جندى مصرى فى جبهة قناة السويس»، الجندى مسجل المذكرات هو المقاتل الدكتور أحمد حجى، رحمه الله.


تقول بياناته الرسمية، إنه من مواليد عام 1941 بمحافظة الدقهلية، تخرج فى كلية الطب البيطرى فى عام النكسة، وعندما حان ميعاد تجنيده اختار هو بمحض إرادته الذهاب إلى جبهة القتال!


قبل تجنيده كان المقاتل أحمد حجى قد وهب نفسه لخدمة وتنمية مجتمعه، وفق قدراته الذاتية، حيث افتتح مدرسة لمحو أمية الفلاحين والعمال ببلدته «لم تكن مصر قد ضربها سرطان التمويل بعد»، وكان يصنع مجلة حائط لفلاحىّ بلده، محاولا تنمية وعيهم والاستفادة من خبراتهم الحياتية.


وعندما ذهب حجى، رحمه الله، إلى الجبهة كان يعى تماما أنه يعيش لحظات فارقة من عمر أمته، وأن النكسة وإن كانت قاصمة للظهر إلا أنها مجرد معركة فى حرب طويلة وستطول، ولذا بدأ فى تدوين يومياته أولا بأول، لكى تبقى طازجة لم تمسها من ألاعيب الذاكرة شىء.


يوميات المقاتل حجى بسيطة ومركبة مثل شخصيته، فهو الطبيب بما فى الطب من رهافة، وهو المقاتل بما فى القتال من شراسة وضراوة. اليوميات لا تزعم لصاحبها دورا استثنائيا «وإن كان حقا قد قام بدور استثنائى» كما أنها لا تتواضع ذلك التواضع الكذوب الذى يخفى صاحبه خلفه ما تعج به نفسيته من كبر وغطرسة.


هذا الملمح من اليوميات يلتقطه بعينه الخبيرة الأستاذ علاء الديب الذى كتب: «مذكرات بسيطة مضيئة بهذا الحب للوطن، أغنية حزينة قصيرة عن حرب عظيمة منسية، وأبطال أسطوريين، أصلهم من الفلاحين البسطاء».



أول يوميات حجى مؤرخة بـ«الأربعاء» 2 أبريل من عام 1969، أما آخر ما سجله فكان يوم السبت 19 ديسمبر 1970، لم يبق من المساحة سوى سطر أعيد فيه الشد على يدىّ «الكرمة» مرحبا ثم أشير إلى أن بطلنا قد لقى ربه شهيدا قبل يوم العبور.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 1 أكتوبر 2014