الجمعة، 29 يناير، 2010

ابحث عن القاتل




تقول الحكاية الصعيدية القديمة: إن الشيخ (فلان) كان طالبا بمعهد أسيوط الثانوى زميلا للشيخ «أحمد حسن الباقورى» ومتفوقا عليه فى حفظ «ألفية ابن مالك» ثم جرت فى النهر مياه عكرة ألقت بالشيخ حارسا لحظيرة بهائم الباشا. تزوج الشيخ وأنجب ولدا يشبهه فى كل شىء. 


كبر الولد والتحق بالمعهد نفسه الذى غادره الأب قبل سنين. حفظ الولد المتون والشروح، عندما كان على بعد خطوة من الالتحاق بكلية أصول الدين، ذهب يوما إلى عزبة الباشا، رأى والده يصنع من كفيه حاملا لحذاء الباشا الذى كان يهم بامتطاء حصانة. 

التقت نظرات الأب بنظرات الابن. ارتعشت يدا الأب فهوى الباشا ساقطا فى الوحل. قام الباشا ووجه ركلات قاسية لمؤخرة الأب. مثل قذيفة توجه الابن ناحية الباشا وطوق عنقه بيدين من فولاذ. سقط الباشا ميتا. ترك الابن دراسته وفر إلى الجبل. مر عام، مر عامان، مرت أعوام حاملة صيت الولد الذى يصاحب الوحوش ولا يترك مغارته إلا بصحبة نفر من أصحابه يكفى الواحد منه لنشر الرعب فى إقليم بأكمله. 

أخيرا تنبه أصحاب النفوذ إلى مواهب شيخ المطاريد. عقدوا معه اتفاقا بلا شهود: «كن معا وحقق لنا ما نريد نحم ظهرك». كان معهم وحقق لهم ما يريدون فحموا ظهره، حتى إنه لم يعد يحتاج لحراسة، أصبح حارسا لحراسه ساهرا على تخليصهم من أعدائهم ومن منافسيهم على مقاعد السلطة، أية سلطة، بداية من كرسى العمودية ونهاية بكرسى البرلمان. مضى عهد وجاء آخر وبقى شيخ المطاريد راسخا مثل جبل. 

تحيرت عقول فى هذا الشيخ الذى لا يموت أبدا ولا ينفد شره. راجتْ أساطير عنه حتى آمن الناس بأن الشيخ ليس سوى لعنة تطاردهم لأنهم جبنوا عن مواجهته يوم كانوا يستطيعون المواجهة. كم عدد قتلى الشيخ؟ لا يعرف أحد العدد على وجه الحصر، لكن المعلوم من أمره أنه يقتل المسلمين ضحى الجمعة ويقتل المسيحيين ضحى الأحد. أبدا لم يغير الميعادين. 

عندما أصبح للأسطورة أقرب منه للحقيقة أهمل الناس أمره بعد أن ألفوا شره وراحوا يبحثون عن القاتل الحقيقى بعدما تأكدوا أن الشيخ ليس أكثر من بندقية للإيجار مصوبة على رءوس الناس فى الإسكندرية أو نجع حمادى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 22 يناير، 2010

العيب



جاء فى لسان العرب أن : العَابُ والعَيْبُ والعَيْبَةُ هو «الوصمة» وقد عرفتْ «الوصمة» طريقها إلى أماكن كنا نظنها بعيدة البعد كله عن «التلوث الأخلاقى» الذى يحاصرنا من كل ناحية. عرفنا فى السنوات الماضية سطوة ــ حفظ الله مقامكم ــ الجزمة بعد أن ضُرب بها أحد قضاتنا فى عرض الشارع ولا مغيث، ثم رأيناها تحلق فى سماء مقصورة استاد القاهرة فى مباراة يشهدها أكابر الدولة، هذه «الجزمة» نفسها اقتحمت فى مشهد غير مسبوق قاعات البرلمان، 


وأيامها كان المواطنون يبحثون بين النواب عن صاحب أقوى ضربة حذاء وليس عن صاحب أقوى استجواب، عدم عقاب الذين وصمونا بأحذيتهم جعل، «سب الدين» هذا الجرم الذى لا يقترفه إلا أرباب السوابق يصبح لغة خطاب عادية جدا بين أرجاء البرلمان الذى هو رقيب على السلطات جميعها. 

تبادل بعض النواب الشتائم وتطور الأمر فى حمى الغضب إلى «سب الدين» كنا واهمين عندما ظننا أن الأمر لن يمر وأن النائب الذى اقترف هذه الجريمة سيعاقب عقابا يجعله عبرة لمن يعتبر، مر أسبوع ولم يحدث شىء وكاد الأسبوع الثانى يمر فى صمت لولا أن الأخبار القادمة من البرلمان تحدثت عن «صلح» بين النواب المتهمين بارتكاب كارثة «سب الدين» صلح وليس الحبس ستة أشهر كما ينص قانون العقوبات، صلح وليس رفع حصانة، لم توجه لواحد منهم تلك التهمة التى يشيب لهولها الولدان «ازدراء الأديان». 

لو فعلها سائق ميكروباص فى زحام موقف التحرير لعلقت له المشانق أما أن يفعلها السادة النواب فقليل من الماء يطهرها، بعد ما حدث كيف سنقول لأولادنا أن سب الدين حرام وفعل ينفى عن مقترفه كل «شبهات» الثقافة والتهذيب؟ 
زمان كانوا يقولون لنا إن أفلام الجنس والمخدرات مسئولة مسئولية كاملة عن تدهور أخلاقيات المصريين، الآن اكتشفنا أن بعض النواب يجب أن يسبق ظهورهم فى قاعات المجلس تحذير من عينة «للكبار فقط» أو «مشاهدة جلسات البرلمان ضارة بالصحة». 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 15 يناير، 2010

غلاوة العيال



لا أشعر بأى حرج وأنا أعترف بحبى للواء الدكتور نبيل لوقا بباوى، نعم هو حب من طرف واحد لأن اللواء الدكتور لا يعرفنى ولكنه على وجه العموم يعد من أنواع الحب المثمر. بعد أن أرهقنى الهوى تساءلت: لماذا أحب اللواء الدكتور كل هذا الحب؟ ورغم أن (الهوى لا يُفسر) فإننى عثرت على سبب مشاعرى الجياشة تجاه سيادة اللواء، 


الرجل ببساطة (مدهش، مفاجئ) وأنا على منهج صلاح جاهين أحب المفاجآت ولو كانت (حادثة بالعربية أو رحلة إلى الإسكندرية أو جلابية بارتى). ومن علامات كونه مدهشا قيامه أيام ما سُمى بالانتخابات الرئيسية بتعليق لافتة غطت سماء ميدان التحرير كتب فيها (سبعون مليون مصرى يبايعون الرئيس). 

الذين أجبرهم اللواء على المبايعة فى «الانتخابات» أكثر بكثير جدا من عدد الذين لهم حق التصويت (ألم أقل إنه مدهش؟) ثم حدث أن تحرش بعض الحثالة بسيدات مصريات بعضهن صحفيات وقد وصل التحرش إلى حد قيام المجرمين بتمزيق ملابس السيدات أمام نقابة الصحفيين، 

يومها ظهر سيادة اللواء فى إحدى الفضائيات وكان مدهشا مفاجئا كعادته فبعد استنكاره بصوت يقطر حنانا وأبوة لحوادث التحرش أقسم بالطلاق والعتاق إن التحرش لم يحدث. ليلتها سألته إحدى الصحفيات وكانت من اللواتى تعرضن للاعتداء: «هل مزقت أنا ملابسى بيدى يا دكتور»؟ أجابها بغمغمة تعنى «لا ونعم» فى نفس الوقت. 

(كم أنت رائع يا سيادة اللواء؟). روعة سيادة اللواء أجبرتنى على التمترس أمام شاشة الجزيرة لأشاهد واحدة من مفاجآت العزيز بباوى، كان اللقاء يضمه والدكتور عبدالحليم قنديل، بدأت المباراة واللواء ليس كعادته إذ لم يقصفنى بإحدى مفاجأته، وراح يخاطب قنديل بلقب «الأخ العزيز» ظلت المباراة باردة حتى ذكر قنديل «الجدار» الذى تشيده الحكومة على الحدود مع فلسطين، وعندما طلب المذيع تعقيبا من اللواء، 

عاد سيادته لسابق عهده وقال وقد تملكته «الغيرة الوطنية «أعدم عيالى ما فيه جدار، أعدم عيالى دى دعاية إسرائيلية علشان تقوم علينا الدنيا، يا جماعة دى إنشاءات هندسية، لكن الناس اللى ما بتعرقش حاجة بيقولوا عليها جدار فولاذى»! 

حرصا على سلامة أولاد سيادته، أتمنى عليه أن يستبدل هذا القسم المخيف بقسم جديد كأن يقول مثلا: «وغلاوة العيال» أو «والعيش والملح». 

عموما، أنا أصدقه فليس هناك جدار ولا غزة بل ولا فلسطين والموضوع كله مجرد إنشاءات هوائية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الجمعة، 1 يناير، 2010

بمبى مسخسخ



اللواء محمود ياسين نائب محافظ القاهرة للمنطقة الغربية، والذى تتهمه النيابة العامة بالمسئولية عن كارثة الدويقة ووجهت إليه تهمة القتل الخطأ، صرح مؤخرا لـ«الشروق» بتصريح عجيب، 


قال سيادة اللواء: «تدرس محافظة القاهرة إقامة مشروع لإنشاء تاكسى للسيدات» وأضاف: «الشركة المسئولة عن تاكسى العاصمة عرضت الفكرة وتتم دراستها فى الوقت الحالى، وسيتم وضع شرط تولى سيدة قيادة السيارة، مع تخصيص لون محدد لها بحيث يعرف المارة أن السيارة خاصة بالسيدات ولا يسمح للرجال بالصعود إليها».

وعن القانون الذى يُجرم عدم توقف السائق للركاب، قال ياسين: «سيتم تجاوز هذه المادة، لأنه لن يسمح بركوب هذا التاكسى سوى للنساء فقط» انتهى تصريح سيادة اللواء الذى يكشف عن «عوار» واضح فى اتخاذ القرارات وعن رغبة أكيدة فى معالجة مشاكلنا الحقيقية بمزيد من «الطلسقة» وكأن رتق ثقوب الغربال سيجعله نافعا. 

الأمر وما فيه أن هذه القاهرة لم تعد تصلح رقا ولا طارا، لأنها متخمة بمشاكل الازدحام والتلوث وأخلاقيات الفوضى، فبدلا من معالجة أصل الداء الساكن فى العصب نجد أنفسنا أمام معالجة «طفح جلدى» هو فى النهاية لا يعد شيئا قياسا على الأمراض المتوطنة التى تعانيها عاصمة البلاد.

الشواهد على فشل هذا المشروع قبل أن يبدأ أكثر من أن تحصى، هل حل وجود عربات خاصة بالنساء فى مترو الأنفاق قضية الزحمة أو قضية التحرش؟ التى نتجاهلها كأنها ليست موجودة وتنذر بكارثة اجتماعية وأخلاقية.

أين ستسير التاكسيات «الحريمى»؟ على الأرض المكتظة بآلاف السيارات أم تراها ستسبح فى الفضاء؟ ماذا لو أشارت راكبة بصحبة زوجها للتاكسى الحريمى؟ هل ستتوقف السائقة أم أن الرجل البعبع سيجعلها تواصل طريقها؟ ثم مَنْ أدرى السائقة أن الرجل هو زوج الراكبة؟ هل ستطالبه السائقة بوثيقة الزواج أم تكتفى بأن يقسم على المصحف أنه زوج للراكبة.

يا أيها المسئولون التعاطى مع مشاكلنا بمثل هذه المقترحات الكوميدية أمر محزن ولا يبشر بخير.

أخشى أن تنظم الحكومة مسابقة لاختيار لون التاكسى، وينتهى أمر المسابقة بالإعلان عن أن لون التاكسى سيكون هو «البمبى المسخسخ».
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ