الخميس، 29 أغسطس، 2013

الماء العَكِر






سنحتّ فرص الذيوع والانتشار أمام الأستاذ أحمد عامر، معلم فن تجويد القرآن (نشهد له بأنه انتهزها جميعا) فقد تبنته أولا جريدة «الأسبوع» فى بدايات صدورها، ولم يكن بها إخوانى واحد، ووهبته مساحة يتقاتل عليها الكُتّاب المحترفون، ثم كتب عنه أكثر من يسارى مادحا محاولته إحياء مدرسة التلاوة المصرية، ثم تلقفته فضائية «دريم» وأفردت له برنامجا كان يذاع لسنوات عديدة فى ساعات المشاهدة المتميزة. كل هذا والرجل يطل علينا بوجهٍ بشوش يعلمنا فن التجويد فى رفق ثم ينصرف كل منا لشأنه، لم نعرف عنه قط أى انتماء لأيديولوجيا ولا تنطعا فى الدين، ثم حانت ساعة الحقيقة، ساعة أن التقى الجمعان، الشعب المصرى فى مواجهة عصابة حسن البنا، ساعتها نزع عامر عن وجهه قناع البشاشة واللطف وصعد منصة رابعة صارخا: «لا إله إلا الله، محمد رسول الله، دافعوا عن إسلامكم» ثم قال كلاما كثيرا ملخصه أن خالعى مرسى لا يريدون خلعه فحسب، بل يريدون إخراج الإسلام من مصر!

لماذا يكذب الرجل ويجعل خلع مرسى خلعا للإسلام؟ ألم يراجع نفسه لحظة ليكتشف أن الذين أتاحوا له الشهرة والمال هم جماعة من المسلمين؟

بأى دين يبيح لنفسه الدفاع عن عصابة مجرمة، هو لا ينتمى إليها تنظميا؟

هل الدودة حقا فى أصل الشجرة، كما قال صلاح عبد الصبور؟

هل كل الانتماء ولو بالتعاطف مع عصابة البنا يجعل المرء كذابا لوجه الكذب؟

ثم إذا تركنا الدكتور عامر يواصل صرخاته فى إشارة رابعة سنجد أنفسنا نقرأ للدكتور ناجح إبراهيم «المصرى اليوم 24 أغسطس الحالى» مقالا طويلا عريضا يخبرنا فى مقدمته أن فترة سجنه قد تبحر فى قراءة التاريخ القديم والحديث والمعاصر، وأن قراءاته قد هدته إلى سؤال عويص وهو: «لماذا كلما تصارع أهل الدعوة والدين على السلطة مع أهل السياسة والحرب.. انتصر أهل السياسة والحرب».

ثم بعد سؤاله الذى شغله لسنوات يمطرنا الدكتور ناجح الذى قال إنه تاب عن القتل بأمثلة عن انتصار أهل السياسة على أهل الدعوة، من انتصار معاوية على الحسن وانتصار الحجاج على عبد الله بن الزبير وصولا إلى انتصار يزيد بن معاوية على الحسين!

ثم بعد الدوران حول محور التاريخ الإنسانى يقول ناجح إبراهيم نصا: «ولا أدرى هل ما زال التاريخ يكرر نفسه حتى الآن أم ماذا؟ فكلما وصل أهل الدعوة والدين إلى السلطة أزيحوا عنها قهرا وقسرا.. وكلما اقتربوا من الوصول إليها بعدت عنهم أكثر.. لقد حارب العلويون أهل الدين والدعوة ملوك الأمويين قرابة مئة عام على الحكم.. فقتل معظمهم وأسر بعضهم ونكل بهم دون جدوى. لقد تفكرت فى هذا الأمر منذ قرابة 15 سنة.. وها أنا ذا أعيد التفكير فيه مرات ومرات.. فهل حقا يعيد الزمان نفسه.. يبدو أنه يفعل ذلك مرات ومرات».

ما الرسالة التى يريد ناجح إرسالها لقارئ مقاله؟

أظنها واضحة جدا، جماعة الإخوان هى جماعة الدين والدعوة تنهزم شأن كل أهل الدين والدعوة أمام جماعة السياسة والحرب!!

كان ناجح حتى سنوات قريبة قاتلا ومقاتلا فى صفوف جماعة إرهابية تُعرف إعلاميا باسم (الجماعة الإسلامية) وكانت جماعة الأخ ناجح قد خدعتنا وأوحت إلينا بأنها على عداء ظاهر مع عصابة حسن البنا، ولكن حين جد الجد وحانت ساعة الفرز رأينا أئمة جماعته عاصم عبد الماجد والزمر وغيرهما يصعدون منصة رابعة وينتصرون لعصابة البنا، بل ويقتلون لحسابها، ثم ها هو الأخ ناجح يلوى عنق التاريخ، بل والجغرافيا ليخبرنا بأن عصابة البنا هم أهل الدعوة والدين الذين وصلوا إلى السلطة وتمت إزاحتهم عنها قهرا وقسرا.

لم يكتب الرجل كلمة واحدة فى مقاله عن فشل أهل دينه وأهل دعوته، ولم يذكر شيئا عن غطرستهم وفسادهم، لم يشر مجرد إشارة إلى رعونتهم وتهديده الدائم بحرق البلد إن لم تخضع لحكمهم.

من الواضح أن العيب ليس عيب عامر وناجح، بل العيب هو عيبنا نحن الذين كنا نظن أن الماء العكر ربما يصفو فى يوم من الأيام.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 29 أغسطس 2013
لينك المقال بموقع التحرير:

الخميس، 22 أغسطس، 2013

إقصائى وأفتخر




الآن حصص الحق، ولم يعد أمام الرجال إلا أن يكونوا رجالًا كما خلقهم الله وليس أمام النساء إلا أن يكن نساءً كما خلقهن الله، أما الذين ارتضوا لأنفسهم التخنث فلا كرامة لهم، وهم سقط متاع لا نلتفت إليهم احتقارًا لمرض أصاب قلوبهم وباقى أعضاء أجسادهم.


بلدنا الآن يخوض معركة القرن، فى القرن الماضى خضنا معركة التحرر من الاحتلال البريطانى، وفى قرننا هذا نخوض معركة التحرر من الاحتلال الأمريكى، هذا الاحتلال الخبيث الذى قبض على حاضرنا ومستقبلنا منذ أن قالها السادات : «99% من أوراق اللعب بيد الولايات المتحدة الأمريكية»، من يوم تلك المقولة ونحن نأكل بأمر أمريكا ونشرب بأمر أمريكا ونذهب إلى فراشنا بأمر أمريكا التى لا يهمها شخص الذى يتولى الحكم، ولكنها تهتم جدًا بتجنيده لصالح خدمة أهدافها، ولذا لم يكن مدهشًا بحال من الأحوال أن تتحالف مع عصابة حسن البنا، لكى تضمن استمرار دوران مصر فى فلكها.

حربنا فى عمقها ليست مع عصابة حسن البنا، هؤلاء ليسوا أكثر من آلة يديرها المحتل الأمريكى الذى يريد فرض شروطة كاملة على مستقبلنا كله.

ولأن هذا الاحتلال هو أخبث احتلال نتعرض له، فهو يطيل فى عمر وجوده البغيض، محتميًا بأفكار يروج لها جماعة اكتشفنا مؤاخرًا أنهم ليسوا أكثر من جماعة غلمان تدين بكامل الولاء لعصابة البنا، هم غلمان وإن تجاوز بعضهم السبعين من عمره، كنا نحسبهم من الرجال، ثم سقطت الأقنعة وظهر تخنثهم الذى تخجل منه الرجولة والأنوثة.

لقد تطاول الغلمان على يومنا الخالد (30 يونيو) ووصفوه بالانقلاب العسكرى، وراح غلام منهم أسس لأسطورته محتميًا بتلمذته على يد الأستاذين الكبيرين محمد حسنين هيكل وأحمد بهاء الدين يقود حملة إحصاء لجماهير الأمة التى تدفقت إلى الشوارع لكى يثبت أن العدد ليس أكثر من 600 ألف متظاهر، كان هذا الغلام المدلس يريد جرنا إلى معركة إحصائية لكى يوازى بين جماعة إرهابية تدرعت بالنساء والأطفال فى رابعة والنهضة وبين جماهير الأمة التى غادرت بيوتها عاقدة العزم على إسقاط حكم عصابة البنا. وعندما خاب سعى الغلمان وتأكدوا أن الشعب سيحمى جيشه الوطنى ولن يقدمه لقمة سائغة للعدو الأمريكى بدؤوا عزف نغمة أخبث، إنهم الآن وقد أضافوا إلى خندقهم حثالة من الجوارى

يريدون ترويض الشعب وفى المقدمة منه جيشه الوطنى كى يخضع لعصابة حسن البنا، إنهم يقولون بحتمية المصالحة السياسية والاجتماعية مع تلك العصابة التى تعتنق استباحة الدماء شريعة ومنهاجًا.

فإن كان لك صبر أيوب على البلايا وذهبت تناقش هؤلاء الغلمان لن تجد لهم إلا جملة واحدة يرطنون بها، إنهم يقولون: «يجب دمج جماعة البنا فى الحياة السياسية بوصفها فصيلًا من فصائل القوى السياسية».

ويا غلمان عصابة حسن البنا لقد جربنا مصرية ووطنية عصابتكم، لقد رأينا بعيوننا كيف يطلقون الرصاص بشكل عشوائى على كل المصريين وكيف يحرقون الكنائس ويدنسون المساجد. يا غلمان عصابة حسن البنا، عن أى سياسة تتحدثون؟ عن سياسة مصادرة الدولة لصالح عصابة؟ أم عن سياسة التفريط فى ترابها؟ أم عن سياسة قنص جنود وضباط الجيش والشرطة فى سيناء؟

غلمان عصابة حسن جماعة البنا فى الصحافة والفضائيات ومواقع التواصل الاجتماعى يريدون تخويفنا، ووضعنا بين شرين، إما أن نقبل باستمرار وجود عصابتهم فى المشهد السياسى وإما أن نقبل بقتلنا ثم لا نشكو ولا نرد الرصاصة بالرصاصة.

ولأن الغلمان والجوارى بضاعتهم دائمًا ليست عقولهم بل أعضاء أخرى من أجسادهم، فقد فات عليهم أن هذا الشعب ساعة أن يحين الجد، هو أسطورة مقاومة تمشى على الأرض، إن الشعب الذى هزم كل الغزاة لن يقف عاجزًا ولا خائفًا أمام عصابة حسن البنا، إنه الخروج الأخير، إنه الطرد التام والكامل، إنه الإقصاء وصولًا للاستئصال، فبعد أن أطلقت عصابتكم الرصاص على الشعب لم يعد لديها مكان على أرضه.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 22 أغسطس 2013
لينك المقال على موقع التحرير:
http://tahrirnews.com/columns/view.aspx?cdate=22082013&id=ce048ffa-3a12-4cb5-a38e-5f36bb9dc8c9

الخميس، 15 أغسطس، 2013

نفاق أمريكى






ترتدى الحضارة الأمريكية ثوب نفاق من قطن أمريكى، نسجته يد أمريكية وتروج له آلة إعلام أمريكية فكأنه بين كل أنواع النفاق نفاق أمريكى خالص لا مثيل له، دمرت أمريكا العراق بزعم تحرير الكويت، ثم عادت لتدمير العراق بزعم تخليصه من أسلحة الدمار الشامل، ثم عادت لتدمير العراق بزعم نشر الديمقراطية، ثم ها هم الأمريكان فى حالة من حالات نفاقهم النموذجية يبكون على شرعية المخلوع محمد مرسى ويتقولون على يومنا الخالد (30 يونيو) ويصفونه بالانقلاب على الشرعية، يتجاهلون عن عمد إرهاب جماعة الشر الذى يحصد أرواح جنود ضباط وجنود جيشنا فى سيناء، ثم يولولون على شرعية مزعومة.

هنا نذكر بنموذج قديم من النفاق الأمريكى.

يقول التاريخ إن الكاتب الإيطالى كورزيو مالابارته كان يعمل فى أثناء الحرب العالمية الثانية (هى حرب فرضتها أوروبا على العالم) مراسلًا لإحدى الصحف على الجبهة الروسية، وعندما استسلمت إيطاليا عاد إليها وعمل ضابط اتصال بين حكومة بلاده وقوات الحلفاء التى دخلت إيطاليا تحت قيادة الجنرال الأمريكى كلارك بزعم تحريرها من الفاشية.

سجل مالابارته خطوات تحرير الأمريكان لبلاده من الفاشية فى سيرته الذاتية (الجلد) التى كان شاعرنا الفذ صلاح عبد الصبور أول من نقلها إلى العربية.

يقول مالابارته: «كنت أجوب نابولى مع صديقى الكولونيل الأمريكى جاك هاملتون وكان منظرنا بملابسنا النظيفة ووجوهنا التى يبدو عليها الشبع يبدو غريبًا بين الأنقاض والجوع، كان النساء يقلن فى صوت هامس لجنود الحلفاء: الولد بدولارين والبنت بثلاثة ووجدت نفسى أسأل صديقى الأمريكى: هل تريد بنتًا صغيرة بثلاثة دولارات؟».

وذات مساء اصطحبنى صديقى الأمريكى لكى أرى عن قرب عذراء إيطالية!

كان على باب غرفة العذراء حفنة من الجنود بعضهم أمريكى وبعضهم إنجليزى أو بولندى، دفعنا لامرأة كهلة دولارين، ودخلنا حجرة العذراء، كانت تجلس على السرير وقدماها قد تدليتا على الأرض، وكانت تدخن فى سكون، كانت تبدو صغيرة جدا وإن بدت عيناها كعيون العجائز، جاء صوت المرأة: «كفى اشتغلى» سحقت الفتاة سيجارتها على الأرض، ومدت يديها إلى ثوبها، ثم بعد لحظة كانت تستلقى على السرير عارية تمامًا وكان وجهها نصف مفتوح فى ضيق، وصاح صوت من ورائنا: «إنها عذراء ويمكنكم أن تلمسوها ولا تخافوا، إنها لا تعض، إنها لا تؤذى أحدًا». مد زنجى يده ولم تتحرك الفتاة ظلت تنظر بعينين مليئتين بالخوف واللعنة، ثم انتهى العرض ولبست ثوبها وانتزعت من بين شفتى بحار إنجليزى سيجارة، ثم خرجنا وكانت خطانا تتناثر على أرض الحارة مليئة بالخزى والمذلة، قلت للأمريكى: «لا بد وأنكم مزهوون، لأنكم قهرتم أمة إلى هذا الحد، فبدون تلك المناظر كيف كنتم ستحسون أنكم منتصرون».

ثم بضربة مشرط يذهب مالابارته إلى رأس الدمل الأمريكى فيقول: «كان الجنرال كلارك قد أقام مأدبة عشاء تحية لمسز فلات وهى أمريكية تعمل فى الصليب الأحمر تشرف على الكثير من أعمال الخير، طبخ لنا طباخ الجنرال سمكة عروس البحر، كانت عينا السمكة مفتوحتين وشفتاها نصف مغلقتين، وكانت بشرتها تلمع كما يلمع ثوب المسز فلات الغامق، ندت صرخة فزع من شفتى المسز فلات وتراجع الجنرال فى مقعده، صاحت المسز فلات: «أبعدوا هذا الشىء الفظيع عنى لم آت إلى أوروبا لآكل لحم الفتيات الصغيرات». رد الجنرال: «لكنها سمكة». فجأة صاح الكولونيل براون وهو من كبار الوعاظ فى الجيش الأمريكى: «ينبغى أن ندفنها».

وجدت الفرصة سانحة للتدخل فقلت: «ولكن ليس هناك مدافن للسمك فى نابولى يا صاحب القداسة، أهل نابولى يأكلون الأسماك ويدفنون الناس، ولكنهم لا يأكلون الناس ويدفنون الأسماك».

قال الواعظ كأنه لم يسمع كلامى: «نستطيع أن ندفنها فى الحديقة».

أحنى الجنرال رأسه موافقًا وأطرقت المسز فلات ثم انحدرت الدموع من عينيها وصاحت: «شكرًا لله».

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير - 15 أغسطس 2013
لينك المقال بموقع التحرير:

الخميس، 8 أغسطس، 2013

موقعة سامية صادق

عندما كنتُ طالبًا بجامعة الأزهر رأت إدارة المدن الجامعية أن تنعم على نزلائها بنسخ من «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية»، كانت الإدارة تضع النسخ فى إطار من السلك ذى الثقوب الواسعة بما يكفى للقراءة.
صباح أحد الأيام وقفت مع زملاء لإلقاء نظرة على عناوين الجرائد، باغتنى الزميل «ع» عندما أخرج قلمه من جيب قميصه ومده قاصدًا صورة صغيرة «بالأبيض والأسود» للإذاعية الرائدة سامية صادق.

سألته بهدوء: «ماذا ستفعل؟». أجاب: «سأظلل الصورة» عدت أسأله مندهشا: لماذا؟ أجاب وهو يرمينى بنظرة نارية: تسأل لماذا؟ دعنى أنا أسألك: هل أنت رجل أم لا؟ وهل هذه امرأة أم لا؟ وهل هذه المرأة سافرة أم لا؟ وهل يجوز لك أن تنظر لشعرها أم لا؟

لحظتها تأكدتُ أن سؤاله «البيولوجى» سيهزمنى شر هزيمة، وتأكدت أيضًا أن سؤالى «الإنسانى» حول كيفية هياج شاب من صورة لسيدة فى عمر أمه لا مجال له هنا.

لم يكن هناك مجال لكى أحدثه عن سامية صادق التى تربينا على صوتها وهى تقدم برامجها «من الشاشة للميكروفون - حول الأسرّة البيضاء - فنجان شاى و..».

الزميل وإن كان قادمًا من الطبقة المتوسطة التى أنتمى إليها فإنه كان مشبعًا بفكر تنظيم ما يسمى بالجماعة الإسلامية، حيث صورة لسيدة وقور تستطيع فتنة شاب فى العشرين من عمره!
كنا قد وصلنا إلى طريق مسدود هو يريد تظليل الصورة وأنا أرفض، وبعد تشابك بسيط بين ذراعينا سيطرت على قلمه وكسرته وألقيت به أرضًا. حاول الزملاء إصلاح الموقف ولكنه هشهم بغطرسة ونظر لى قائلًا: «بتكسر القلم.. ماشى.. بكرة تشوف».

كنتُ مغرورًا، لدرجة جعلتنى أهز كتفىّ سخرية من تهديده الطائش، فى استراحة بين محاضرتين، جاءنى أصدقائى مرتبكين يسألوننى عن حقيقة صدامى مع «ع». غاظنى ارتباكهم من موضوع كنت أراه تافهًا. لم يعجب الأصدقاء تقليلى من شأن «ع» وجماعته.

انفرد بى صديق من نفس محافظة «ع»، وقال إنه لا يستبعد أبدًا أن يحصل هذا الولد على فتوى من جماعته بأننى مرتد وأستحل الحرام، وساعتها سيكون دمى حلالًا له.

ثم همس صديقى: «مسجد المدينة الجامعية يقع فى بقعة تحفها الأشجار وإضاءتها خافتة، وليس بعيدًا أن يخرج عليك أحدهم من بين الأشجار ويطعنك طعنة واحدة تكون فيها نهايتك، ولذا فسنذهب للمسجد فى جماعة لكى لا ينفردوا بك».

كان لدىّ شعور بأن الصديق يبالغ حتى جاءت صلاة عشاء ذلك اليوم، ما إن دخلت وأصدقائى المسجد حتى أشار «ع» إلى جماعته إشارة جعلتهم يتفرقون صانعين مربعًا محكمًا لا يمكن النفاذ منه، نظر إلىّ الصديق الناصح كأنه يقول: «ألم أقل لك؟».

أمام جدية الموقف وخطورته تخليت مرغمًا عن أوهامى «السلمية» ووقفت مخاطبًا الإمام شرحت له الأمر كله وزدت «كاذبًا» بأننى قد هاتفت أهلى الصعايدة وأبلغتهم بأسماء الذين يتربصون بى.

شن الإمام هجومًا كاسحًا على المتنطعين بليدى الحس وعديمى الذوق الذين تهيجهم صورة لسيدة فى عمر أمهاتهم، ولم يكتف الإمام بذلك بل شجعنى على أن أبلغ إدارة المدينة بأسماء الذين يهددونى.

لم ينطق أحد منهم بكلمة وإن كانت وجوههم محتقنة بغضب مكتوم.

عندما علمت إدارة المدينة الجامعية بما حدث عاقبت الجميع وكفت عن عرض نسخ الجرائد!

ثم أمضيت باقى العام الدراسى «من حسن حظى أنه كان الأخير» متوترًا أتحرك بين جماعة من الأصدقاء خوفًا من مدية تهاجمنى من بين الأشجار، لأننى اعترضت على تظليل صورة بالأبيض والأسود لسامية صادق!!!!!

سأكذب لو قلت إننى لا أفتش جوانب صور الفضائيات بحثًا عن وجه «ع» بين المتمترسين فى إشارة رابعة، أولئك الذين لا يريدون تظليل صورة سامية صادق فحسب بل يريدون شطب و«كشط» صورة مصر ذاتها.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشرت بجريدة التحرير 8 أغسطس 2013
لينك المقال بموقع التحرير:

الخميس، 1 أغسطس، 2013

أين اختفى الطفل المعجزة؟

لم يدلل الرسول أحدًا كما دلل أسامة بن زيد بن حارثة. تقول عائشة: «عثر أسامة على عتبة الباب، فشج جبهته»، فقال الرسول: «يا عائشة أميطى عنه الدم» فتقذرته (شعرت السيدة عائشة بقذارة الدم) فقام الرسول وراح يمص شجته (جرحه) ويقول: «لو كان أسامة جارية (فتاة) لكسوته وحليته».
ويصف أسامة نفسه تدليل الرسول له فيقول: «كان نبى الله يأخذنى فيقعدنى على فخذه ويقعد الحسن بن على على الفخذ الأخرى ثم يضمنا ويقول: اللهم ارحمهما فإنى أرحمهما اللهم أحبّهما فأحبّهما».
وفى يوم النصر الأعظم، فى يوم عودة الحق لأصحابه، يوم عودة الرسول إلى وطنه مكة، كان أسامة رديفه (يركب خلفه الحصان أو الجمل حتى يمس جسده جسد الرسول)، وعندما دخل الرسول إلى الكعبة بعد رحلة شوق دامت سنوات لم يصطحب معه غير أسامة بن زيد وبلال بن رباح.
وحدث أن أفتقد الرسول أسامة فأخر الإفاضة من عرفات وظل ينتظر والناس معه ظهور أسامة، فلما ظهر أسامة قال بعض أهل اليمن: «إنما حبسنا من أجل غلام أسود أفطس».
ولبس الرسول يوما عباءة فاخرة، وخطب الجمعة وهو يرتديها فلما هبط من على المنبر خلعها وأهداها لأسامة.
ثم كبر أسامة شيئًا ما فعَهِد إليه الرسول بقيادة فرقة من الجيش (كان أسامة وقتها فى نحو الثامنة عشرة من عمره) وعندما عاد من أرض المعركة دخل على الرسول فوجده متهلل الوجه، فقال له الرسول: «حدثنى فحدثه أسامة عن مجريات المعركة حتى قال له: لما انهزم القوم (قوات العدو) أدركتُ رجلًا منهم وأهويتُ إليه بالرمح فقال الرجل: لا إله إلا الله فطعنته فقتلته».
فتغير وجه الرسول وقال: «ويحك يا أسامة فكيف بك بلا إله إلا الله، ويحك يا أسامة فكيف بك بلا إله إلا الله «
وظل يرددها حتى لوددتُ أنى انسلختُ من كل عمل عملته واستقبلت الإسلام يومئذ جديدًا».
هذه الحادثة ستجعل أسامة يخشى كل قتال لأى مسلم حتى لو كان فى إسلامه نوع من الخداع، ثم كأن الرسول أراد أن يصحح موقف أسامة بطريقة عملية، فأسند إليه القيادة الكبرى للجيش (كان من بين جنوده الصديق والفاروق) فبلغ الرسول أن أناسًا لا يرضون بقيادة هذا الشاب أخضر العود ليِّنه، فصعد الرسول المنبر وخطب قائلا: «أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة (حركوا الجيش) فلعمرى إن قلتم فى إمارته (شككتم فيها) فلقد قلتم فى إمارة أبيه، وإنه لخليق للإمارة (يستحقها عن جدارة) وإن كان أبوه لخليق بها».
ثم مات الرسول وتحرك الجيش وكان سيحارب الروم (كأنها أمريكا الآن) وانتصر أسامة نصرًا مبينًا ولم يخسر جنديا واحدًا من جنوده.
ثم ماذا؟ لقد اختفى هذا القائد الطفل المعجزة من التاريخ الإسلامى، لا نلمح اسمه بين أسماء القادة أو المتصدرين للمشهد العام، والعجيب أن عمره قد امتد حتى توفى فى آخر عهد معاوية بين أبى سفيان (نحو سنة 60 هـ). لقد اعتزل كل شىء وأقام فى منطقة بجوار المدينة خائفًا من لعنة دم الرجل الذى قتله بعد أن نطق بالشهادة.
هل تصل الرسالة إلى هؤلاء الذين يعسكرون فى ميدانى رابعة والنهضة ويحرضون على قتل المصريين، بل يقتلون ضباط وجنود الجيش والشرطة، ثم نراهم يتحدثون ليل نهار عن تقواهم وتعظيمهم لحرمة الدم؟
________________________________
نشرت بجريدة التحرير -  1 أغسطس 2013
لينك المقال بموقع التحرير: