الأربعاء، 29 يناير، 2014

الخميس 27 - 1 - 2011




«هاتفتُ صديقى هشام أبو المكارم وكان فى نيتى دعوته للتظاهر ولو منفردين لكسر حاجز صمت شارع فيصل، قلت فى نفسى ربما كان هناك من تتوق نفسه إلى التظاهر فينضمّ إلينا، وساعتها قد تكبر المظاهرة، خاصة والشرطة ليست موجودة فى فيصل بكثافة.

وأنا فى طريقى لمقابلة هشام جاءتنى رسالة نصّية هى الأحلى على مدار عمرى كله، كانت من عبد الرحمن يوسف، وكان نصها يقول (جمعة الشهداء 28 يناير.. بعد الصلاة بمسجدك.. توجه لأقرب ميدان عامّ.. بلّغ 10 أفراد).

احتضنت هشامًا كأنه لم يكُن معى قبل ساعات، وعرضت عليه الرسالة فقال (سنرسلها إلى كل الذين فى قوائم هواتفنا).

رحنا نرسل الرسالة فى صمت كله فرح حتى ضحك هشام ضحكته المجلجلة ثم قال (هل رأيت عمى القلوب؟ كدت أرسل الرسالة إلى ضابط مباحث أمن الدولة الذى تحت يده أوراق ترخيص دار نشرى).

سألت هشامًا عن البرادعى، فقال (لقد أخطأ عندما لم يكن معنا يوم أول من أمس، ومسوغه فى الغياب لا يقنع أحدًا، هو قال إن حضوره كان سيسرق الأضواء من المتظاهرين، هل نمثل فيلمًا حتى يتحدث عن سرقة الأضواء؟!).

أقنعت هشامًا بأن الموضوع هو موضوعنا وعلينا نحن إنجازه. قطع حديثنا اتصال من صديقنا محمد سعد عبد الحفيظ قال فيه (البرادعى عاد وهو وحمدى قنديل وإبراهيم عيسى سيصلّون فى مسجد الاستقامة بالجيزة، لا بد من حمايتهم).

بعد قليل هاتفنى بلال فضل وقال (احشد من تستطيع وتعالَ إلى نقابة المهن التمثيلية، فأنا وخالد الصاوى ندعو إلى وقفة احتجاجية على قتل المتظاهرين فى السويس).

- سأتصل بزملائنا الصحفيين وسأكون عندك فى تمام السابعة.

اتصلت بأكرم القصاص مدير تحرير (اليوم السابع) وأمليته الخبر، فقال إنه سيرسل صحفيًّا ومصوِّرًا لمتابعة الوقفة لنشر مزيد من تفاصيلها. قلت لأكرم إننى سأشارك فى الوقفة، فسكت قليلًا ثم قال (الأحسن أن نوزِّع أدوارنا، دع بلال يتظاهر وكن أنت ضابط اتصال بينه وبين باقى الصحف، وأنا سأكون جاهزًا لنشر ما تريد على موقع (اليوم السابع) فور حدوثه).

فى تمام الثامنة اتصل بلال وأملانى تقريرًا وافيًا عن نجاح الوقفة وتنظيمها.

عدت إلى البيت وأرسلت بالبريد الإلكترونى تقرير بلال إلى صحف (الشروق) و(المصرى اليوم) و(الوفد) و(اليوم السابع) و(القدس العربى) (كم أفتقد (دستور) إبراهيم عيسى!).

عاد محمد سعد عبد الحفيظ للاتصال لكى يخبرنى بضرورة استرخاء الناس والنوم مبكرًا استعدادًا ليوم غد.

هاتفنى هشام قائلًا (هناك شائعات عن قيام حسنى مبارك بقطع خدمة الإنترنت والهواتف الجوالة، عليك إيقاظى غدًا لكى ننزل إلى الشارع معًا).

تليفزيون الحزب الوطنى كما هو، بليد وغائب عن الأحداث، فى (الجزيرة) تقارير مثيرة عن ملاحم فى السويس والإسكندرية وشائعات عن مقتل ضابط ومجنَّد فى القاهرة يوم الثلاثاء.

هاتفَنى بلال قائلًا (صَلاتنا ستكون فى مسجد مصطفى محمود، ومنه سننطلق إلى التحرير. هل بلغتك فتوى الشيخ القرضاوى؟ لقد أفتى بأن من مات فى التظاهر فهو شهيد.. ممكن جدًّا ندخل الجنة ببلاش يا معلم).

لم أقُل لبلال إنى لا أحب مسجد مصطفى محمود، وكنت أكره مصطفى محمود نفسه، لم أقُل له إن أكرم القصاص منعنى من الصلاة فى ذلك المسجد بدعوى أن تأسيسه تم بأموال المخابرات الأمريكية أيام كان مصطفى محمود يشنّ حملات مجنونة ضد عبد الناصر.

الليل طويل جدًّا وممل جدًّا، وأسئلتى تطحن رأسى، كيف سيكون يوم غد؟ كم سيكون عددنا؟ هل سنصبر على ضربهم لنا؟ هل نفعلها هذه المرة؟ هل سيمتدّ بى العمر حتى أرى مصر من دون حسنى مبارك؟

اللهم ثبِّتنا كما ثبَّتَّ رسولك موسى أمام فرعون.. هكذا رحت أدعو حتى سقطتُ فى النوم».


السطور السابقة كانت مقطعًا من يوميات كنت أكتبها أولًا بأول على مدار أيام الثورة، يومياتى ليس بها أسرار ولا نميمة ولا فضائح، ليس بها سوى هذا الشعب المقاوم الصابر المحتسب الذى صنع ثورته وسيدافع عنها حتى تنتصر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 29 يناير 2014

السبت، 25 يناير، 2014

حفل توقيع






تقيم دار أوراق للنشر والتوزيع حفل توقيع لي بمناسبة صدور المجموعة القصصية "ليلة دخلة شيماء" ، وسيقام الحفل بمعرض القاهرة الدولي للكتاب يوم الأحد الموافق 26 يناير بدار أوراق للنشر – صالة 3 – في تمام الرابعة عصرًا.

الخميس، 23 يناير، 2014

ليلة دخلة شيماء







صدرت مجموعة قصصية لي تحت عنوان "ليلة دخلة شيماء" عن دار أوراق للنشر – صالة 3 معرض القاهرة الدولي للكتاب

بنت الشاطئ



                     
     في صمت يليق بوقارها مضت بنت الشاطئ – أنزلها الله الفردوس الأعلى – عاشت عمرها تشدو وتسمى شدوها كتابة، كانت تسجل اللحظة بكل جوانبها لا تهمل الملامح الخارجية ولا الزمان ولا المكان ولا حتى الرائحة..
 وتأمل إن شئت كتاباتها عن يوم كربلاء ستشم حتمًا خبث دم يزيد وهوينتقم من سيد شباب الجنة الحسين بن علي وستسمع خفق قلب السيدة زينب وهي ترى ذرية النبي واقعة في فخ الانتقام الدموي، هكذا كانت بنت الشاطئ تكتب بشمول وإحاطة تجمع المادة ثم تلقي عليها نظرة الفنان فتتخلق الصورة الموحية بالموقف الذي تتناوله، وهذه المقدرة لم تمتلكها من معايشة التراث، بل امتلكتها بحس "الفلاحة" التي شاء الله لها أن تتعلم على يد أئمة علماء مصر، فبنت الشاطئ عاشت حياتها بوصفها فلاحة متعلمة لا يخدعها أي بريق، بل تسافر وراء الجوهرى حتى لو تكدس فوقه تراب الزمن وبهذا الحس الفطرى كتبت عن نساء النبي وبناته وأمه ولم تنشغل بإيراد الوقائع من حيث هي تاريخ بل وجهت قلمها نحو التقاط الصور الذكية التي إن وضعتها بجوار بعضها البعض خرج لك كتاب حياة الشخصية التي تكتب عنها صنعت كل هذا المجد – الذي سيبقى إن شاء الله – في صمت وتواضع وخوف حقيقي من القارئ، فقد كانت في كل كتاباتها تحرص أشد الحرص على التجويد والإتقان وكأنها تقدم نفسها لأول مرة. رحم الله الأم الجليلة بنت الشاطئ وعوض الإسلام عنها خيراً.
ــــــــــــــــــــــــــ
  نشرت بجريدة  الجيل ــ 6 ديسمبر 1998

الأربعاء، 22 يناير، 2014

حتى شرف المحاولة!!




كان من أبرز عيوب محمد مرسى أنه كان مرشحًا احتياطيًّا لخيرت الشاطر، ومن تلك النقطة طوّر المصريون هجومهم عليه بالطريقة المصرية المعتادة، وشنّعوا بلقب «الاستبن».

الآن يكاد اللقب الساخر يلتصق بكل النخبة السياسية المصرية، فما أن شاعت ترجيحات حول نيّة الفريق أول عبد الفتاح السيسى وزير الدفاع، الترشّح لمنصب الرئاسة، حتى رأينا معظم المرشحين السابقين للرئاسة يعلنون مباركتهم نيّة السيسى التى لم يحسمها بعد، وبعضهم ذهب به الحماس إلى درجة قيامه بمناشدة السيسى علانية لأن يترشّح، وبعضهم أعلنها صريحة مدوية «لن أخوض السباق أمام السيسى».

إننا أمام نخبة تخاف من المبارزة، ولا تجرؤ حتى على التفكير فى نيل شرف المحاولة.

النخبة السياسية تفضّل دور المحكوم، حيث براح النقد والمعارضة والفتوى فى ما هو فوق العرش أو تحت الثرى، وحيث الكلام المجانى الذى لا يدفع قائله أى ثمن له.

هذه نخبة لا ترى نفسها جديرة بأن تتولّى مسؤولية إدارة بلد صنع ثورة تبدو مثل الأساطير من فرط تدفّقها وتسارع موجاتها، بلد ما زال على قيد الحياة يتنفّس بسر معجزة تبدو إلهية، لا أحد من هؤلاء يحاول مجرد محاولة أن يفرض نفسه على المشهد الانتخابى، لم يفكّر أحدهم فى الدعوة لمؤتمرات جماهيرية أو حتى ندوات صالون مغلقة أو حتى إطلالة تليفزيونية يقدّم فيها رؤية جديدة تعالج مشكلات هى إلى الكوارث أقرب، جميعهم يخاف مواجهة جماهيرية السيسى، ولا يجرؤ على الهبوط إلى المحافظات والمراكز والقرى، لكى يحشد جماهيره لتصطف خلفه، أو لكى يصنع له جماهيرية تساند برنامجه.

ورغم كل هذا التخاذل والتراجع نسمعهم وهم يتملّصون من سلبيتهم ويقذفون الشعب بكرة النار، قائلين «الناس تريد السيسى»، وكأن الناس رأت بديلًا محترمًا مقاتلًا شجاعًا غير السيسى ثم خذلته وانفضّت من حوله.

سبق لى ولغيرى أن ذكّرنا هؤلاء بتجربة المناضل سلفادور الليندى، زعيم تشيلى التاريخى، تلك التجربة التى أجدنى مضطرًّا إلى إعادة نشرها معتمدًا على ما رواه الشاعر الفذ بابلو نيرودا، فى سيرته الذاتية «أعترف بأننى عشت»، قال نيرودا الذى كان مديرًا لحملة سلفادور الليندى: «كنت أعرف المرشح، كنت قد رافقته ثلاث مرات سابقة، أقذف الأشعار والخطب عبر أراضى تشيلى الوعرة، ثلاث مرات متعاقبة، كل ست سنوات، كان صاحبى الملحاح جدًّا يرشح نفسه لرئاسة الجمهورية، هذه الرابعة الرابحة».

صمود الليندى واحتماله وجلده جعل مرافقيه دائمًا وراءه، كان ينام حين يعن له النوم، أحيانًا كنا نمضى عبر الأراضى القاحلة اللا منتهية فى شمال تشيلى، الليندى كان ينام نومًا عميقًا فى ركن من أركان السيارة، على حين غرة تبدو نقطة حمراء صغيرة فى الطريق، حين نقترب تتحوّل هذه النقطة إلى مجموعة مؤلّفة من خمسة عشر رجلًا أو عشرين مع نسائهم وأطفالهم وراياتهم، تتوقف السيارة، الليندى يفرك جفنيه كى يواجه الشمس والمجموعة الصغيرة التى كانت تنشد، يتّحد معهم.

ينشدون معًا النشيد الوطنى، ثم يحدثهم حديث النشيط السريع الفصيح البليغ، ثم يعود إلى السيارة فنتابع متجولين عبر طرق تشيلى الطويلة جدًّا، يعود الليندى فيغرق فى نومه دون أى جهد، كل خمس وعشرين دقيقة كان المشهد يعاد، مجموعة رايات، نشيد، خطاب.

لعلنا نلاحظ أن نيرودا يتحدّث عن تشيلى فى مطلع سبعينيات القرن الماضى، حيث لا إنترنت ولا فضائيات ولا هواتف نقالة، لم يكن متاحًا أمام سلفادور الليندى سوى جسده ولسانه.

يواصل نيرودا شهادته، قائلًا: «كان يقابل التظاهرات الهائلة المؤلفة من آلاف وآلاف من التشيليين، يبدل بالسيارة القطار وبالقطار الطائرة وبالطائرة الباخرة وبالباخرة الحصان. أتم الليندى بلا تردد أشغال تلك الأشهر المضنية المنهكة، ومن خلفه كان أعضاء موكبه منهكين مرهقين، ومن بعد حين أصبح رئيسًا فعليًّا وشرعيًّا لتشيلى سبّبت فعاليته غير الرحيمة أربع أو خمس سكتات قلبية بين مساعديه ومعاونيه».


أمثال الليندى يمثّلون النخبة التى نحتاجها الآن، نخبة مقاتلة، شجاعة لا تتهيب المنافسة حتى لو كانت الخسارة مؤكدة.
ــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير بتاريخ 22 يناير2014

الخميس، 16 يناير، 2014

سور الإعلانات العظيم




                                       
في العام 1973 تخلصت إمبراطورية الشر المعروفة إعلاميًا باسم الولايات المتحدة الأمريكية من عدوها اللدود رئيس تشيلي الأسبق المناضل سلفادور الليندي، كان الليندي رئيسًا منتخبًا بطريقة ديمقراطية لا غبار عليها ولكنه كان اشتراكيًا صلدًا وهذا ما لم تغفره أمريكا له، فدعمت عسكر تشيلي الذين انقلبوا علي رئيسهم بالليل.
ما إن تسلم العسكر الحكم حتي قرروا "إلغاء الفقر وشطب الفقراء" نكاية في ذكري الليندي الذي كان مهمومًا بالفقراء، بعد طول تفكير وكما تحدثنا روائية تشيلي الفذة إيزابيل الليندي اهتدى العسكر إلى إقامة سور قسم العاصمة إلى قسمين قسم غني وهو المعترف به وقسم فقير اختفي خلف السور وبهذا قضي العسكر علي الفقر وشطبوا الفقراء، وراحوا يتفاخرون بالمعجزة الاقتصادية التي تحققت علي أيديهم!!
انقلاب تشيلي كان قد سبقه انقلاب الرئيس الراحل أنور السادات علي نهج ثورة يوليو فيما عُرف باسم "ثورة التصحيح" ولأن المصري لا يغلبه إلا الموت وهو أي المصري مبتكر بطبعه إذ سبق له دهن الهوا دوكو وتعبئة الهواء في قزايز "فقد قرر صاحب ثورة التصحيح هو الآخر إلغاء الفقر ولكن بطريقة مصرية، فقام بفتح أسواق البلاد أمام جميع أنواع وأشكال السلع بداية من "الكاوتش اللي بينور" ونهاية بطعام القطط الكلاب الذي يُستورد خصيصًا من أوروبا!!
ثم أظلنا زمن الثورة الخضراء لصاحبها الأستاذ سمير رجب، وبعدها جاءت ثورة النهضة وبعدها جاءت ثورة الصحوة وأصبحنا في غاية من الثورية قل نظيرها، ولأن التجديد يسري في عروق المصري مسري الدم فقد قرر أصحاب الثورات السالف ذكرها تطوير نظرية القضاء علي الفقر تطويرًا يناسب "الفكر" والفقر الجديدين.. الجماعة ــ الشهادة لله ــ كانوا عند حسن ظن العبقرية المصرية بهم لأنهم ــ وللحق ــ ابتكروا طريقة جديدة في إلغاء الفقر عُرفت بالاسم الكودى "سين عين" أي سور الإعلانات، فقد أغرقوا البلد بطوفان من الإعلانات علي كل شكل ولون يا باتستة!! بداية من الإعلانات عن مراعي الخراف الخضراء وليس نهاية بمراعي الرجال البنفسجية!! كل ما تشتهيه الأنفس موجود، فلو أردت شقة  مساحتها عشرة ملايين متر تطل علي نيل مدينة نصر؟ ستجدها إن شاء الله، وبقسط لا يتجاوز مليون جنيه شهريًا، هل تريد محطة فضائية تبث أغاني كلبك المفضلة؟ ادفع تحصل علي شفرة الإرسال فوراً، هل تريد الاستماع إلى موسيقي الجاز بينما خالتك تحلب الجاموسة؟ لو دفعت ستصلك خدماتنا فوراً.
بعد عشرين عاماً من عامنا هذا لن يصدق باحث ــ ولو كان منحازاً للفقراء ــ أن مصر قد شهدت فقراً "دكراً" علي امتداد زمن دولة الفكر الجديد، لأنه وكما يقولون "العينة بينة" والعينة التي تغرقنا تؤكد إلغاء الفقر، فكيف نكون فقراء ولدينا "الربوة والرحاب ومدينتي وخيبتي ووكستي"؟
المشكلة سنواجهها نحن الفقراء عندما يسألنا أحد أولادنا قائلاً: يعني ما كونتوش قادرين تشترولنا فيلا " أكس بلامنص"  دا حتي سعرها علي أيامكم كان مهاود، يعني إيه عشرة مليون جنيه؟.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بصحيفة الديار - الثلاثاء 30 ديسمبر 2008م - العدد السادس

اليوم يومك يا مصرى




بعضهم يتمتع بذاكرة مثل الغربال، تُسقط الحَبَّ وتحتفظ بالقشّ، ثم تظل تفخّم وتعظّم وتمجّد فى قشّها لكى تصنع منه أهرامات من الحكايات التى تبدو للمتعجل (من فرط تكرارها) كأنها الحقائق الثابتة.

أصحاب ذاكرة الغربال هؤلاء، لن يذكروا أمامك أبدًا أن ريق المصريين قد جفَّ من كثرة ما ناشدوا مبارك إجراء تعديلات دستورية تتيح للبلاد تداول السلطة بطريقة سلمية، لم يستمع مبارك قط إلى المناشدات التى لم يكن أصحابها يحلمون بأكثر من تغيير مادتين أو ثلاث، وعندما استجاب كانت الأقلام قد جفَّت وكانت الصحف قد رُفعت.

هؤلاء يتناسون عن عمد أن مرسى قد صنع صنيع مبارك، وسمح لعصابته بأن تكتب دستورًا معوجًّا عنصريا، كان العمل به يهدد الوطن من حيث هو وطن.

الآن والمصريون قد صنعوا معجزتهم بطريقتهم الفريدة، خلعوا رئيسين فى أقل من ثلاث سنوات، وأسقطوا أوهامًا دامت سيطرتها على العقول لعقود، ولم يناشدوا أحدًا ولم يستجدوا أحدًا، فقط غادروا بيوتهم هابطين إلى ميادينهم، مسلحين بعزمهم وتحضرهم ورقيهم لكى يزيحوا عن وطنهم ظلمات تراكَم بعضها فوق بعض.

لقد فعلها المصريون بطريقتهم الفريدة التى لا مثيل لها، كانت ثورتهم تشبه مهرجانًا من الرقىّ المصفَّى والفرح النادر والمعنى الخالد الذى لا زيف فيه، الثورة المصرية بالطريقة المصرية تنغّص أيام وليالى هؤلاء، فيمسخون كل شىء ويسفّهون كل فعل ويستهترون بكل خطوة، يجعلون من أنفسهم فريقين (تحسبهما متعارضَين متناقضَين، بينما هما عملة واحدة ذات وجهين) فريق يبكى على أيام مبارك بوصفها أسعد الأيام وأجملها وأكثرها استقرارًا، والفريق الآخر يطارد فى صحراء ظنونه وأوهامه سراب شرعية مرسى، ولا هدف لدى الفريقين سوى محاولتهم إطفاء فرحة الشعب بثورته.

يخوض الواحد منهم فى عرض الثورة كأنها لقطة وجدناها على باب مسجد أو كنيسة أو بجوار مقلب قمامة، وإذا تحشم الواحد منهم واصطنع الحياء الكاذب تحدث عن الثورة بوصفها فعلاً تم فى الهواء الطلق، بلا تضحيات ولا قرابين دم، بلا خوف ولا قلق ولا ترقب ولا مشاعر، فعل شيطانى نبت فى فراغ العدم وهاوية الجحيم.

لا شعب عند هؤلاء ثار ولا شباب فقدوا نور أبصارهم، هى المؤامرة ولا شىء غيرها يعتمدونها تفسيرًا لثورة شعبنا، مرة هى مؤامرة الأمريكان على مبارك، ومرة هى مؤامرة الصليبية الدولية على مرسى.

يعزّ عليهم أن يعترفوا بجرائمهم التى دفعت الشعب إلى الثورة عليهم، يعزّ عليهم أن يعترفوا بوجود الشعب ذاته، لقد اطمأنوا تحت حماية سلطتهم لإشارات خادعة ظنوا معها أن الشعب قد مات أو رضىَ بهوانه ولن يفيق من غيبوبة الهوان والمذلة أبدًا، حتى إن مبارك كان يجهّز وريثه، وحتى إن مرسى قال إن عصابته لن تغادر الحكم قبل خمسمئة سنة!

لقد ضربت الثورة يقينهم ومن لحظتها وهم يكيدون لها ويُمَنّون أنفسهم بأنها سحابة صيف سرعان ما تنقشع ليعود كل واحد منهم إلى نفوذه وسلطته وتسلطه وفساده الذى تزكم رائحتُه الأنوف.

وما الذى يجرى فى جامعاتنا وشوارعنا وعلى شاشات فضائياتنا ببعيد عن مكائدهم وتربصهم، فبعضهم يروج للدستور ويحشد له، وهو يعتقد أن مرور الدستور سيساعد على عودة دولة مبارك بنظامها ورجالها وفسادها، وبعضهم يسعى سعيه عبر قنابله وعبواته الناسفة ومظاهراته التى تنتهى دائمًا بإراقة الدماء لكى يحول بين المصريين وبين لجان الاقتراع معتقدًا أن فشل الدولة فى إجراء الاستفتاء على الدستور سيعيد مرسى وعصابته إلى الحكم.


كل هؤلاء لم يطالعوا بقلوبهم ورقة من سجلات تاريخ عناد وتحدى ومقاومة المصريين الذين يهبّون فجأة من نومهم لكى يزلزلوا العالم وينسفوا النظريات، يصنعون ذلك بسهولة رشفهم لجرعة ماء، يقدمون دماء أولادهم وهو ينظرون إلى ميلاد الغد الأجمل الذى يليق بتضحياتهم، لقد صحّ عزم المصريين على تخليص بلادهم من عصور الظلمات وسطروا الكلمات الأولى فى سِفْر الخروج إلى رَحابة النور وتدفق الضياء، ولن يتركوا الفرصة تفلت من بين أيديهم وسيواصلون تقدمهم نحو تحقيق أهداف ثورته شاء من شاء وأَبَى من أَبَى.
ــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير في 16 يناير 2014

الخميس، 9 يناير، 2014

الجوع التاريخى




قرأت فى جريدتنا «التحرير» تلخيصًا لمقابلة تليفزيونية أجراها الإعلامى يوسف الحسينى مع الدكتور أيمن فريد أبو حديد وزير الزراعة، وبثتها فضائية «أون تى فى».

كان التلخيص صادمًا فقررت رؤية المقابلة كاملة على موقع الفضائية، للأسف اكتشفت أن التلخيص كان دقيقًا وأمينًا. معالى وزير الزراعة قذفنا بالحقيقة الموجعة، قال: «نحن نستورد معظم طعامنا، ولكى نحقق الاكتفاء الذاتى فنحن نحتاج إلى زراعة عشرة ملايين فدان، إضافة إلى الثمانية ملايين فدان التى نزرعها، وهذا مستحيل لعدم وجود كميات من الماء تسمح لنا بهذا التوسع، وقد ننتظر ما بين عشرة أعوام إلى خمسة عشر عامًا لكى يتقدم العلم أكثر فأكثر ويومها قد نحصل على شىء من ماء البحر الذى ستتم تحليته».

كلام معالى الدكتور أبو الحديد واضح لا يحتاج لشرح أو تفسير، هو يؤكد أن جوعنا المذل هو نوع من الجوع التاريخى الذى يستحيل معه الشبع، جوع سرمدى أزلى، لا علاج له، سنظل مصلوبين على بوابات الهبات والمنح والقروض، ولن نعرف الشبع أبدًا.

كانت الثورة قد غرستْ فى أعماقنا حلم الجنائن وحقول القمح الشاسعة والمدن الجديدة المرتبة النظيفة، حتى أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من امتلاك ناصية الحلم بزراعة، لا سموم فيها ولا تهجين، ولا مسخ للمذاق ولا طمس للطعم، ثم جاء كلام معالى وزير الزراعة ليضرب أحلامنا فى مقتل، سنظل جوعى نمد اليد نستجدى أهل الكرم والإحسان، ونمد اليد لنفرط فى قرارنا الوطنى مقابل سد جوعنا.

لا أعيب على معالى الوزير كلامه الصريح الذى لا لبس فيه، ولكن أليس ثمة تفكير غير هذا التسليم بالجوع، كأنه القضاء والقدر؟ أليس ثمة حل آخر غير شحاذة الطعام أو استيراده؟ هل زراعة عشرة ملايين فدان أمر مستحيل فعلًا؟ أم أن للقصة غوامضها وخوافيها التى لن نطلع عليها؟

وعلى نفس موجة التسليم بما هو كائن يسبح السيد إسماعيل النجدى رئيس الهيئة القومية للأنفاق، الذى صرح للزميلة ميساء فهمى بـ«جريدة الشروق» بأن القاهرة الكبرى تحتاج إلى 12 خط مترو أنفاق، حتى يمكن القضاء على الأزمة المرورية، التى يتوقع أن تتفاقم مع الزيادة السكانية التى من المتوقع أن تجعل عدد سكان القاهرة يصلون إلى 26 مليون نسمة.

وأضاف النجدى أن حركة المرور فى القاهرة لا تزيد على 10 كيلومترات فى الساعة وقت الذروة، ما يكلف مصر خسائر تصل إلى مليار جنيه سنويا نتيجة الفاقد فى العمل بسبب الزحام.

وحذر نجدى من أنه فى حالة عدم الانتهاء سريعا من خطوط المترو ستصل سرعة السيارات إلى ٦ كيلومترات فى الساعة، مما يؤدى إلى توقف الحركة فى شوارع العاصمة.

ولفت السيد إسماعيل نجدى الأنظار إلى أن حال الإسكندرية لن يكون أفضل من حال القاهرة، خصوصا عندما يصبح تعداد سكانها تسعة ملايين نسمة.

انتهى كلام السيد إسماعيل الذى يفكر فيه من داخل نفس الصندوق القديم المتفسخ، الحل عنده ليس فى مدن جديدة عملاقة لا تعرف العشوائية تستوعب زيادات سكانية متوقعة، الحل عنده هو فى المزيد من البقع التى تزيد وجه العاصمة قبحًا على قبح، الحل عنده هو مواصلة ترميم البيت الآيل للسقوط على رؤوس ساكنيه وليس البحث عن سبل بناء بيت جديد متين يحافظ على الأرواح ويوفر طرقًا آدمية للمعيشة.

كلام السيدين، وزير الزراعة ورئيس هيئة المترو يلزمنا بأن نسأل أنفسنا: ما المطلوب من المصريين لكى يأملوا فى حياة مقبولة؟

لقد صنع المصريون ثورتين فى أقل من عامين وقدموا آلاف الأرواح قربانًا للثورتين، هل هناك ثمن أفدح من الذى دفعناه لكى نواصل حلمنا بعيشة لا أقول راقية، ولكن مقبولة؟


هل كل تلك العقول وكل تلك الخبرات تقف عاجزة مستسلمة أمام وحوش الجوع والمهانة التى تنهش الوطن وتقف عاجزة أمام أزمة مرور خانقة وطاحنة تجعل من شوارعنا مصائد لقتل الأمل فى أى تقدم ونهضة؟
ـــــــــــــــــــــــــ
نشرت في جريدة التحرير في 8 يناير 2014

الاثنين، 6 يناير، 2014

في مديح 2013









كانت الورقة عادية جدًّا، كأنها منزوعة من كراسة طفل فى صفه الأول الابتدائى، كانت خالية من أى زخرفة، كانت بسيطة مثل تحية الصباح ومألوفة مثل يوم من أيام نتيجة الحائط. الورقة العادية كانت تحملها يد بنت عادية تمامًا، لا تتمتع بأى محسنات أنثوية، بنت تصلح بامتياز لأن تكون بائعة فى محل ملابس أو خطيبة لشاب تشاركه الحلم بشقة من غرفتين وصالة وحمام ومطبخ ضيقين، وبلكونة صغيرة تكتسب أهميتها فى كونها المكان الملائم لنشر الملابس وتخزين الثوم والبصل أحيانا، وفى ساعات الصفو النادرة ستشرب مع خطيبها الذى سيصبح زوجها كوبين من الشاى المنعنع فى تلك البلكونة الصغيرة، وسينظران للسماء ويدعوان الله أن يفتح لهما أبواب شقة أوسع.

تلك البنت العادية تمامًا ستقطع بصنعة لطافة طريق المصريين فى يوم يبدو عاديًّا تمامًا لتقدم لهم ورقتها العادية. تلك الورقة ستعرف فى ما بعد باستمارة «تمرد».

هذه الورقة العادية ستقلب الدنيا رأسًا على عقب، ستهدم نظريات وتنسف مقولات، ستصبح كابوسًا لأهل الاستراتيجية والتخطيط، هذه الورقة العادية ستجعل المصريين يظهرون فى صورة سائق تحسبه أرعن، يعطيك إشارة ضوئية تؤكد اتجاهه ناحية اليمين، وعندما تطمئن لحركته إذ به يباغتك ويتجه يسارًا، بل يباغتك ويبتدع مسارًا لم يخطر ببالك قط.

البنت العادية صاحبة الورقة العادية ستواجه عصابة مسلحة بفكرة وقنبلة، فكرة العصابة هى فى حد ذاتها قنبلة، الفكرة قديمة جدًّا، هربت أو تهربت أجيال وقامات من مواجهتها، كل جيل يلقى بها للجيل الذى يليه، وكل قامة تقذف بها للقامة التى تليها، حتى القامات التى تجرأت على مواجهة فكرة العصابة والتصدى لها، دفعت ثمنًا فادحًا، جعلها لا تقطع شوط المواجهة إلى منتهاه، ولا تمد الخيط إلى آخره.

من كان يصدق أن البنت العادية التى خرجت من بيت أبيها العادى صباح يوم عادى حاملة ورقة عادية ستهز أركان الدنيا؟

وحده العام 2013 كان يصدق البنت العادية ويؤمن بقدراتها الخارقة، التى لا تبصرها عيون الاستراتيجيين ولكن تبصرها قلوب أولاد البلد التى لم تطمسها خرافات التنظير والقولبة.

وحده العام 2013 كان يخبئ بين ضلوعه الورقة العادية، وحده كان يحشد ويحتشد لكى يدعو الملايين إلى مغادرة بيوتهم فى صباح الثلاثين من يونيو، لكى يكتبوا بحشودهم الهادرة الغاضبة كلمة النهاية لمسرحية سخيفة طالت فصولها لعشرات السنين.

البنت العادية صاحبة الورقة العادية سافرت فى المكان والزمان، جمعت مصر بنيلها وصحرائها، بنخبتها وأولاد حواريها، وأقسمت أنها لن تغادر خيمتها التى ضربتها أمام قصر الاتحادية حتى ترى بعينيها الفاشل وهو يغادره مطرودًا.

كأن 2013 قد استملَحَ البنت العادية وقرأ شجاعتها على وجهها الصحيح، فأراد أن يرد لها الجميل، فواصل معها السعى فتم فض تجمع إرهابى مسلح بالشرّين معًا: شر الفكرة وشر القنبلة، ومن الفض الذى كانت تحول دونه الدنيا تقدم 2013 ويده بيد البنت العادية ليكتبا معًا الكلمة الأولى فى سفر الاستقلال الوطنى، لم يخافا ولم يرتعشا عندما أرغى وأزبد باراك أوباما الذى يظن نفسه رئيس مجلس إدارة الكون، لم يهابا معًا مقاطعة هنا وهجومًا هناك، انطلقا محلقين مثل صقرين نحو الأفق المضىء، حيث دستور جديد ليس فيه من رطانة زواج الصغيرة ولا إرضاع الكبير شىء، دستور يصلح لأن يكون تأسيسًا لمصر النظيفة التى ستشفى بعونه تعالى من الفتن والشرور التى خلقتها عصابة أسكرتها الفكرة والقنبلة.


يومًا ما وعسى أن يكون قريبًا سيقف 2013 على رأس الأعوام مفاخرًا، سيقول بملء فيه: أنا سيد أعوامكم، سأذهب بعيدًا وعميقًا، لن أترك جروحكم تلتئم على صديدها، لن أترك قلوبكم تشقى بأوهام عصابة الشر، لن أترك شوارعكم تحت رحمة قناصتها، لن أترك برلمانكم للدببة، لن أترك قصركم الجمهورى لفاشل أو إمّعة، كفِّى ستحتضن كف البنت العادية وسنكمل معًا طريقًا بدأه شقيقى 2011.
ـــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 1 يناير 2014

الخميس، 2 يناير، 2014

الرسالة



    
                  
س : هل كتبت أنكم في الجيل لن تنشروا صورًا عارية؟
جـ : نعم كتبت.
س : من حرضك على هذا الفعل؟
جـ : مجلس التحرير المكون من رئيس التحرير ورؤساء الأقسام وأعضاء الديسك المركزي.
س : هل وافق الجميع على هذا المبدأ؟
جـ : وافقوا.
س : هل تلقيت رداً يعلق على هذا الموقف؟
جـ : سيلاً من الردود، معظمها رافض لهذا المبدأ وساخر منه ومراهن على فشلنا في تحقيقه، والذين أعلنوا تأييدهم كانوا مشفقين علينا من هذا الاختيار الصعب.
س : ألم تخف أن يأتي حدث يجبركم على نشر صور عارية؟
جـ : هنا يا سيدي مربط الفرس فأنا أزعم أنه لن يكون هناك حدث تتوقف تغطيته على نشر صورة عارية.. ثم إن جميع الأخبار التي تستدعي نشر صورة عارية هي في المقام الأول أخبار نميمة وحفلات يعني أخبار "لا راحت ولا جت".. أما الذي أؤكده فهو أن الذين تتصدر صفحاتهم الصور العارية يفعلون ذلك بحثاً عن الرواج في السوق ليس أكثر.. وأخبرني باسم جريدة أو مجلة جاءت بصورة كانت مرتبطة بحدث.. الأمر كله "تلكيك" في "تلكيك" يسمع أحدهم – أو لا يسمع – أن الراقصة الفلانية قصت أظافرها فيسارع بنشر صورة في الصفحة الأولى أقل ما يقال عنها إنها فاضحة.. الموضوع ببساطة أن الصحفيين يصنعون ما يصنعه مخرجو السينما الذين يكدسون أفلامهم بالمشاهد الجنسية ويقولون هذه المشاهد مرتبطة بالسياق الدرامي.
س : إذاً هذه رسالة؟
جـ : لا أفضل استخدام الألفاظ ذات المعاني الكبيرة وكل ما أعرفه عن الرسالة أنها اسم لفيلم لم يعرض في مصر.
ـــــــــــــــــــــــــ
 الجيل ــ 15 نوفمبر 1998