الثلاثاء، 25 أكتوبر، 2011

حجازى يحرر نفسه





كنت فى زيارة لأصدقائى بمجلة روز اليوسف، فى الممر المؤدى إلى مكاتبهم، لمحتها تتألق بين مجموعة لوحات لأهم فنانى الكاريكاتير العربى، إنها لوحة لحجازى ،

تصور رجلاً فقيراً جداً، كل تفاصيل اللوحة تبرز فقراً ليس بعده فقر، فبطل اللوحة لا يرتدى سوى «بنطلون بيجاما من الكستور الرخيص» وفانلة داخلية ممزقة، ولحيته لا هى حليقة ولا هى طليقة، ويجلس على سرير له مرتبة رثة ووسادة أشد رثاثة، و«ملة» السرير مقطعة، وأسفل قدمىّ الرجل يوجد «شبشب» ممزق، وأعقاب السجائر الرخيصة تملأ أرضية الغرفة العارية التى لا تكسوها حتى حصيرة من البلاستيك ناهيك عن وجود سجادة، هذا الرجل الفقير جدا، رسمه حجازى بفنه القادر وهو يقول بيقين كامل: «بكرة هبقى غنى جداً، وأتذكر الأيام دى وأموت من الضحك».
كدت أنا الذى يموت ضحكا وإعجابا بهذه اللوحة التى تختصر «الروح» المصرية.
تفحصت الممر فلم أشهد علىّ شاهدا، لقد قررت السطو على اللوحة، بزعم أنى أولى بها من حائط الممر، رحت أزين الأمر لنفسى مقدما تبريرا يسوغ تلك السرقة، سريعا أقنعت ضميرى بأن اللوحة هى واحدة من عشرات تزين الممر وأن اختفاءها لن يلفت نظر أحد، ثم أنا أحق بها من صحفيى الدار الذين يمرون بالممر بسرعة سهم طائش. من خلف ظهرى جاءنى صوت ضاحك يقول صاحبه: «إن كنت تريدها فخذها ولن أفتن عليك» أصابنى الصوت بارتباك اللصوص الهواة فسارعت بالابتعاد عن اللوحة وأنا أبالغ فى نفى «نيتى». تركنى صاحب الصوت الضاحك الذى عرفت أنه الأستاذ عادل حمودة ، ودلف إلى غرفة مكتبه.
غادرت مبنى المجلة وأنا حزين على ضياع فرصة الاحتفاظ بلوحة أصلية أبدعتها ريشة فنان الشعب حجازى الذى لعب فى فن الكاريكاتير نفس الدور الذى لعبه سيد درويش فى فن الموسيقى، إن الرجلين درويش وحجازى هما من اللذين يضيقون بسجن أجسادهم لأرواحهم التى ترغب دائما فى انطلاق أبدى لا يحده حد.
كان حجازى خارج السياق العام، إنه يرسم كما يريد هو حتى وإن أغضبت رسوماته «جمال عبد الناصر» كان يبحث عن تحرر كامل من كل القيود اللهم إلا قيود الانتماء لشعبه وقضايا وطنه.
يوم السبت الماضى عرفنا بأن فنان الشعب حجازى قد نجح أخيرا فى تحرير روحه من سجن جسده لتسافر الروح إلى ملكوت خالقها وتعود بريئة وطاهرة كما خلقها الله.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الثلاثاء، 18 أكتوبر، 2011

أقسم بالله ليست «هوهوة»



شهدت السنوات العشر الأخيرة من حكم «المخلوع» اتساعاً غير مسبوق فى أساليب وطرق معارضته ونقض أسس حكمه، فمن برامج «التوك شو» إلى الوقفات الاحتجاجية، راحت أركان الحكم الغاشم البليد تتهاوى تحت وطأة معارضة فضاحة، لكن المخلوع كالعهد به أخطأ

فى قراءة خطورة فعل «التراكم» الذى يؤسس لوعى جديد، وقد بلغ خطأه منتهاه عندما أخبره زبانيته بأن قوى المعارضة السياسية تدعو لإنشاء برلمان مواز لبرلمان «سرور» المزور والمزيف، فما كان من المخلوع إلا أن ضحك بملء فيه قائلا «خليهم يتسلوا»، وقد امتد خيط الخطأ ليلتف حول رقاب كل أفراد العصابة التى كانت تتحكم فى كل شئون الوطن، حتى إن بعضهم لم يكن يتورع عن وصف المعارضين بالكلاب العاوية، وقد رأينا رسما فى جريدة أخبار اليوم يحمل المعنى نفسه. خطأ قراءة المشهد مازال قائما ومتحكما فى فكر الحكام الجدد، فهم يظنون أن كل معارضة هى كلام والسلام وأن الريح ستحمله إلى طبقات الجو العليا، حيث يغيب فى السحاب، الحكام الجدد ينظرون إلى غضب المصريين من مجزرة «ماسبيرو» بوصفه رد فعل عادى سيمر كما مر غضب مثله، الحكام الجدد الذين شبوا وشابوا فى عهد المخلوع لم يدركوا بعد أن لكل كلمة ثمناً، وأن «الثورة» التى هى «ثورة» ما هى إلا كلمة تتنزل فى قلوب الشعب مثل آيات مقدسة ثم تحشدهم وتقودهم إلى الشوارع، فى أيام «الموجة الأولى» من ثورة يناير، أدرك كل المشاركين فيها أن كلامهم بل وأغانيهم وهتافاتهم ومظاهراتهم لم تذهب سدى، وأيقن الجميع أن الكلمة الشريفة تمكث فى الأرض لتتجذر ومن ثم تشمخ حاملة ثمار غضبها الذى لا يهدأ إلا بعد أن يحقق كامل أهدافه. يا حكامنا الجدد خذوا حذركم، الكلمات الآن فى نقض سياستكم أصبحت مكشوفة لا يستر صدقها شىء من «المجاملة» تلك الكلمات هى رد على تجاوزكم فى حق المصريين الذين صنعوا بصدورهم العارية ثورة تلهم الآن شعوب الأرض، ثم جاء الشعب بكم لكى تديروا شئونه لفترة مؤقتة، فإذ بكم تسيرون على نهج المخلوع وتضعون أصابعكم فى آذانكم ولا تسمعون سوى صوت أنفسكم، وأصوات جماعات أدمنت نفاق كل حاكم. يا أيها الحكام الجدد فعل «العضب» يتكون الآن فى رحم الشعب انقذوا البلاد وانقذوا أنفسكم من شر جنين لا نريد له أن يولد لكى لا ندفع جميعا ثمنا فادحا سيجعلنا جميعا نبكى دما.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ